الشيخ محمّد بن عمر نووي الجاوي
المحقق: محمّد أمين الضنّاوي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٧٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، الذي أنزل كتابه المبين على رسوله محمد الأمين صلىاللهعليهوسلم ، فشرح به الصدور وأمّن به القلوب من الخوف إلا من غضبه عزوجل ، ونوّر به بصائر الصالحين والعارفين وجعله هداية للعالمين.
أما بعد
فالعلم نور والجهل ضلالة ، وخير العلوم علم الدين والتفسير ، فهو يبيّن ما اشتملت عليه الأحكام الإلهية من الأسرار والبدائع ، لذا علينا إخواني أن نأتمر بما أمرنا الله به من تعلّم قراءة وتفسير وفهم كتاب الله المنزّل إلينا وتعليمه وتفهيمه ، وهو القائل سبحانه وتعالى : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (١٧) [الحديد : ١٦ ، ١٧] ، ففي هذه الآيات الكريمة تنبيه من الله عزوجل على أنه كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يليّن القلوب ويذهب قسوتها ويبعدها عن المعاصي والذنوب بالإيمان الحقّ ، والله خير المرتجى أن يفعل بنا ما يريد إنه عزيز كريم.
فقد عملت على ضبط نص هذا الكتاب «مراح لبيد» ، المؤلّف من جزءين ، الذي أتمنّى أن أكون بعملي هذا قد وفّقت إلى ما أصبو إليه من إيضاح وضبط وتعميم للفائدة المرتجاة. راجيا من المولى عزوجل العفو والمغفرة عمّا به قد أكون قصّرت ، ومنك عزيزي القارئ التّفهّم الكامل وجبر العثرات ، إذ إن الكمال لله وحده ، والعصمة للأنبياء.
محمد أمين الضنّاوي
ترجمة المؤلّف (١)
هو محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما ، التناري بلدا ، مفسّر ، متصوّف ، من فقهاء الشافعية. هاجر إلى مكّة المكرّمة وتوفي بها سنة ١٣١٦ ه ، عرّفه «تيمور» بـ «عالم الحجاز» ، له مصنّفات كثيرة منها :
ـ «مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد» مجلدان ، وهو تفسيره.
ـ «مراقي العبودية» ، شرح لبداية الهداية للغزالي ، فرغ من تأليفه سنة ١٢٨٩ ه.
ـ «وقائع الطغيان على منظومة شعب الإيمان».
ـ «قطر الغيث في شرح مسائل أبي الليث».
ـ «عقود اللّجين في بيان حقوق الزوجين».
ـ «نهاية الزين بشرح قرّة العين» ، فقه.
ـ «شرح فتح الرحمن» ، تجويد.
ـ «نور الظلام» في شرح قصيدة «عقيدة العوام» لأحمد المرزوقي.
ـ «مرقاة صعود التصديق» ، تصوّف ، في شرح «سلّم التوفيق» لابن طاهر المتوفى سنة ١٢٧٢ ه.
ـ «كاشفة السجا ، في شرح سفينة النجا» ، في أصول الدين والفقه.
__________________
(١) الأعلام ، خير الدين الزركلي / ج ٦ ص ٣١٨.
خطبة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته ، وذلّ كل شيء لعزّته ، واستسلم كل شيء لقدرته ، وخضع كل شيء لملكه ، فسبحان الله شارع الأحكام ، المميز بين الحلال والحرام ، أحمده على ما فتح من غوامض العلوم بإخراج الأفهام ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال بيانه كل إبهام ، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب والأحلام صلاة وسلاما دائمين ما دامت الأيام.
أما بعد ، فيقول أحقر الورى محمد نووي : قد أمرني بعض الأعزة عندي أن أكتب تفسيرا للقرآن المجيد فترددت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في قوله صلىاللهعليهوسلم : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». (١) وفي قوله صلىاللهعليهوسلم : «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (٢). فأجبتهم إلى ذلك للاقتداء بالسلف في تدوين العلم إبقاء على الخلق وليس على فعلي مزيد ولكن لكل زمان تجديد ، وليكون ذلك عونا لي وللقاصرين مثلي وأخذته من الفتوحات الإلهية ومن مفاتيح الغيب ومن السراج المنير ، ومن تنوير المقباس ، ومن تفسير أبي السعود.
وسميته مع الموافقة لتاريخه «مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد» ، وعلى الكريم الفتّاح اعتمادي ، وإليه تفويضي واستنادي. والآن أشرع بحسن توفيقه وهو المعين لكل من لجأ به.
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب العلم ، باب : الكلام في كتاب الله بغير علم ، والترمذي في كتاب التفسير ، باب : ١. وعند أبي داود بلفظ «كتاب الله عزوجل» بدل «القرآن».
(٢) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، ترجمة ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٣٣).
سورة الفاتحة
مكية ، سبع آيات ، تسع وعشرون كلمة ، مائة وثلاثة وأربعون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
والسابعة : (صِراطَ الَّذِينَ) إلى آخرها إن كانت البسملة منها وإن لم تكن منها فالسابعة : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) إلى آخرها ، وهي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم
أحدها : علم الأصول وقد جمعت الإلهيات في : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) والنبوات في : (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) والدار الآخرة في (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)
وثانيها : علم الفروع وأعظمه العبادات ، وهي مالية وبدنية وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ، ولا بدّ لها من الأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي.
وثالثها : علم تحصيل الكمالات وهو علم الأخلاق ومنه الاستقامة في الطريقة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وقد جمعت الشريعة كلها في (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ).
ورابعها : علم القصص والأخبار عن الأمم الخالية وقد جمعت السعداء من الأنبياء وغيرهم في : (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) والأشقياء من الكفار في : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ).
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (١) الباء : بهاء الله والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه ، والميم : ملكه وهو على كل شيء قدير. والباء : ابتداء اسمه بارئ بصير. والسين : ابتداء اسمه سميع. والميم : ابتداء اسمه مجيد مليك. والألف : ابتداء اسمه الله. واللام : ابتداء اسمه لطيف. والهاء : ابتداء اسمه هادي. والراء : ابتداء اسمه رزاق. والحاء : ابتداء اسمه حليم. والنون : ابتداء اسمه نافع ونور. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) والشكر لله بنعمه السوابغ على عباده الذين هداهم للإيمان. (رَبِّ الْعالَمِينَ) (٢) أي خالق الخلق ورازقهم ومحوّلهم من حال إلى حال. (الرَّحْمنِ) أي العاطف على البار والفاجر بالرزق ودفع الآفات عنهم. (الرَّحِيمِ) (٣) أي الذي يستر عليهم الذنوب في الدنيا ويرحمهم في الآخرة فيدخلهم الجنة. (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (٤) بإثبات الألف عند عاصم والكسائي ويعقوب أي متصرف في الأمر كله يوم القيامة
كما قال تعالى : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار : ١٩] وعند الباقين بحذف الألف والمعنى أي المتصرف في أمر القيامة بالأمر والنهي. (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي لا نعبد أحدا سواك. (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (٥) أي بك نستعين على عبادتك فلا حول عن المعصية إلا بعصمتك ولا قوة على الطاعة إلا بتوفيقك. (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٦) أي زدنا هداية إلى دين الإسلام ، أو المعنى أدمنا مهديين إليه. (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أي دين الذين مننت عليهم بالدين من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) أي غير دين اليهود الذي غضبت (عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (٧) أي غير دين النصارى الذين ضلوا عن الإسلام ويقال : المغضوب عليهم هم الكفار ، والضالون هم المنافقون لأن الله تعالى ذكر المؤمنين في أول البقرة في أربع آيات ثم ثنّى بذكر الكفار في آيتين ، ثم ثلّث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية. ويسنّ للقارئ بعد فراغه من الفاتحة أن يقول : آمين وهو اسم بمعنى فعل أمر ، وهو استجب.
سورة البقرة
مدنية ، مائتان وست وثمانون آية ، ستة آلاف ومائة وأربع وأربعون كلمة ،
ستة وعشرون ألفا ومائتان وواحد وخمسون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الم) (١) قال الشعبي وجماعة : الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ، وهي سر القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونفوّض العلم فيها إلى الله تعالى ، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ، والله تعالى اختص بعلم لا تقدر عليه عقول الأنبياء ، والأنبياء اختصوا بعلم لا تقدر عليه عقول العلماء ، والعلماء اختصوا بعلم لا تقدر عليه عقول العامة. وقال أبو بكر رضياللهعنه : في كل كتاب سر ، وسر الله في القرآن أوائل السور. (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) أي هذا الكتاب الذي يقرؤه عليكم رسولي محمد لا شك في أنه من عندي ، فإن آمنتم به هديتكم ، وإن لم تؤمنوا به عذبتكم. (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (٢) أي رحمة لأمة محمد صلىاللهعليهوسلم. (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أي يصدقون بما غاب عنهم من الجنة والنار ، والصراط والميزان ، والبعث والحساب وغير ذلك.
وقيل : المراد بالغيب القلب. والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي يتمون الصلوات الخمس بالشروط والأركان والهيئات. (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٣) أي مما أعطيناهم من الأموال يتصدقون لطاعة الله تعالى وهو أبو بكر الصديق وأصحابه. (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) على سائر الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من سائر الكتب السابقة على القرآن (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (٤) أي وهم يصدقون بما في الآخرة من البعث بعد الموت والحساب ونعيم الجنة وهو عبد الله بن سلام وأصحابه. (أُولئِكَ) أي أهل هذه الصفة (عَلى هُدىً) أي كرامة نزل (مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥) أي الناجون من السخط والعذاب وهم أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٦) أي الذين كفروا في علم الله متساو لديهم إنذارك إياهم بالقرآن وعدمه وهم لا يريدون أن يؤمنوا بما جئت به فلا تطمع يا أشرف الخلق في إيمانهم ، ثم ذكر الله سبب تركهم الإيمان بقوله تعالى : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ) أي طبع الله على قلوبهم فلا يدخلها إيمان وعلى سمعهم فلا ينتفعون بما يسمعونه
من الحق ووحّد السمع لوحدة المسموع وهو الصوت. (وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) مبتدأ وخبر أي على أعينهم غطاء من عند الله تعالى فلا ينصرون الحق. (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٧) أي شديد في الآخرة وهم رؤساء اليهود الذين وصفهم الله بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، وهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب ، ويقال : هم مشركو أهل مكة عتبة وشيبة والوليد بن المغيرة وأبو جهل. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا) في السر (بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي بالبعث بعد الموت الذي فيه جزاء الأعمال. (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (٨) في السر (يُخادِعُونَ اللهَ) أي يكذبونه في السر (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أبا بكر وسائر أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم. (وَما يَخْدَعُونَ) أي يكذبون (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) وهذه الجملة حال من ضمير يخادعون أي يفعلون ذلك ، والحال أنهم ما يضرون بذلك إلا أنفسهم فإن دائرة فعلهم مقصورة عليهم.
وقرأ عاصم وابن عامر ، وحمزة والكسائي «وما يخدعون» بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال ، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الخاء مع المد وكسر الدال ، ولا خلاف في قوله : «يخادعون الله» فالجميع قرءوا بضم الياء وفتح الخاء وبالألف بعدها وكسر الدال ، وأما الرسم فبغير ألف في الموضعين (وَما يَشْعُرُونَ) (٩) أن الله يطلع نبيه على كذبهم. (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي شك وظلمة (فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) مرضا أي شكا وظلمة بما أنزله من القرآن لأنه كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا شكا وخلافا. (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي وجيع في الآخرة يخلص وجعه إلى قلوبهم (بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (١٠).
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد ، أي بتكذيبهم النبي صلىاللهعليهوسلم ، وقرأ الباقون بتخفيف الذال أي بكذبهم في قولهم : آمنا في السر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب ابن قشير. (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) أي لهؤلاء المنافقين : (لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بتعويق الناس عن دين محمد صلىاللهعليهوسلم (قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (١١) وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد (أَلا) أي بلى (إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) لها بالتعويق (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (١٢) أن الله تعالى يطلع نبيه على فسادهم. (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا) بمحمد صلىاللهعليهوسلم والقرآن أي إن المؤمنين نصحوا المنافقون من وجهين :
أحدهما : النهي عن الإفساد وهو التخلي عن الرذائل.
وثانيهما : الأمر بالإيمان وهو التحلي بالفضائل (كَما آمَنَ النَّاسُ) أي الكاملون في الإنسانية ، العاملون بقضية العقل كأصحاب النبي أو كعبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. والمعنى آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص متمحضا عن شوائب النفاق مماثلا لإيمانهم (قالُوا) فيما بينهم لا بحضرة المسلمين (أَنُؤْمِنُ) بمحمد صلىاللهعليهوسلم (كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) أي الجهال
وإنما سفّهوا المؤمنين لتحقير شأنهم ، لأن أكثرهم فقراء وبعضهم موال كصهيب وبلال أو لعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأصحابه قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد (أَلا) أي بلى (إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) أي الجهال الخرقى (وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) (١٣) أنهم سفهاء (وَإِذا لَقُوا) أي المنافقون (الَّذِينَ آمَنُوا) أبا بكر وأصحابه (قالُوا آمَنَّا) في السر كإيمانكم (وَإِذا خَلَوْا) أي عادوا (إِلى شَياطِينِهِمْ) أي أكابرهم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض وهم خمسة نفر : كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة ، وأبو بردة في بني أسلم ، وعبد الدار في جهينة ، وعوف بن عامر في بني أسد ، وعبد الله بن الأسود بالشام. (قالُوا) لهم لئلا يتوهموا فيهم المباينة (إِنَّا مَعَكُمْ) أي على دينكم في السر (إِنَّما نَحْنُ) في إظهار الإيمان عند المؤمنين (مُسْتَهْزِؤُنَ) (١٤) بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي الله يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا خرجوا من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم فإذا وصلوا إلى باب الجنة سدّ عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) [المطففين : ٢٩] (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ) أي يزيدهم في ضلالتهم (يَعْمَهُونَ) (١٥) أي يترددون في الكفر وتركه متحيّرين (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) أي أولئك الموصوفون بالصفات السابقة من قوله : ومن النّاس اختاروا الكفر على الإيمان (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) أي فلم يربحوا في تجارتهم بل خسروا (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) (١٦) إلى طرق التجارة ، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوهما. فرأس مالهم العقل الصرف ، وربحه الهدى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) أي صفة المنافقين في حال نفاقهم كصفة الذي أوقد نارا في ظلمة لكي يأمن بها على نفسه وأهله وماله ، (فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ) أي فلما أضاءت النار المكان الذي حول المستوقد فأبصر وأمن مما يخافه (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) أي أطفأ الله النور المقصود بالإيقاد فبقي المستوقدون في ظلمة وخوف ، (وَتَرَكَهُمْ) أي المستوقدين (فِي ظُلُماتٍ) ظلمة الليل ، وظلمة تراكم الغمام فيه ، وظلمة انطفاء النار (لا يُبْصِرُونَ) (١٧) ما حولهم ، فكذلك هؤلاء المنافقون أمنوا على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بسبب إظهار كلمة الإيمان ، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب وهم في القبر وما بعده (صُمٌ) عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول (بُكْمٌ) عن الخير فلا يقولونه قولا مطابقا للواقع لما سبق أنهم مؤمنون ظاهرا (عُمْيٌ) عن طريق الهدى فلا يرونه رؤية نافعة (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (١٨) عن كفرهم وضلالتهم (أَوْ كَصَيِّبٍ) أو صفة المنافقين كصفة أصحاب مطر نازل (مِنَ السَّماءِ) أي السحاب ليلا وهم
في مفازة (فِيهِ) أي الصيب (ظُلُماتٌ) ظلمة تكاثفه بتتابع القطر ، وظلمة إظلال الغمامة مع ظلمة الليل. (وَرَعْدٌ) وهو صوت يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب إذا أخذتها الريح فتصوت عند ذلك من الارتعاد (وَبَرْقٌ) وهو ما يلمع من السحاب. (يَجْعَلُونَ) أي أصحاب الصيب (أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ) أي من أجل الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها قطعة نار (حَذَرَ الْمَوْتِ) من سماعها فكذلك هؤلاء المنافقون إذا نزل القرآن المشبّه بالمطر في أن كلا سبب الحياة ، وفيه ذكر الكفر المشبّه بالظلمات وعدم الاهتداء ، وذكر الوعيد على الكفر المشبه بالرعد في إزعاجه وإرهابه ، وذكر الحجج البيّنة المشبّهة بالبرق في ظهوره. يسدون آذانهم من سماع القرآن حذر الميل إلى الإيمان الذي هو بمنزلة الموت عندهم ، فإن ترك الدين موت (وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) (١٩) علما وقدرة فلا يفوتونه تعالى لأن المحاط لا يفوت المحيط (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ) أي البرق (لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) أي في ضوء البرق (وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) أي بقوا في الظلمة ، وهذا تمثيل لإزعاج ما في القرآن قلوبهم باختطاف البرق بأبصارهم ولتصديقهم لما يحبونه من تحصيل الغنيمة وعصمة الدماء والأموال بمشيهم في البرق ، ولوقوفهم لما يكرهون من التكاليف الشاقة عليهم كالصلاة والصوم بوقوفهم في الظلمة. (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أن يذهب بسمعهم وأبصارهم (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) بقصيف الرعد (وَأَبْصارِهِمْ) بوميض البرق ، كذلك لو شاء الله لذهب بسمع المنافقين بزجر ما في القرآن ووعيد ما فيه وأبصارهم بالبيان (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي ممكن من ذهاب السمع والبصر (قَدِيرٌ) (٢٠).
قال الفخر الرازي : وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا فيه بطرح نوره ويقويه قراءة ابن أبي عبلة كلما ضاء. (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي يا أهل مكة أو يا أيها اليهود (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أي وحّدوه بالعبادة. (الَّذِي خَلَقَكُمْ) نسما من النطفة (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي أنشأهم ولم يكونوا شيئا (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٢١) أي لكي تتقوا السخط والعذاب بعبادته ، ولعل للأطماع ، لكن الكريم الرحيم إذا أطمع أجرى أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل : لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) أي بساطا (وَالسَّماءَ بِناءً) أي سقفا مرفوعا وعبّر عنه بالبناء لأحكامه (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) وعن خالد بن معدان قال : المطر ماء يخرج من تحت العرش ، فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا ، فيجتمع في موضع ، فتجيء السحاب السود فتدخله ، فتشربه ، فيسوقها الله حيث شاء. (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) أي أنبت الله بالمطر من ألوان الثمرات طعاما لكم ولسائر الخلق (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً) أي شركاء في العبادة (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٢) أن الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله أو يقال : وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا) محمد من القرآن في أنه من
عند نفسه (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) أي مما هو على صفة ما نزلنا في الفصاحة وحسن النظم والإخبار بالغيوب. (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أي ادعوا أكابركم من غيره تعالى ممن يوافقكم في إنكار أمر محمد ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر ، وقد كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أحدهما أعلى درجة من الآخر (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٢٣) في مقالتكم أن محمدا يقول من تلقاء نفسه (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي لم تأتوا بسورة من مثل المنزل (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي لن تقدروا أن تجيئوا بمثله (فَاتَّقُوا النَّارَ) والمعنى إذا ظهر عجزكم عن المعارضة صحّ عندكم صدق محمد عليهالسلام ، وإذا صح ذلك فاتركوا العناد ، وإذا لزمتم العناد استوجبتم العقاب بالنار (الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ) أي حطبها الكفار (وَالْحِجارَةُ) المعبودة لهم. قال تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم. (أُعِدَّتْ) أي هيئت تلك النار (لِلْكافِرِينَ) (٢٤) بما نزّلناه وجعلت عدة لعذابهم (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي الطاعات (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) أي بساتين ذات شجر ومساكن والمأمور بالبشارة إما رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وإما كل أحد يقدر على البشارة ، وهذا أحسن كما قال صلىاللهعليهوسلم : «بشّر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» (١) ولم يأمر صلىاللهعليهوسلم بذلك واحدا بعينه.
وقرأ زيد بن علي «وبشّر» بلفظ المبني للمفعول عطفا على «أعدت». (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أي من تحت شجرها ومساكنها (الْأَنْهارُ) أي أنهار الخمر واللبن والعسل والماء وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً) أي كل حين رزقوا مرزوقا من الجنات من نوع ثمرة (قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) أي هذا مثل الذي أطعمنا في الجنة من قبل هذا الذي أحضر إلينا قال تعالى تصديقا في تلك الدعوى : (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) أي أتتهم الملائكة والولدان برزق الجنة متشابها بعضه بعضا في اللون مختلفا في الطعم (وَلَهُمْ فِيها) أي الجنات (أَزْواجٌ) من الحور والآدميات (مُطَهَّرَةٌ) من الحيض وجميع الأقذار ، ومن دنس الطبع وسوء الخلق (وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٥) أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما) أي إن الله لا يترك أن يبين للخلق مثلا أيّ مثل كان (بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) في الذات كالذباب والعنكبوت أو في الغرض المقصود من التمثيل كجناح البعوضة ، وكيف يستحي الله من ذكر شيء لو اجتمع الخلائق كلهم على تخليقه وما قدروا عليه. والمراد بالبعوضة هنا : «الناموس» وهو من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصغر ، وله ستة أرجل وأربعة أجنحة ، وذنب وخرطوم مجوف ، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس ، والجمل فيبلغ منه الغاية ، حتى إن الجمل يموت من قرصته. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ) أي
__________________
(١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ : ٣٠) ، والطبراني في المعجم الكبير (١٢ : ٣٥٨).
ضرب المثل (الْحَقُ) أي الثابت (مِنْ رَبِّهِمْ) فلا يسوغ إنكاره لأنه ليس عبثا بل هو مشتمل على الأسرار والفوائد (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) من اليهود (فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) تمييز نسبة من اسم الإشارة. أي أيّ فائدة في هذا المثل قال الله تعالى في جوابهم : (يُضِلُّ بِهِ) أي بهذا المثل عن الدين (كَثِيراً) من اليهود (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) من المؤمنين (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) (٢٦) أي الخارجين عن حد الإيمان. (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ) هو الحجة القائمة على عباده الدالة على وجوب وجوده ووحدانيته وعلى وجوب صدق رسله (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) أي توكيده (وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) فالله أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم والقرآن. (أُولئِكَ) الموصوفون بنقض العهد وما بعده (هُمُ الْخاسِرُونَ) (٢٧) أي المغبونون بذهاب حسناتهم التي عملوها ، وبذهاب نعيم الجنة الذي لو أطاعوا الله لوجوده. (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ) الحال أنكم (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) أجساما لا حياة لها ، نطفا وعلقا ، ومضغا (فَأَحْياكُمْ) بنفخ الأرواح فيكم (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء آجالكم (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) بالنشور (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٨) بعد الحشر فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. والمعنى ثم إليه تنشرون من قبوركم للحساب (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ) أي لأجل انتفاعكم في الدين والدنيا بالاستدلال على موجدكم ، وإصلاح الأبدان (ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى) أي قصد (إِلَى) خلق (السَّماءِ) أي تعلقت إرادته تعلقا حادثا بترجيح وجود السماء على عدمها ، فتعلقت القدرة بإيجادها ، (فَسَوَّاهُنَ) أي فجعل السماء (سَبْعَ سَماواتٍ) والحاصل أن الله تعالى خلق الأرض من غير بسط في يومين ، ثم خلق السموات السبع مبسوطة في يومين ، ثم خلق ما في الأرض مما ينتفع به في يومين. وعن ابن مسعود قال : إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسماه سماء ، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين ، فجعل الأرض على حوت ، والحوت في الماء على صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على الصخرة ، والصخرة على الريح فتحرك الحوت ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال ، فقرت. فالجبال تفتخر على الأرض. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٩) فلا يمكن أن يكون خالقا للأرض وما فيها ، وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالما بها محيطا بجزئياتها وكلياتها. (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) فإذا نصب بإضمار اذكر. وقيل : زائدة. وقيل : بمعنى قد. ويجوز أن ينتصب بقالوا : أتجعل أي قالوا ذلك القول وقت قول الله تعالى : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣].
روى الضحاك عن ابن عباس : إنه تعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا في
الأرض محاربين مع إبليس ، لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر. وهؤلاء خزّان الجنان أنزلهم الله من السماء إلى الأرض لطرد الجن إلى الجزائر والجبال وسكنوا الأرض فخفّف الله عنهم العبادة وكان إبليس يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء ، وتارة في الجنة فدخله العجب وقال في نفسه : ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه. فقال تعالى له ولجنده : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أي بدلا منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة. والمراد به آدم عليهالسلام (قالُوا) استكشافا عمّا خفي عليهم من الحكمة لا اعتراضا على الله تعالى ولا طعنا في بني آدم على طريق الغيبة : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية (وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) بالظلم بمقتضى القوة الغضبية ـ فغفلوا عن مقتضى القوة العقلية التي بها يحصل الكمال والفضل ـ (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ) أي ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين (بِحَمْدِكَ) على ما أنعمت به علينا من فنون النعم ، التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة. فالتسبيح لإظهار صفات الجلال ، والحمد لتذكير صفات الأنعام (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزّة ، وننزهك عما لا يليق بك. وقيل : المعنى نطهّر نفوسنا عن الذنوب لأجلك ، أي فنحن أحق بالاستخلاف (قالَ) تعالى : (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) (٣٠) من مصلحة استخلاف آدم عليهالسلام. (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) أي أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي ذوات الأشياء (عَلَى الْمَلائِكَةِ) بأن صور الله الأشياء في قلوبهم فصارت كأنهم شاهدوها ، أو خلق الله تعالى معاني الأسماء التي علّمها آدم حتى شاهدتها الملائكة (فَقالَ) تعالى لهم توبيخا : (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) المسميات (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣١) في زعمكم أنكم حق بالخلافة ممن استخلفته. (قالُوا) إقرارا بالعجز : (سُبْحانَكَ) أي تبنا إليك من ذلك القول (لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) أي وإنما قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ، لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا : إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقلنا لك : أتجعل فيها من يفسد فيها ، وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) أي الذي لا يخرج عن علمه شيء ، (الْحَكِيمُ) (٣٢) أي المحكم لصنعته (قالَ) تعالى : (يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ) أي أخبر الملائكة (بِأَسْمائِهِمْ) أي المسميات (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) مفصلة وبيّن لهم أحوال كل من المسميات وخواصه وأحكامه المتعلقة بالمعاش والمعاد (قالَ) الله تعالى لهم موبخا : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي أعلم غيب ما يكون فيهما (وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ) أي تظهرون من قولكم : أتجعل فيها إلى آخره (وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (٣٣) أي من استبطانكم أنكم أحقاء بالخلافة.
وروى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود : أن المراد بقوله تعالى : (ما تُبْدُونَ) قولهم : «أ تجعل فيها من يفسد فيها» وبقوله : (وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر ومن أن لا يسجد. وقيل : لما خلق الله تعالى آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا ، فقالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموه. (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) سجود تعظيم لآدم من غير وضع الجهة على الأرض (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى) عن أمر الله (وَاسْتَكْبَرَ) أي تعاظم عن السجود لآدم (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) (٣٤) أي صار من الكافرين بإبائه عن أمر الله. ويقال : إن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا كافرا ، وهذا السجود كان قبل دخول آدم الجنة. وروي أن بني آدم عشر : الجن ، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية. وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا ، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم ، زجل بالتسبيح والتقديس ، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله ، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليهالسلام والملائكة الذي هم جنود جبريل عليهالسلام وكلهم مشتغلون بعبادته تعالى لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى. (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) حواء (الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها) أكلا (رَغَداً) أي واسعا لذيذا (حَيْثُ شِئْتُما) أي في أيّ مكان أردتما منها ، (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ).
روي أن أبا بكر الصديق رضياللهعنه سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الشجرة فقال : «هي الشجرة المباركة السنبلة». وعن مجاهد وقتادة : هي التين. وعن يزيد بن عبد الله : هي الأترج ، وعن ابن عباس : هي شجرة العلم عليها من كل لون وفن. (فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (٣٥) أي فتصيرا من الضارين لأنفسكما. ويقال : من الذين وضعوا أمر الله تعالى في غير موضعه (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ) أي أزلقهما إبليس (عَنْها) أي الجنة.
وقرأ حمزة بألف بعد الزاي ، والباقون بغير ألف وتشديد اللام (فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ) أي من الرغد. (وَقُلْنَا) لآدم وحواء وإبليس : (اهْبِطُوا) انزلوا إلى الأرض ، فهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له : نود ، وهبطت حواء بجدة ، وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة
(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) قال الله تعالى : (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) [الأعراف : ٢٢] ، (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي منزل (وَمَتاعٌ) أي منفعة ومعاش (إِلى حِينٍ) (٣٦) أي إلى وقت الموت (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ) أي حفظ آدم من ربه كلمات لكي تكون سببا له ولأولاده إلى التوبة.
وقرأ ابن كثير بنصب «آدم» ، ورفع «كلمات» أي جاءته عن الله تعالى كلمات. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : «إنها لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا ، وظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم».
وقال مجاهد وقتادة هي : «ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين». (فَتابَ عَلَيْهِ) أي رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) أي الرجاع على عباده بالمغفرة. (الرَّحِيمُ) (٣٧) أي البالغ في الرحمة لمن مات على التوبة. (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها) أي الجنة (جَمِيعاً) إما في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة. وفائدة تكرير الأمر بالهبوط أن آدم وحواء لما آتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر به ، ووقع في قلبهما أن الأمر به لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة لا يبقى الأمر به ، فأعاد الله الأمر به مرة ثانية ليعلما أن الأمر به باق بعد التوبة ، لأن الأمر به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله تعالى : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣٠] وعلى هذا فالجمع لاثنين فقط آدم وحواء ، ويحتمل كون الجمع لهما ولولديهما قابيل وإقليما بناء على القول بأنهما ولدا في الجنة ، ولعل عدم ذكرهما كونهما تابعين لأبويهما. وكان قابيل قد غضبه أبواه لقتله هابيل (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ) يا ذرية آدم (مِنِّي هُدىً) دلالة كدليل العقل والنقل ، و «إن» للشرطية أدغمت في «ما» الزائدة للتأكيد (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) بأن تأمل الأدلة بحقها واستنتج المعارف منها (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبلهم من العذاب (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٣٨) على ما فاتهم من الدنيا. ويقال : فلا خوف عليهم إذا ذبح الموت ولا هم يحزنون إذا أطبقت النار ، وزوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات ، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات ، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر وعند البعث وعند حضور الموقف ، وعند تطاير الكتب ، وعند نصب الميزان وعند الصراط (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) برسلنا المرسلة إليهم (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) المنزّلة عليهم سواء كانوا من الإنس أو من الجن (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) أي أهل النار وملازموها بحيث لا يفارقونها. (هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٣٩) أي دائمون لا يخرجون منها ولا يموتون فيها (يا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي يا أولاد يعقوب ، وهذا خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من أولاد يعقوب عليهالسلام في أيام سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم. (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر ، وتظليل الغمام في التيه ،
وإنزال المنّ والسلوى فيه ، وإعطاء الحجر الذي كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا ، وإعطاء عمود من النور ليضيء لهم بالليل وجعل رؤوسهم لا تتشعث ، وثيابهم لا تبلى ، وجعلهم أنبياء وملوكا بعد أن كانوا عبيدا للقبط ، وإنزال الكتب العظيمة التي ما أنزلها الله على أمة سواهم أي أقيموا بشكر تلك النعمة. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) أي أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي ومن الوفاء بالأمر الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة. (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (٤٠) فيما تأتون وتتركون. واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر ، وبالعكس.
روي أنه ينادي مناد يوم القيامة : «وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة». (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ) من القرآن (مُصَدِّقاً) أي موافقا بالتوحيد وصفة محمد صلىاللهعليهوسلم وبعض الشرائع (لِما مَعَكُمْ) من التوراة (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) أي بالقرآن من اليهود فإن النبي صلىاللهعليهوسلم قدم المدينة وفيها قريظة والنضير فكفروا به صلىاللهعليهوسلم ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. ويقال : ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان من الجهل لا مع المعرفة. (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي) أي بكتمان صفة محمد (ثَمَناً قَلِيلاً) أي عوضا يسيرا. وذلك لأن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من سفلة اليهود الهدايا ، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقّر ، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جدا ، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (٤١) أي فخافوني في شأن هذا النبي صلىاللهعليهوسلم. (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَ) والباء للاستعانة والمعنى ولا تخلطوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين ، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤٢) ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة ، وذلك لأن التلبيس صار صارفا للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة ، وداعيا لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ، ثم ذكر الله لزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي أتموا الصلوات الخمس (وَآتُوا الزَّكاةَ) أي أعطوا زكاة أموالكم (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) أي صلوا الصلوات الخمس مع المصلين محمد وأصحابه في جماعتهم ، وخصّ الله الركوع بالذكر تحريضا لليهود على الإتيان بصلاة المسلمين فإن اليهود لا ركوع في صلاتهم فكأنه تعالى قال : صلوا الصلاة ذات الركوع في جماعة (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ).
روي عن ابن عباس أنه قال : إن أحبار المدينة إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلىاللهعليهوسلم قالوا : هو صادق فيما يقول وأمره حقّ فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم. ويقال : إن جماعة من اليهود كانوا مبعث الرسول صلىاللهعليهوسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم في اتباعه ، فلما بعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم حسدوه وكفروا به فبكتهم الله تعالى بذلك فقال : (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ) أي التوراة الناطقة بنعوت محمد صلىاللهعليهوسلم (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٤٤) أي أتتلونه فلا تعقلون ما فيه (وَاسْتَعِينُوا) أيها اليهود على ترك ما تحبون من الدنيا وعلى الدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلىاللهعليهوسلم (بِالصَّبْرِ) أي بحبس النفس عن اللذات (وَالصَّلاةِ) فإنها جامعة لأنواع العبادات (وَإِنَّها) أي الصلاة (لَكَبِيرَةٌ) أي لشاقة (إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) (٤٥) أي المائلين إلى الطاعة (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) بالموت في كل لحظة وذلك لأن كل من كان منتظرا للموت في كل لحظة ، لا يفارق قلبه الخشوع ، فهم يبادرون إلى التوبة لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة. (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) (٤٦) في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) (٤٧) أي واذكروا أني فضلت آباءكم على الموجودين في زمانهم لا على من مضى ولا على من يوجد بعدهم ، وأيضا معنى تفضيلهم على جميع العوالم أن الله تعالى بعث منهم رسلا كثيرة لم يبعثهم من أمة غيرهم ففضلوا لهذا النوع من التفضيل على سائر الأمم (وَاتَّقُوا) أيها اليهود إن لم تؤمنوا (يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ) بالتأنيث على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وبالتذكير على قراءة الباقين (مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أي فداء (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (٤٨) أي يمنعون من عذاب الله تعالى ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ، ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه. (وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ) وقرئ «أنجيناكم» و «نجيتكم» فـ «إذا» في موضع نصب عطفا على نعمتي عطف تفصيل على مجمل ، وكذلك الظروف الآتية في الكلام المتعلق ببني إسرائيل وينقضي عند قوله تعالى : «(سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) والخطاب للموجودين في زمن نبينا. تذكيرا لهم بما أنعم الله على آبائهم لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء». والمعنى ويا بني إسرائيل اذكروا إذ نجينا آباءكم (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أي أتباعه وأهل دينه وعمر فرعون أكثر من أربعمائة سنة ـ وهو الوليد بن مصعب بن ريان ـ (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) أي يطلبون لكم أشد العذاب. ثم بيّن الله ذلك بقوله : (يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ) صغارا.
وقرئ «يذبحون» بالتخفيف. (وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) أي يتركونهن أحياء صغارا. ويقال : يستخدمونهن كبارا ، وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى أحاطت
ببيوت مصر وأحرقت كل قبطي ، وتركت بني إسرائيل ، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك. فقالوا : يولد في بني إسرائيل ولد يكون هلاك القبط وزوال ملكك على يده. فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل حتى قتل من أولادهم اثني عشر ألف صبي. (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (٤٩) والبلاء هاهنا هو المحنة إن أشير بلفظ ذلكم إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمل البلاء على النعمة أحسن ، لأنها هي التي صدرت من الله تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم ، ثم إن كون استبقاء نسائهم على الحياة محنة مع أنه ترك للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وكان سببا لانقطاع النسل ولفساد أمر معيشتهن. (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ) أي واذكروا إذ فلقناه بسببكم أي لأجل أن يتيسر لكم سلوكه (فَأَنْجَيْناكُمْ) من الغرق بإخراجكم إلى الساحل (وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (٥٠) التطام أمواج البحر بفرعون وقومه وترون بعد ثلاثة أيام جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل وفرعون معهم طافين.
روي أنه تعالى أمر موسى عليهالسلام أن يسري ببني إسرائيل ، وكانوا اثني عشر سبطا ، كل سبط خمسون ألفا فلما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون. فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك ، ثم اجتمع إلى فرعون ألف ألف ومائتا ألف ، كل واحد منهم على فرس فتبعوا موسى وقومه نهارا ، وصادفوهم على شاطئ البحر ، فضرب موسى بعصاه البحر فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق فكان فيه وحل ، فهبت الصبا فجف البحر حتى صار طريقا يابسا ، فأخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إنّ بعضنا لا يرى صاحبه فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ ، وكوى فرأى بعضهم بعضا فلما وصل فرعون شاطئ البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول ، فجاء جبريل على حجرة ، فتقدم فرعون وهو على فحل ، فتبعها فرس فرعون فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم من خلفهم وهو على فرس فقال : ألحقوا آخركم بأولكم. فلما دخلوا البحر ولم يبق واحد منهم التطم البحر عليهم وأغرقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ ، وهو بحر القلزم طرف من بحر فارس. وقيل : كان ذلك اليوم يوم عاشوراء فصام موسى عليهالسلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى).
قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه. وقرأ الباقون بالألف في المواضع الثلاثة. (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) بإعطاء الكتاب (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي عبدتم العجل المسمى «بهموت». (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد انطلاقه إلى الجبل (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) (٥١) أي ضارون لأنفسكم.
قيل : وعد موسى عليهالسلام بني إسرائيل وهو بمصر أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب
من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره أن يجيء إلى الطور ويصوم فيه ذا القعدة وعشر ذي الحجة ، فذهب إليه واستخلف هارون على بني إسرائيل ومكث في الطور أربعين ليلة ، وأنزلت عليه التوراة في ألواح من زبرجد ، فلما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط لعمل عرس. قال لهم هارون : إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فاحرقوها ، فجمعوا نارا وأحرقوها ، وكان موسى السامري في مسيره مع موسى عليهالسلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليهالسلام حين تقدّم على فرعون في دخول البحر ، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة ، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصوّر منه عجلا في ثلاثة أيام مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت ومشى. فقال للقوم : هذا إلهكم وإله موسى فتركه هاهنا وخرج يطلبه ، وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد ، فعدوا اليوم مع الليلة يومين ، فلما مضى عشرون يوما ولم يرجع موسى عليهالسلام وقعوا في الفتنة ، فعبدوا كلهم العجل إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وكان موسى السامري رجلا صائغا من جماعة يقال لها : سامرة ، وكان منافقا يظهر الإسلام ، وكان من بني إسرائيل من قوم يعبدون البقر. (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) أي محونا ذنوبكم حين تبتم (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي من بعد عبادتكم العجل (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٥٢) أي لكي تشكروا نعمة عفوي وتستمروا بعد ذلك على طاعتي. (وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ) أي واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة وبيّنا فيها الحلال والحرام. والأمر والنهي وغير ذلك. (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (٥٣) لكي تهتدوا بتدبر الكتاب من الضلال (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) الذين عبدوا العجل (يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي إنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليهالسلام (بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ) أي بعبادتكم العجل. فقالوا لموسى : فماذا تأمرنا؟ فقال لهم : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) أي إلى خالقكم ولو أظهرتم التوبة بالبدن دون القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس. قالوا : كيف نتوب؟ فقال لهم : (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي سلموا أنفسكم للقتل وارضوا به ، فأجابوا. فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين. فكل قبيلة على حدة ، وأتاهم بالاثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف. فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا. فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مدّ طرفه إليهم ، أو اتقاهم بيد أو رجل فيقولون : آمين. فجعلوا يقتلون من الصبح إلى المساء ، وقام موسى وهارون عليهماالسلام يدعوان الله تعالى ويقولان : البقية البقية يا إلهنا ، فأوحى الله إليهما : «إني قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي» وكان القتلى سبعين ألفا. (ذلِكُمْ) أي القتل في التوبة (خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ) لما فيه طهارة عن الشرك (فَتابَ عَلَيْكُمْ) أي قبل توبة من قتل منكم وغفر لمن لم يقتل من بقية المجرمين ، وعفا عنم من غير قتل (إِنَّهُ هُوَ
التَّوَّابُ) أي المتجاوز لمن تاب (الرَّحِيمُ) (٥٤) على من مات على التوبة. (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) وذلك لما رجع موسى عليهالسلام من الطور إلى قومه ، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل حرق العجل وألقاه في البحر ، واختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه. فسأل موسى عليهالسلام ذلك ، فأجابه الله ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، وتغشى الجبل كله ، ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه ، فقال للقوم : ادخلوا. وكان موسى عليهالسلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليهالسلام يقول له : «افعل كذا ، ولا تفعل كذا». فلما تمّ الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه. فقال القوم بعد ذلك : لا نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله حتى نرى الله معاينة ، فأحرقتهم نار من السماء وماتوا جميعا ، وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي منهم واحد فما الذي يقولون؟! فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى ردّ الله أرواحهم وبطلت توبة بني إسرائيل من عبادة العجل. فقال : لا أقبل إلا أن يقتلوا أنفسهم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (٥٥) إلى النار الواقعة من السماء (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي ثم أحييناكم بعد حرقكم بالنار وبعد موتكم يوما وليلة وذلك لإظهار آثار القدرة ، وليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بانقضاء آجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٥٦) أي لكي تشكروا إحيائي (وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ) أي جعلنا السحاب الرقيق يظلكم من حر الشمس أي وكان يسير بسيرهم وكانوا يسيرون ليلا ونهارا ، وينزل عليهم بالليل عمود من نور يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى ـ وذلك في التيه ـ وهو واد بين الشام ومصر ، وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج منه ، وسبب ذلك مخالفتهم أمر الله تعالى بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام حيث امتنعوا من القتال. (وَأَنْزَلْنا) في التيه (عَلَيْكُمُ الْمَنَ) وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار ، طعمه كالشهد. وكان يقع على أشجارهم من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. (وَالسَّلْوى) فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوما وليلة ، وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت ، «والسلوى» وهو طائر ليس له ذنب ولا يطير إلا قليلا ويموت إذا سمع صوت الرعد ، كما أن «الخطاف» يقتله البرد فيلهمه الله أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد ، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية. (كُلُوا) أي وقلنا لهم : كلوا (مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) أي من مستلذات ما رزقناكموه ولا تدخروا لغد فادخروا فقطع الله ذلك عنهم ودوّد ما ادّخروه. (وَما ظَلَمُونا) أي وما نقصونا بما
ادخروا (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٥٧) أي يضرون ، لنقص أنفسهم حظها من النعيم. (وَإِذْ قُلْنَا) لهم بعد خروجهم من التيه على لسان موسى أو على لسان يوشع (ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ).
روي أن موسى عليهالسلام سار بعد انقضاء الأربعين سنة بمن بقي من بني إسرائيل ففتح أريحا ـ بفتح الهمزة وكسر الراء ـ قرية الجبارين وهي بين القدس وحوران ، وأقام فيها ما شاء الله ، ثم قبض فيها ، وقيل : إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن الله تعالى أمره بقتال الجبابرة ، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة ، وصار الشام كله لبني إسرائيل (فَكُلُوا مِنْها) أي تلك القرية (حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً) أي موسعا عليكم (وَادْخُلُوا الْبابَ) أي باب القرية. أي من أيّ باب كان من أبوابها السبعة ، أو من باب يسمى «باب الحطة» ، أو «باب القبة» التي كانوا يصلون إليها ، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليهالسلام (سُجَّداً) أي منحنين متواضعين كالراكع. (وَقُولُوا حِطَّةٌ) أي إن القوم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح ، والاستغفار باللسان. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب. والمعنى حط عنا ذنوبنا حطة (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ).
وقرأ نافع بالتذكير وابن عامر بالتأنيث على البناء للمجهول. والباقون بالنون المفتوحة (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (٥٨) بالطاعة في حسناتهم (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم (قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) أي أمر لهم ، أي فدخلوا الباب زاحفين على أدبارهم قائلين حنطة على شعيرة استخفافا بأمر الله تعالى. (فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي غيروا الأمر (رِجْزاً) أي طاعونا مقدرا (مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (٥٩) أي بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة. روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا. فهذا الوباء غير الذي حلّ بهم في التيه (وَ) اذكروا (إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ) في التيه (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) وكانت العصا من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع على طول موسى ، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا ، حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها لموسى. وروي أن ذلك الحجر حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة جوانب ، وكان ذراعا في ذراع ، ينبع من كل وجه ثلاثة أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسبعة. المعسكر اثنا عشرة ميلا. وقيل : كان حجرا أعطاه الله عليه اثني عشر ثديا كثدي المرأة يخرج من كل ثدي نهر إذا ضرب عصاه عليه. (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) أي نهرا (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ) أي سبط (مَشْرَبَهُمْ) أي موضع شربهم من نهرهم ؛ روي أنه كان لكل سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها غيره. وقلنا لهم : (كُلُوا) من المنّ والسلوى (وَاشْرَبُوا) من الأنهار
كلها (مِنْ رِزْقِ اللهِ) أي كلوا واشربوا من رزق الله الذي يأتيكم بلا تعب (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٦٠) أي لا تتمادوا في الفساد في الأرض في حالة إفسادكم. ويقال : لا تمشوا في الأرض على خلاف أمر موسى. (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) أي على أكل طعام واحد وهو المن والسلوى (فَادْعُ لَنا) أي اسأل لأجلنا (رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها) أي من أطايبه التي تؤكل كالكرفس والكراث والنعناع (وَقِثَّائِها وَفُومِها) أي ثومها كما هو مروي عن ابن عباس ومجاهد وهو اختيار الكسائي ، لأن الثوم بالثاء في حرف عبد الله بن مسعود (وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ) أي موسى (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى) أي أخس وهو الثوم والبصل (بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي أشرف وهو المن والسلوى فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي. (اهْبِطُوا مِصْراً) أي اخرجوا من هذا المكان إلى المكان الذي خرجتم منه (فَإِنَّ لَكُمْ) هناك (ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) أي جعلت على فروع بني إسرائيل المذلة بالجزية. (وَالْمَسْكَنَةُ) أي زي الفقر (وَباؤُ بِغَضَبٍ) أي استحقوا الغضب أي استحقوا الغضب أي اللعنة (مِنَ اللهِ ذلِكَ) أي الذلة والمسكنة واللعنة. (بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ) أي بسبب أنهم كانوا يجحدون على الاستمرار بمحمد صلىاللهعليهوسلم والقرآن ، وآية الرجم التي في التوراة وبالإنجيل (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ) أي ظلما.
روي أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار ، ولم يغتموا حتى قاموا في آخر النهار يتسوقون مصالحهم ، وقتلوا زكريا ويحيى وشعيبا وغيرهم من الأنبياء. (ذلِكَ) الغضب (بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) (٦١) أي يتجاوزون الحد بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي ، وهذا الذل الذي أصابهم هو بسبب قتلهم عيسى في زعمهم. وقوله تعالى : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) [البقرة : ٦١] عدّه بعض العلماء من باب المعجزات ، لأنه صلىاللهعليهوسلم أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم وقد وقع الأمر كذلك فكان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا ، وهذا الكلام إلى قوله : (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة : ٦٢] معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في زمن موسى عليهالسلام ، لأن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) أي الذين تهودوا (وَالنَّصارى) أي الذين تنصروا (وَالصَّابِئِينَ) أي الخارجين من دين إلى دين ، وهم قوم من النصارى يحلقون وسط رؤوسهم ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة. يقولون : صبأت قلوبنا أي رجعت قلوبنا إلى الله. (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً) فيما بينهم وبين ربهم (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) بأن يدخلهم الجنة (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٦٢) حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تفويت الثواب. والمعنى : أن الذين آمنوا قبل بعثة محمد صلىاللهعليهوسلم في زمن الفترة بعيسى عليهالسلام ، مثل : قس بن ساعدة ، وبحيرة الراهب ، وحبيب النجار ، وزيد بن عمرو بن نفيل ،
وورقة بن نوفل ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، ووفد النجاشي والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والنصارى والصابئين كل من آمن منهم ببعث محمد صلىاللهعليهوسلم بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم ، أو المعنى إن الذين آمنوا باللسان دون القلب ، وهم المنافقون واليهود والنصارى والصابئين كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله ، وهذا قول سفيان الثوري (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) أي إقراركم بقبول التوراة (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي رفعنا فوق رؤوسكم الجبل مقدار قامة كالظلة وكان فرسخا في فرسخ حتى أعطيتم الميثاق وقلنا : (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ) أي اعملوا بما أعطيناكموه من الكتاب (بِقُوَّةٍ) أي بجد (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الثواب والعقاب واحفظوا ما فيه من الحلال والحرام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٦٣) أي لكي تتقوا المعاصي (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي رفع الطور وإيتاء التوراة (فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ) بتأخير العذاب (وَرَحْمَتُهُ) بإرسال محمد صلىاللهعليهوسلم إليكم (لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٦٤) أي لصرتم من المغبونين بالعقوبة وبالانهماك في المعاصي (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) أي وبالله لقد عرفتم عقوبة الذين تجاوزوا الحد منكم يوم السبت في زمن داود عليهالسلام ، روي أنهم أمروا بأن يتمحضوا يوم السبت للعبادة ويتركوا الصيد ، وهؤلاء القوم كانوا في زمن داود عليهالسلام وكانوا يسكنون بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام ، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها ، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا السمك وهم خائفون من العقوبة فلما طال الزمان استسنّ الأبناء بسنة الآباء فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم. فلم ينتهوا ، وقالوا : نحن في هذا العمل منذ أزمان فما زادنا الله به إلا خيرا. فقيل لهم : لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب ، فأصبح القوم قردة خاسئين فمكثوا كذلك ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتوالدوا ، ثم هلكوا وذلك قوله تعالى : (فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا) أي صيروا (قِرَدَةً خاسِئِينَ) (٦٥) أي ذليلين مبعدين عن الرحمة والشرف (فَجَعَلْناها) أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة (نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها) أي عقوبة رادعة للأمم التي في زمانها وبعدها إلى يوم القيامة أو لما قرب من تلك القرية وما تباعد عنها أو عقوبة لأجل ما تقدّم على هذه الأمة من ذنوبهم وما تأخر منها. (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (٦٦) أي لكل متق سمع تلك الواقعة فإنه يخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم. والمراد بقوله تعالى : كونوا سرعة التكوين ، وأنهم صاروا كذلك كما أراد الله بهم. (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) أي واذكروا وقت قول موسى عليهالسلام لأصولكم (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً).
روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلا فقيرا في بني إسرائيل قتل ابن أخيه أو أخاه أو ابن عمه لكي يرثه ، ثم رماه في مجمع الطريق ، ثم شكا ذلك إلى موسى عليهالسلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه ، فسأله ، فأوحى الله إليه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتعجبوا من ذلك ، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال ، واستقصوا في طلب الوصف ، فلما تعينت البقرة لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ، ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها ، فاشتروها فذبحوها ، وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ففعلوا فصار المقتول حيا وعين لهم قاتله ، وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودا. (قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً) أي أتستهزئ بنا يا موسى فإن سؤالنا عن أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة ، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يعلموا أن الحكمة هي حياة القتيل بضربه ببعض البقرة وإخباره بقاتله. (قالَ) أي موسى : (أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٦٧) أي المستهزئين بالمؤمنين ، لأن الهزء في أثناء تبليغ أمر الله تعالى جهل فما علموا أن الأمر بالذبح حق. (قالُوا ادْعُ لَنا) أي لأجلنا (رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) أي ما سنها أصغيرة أو كبيرة. (قالَ إِنَّهُ) أي الله تعالى (يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ) أي كبيرة في السن (وَلا بِكْرٌ) أي صغيرة (عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) أي وسط بين المسنة والفتية (فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) (٦٨) به من ذبحها (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ) تعالى (يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها) أي صاف لونها (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (٦٩) إليها بسبب حسنها وتعجبهم من شدة صفرتها لغرابتها وخروجها عن المعتاد. (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) أعاملة هي أم لا؟ (إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) (٧٠) إلى وصفها أو إلى القاتل (قالَ إِنَّهُ) تعالى (يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ) أي غير مذللة (تُثِيرُ الْأَرْضَ) أي تقبلها للزراعة (وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي الزرع (مُسَلَّمَةٌ) من كل عيب (لا شِيَةَ فِيها) أي لا خلط في لونها.
قال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد. (قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ) أي نطقت بالبيان المحقق ففتشوا عليها فوجدوها عند الفتى البار لأمه فاشتروها بملء جلدها (بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) (٧١) أي ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم. ويقال : وما كادوا أن يذبحوها لأجل غلاء ثمنها أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له ابن طفل وله عجلة ، فأتى بها إلى الغيضة. وقال : اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر فكانت من أحسن البقر وأسمنها ، فلما كبر الابن كان بارا لوالدته فكان يقسّم الليل أثلاثا يصلي ثلثا ، وينام ثلثا ، ويجلس عند رأس أمه ثلثا ، فلما أصبح احتطب على ظهره فيبيع الحطب في السوق ، ثم يتصدق بثلثه ، ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه ، ثم أمرته أمه أن يأخذ تلك العجلة من الغيضة. فلما أخذها قالت له أمه : إنك
فقير يشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فبع هذه البقرة. فقال : بكم أبيعها؟ قالت : بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي ، وكان ثمن البقرة إذ ذاك ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكا ليختبر الفتى كيف بره بوالدته ، فقال : الملك له بكم تبيع هذه البقرة؟ فقال : بثلاثة دنانير بشرط رضى والدتي ، فقال الملك : لك ستة دنانير ولا تستأذن أمك. فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذها إلا برضا أمي ، فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن. فقالت : ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني ، فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال : استأذنت أمك؟ فقال الفتى : إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأذنها. فقال الملك : إني أعطيك اثني عشر دينارا على أن لا تستأذنها فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك. فقالت : إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له : أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال الملك له : اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعيها إلا بملء مسكها ذهبا دنانير فأمسكتها وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة للفتى على بره بوالدته فضلا من الله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) اسمه عاميل وقيل : نكار (فَادَّارَأْتُمْ فِيها) أي تخاصمتم في شأنها (وَاللهُ مُخْرِجٌ) أي مظهر (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (٧٢) من قتلها وهذه الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما فادارأتم وقوله : (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ) أي القتيل (بِبَعْضِها) أي بعضو من أعضاء البقرة قيل : بذنبها. وقيل : بلسانها ، وقيل : بفخذها الأيمن ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى ، وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فقتل قاتله فحرم الميراث. وفي الحديث : «ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة». (كَذلِكَ) أي كما أحيا الله عاميل في الدنيا (يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى) في الآخرة من غير احتياج إلى آلة (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ) أي يجعلكم مبصرين دلائل قدرته وإحيائه للميت (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٧٣) أي لكي تعلموا أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء نفوس كثيرة ، فتصدقوا بالبعث بعد الموت (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) أيها اليهود فلم تقبل الحق (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي إحياء عاميل وإخباره بقاتله أو من بعد الأمور التي جرت على أجدادكم (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ) في القساوة (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) منها (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ).
قال الحكماء : إن الأنهار إنما تنشأ عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض فإن كان ظاهر الأرض رخوا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض حجريا اجتمعت تلك الأبخرة حتى تكثر كثرة عظيمة فتنشق الأرض وتسيل تلك المياه أنهارا (وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ) أي العيون الصغار التي هي دون الأنهار (وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ) أي يتدحرج من أعلى الجبل إلى أسفله (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) أي من انقياد أمر الله وقلوبكم أيها اليهود لا تتحرك من خوف الله ، و «اللام» في «لما» لام الابتداء دخلت على اسم إن وهو ما بمعنى الذي والضمير منه ويشقق
ويهبط يعود عليه (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤) أي إن الله محافظ لأعمال القاسية قلوبهم حتى يجازيهم بها في الآخرة ، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) أي أفتطمعون أيها النبي والمؤمنون أن يؤمن هؤلاء اليهود بواسطتكم ويستجيبوا لكم ، والحال أن طائفة منهم وهم أحبارهم يسمعون كلام الله في التوراة ، ثم يغيرونه من بعد المعنى الذي فهموه بعقولهم وهم يعلمون أنهم مفترون ، وذلك كنعت محمد صلىاللهعليهوسلم فكانت صفته صلىاللهعليهوسلم في التوراة ، أكحل العين ، ربعة ، جعد الشعر ، حسن الوجه فكتبوا بدلها طويلا ، أزرق العين سبط الشعر.
وقال ابن عباس : والمعنى أفترجو يا أشرف الخلق أن تؤمن بك اليهود. والحال أن أسلافهم وهم السبعون المختارون للميقات الذين كانوا مع موسى يسمعون كلام الله بلا واسطة ، ثم يغيرونه من بعد ما علموه يقينا وهم يعلمون أنهم يغيرونه ، وذلك أنهم قالوا : سمعنا الله يقول في آخر كلامه : «إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس» (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) أي إن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ، ونشهد أن صاحبكم صادق ، وأن قوله : حق ونجد نعته في كتابنا (وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ) أي رجع الساكتون الذين لم ينافقوا (إِلى بَعْضٍ) آخر منهم وهو منافقوهم (قالُوا) أي الساكتون موبخين للمنافقين (أَتُحَدِّثُونَهُمْ) أي المؤمنين (بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ) أي بما بيّن الله لكم في التوراة من صفة النبي صلىاللهعليهوسلم (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أي ليقيموا الحجة عليكم بما أنزل ربكم في كتابه في ترك اتباع محمد مع إقراركم بصدقه. وقوله تعالى : (لِيُحَاجُّوكُمْ) متعلق بالتحديث والمراد بهذا تشديد التوبيخ فإن التحديث بذلك لأجل هذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل أي أتحدثونهم بذلك ليحتجوا عليكم بكتاب الله وحكمه ، ويقال : عند الله كذا معناه في كتابه وحكمه (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٧٦) إن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَ) أي اللائمون أو المنافقون أو كلاهما (اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) (٧٧) أي إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم ، وإظهار غيره فيرعووا عن ذلك. (وَمِنْهُمْ) أي اليهود (أُمِّيُّونَ) أي جهلة (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ) أي لا يعرفونه بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد (إِلَّا أَمانِيَ) أي إلّا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، ومما تحملهم أخبارهم على تمني قلوبهم من أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة ، ومن أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا ، وقال الأكثرون إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه أو لا يقرءون إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٧٨) أي ما هم يعرفون إلا بأن يذكر لهم تأويله فظنوه (فَوَيْلٌ) أي عذاب أليم أو مسيل صديد أهل جهنم أو شدة الشر (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا) في الكتاب الذي جاء (مِنْ عِنْدِ اللهِ
لِيَشْتَرُوا بِهِ) أي ليأخذوا لأنفسهم بمقابلة الكتاب المحرف (ثَمَناً قَلِيلاً) أي عوضا يسيرا من الدنيا ـ وهم اليهود ـ غيّروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرها ... فغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي تسويد الوجه (فَوَيْلٌ لَهُمْ) أي فشدة العذاب لهم (مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) أي فيما غيرت أيديهم (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (٧٩) أي يصيبون من الحرام والرشوة (وَقالُوا) أي اليهود (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) أي قليلة. قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان ألف سنة يوما فكانوا يقولون : الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وحكى الأصمعي عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون : الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وذلك كما أخرجه الطبراني وغيره بسند حسن عن ابن عباس وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من طرق ضعيفة عنه أنها أربعون يوما (قُلْ) لهم يا أشرف الخلق (أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً) أي خبرا فإن خبره تعالى أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر (فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ) أي فإن الله تعالى منزّه عن الكذب في وعده ووعيده لأن الكذب صفة نقص والنقص على الله محال (أَمْ تَقُولُونَ) مفترين (عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٠) وقوعه أي أم لم تتخذوا من الله عهدا بل تتقوّلون عليه تعالى (بَلى) تمسكم النار أبدا (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) أي كفرا (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي كبيرته بأن مات على الكفر (فَأُولئِكَ) أي أهل هذه الصفة (أَصْحابُ النَّارِ) أي ملازموها في الآخرة (هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٨١) أي لا يخرجون منها. أما أصحاب الكبائر غير الكافرين فإنا نقطع بأنه تعالى يعفو عن بعض العصاة وعن بعض المعاصي ، ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا؟ ونقطع بأنه تعالى إذا عذّب أحدا منهم مدة فإنه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة.
وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع ، والمراد بالخطيات أنواع الكفر المتجددة في كل وقت (وَالَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد والقرآن (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فيما بينهم وبين ربهم (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٨٢) لا يموتون فيها ولا يخرجون منها (وَإِذْ أَخَذْنا) في التوراة (مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) الذين كانوا في زمن موسى (لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) أي لا تشركون به شيئا.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة ، وقرأ عبد الله وأبيّ «لا تعبدوا» بصريح النهي وهذه قراءة شاذة. (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) وهو متعلق بمحذوف أي وتحسنون أو أحسنوا بالبر بهما وإن كانا كافرين بأن لا يؤذيهما ألبتة ، ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين ، وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين (وَذِي الْقُرْبى) أي أحسنوا بالأقارب بصلة الرحم (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً).
وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين. وقرئ قراءة شاذة حسنا بضمتين وحسنى كبشرى ، والقول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) والمراد بالصلاة والزكاة ما فرض عليهم في ملتهم. فقبلتم ذلك الميثاق المذكور (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق (إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ) أي آباءكم وهو من أقام اليهودية على طريقها قبل النسخ ويقال : إلا قليلا منكم وهم من أسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (٨٣) عن الطاعة كآبائكم (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) أي واذكروا يا أيها اليهود المعاصرون لمحمد صلىاللهعليهوسلم وقت أن أخذنا الميثاق على آبائكم في التوراة (لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ) أي لا يقتل بعضكم بعضا (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) أي لا يخرج بعضكم بعضا من منازلكم يا بني قريظة والنضير (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بوجوب المحافظة على الميثاق (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (٨٤) أي تعلمون ذلك (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ) أي هؤلاء الحاضرون بعد ذلك (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي يقتل بعضكم بعضا (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ) أي من منازلهم ذلك الفريق (تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء. والباقون بالتشديد أي يعاون بعضكم بعضا (بِالْإِثْمِ) أي المعصية (وَالْعُدْوانِ) أي التجاوز في الظلم (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى) أي أسارى أهل دينكم (تُفادُوهُمْ) بالمال أو غيره. أي وإن يقع ذلك الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه أسيرا في يد حلفائكم تفدوه. قرأ حمزة «أسرى» بفتح الهمزة وسكون السين مع الإمالة. وقرأ عاصم والكسائي «تفادوهم» بضم التاء وفتح الفاء. والباقون بفتح التاء وسكون الفاء. (وَهُوَ) أي الشأن (مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ).
قال السدي : إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه. وكان قريظة والنضير أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة ، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها ، ثم إذا أسر رجل من الفريقين فدوه كما لو أسر واحد من النضير ووقع في يد الأوس افتدته قريظة منهم بالمال ، وهكذا يقال في عكس ذلك فعيّرتهم العرب وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تفدوهم. فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكن نستحي أن تذل حلفاؤنا فذمهم الله تعالى بقوله : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) أي تفعلون بعض الواجبات وهو المفاداة (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي فلم تتركوا المحرم وهو القتال والإخراج والمعاونة (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) أي ذمّ عظيم وتحقير بالغ (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) فكان خزي قريظة القتل والسبي وقد قتل صلىاللهعليهوسلم منهم سبعمائة في يوم واحد ، وخزي بني
النضير بالإجلاء إلى أذرعات وأريحا. وقيل : هو ضرب الجزية على النضير في الشام وعلى من بقي من قريظة الذين سكنوا خيبر. (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ) أي عذاب جهنم لما أن معصيتهم أشد المعاصي (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٨٥).
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب في «يعملون» وأما في «يردون» فالسبعة بالغيبة فقط وأما بتاء الخطاب فشاذة وهذه الجملة زجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة. (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا) أي استبدلوها (بِالْآخِرَةِ) بأن اختاروا الكفر على الإيمان (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ) لا بالانقطاع ولا بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (٨٦) فلا يدفع أحد هذا العذاب عنهم. (وَلَقَدْ آتَيْنا) أي أعطينا (مُوسَى الْكِتابَ) أي التوراة (وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) أي أتبعناهم إياه مترتبين وهم يوشع وشمويل ، وشمعون ، وداود ، وسليمان ، وشعيا وأرميا ، وعزير ، وحزقيل ، والياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى وغيرهم وجميع الأنبياء بين موسى وعيسى على شريعة موسى. قيل : هم سبعون ألفا. وقيل : أربعة آلاف ، ومدة ما بينهما ألف وتسعمائة سنة وخمسة وعشرون سنة (وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) أي المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه ـ سواء كان كمهه خلقيا أو طارئا ـ وإبراء الأبرص ، وكالإخبار بالمغيبات ، وكالإنجيل. ثم عيسى بالسريانية أيشوع ومعناه : المبارك. ومريم بالسريانية بمعنى الخادم. وفي كتاب لسان العرب : هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال. (وَأَيَّدْناهُ) قرأه ابن كثير بمد الهمزة وتخفيف الياء أي قويناه (بِرُوحِ الْقُدُسِ) وهو جبريل وهو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليهالسلام من نفخة جبريل وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار ، وكان معه حين صعد إلى السماء. (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ) يا معشر اليهود (رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ) أي بما لا يوافق قلوبكم من الحق (اسْتَكْبَرْتُمْ) أي تعظمتم عن الإيمان به والاتباع له (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (٨٧) أي كذّبت طائفة محمدا صلىاللهعليهوسلم ، وعيسى عليهالسلام ، وقتل فريق يحيى وزكريا (وَقالُوا) أي اليهود : (قُلُوبُنا غُلْفٌ) أي مغشاة بأغطية عن قولك يا محمد ، أو قلوبنا أوعية لكل علم وهي لا تعي علمك وكلامك (بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) أي ليس عدم قبولهم للحق لخلل في قلوبهم ولكن الله أبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم فأبطل استعدادهم عن القبول (فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) (٨٨) أي لا يؤمنون إلا بالقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل.
وقال قتادة والأصم وأبو مسلم : أي لا يؤمن منهم إلا القليل وذلك نظير قوله تعالى : (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء : ١٥٥] (وَلَمَّا جاءَهُمْ) أي اليهود المعاصرين له صلىاللهعليهوسلم (كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) وهو القرآن (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) أي موافق لكتابهم التوراة بالتوحيد
وصفة محمد صلىاللهعليهوسلم كذبوه (وَكانُوا) أي اليهود (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل مبعث محمد ونزول القرآن (يَسْتَفْتِحُونَ) أي يسألون الفتح أي النصرة (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي مشركي العرب أسد وغطفان ومزينة وجهينة وهم عدوهم يقولون : إذا دهمهم عدو : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي. (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) من بعثة النبي صلىاللهعليهوسلم (كَفَرُوا بِهِ) حسدا وخوفا على الرياسة. وقال ابن عباس وقتادة والسدي : نزلت هذه الآية في شأن نبي قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلىاللهعليهوسلم قبل بعثه يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد قرب زمانه ينصرنا عليكم (فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ) (٨٩) أي إبعاد الله من خيرات الآخرة عليهم (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ) أي بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم ، كفرهم بالقرآن المصدق للتوراة ، أي إن هؤلاء اليهود لما اعتقدوا أنهم بما فعلوه خلصوا أنفسهم من العقاب وأوصلوها إلى الثواب فقد اشتروا أنفسهم به في زعمهم.
وقال الأكثرون : الاشتراء هاهنا بمعنى البيع لأن المذموم لا يكون إلا لما كان حاصلا لهم ، لا لما كان زائلا عنهم ، والمعنى باعوا أنفسهم بكفرهم ، لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم هو الكفر فصاروا بائعين أنفسهم بذلك ، لكن لما كان الغرض بالبيع والشراء إبدال ملك بملك ، صلح أن يوصف كل واحد من المتبادلين بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما. (بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) أي حسدا على أن ينزل الله النبوة بفضله على محمد وطلبا لما ليس لهم أي فإنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم ، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحسد ، وقد أجاز العلماء أن يكون بغيا مفعولا له ناصبه «أن يكفروا» ، وأن ينزل الله مفعولا له وناصبه «بغيا» ، (فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) أي فاستحقوا لعنة بعد لعنة لأمور صدرت عنهم (وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ) (٩٠) أي يهانون بالعذاب الشديد بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) أي وإذا قال المؤمنون لليهود الموجودين في زمن نبينا : (آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ) أي بكل ما أنزل الله من الكتب الإلهية جميعا (قالُوا) في جواب هذا القيل : (نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) أي بما أنزل على أنبيائنا من التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليهالسلام (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ) فأخبر الله تعالى عنهم بأنهم يكفرون بما بعده وهو الإنجيل والقرآن (وَهُوَ) أي ما وراء ما أنزل على نبيهم من الإنجيل والقرآن (الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ) أي موافقا بالتوحيد لكتبهم (قُلْ) لهم يا أشرف الخلق إلزاما وبيانا لكفرهم بالتوراة التي ادعوا الإيمان بها (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٩١) والمعنى إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما زعمتهم فلأي شيء كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل لأن في التوراة تحريم القتل وذلك لأن التوراة دلّت على أن المعجزة تدل على الصدق ، ودلّت على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل
زكريا ويحيى وعيسى كفرا! فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة؟ والمعنى أنهم لو آمنوا بالتوراة لما قتلوا الأنبياء فآل أمرهم إلى كفرهم بجميع ما أنزل الله تعالى لا بالبعض كما ادعوا. فإن قيل قوله تعالى : (آمِنُوا) خطاب لهؤلاء الموجودين. وقوله : فلم تقتلون حكاية فعل أسلافهم. فكيف وجه الجمع بينهما؟ قلنا : معناه إنكم بهذا التكذيب للإنجيل والقرآن خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين (وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ) أي بالآيات التسع وهي : العصا واليد ، والسنون ، ونقص الثمرات ، والدم ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي عبدتم العجل (مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد انطلاقه إلى الجبل (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) (٩٢) أي كافرون بعبادته (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) أي إقراركم (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي رفعنا فوق رؤوسكم الجبل حين امتنعتم من قبول التوراة وقلنا : (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) أي اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب بجد (وَاسْمَعُوا) أي أطيعوا ما تؤمرون (قالُوا سَمِعْنا) قولك بآذاننا (وَعَصَيْنا) أمرك بقلوبنا وغيرها (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) أي وادخلوا في قلوبهم حب عبادة العجل بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك (قُلْ) لهم يا أشرف الخلق (بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ) بما أنزل عليكم من التوراة قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٩٣) بالتوراة كما زعمتم فـ «إن» يجوز فيها الوجهان من كونها نافية وشرطية وجوابها محذوف تقديره فبئسما يأمركم. (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) أي نعيم الدار الآخرة (عِنْدَ اللهِ) وهو الجنة (خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ) أي خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق بأن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) كأن تقولوا ليتنا نموت (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٩٤) في مقالتكم لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) أي لن يسألوا الموت (أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة لدخول النار ، كالكفر بالنبي صلىاللهعليهوسلم ، وبالقرآن ، وكتحريف التوراة (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (٩٥) أي الكافرين فيجازيهم (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) أي والله لتجدن اليهود يا محمد (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) أي بقاء في الدنيا (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي وأحرص من مشركي العرب المنكرين للبعث لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له. (يَوَدُّ) أي يتمنى (أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) والمراد بألف سنة التكثير لا خصوص هذا العدد ، وليس المراد بها قول الأعاجم : عش ألف سنة. «لو» مصدرية ، وهي مع صلتها في تأويل مصدر مفعول «يود» (وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ) فاعل لمزحزح أي وما أحدهم بمن يبعده من النار تعميره ألف سنة (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (٩٦) فيجازيهم به. قرأ السبعة بالياء التحتية ويعقوب من العشرة بالفوقية.
روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد ، كيف نومك فقد أخبرنا عن نوم الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال : «أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة». فقال : صدقت ، فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله ، ويشبه أخواله دون أعمامه. فقال : «أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له». قال : صدقت ، أخبرني أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه ، وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه ، فنذر الله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب وهو لحمان : الإبل وألبانها». فقالوا : نعم ، فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله. قال : «جبريل» (١) قال : إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك ، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) لأنه ينزل القرآن على محمد فقد خلع ربقة الإنصاف (فَإِنَّهُ) أي جبريل (نَزَّلَهُ) أي القرآن (عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ) أي بأمره وخصّ القلب بالذكر لأنه خزانة الحفظ وبيت الرب (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي لما قبل القرآن من الكتب الإلهية لأن الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بالأوقات ومنتهية في هذا الوقت فإن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة وحينئذ لا يكون بين القرآن وسائر الكتب اختلاف في الشرائع (وَهُدىً) أي بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح (وَبُشْرى) أي بيان ثواب تلك الأعمال (لِلْمُؤْمِنِينَ) (٩٧) (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) (٩٨) وخصّ الله جبريل بالذكر ردا على اليهود في دعوى عداوته وضمّ إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح ، وقدّم جبريل لشرفه لأن العلم أشرف من الأغذية ، وقدّم الملائكة على الرسل كما قدّم الله على الجميع ، لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب. «وجبريل» قرأ حمزة والكسائي بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة ، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء. والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح الجيم. «وميكائيل» قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همزة ولا ياء بين الألف واللام ، وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة ، والباقون بهمزة بعد الألف وياء.
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٢٧٣ ، ٢٧٨).
قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلىاللهعليهوسلم قبل مبعثه ، فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل : يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته فقال بعضهم : ما جاءنا بشيء من البينات ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) يا أشرف الخلق (آياتٍ بَيِّناتٍ) أي آيات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس (وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ) (٩٩) وهم أهل الكتاب المحرفون لكتابهم الخارجون عن دينهم. قال ابن عباس : لما ذكرهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما أخذ الله عليهم من العهود في محمد صلىاللهعليهوسلم أن يؤمنوا به. قال مالك بن الصيف : والله ما عهد إلينا في محمد عهدا فأنزل الله هذه الآية : (أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهدا كقولهم قبل مبعثه صلىاللهعليهوسلم لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم وككونهم عاهدوا الله على أن لا يعينوا عليه صلىاللهعليهوسلم أحدا من المشركين ثم أعانوا عليه قريشا يوم الخندق نبذه فريق منهم (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠٠) أي لا يصدقون بك أبدا لحسدهم ، وقيل : لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بمقتضاه (وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) هو محمد صلىاللهعليهوسلم (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) من التوراة (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي أعطوه وتمسكوا به (كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٠١) أي أنه كتاب الله أي فكفروا عنادا والكتاب مفعول ثان لـ «أوتوا» وكتاب الله مفعول «نبذ».
وقال السدي : لما جاءهم محمد صلىاللهعليهوسلم خاصموه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن (وَاتَّبَعُوا) أي اليهود وهو معطوف على نبذ (ما تَتْلُوا) أي تكذيب (الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) من السحر وكانت الشياطين دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه فلم يشعر لذلك سليمان ، فلما مات استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه ، وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم ، وفشت الملامة على سليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله تعالى محمدا صلىاللهعليهوسلم وأنزل الله عليه براءة سليمان ومدة نزع ملكه أربعون يوما ، وسبب ذلك أن إحدى زوجاته عبدت صنما أربعين يوما وهو لا يشعر بها فعاتبه الله تعالى بنزع ملكه أربعين يوما ، وذلك أن ملكه كان في خاتمه وهو من الجنة ، وكان إذا دخل الخلاء نزعه ووضعه عند زوجة له تسمى الأمينة ففعل ذلك يوما فجاء جني اسمه صخر ، وتصوّر بصورة سليمان ودخل على الأمينة. وقال : أعطيني خاتمي فدفعته له فسخرت له الجن والإنس والطير والريح ، وجلس على كرسي سليمان فجاء سليمان
للأمينة وطلب الخاتم فرأت صورته غير الصورة التي تعرفها منه. فقالت له : ما أنت سليمان وهو قد أخذ الخاتم. فلما تم الأربعون طار الجني من فوق الكرسي ومر على البحر وألقى الخاتم فيه فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان فأخذه من بطنها ولبسه ، ورجع له الملك فأمر الجن بإحضار صخر فأتوا به فحبسه في صخرة وسد عليه بالرصاص والحديد ورماها في قعر البحر. (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) أي ما كتب سليمان السحر وما عمل به لأن العمل بالسحر كفر في شريعته وأما في شرعنا فإن اعتقد فاعله حل استعماله كفر وإلا فلا. وأما تعلمه فإن كان ليعمل به فحرام أو ليتوقاه فمباح أو لا ولا فمكروه (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) أي كتبوا واستعملوا السحر.
وقرأ «لكن» ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون مع الكسر ورفع الشياطين (يُعَلِّمُونَ) أي الشياطين (النَّاسَ السِّحْرَ) ويقصدون به إضلالهم (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) عطف على السحر أي ويعلمونهم ما ألهماه من السحر. وقيل : عطف على ما «تتلو» واختار أبو مسلم أن «ما» في محل جر عطف على «ملك سليمان». وذلك أن الملكين أنزلا لتعليم السحر امتحانا من الله للناس هل يتعلمونه أو لا كما امتحن قوم طالوت بالشرب من النهر. وقيل : إنما أنزلا لتعليمه للتمييز بينه وبين المعجزة لئلا يغتر به الناس لأن السحرة كثروا في ذلك الزمن واستنبطوا أبوابا غريبة من السحر وكانوا يدّعون النبوة فبعث الله تعالى هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس (بِبابِلَ) وهو بلد في سواد العراق (هارُوتَ وَمارُوتَ) عطف بيان للملكين لأنهما ملكان نزلا من السماء كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وقيل : «ما أنزل» نفي معطوف على قوله تعالى : (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) كأنه تعالى قال : لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانوا يسندون السحر إلى سليمان وزعموا أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت فكذبهم الله تعالى على ذلك. وقيل : إن الملكين هما جبريل وميكائيل أخرجه البخاري في تاريخه ، وابن المنذر عن ابن عباس ، وابن أبي حاتم عن عطية. وحينئذ يكون هاروت وماروت مرفوعين بدل من الشياطين بدل من البعض كما هو قراءة الزهري وعلى هذا كما قاله الحسن والضحّاك فهما علجان من بابل يعلمان السحر.
وقرأ الحسن «على الملكين» بكسر اللام فهما داود وسليمان كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزي. وقيل : كانا رجلين صالحين من الملوك. (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ) أي وما يعلم الملكان أحدا السحر (حَتَّى يَقُولا) أولا (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي امتحان من الله تعالى للناس (فَلا تَكْفُرْ) أي فلا تتعلم ولا تعمل به أي لا يصفان السحر لأحد إلا أن يقولا ـ يبذلا النصيحة له ـ فيقولان له : هذا الذي نصه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر والمعجزة
ولكنه يمكنك أن تتوصل به إلى المفاسد والمعاصي فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة (فَيَتَعَلَّمُونَ) أي الأحد. والمراد به السحرة (مِنْهُما) أي الملكين أو السحر والمنزل على الملكين أو الفتنة والكفر (ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) إما بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا وإذا صار كافرا بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، وإما بالتمويه والحيل فيبغض كل منهما في الآخر. (وَما هُمْ) أي السحرة أو اليهود أو الشياطين (بِضارِّينَ بِهِ) أي باستعمال السحر (مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإيجاد الله وإرادته وعلمه (وَيَتَعَلَّمُونَ) أي الشياطين واليهود والسحرة بعضهم من بعض (ما يَضُرُّهُمْ) في الآخرة (وَلا يَنْفَعُهُمْ) في الدنيا ولا في الآخرة وهو السحر (وَلَقَدْ عَلِمُوا) أي اليهود (لَمَنِ اشْتَراهُ) أي استبدل ما تتلوا الشياطين (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ) أي في الجنة (مِنْ خَلاقٍ) أي نصيب أو ما له في النار من خلاص أي أن اليهود لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) أي وبالله لبئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم في الآخرة الكفر أو تعلم السحر (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (١٠٢) قبحه على اليقين (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي اليهود (آمَنُوا) بمحمد المشار إليه في قوله تعالى : (وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) [البقرة : ٨٩] إلخ. وبما أنزل إليه من الآيات المذكورة بقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ) [البقرة : ٩٩] أو بالتوراة التي أريدت بقوله تعالى : (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ) [البقرة : ١٠١] (وَاتَّقَوْا) بأن تابوا من اليهودية واستعمال السحر (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) أي لشيء من ثواب الله خير لهم (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (١٠٣) ذلك (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا) للنبي صلىاللهعليهوسلم (راعِنا) وكان المسلمون يقولون لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : إذا تلا عليهم شيئا من العلم : راعنا يا رسول الله أي تأن بنا حتى نفهم كلامك واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها فيما بينهم فلما سمعوا المؤمنين يقولون : راعنا ، خاطبوا به النبي صلىاللهعليهوسلم وهم يعنون بها تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ منهم وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود : يا أعداء الله عليكم لعنة الله ، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلىاللهعليهوسلم لأضربن عنقه ، قالوا : أولستم تقولونها؟ فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى لئلا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلىاللهعليهوسلم. وذلك قوله تعالى : (وَقُولُوا انْظُرْنا) أي انظر إلينا والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إتيانه للكلام على نعت الأفهام أقوى ، وقيل : لا تعجل علينا قاله ابن زيد (وَاسْمَعُوا) أي أحسنوا سماع ما يقوله النبي صلىاللهعليهوسلم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجون إلى الاستعادة (وَلِلْكافِرِينَ) أي اليهود الذين سبوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم (عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٠٤) هو النار (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) وهم اليهود (وَلَا الْمُشْرِكِينَ) من العرب (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ
مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي ما يحب اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ومشركو العرب أبو جهل وأصحابه أن ينزل عليكم وحي من ربكم لأنهم يحسدونكم به (وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ) أي بوحيه (مَنْ يَشاءُ) أي من كان أهلا لذلك وهو محمد صلىاللهعليهوسلم (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (١٠٥) بالوحي على محمد صلىاللهعليهوسلم من غير علة ولما قال الكفار : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه وما يقوله : إلا من تلقاء نفسه نزل قوله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها).
قرأ ابن عامر «ننسخ» بضم النون الأولى وكسر السين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ننسأ» بفتح النون الأولى والسين وبهمزة ساكنة بعد السين أي ما نبدل آية إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما معا ، أو نتركها كما كانت فلا نبدلها ، نأت بأنفع من المنسوخ وأخف في العمل بها ، أو نأت بمثلها في الثواب والنفع والعمل أو يقال : ما نمحو من آية قد عمل بها ، أو نؤخر نسخها فلا نرفع تلاوتها ولا نزيل حكمها ، نأت بما هو أنفع للعباد في السهولة كنسخ وجوب مصابرة الواحد لعشرة من الأعداء بوجوب مصابرته لاثنين أو في كثرة الأجر كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم أو نأت بمثلها في التكليف والثواب كنسخ وجوب استقبال صخرة بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة فهما متساويان في الأجر (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٦) وهذا تنبيه للنبي صلىاللهعليهوسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته وإنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وهذا هو التنبيه على أنه تعالى إنما حسن منه التكليف لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل ولا لعقاب يندفع. (وَما لَكُمْ) يا معشر اليهود (مِنْ دُونِ اللهِ) أي غيره (مِنْ وَلِيٍ) أي قريب ينفعكم (وَلا نَصِيرٍ) (١٠٧) يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الوليد والنصير بأن الولي قد يعجز عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور ولما قالت اليهود : يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة نزل قوله تعالى : (أَمْ تُرِيدُونَ) أي أتريدون (أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) أي الرسول الذي جاءكم (كَما سُئِلَ مُوسى) أي سأله بنو إسرائيل رؤية الرب وغير ذلك (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هذا الرسول (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١٠٨) أي ومن يختر الكفر على الإيمان أي بأن يأخذ الكفر بدل الإيمان فقد أخطأ الطريق المستوي أي الحق (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) أي من أحبار اليهود كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) يا عمار ويا حذيفة ويا معاذ بن جبل (مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ) بمحمد والقرآن (كُفَّاراً) أي تمنى كثير من اليهود أن يصيّروكم من بعد إيمانكم مرتدين.
روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة وعمّار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم! فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا ، فقال عمّار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : أمر شديد. قال : فإني قد عاهدت الله تعالى أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبا. وقال حذيفة : أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم أتيا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأخبراه بذلك فقال : «أصبتما خيرا وأفلحتما». فنزلت هذه الآية : (حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ) في كتابهم أن محمدا هو الحق. وقالت صفية بنت حيي للنبي صلىاللهعليهوسلم : جاء أبي وعمي من عندك ، فقال أبي لعمي : ما تقول فيه؟ قال : أقول إنه النبي الذي بشّر به موسى عليهالسلام. قال : فما ترى؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة فهذا حكم الحسد. (فَاعْفُوا) أي اتركوهم فلا تؤاخذوهم (وَاصْفَحُوا) أي أعرضوا عنهم فلا تلوموهم (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) فيهم أي بقتل بني قريظة وسبيهم ، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم أو بإذنه في القتال (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) فهو يقدر على الانتقام منهم من القتل والإجلاء (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) والواجبتين عليكم ولما أمر الله المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم فقال : أقيموا الصلاة. (وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي عمل صالح أي أيّ شيء من التطوعات تقدموه لمصلحة أنفسكم (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ) أي تجدوا ثوابه مدخرا عند الله (إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (١١٠) فلا يضيع عنده عمل (وَقالُوا) عطف على ود (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) أي قالت يهود المدينة : لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية. وقالت نصارى نجران : لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية. وقرأ أبيّ ابن كعب إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أي قالوا ذلك لما تناظروا بين يدي النبي صلىاللهعليهوسلم (تِلْكَ) أي الأماني الباطلة وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يروا المؤمنين كفارا وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم (أَمانِيُّهُمْ) أي متمنياتهم على الله ما ليس في كتابهم (قُلْ) يا أشرف الخلق (هاتُوا بُرْهانَكُمْ) أي أحضروا حجتكم من كتابكم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١١١) في مقالتكم (بَلى) يدخل الجنة غيرهم (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي من أخلص نفسه (لِلَّهِ) لا يشرك به شيئا (وَهُوَ مُحْسِنٌ) في جميع أعماله (فَلَهُ أَجْرُهُ) الذي وعد له على عمله (عِنْدَ رَبِّهِ) أي في الجنة (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الدارين من لحوق مكروه (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١١٢) من فوات مطلوب ولما قدم نصارى نجران على رسول الله صلىاللهعليهوسلم أتاهم أحبار اليهود فتخاصموا في الدين حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت لهم اليهود : ما أنتم على شيء من الدين. وقالت النصارى لليهود : ما أنتم على شيء من الدين. أنزل الله تعالى هذه الآية (وَقالَتِ الْيَهُودُ) أي يهود المدينة (لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ) أي أمر يعتد به
من الدين. قاله رافع بن حرملة فكفر بعيسى والإنجيل (وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ) قاله رجل من أهل نجران فكفر بموسى والتوراة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. (وَهُمْ) أي الفريقان (يَتْلُونَ الْكِتابَ) المنزّل عليهم ويقولون ما ليس فيه وكان حق كل منهم أن يقر بحقيقة دين خصمه بحسب ما ينطق به كتابه فإن في كتاب اليهود تصديق عيسى وفي كتاب النصارى تصديق موسى (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الذي سمعت به (قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) كتاب الله.
قال السدي : هم العرب. وقال عطاء : هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى كما أخرجهما ابن جرير (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بدل من كذلك بيان للكاف أي لأهل كل دين أنهم ليسوا على شيء يصح (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ) من الدين (يَخْتَلِفُونَ) (١١٣) فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وقال الحسن : أي فالله يكذبهم جميعا ويدخلهم النار (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم (مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) بالصلاة والتسبيح (وَسَعى) أي عمل (فِي خَرابِها) بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر (أُولئِكَ) المانعون الساعون في خرابها (ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ) أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا بخشية وخضوع ، وقيل : معنى هذه الجملة النهي عن تمكين الكفار من الدخول في المسجد. واختلف الأئمة في ذلك فجوزه أبو حنيفة مطلقا ، ومنعه مالك مطلقا ، وفرّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم قريش كما قيل : إن هذه الآية نزلت في شأن مشركي العرب الذين منعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الدعاء إلى الله بمكة وألجأوه إلى الهجرة فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. وقد كان الصديق رضياللهعنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر ، ومن طريق الغنوي عن ابن عباس أنهم النصارى كما نقل عن ابن عباس أن طيطيوس بن اسبيانوس الرومي ـ ملك النصارى ـ وأصحابه غزوا بني إسرائيل وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم ، وأحرقوا التوراة ، وخربوا بيت المقدس ، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه المسلمون في زمن عمر رضياللهعنه. ومعنى هذه الآية حينئذ ولا أحد أظلم في كفره ممن خرب بيت المقدس لكيلا يذكر فيه اسمه بالتوحيد والأذان وعمل في خرابه من إلقاء الجيف فيه. أولئك ـ أي أهل الروم ـ ما كان لهم أمن في دخوله إلا مستخفين من المؤمنين مخافة القتل وهذا الحكم عام لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي هوان بالقتل والسبي وضرب الجزية عليهم (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١١٤) وهو عذاب النار (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي له تعالى كل الأرض فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا (فَأَيْنَما تُوَلُّوا) وجوهكم في الصلاة بأمره (فَثَمَ) أي هناك (وَجْهُ اللهِ) أي قبلته كما قاله مجاهد. وقرئ بفتح التاء واللام
أي فأينما توجهوا إلى القبلة فثم مرضاة الله (إِنَّ اللهَ واسِعٌ) برحمته يريد التوسعة على عباده (عَلِيمٌ) (١١٥) بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها أي إن الله تعالى أراد تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات مملوكة له تعالى ، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل إن الله تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده وكيف يريد. وقال ابن عباس : لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت هذه الآية ردا عليهم. وقال أبو مسلم : إن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى إنما استقبلوا المشرق لأن عيسى عليهالسلام ولد هناك فرد الله عليهم بهذه الآية : (وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ) أي صنع (وَلَداً).
وقرأ ابن عامر «قالوا» بغير واو قبل القاف أي قالت اليهود : عزير ابن الله. وقالت النصارى : المسيح ابن الله. وقال مشركوا العرب : الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى ردا عليهم : (سُبْحانَهُ) وهي كلمة تنزيه ينزه الله تعالى بها نفسه عما قالوه (بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) والملكية تنافي الوالدية أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) (١١٦) أي كل ما في السموات والأرض مطيعون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه ومشيئته فالطاعة هنا طاعة الإرادة لا طاعة العبادة (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي موجودهما بلا مثال (وَإِذا قَضى أَمْراً) أي إذا أراد إيجاد شيء (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (١١٧) أي أحدث فيحدث. وقوله «كن» تمثيل لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها من غير توقف كطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع ، ولا يكون من المأمور الآباء. وقرأ ابن عامر «كن فيكون» بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين في أول آل عمران في قوله تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) [آل عمران : ٣]. وفي الأنعام في قوله تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُ) [الأنعام : ٧٣] فإنه رفعها. وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس ، وبالرفع في سائر القرآن. والباقون بالرفع في كل القرآن. أما النصب فعلى جواب الأمر ، وأما الرفع فإما على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون أو معطوف على «يقول» أو معطوف على «كن» من حيث المعنى كما هو قول الفارسي. (وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) للنبي صلىاللهعليهوسلم وهم اليهود منهم رافع بن حرملة كما أخرجه جرير عن ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي ، أو هم كفار العرب كما أخرج عن قتادة (لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ) أي هلا يكلمنا الله مشافهة من غير واسطة بالأمر والنهي كما يكلم الملائكة أو موسى وهو ينص على نبوتك وهذا منهم استكبار (أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ) أي فإن كان الله تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة تأتينا ـ وهذا منهم إنكار في كون القرآن آية
ومعجزة لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا ذلك ـ ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : (كَذلِكَ) أي مثل ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد (قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) في التشديد وطلب الآيات فقالوا : (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) [النساء : ١٥٣] وقالوا : (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) [البقرة : ٦١] وقالوا : (اجْعَلْ لَنا إِلهاً) [الأعراف : ١٣٨] وقالوا : (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) [المائدة : ١١٢]. (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) أي توافقت قلوبهم مع آبائهم واستوت كلمتهم في الكفر والعناد (قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ) أي نزلناها بينة (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (١١٨) أي يطلبون اليقين. وحاصل هذا الجواب من الله تعالى أنا قد أيدنا قول محمد صلىاللهعليهوسلم بالمعجزات وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها. (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) أي إنا أرسلناك ملتبسا بالقرآن والدين لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ، ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك ، أو المعنى إنا أرسلناك صادقا حال كونك بشيرا لمن صدّقك بالثواب ، ونذيرا لمن كذّبك بالعذاب (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) (١١٩).
قرأ الجمهور برفع التاء واللام على الخبر أي ولست بمسؤول عنهم ما لهم لم يؤمنوا بما أنزل عليك بعد ما بلغت ما أرسلت به. وقرأ نافع بالجزم وفتح التاء على النهي أي لا تسأل عن حال كفار أهل الكتاب التي تكون لهم في القيامة ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها وذلك إعلام بكمال شدة عقوبة الكفار فلا يستطيع السامع أن يسمع خبرها (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) أي لن ترضى عنك يهود المدينة ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع دينهم وقبلتهم ، ولن ترضى عنك نصارى نجران ولو تركتهم ودينهم حتى تتبع ملتهم وقبلتهم (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى) أي قل لهم يا أشرف الخلق ردا لقولهم لك لن ترضى عنك حتى تتبع ديننا إن دين الله هو الإسلام ، وإن قبلة الله هي الكعبة (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ) على سبيل التقدير أو المراد من هذا الخطاب أمته صلىاللهعليهوسلم (أَهْواءَهُمْ) أي أقوالهم التي هي أهواء النفس وهي المعبر عنها أولا بقوله تعالى : (مِلَّتَهُمْ) إذ هم الذين ينتسبون إليها. أما الشريعة الحقيقية من الله فقد غيروها تغييرا ، أي والله لئن اتبعت ملتهم وقبلتهم (بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي من الدين المعلوم صحته في أن دين الله هو الإسلام وقبلة الله هي الكعبة (ما لَكَ مِنَ اللهِ) أي من عذاب الله (مِنْ وَلِيٍ) أي قريب ينفعك (وَلا نَصِيرٍ) (١٢٠) يمنعك منه. (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) عبد الله بن سلام وأصحابه وبحيرا الراهب ، وأصحابه والنجاشي وأصحابه (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) أي يقرءونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويتدبرون في معانيه ويخضعون عند تلاوته ويبينون أمره ونهيه لمن سألهم (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي بكتابهم ، وبمتشابهه ويتوقفون فيما أشكل عليهم منه ويفوضونه
إلى الله تعالى ويعملون بمحكمه (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي بالكتاب المؤتى بأن يغيره (فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) (١٢١) حيث اشتروا الكفر بالإيمان. (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ومن جملة النعمة : التوراة وذكر النعمة إنما يكون بشكرها ، وشكرها الإيمان بجميع ما فيها ، ومن لازم الإيمان بها الإيمان بنبينا محمد صلىاللهعليهوسلم لأن نعت النبي من جملة ما فيها (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ) بالإسلام (عَلَى الْعالَمِينَ) (١٢٢) أي الموجودين في زمانكم (وَاتَّقُوا يَوْماً) أي اخشوا عذاب يوم (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) من عذاب الله (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ) أي فداء (وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (١٢٣) أي يمنعون مما يريد الله بهم ، ثم ذكر الله تعالى قصة إبراهيم توبيخا لأهل الملل المخالفين ، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا ، فالمشركون كانوا متشرفين بأنهم من أولاده. ومن ساكني حرمه ، وخادمي بيته ، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا متشرفين بأنهم من أولاده فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليهالسلام أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمد صلىاللهعليهوسلم والانقياد لشرعه ، لأن ما أوجبه الله تعالى على إبراهيم جاء به محمد كأفعال الحج واستقبال الكعبة وفي ذلك حجة عليهم فقال تعالى : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) أي بأوامر ونواه. قيل : قال ابن عباس وقتادة : هي مناسك الحج كالإحرام والطواف والسعي والرمي.
وقال ابن عباس : هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه ، وهي سنة في شرعنا : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس أي فرق شعره إلى الجانب الأيمن والجانب الأيسر ، وأما التي في البدن فالختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة إبراهيم ربه برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أن إبراهيم دعا ربه بكلمات من الدعاء كفعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا؟ (فَأَتَمَّهُنَ) أي قام بها حق القيام وأداها أحسن التأدية من غير تفريط (قالَ) تعالى له (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) أي قدوة في الدين إلى يوم القيامة. والذي يكون كذلك لا بدّ وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا بالشرع وأن يكون نبيا إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه في الجملة. (قالَ) أي إبراهيم (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي واجعل من بعض أولادي أئمة يقتدى بهم في الدين. (قالَ) الله : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (١٢٤) أي لا يصيب عهدي بالإمامة والنبوة الكافرين. وكل عاص فإنه ظالم لنفسه.
وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء «الظالمون» رفعا بالفاعلية و «عهدي» مفعول به وفي هذا دليل على عصمة الأنبياء عليهمالسلام من الكبائر مطلقا (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) أي جميع الحرم (مَثابَةً لِلنَّاسِ) أي مرجعا لهم فإنهم يثوبون إليه كل عام بأعيانهم أو بأمثالهم كما قاله الحسن. أو
المراد لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه كما قاله ابن عباس ومجاهد. أو المعنى جعلنا الكعبة موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره (وَأَمْناً) أي موضع أمن لمن يسكنه ويلجأ إليه من الأعداء والخسف والمسخ أو آمنا من حجه من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله وحمل بعضهم هذه الكلمة على الأمر على سبيل التأويل. والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضوع آمنا من الغارة والقتل فكان البيت محترما بحكم الله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى).
روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليهالسلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان : ربنا نقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليهالسلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي و «اتخذوا» بكسر الخاء على صيغة الأمر.
قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا عنده وعلى هذا فهذه الجملة كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليهالسلام فكأنه تعالى قال : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا ـ أنتم يا أمة محمد ـ من مقام إبراهيم مصلى. والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه قبلة لأنفسكم. وقرأ نافع وابن عامر «واتخذوا» بفتح الخاء على صيغة الماضي فهو إخبار عن ولد إبراهيم إنهم اتخذوا من مقامه مصلى. (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ) أي أمرناهما (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ) أي بأن أسساه على التقوى. وقيل : معناه عرّفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا فيه (لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) جمع راكع وساجد. فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به. وبالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور. وبالركع السجود : من يصلي هناك. قال عطاء : فإذا كان الشخص طائفا فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود ثم إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة.
روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل. (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا) الحرم (بَلَداً آمِناً) أي كثيرا لخصب فإن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى وأيضا إن الخصب مما يدعو الإنسان إلى تلك البلدة فهو سبب اتصاله في الطاعة (وَارْزُقْ أَهْلَهُ) أي الحرم (مِنَ الثَّمَراتِ) وقد حصل في مكة الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد.
روي أن الطائف كانت من مدائن الشام في أردن فلما دعا إبراهيم بهذا الدعاء أمر الله تعالى
جبريل عليهالسلام حتى قطعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا ، ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) بدل من أهله بدل البعض خصهم سيدنا إبراهيم بالدعاء مراعاة لحسن الأدب وفي ذلك ترغيب لقومه في الإيمان. (قالَ) تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ) أي أرزقه (فَأُمَتِّعُهُ) بالرزق (قَلِيلاً) أي مدة عمره. وقرأ ابن عباس بسكون الميم. (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) أي ألجئه في الآخرة (إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٢٦) هي النار (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ) أي وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل الجدران التي هي من البيت أي التي هي بعضه المستتر من الأرض. قيل : بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل : طور سيناء ، وطور زيتا ، ولبنان والجودي ، وأسسه من حراء. وجاء جبريل عليهالسلام بالحجر الأسود من السماء وكان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود. يقولان : (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) بناءنا بيتك (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائنا (الْعَلِيمُ) (١٢٧) بنياتنا في جميع أعمالنا (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ) أي مخلصين (لَكَ) بالتوحيد والعبادة لا نعبد إلا إياك (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) أي واجعل بعض أولادنا جماعة مخلصة لك (وَأَرِنا مَناسِكَنا) أي علمنا سنن حجنا (وَتُبْ عَلَيْنا) أي تجاوز عن تقصيرنا والعبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه إما على سبيل السهو أو على سبيل ترك الأولى فكان هذا الدعاء لأجل ذلك (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ) أي المتجاوز لمن تاب (الرَّحِيمُ) (١٢٨) به (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ) أي في ذريتنا (رَسُولاً مِنْهُمْ) أي من أنفسهم وهو النبي صلىاللهعليهوسلم ولذلك قال : «أنا دعوة أبي إبراهيم» (١). أخرجه أحمد من حديث العرباض بن سارية وغيره. (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ) أي يذكرهم بالآيات ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ) أي يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه (وَالْحِكْمَةَ) قال الشافعي رضياللهعنه : الحكمة سنّة رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو قول قتادة. (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يطهرهم من شركهم (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي القادر الذي لا يغلب (الْحَكِيمُ) (١٢٩) أي العالم الذي لا يجهل شيئا. هاهنا سؤال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم مع محمد في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟
فجوابه : أن إبراهيم دعا لمحمد بهذه الدعوة فأجرى الله ذكر إبراهيم على ألسنة أمة محمد إلى يوم القيامة أداء عن حق واجب على محمد لإبراهيم.
والجواب الثاني : أن إبراهيم سأل ربه بقوله : «واجعل لي لسان صدق في الآخرين» أي أبق لي ثناء حسنا في أمة محمد صلىاللهعليهوسلم ، فأجابه الله تعالى فقرن بين ذكرهما إبقاء للثناء الحسن على إبراهيم في أمة محمد صلىاللهعليهوسلم.
__________________
(١) رواه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (١ : ٣٩) ، والقرطبي في التفسير (٢ : ١٣١).
والجواب الثالث : أن إبراهيم كان أبا الملة ، ومحمدا كان أبا الرحمة. وفي قراءة ابن مسعود النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «إنما أنا لكم مثل الوالد»(١). أي في الرأفة والرحمة. فلما وجب لكل واحد منهما حق الأبوة من وجه قرن بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة.
والجواب الرابع : أن إبراهيم كان منادي الشريعة في الحج ومحمدا كان منادي الإيمان ، فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) أي لا يكره أحد ملة إبراهيم إلا من جهل نفسه وخسر نفسه كما قاله الحسن أي فلم يفكر في نفسه فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله وعلى حكمته ثم يستدل بذلك على صحة نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) أي اخترناه في الدنيا للرسالة من دون سائر الخليقة عرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (١٣٠) أي مع آبائه المرسلين في الجنة (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ) عند استدلاله بالكواكب والقمر والشمس واطلاعه أمارات الحدوث فيها وذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك حين خرج من السرب (أَسْلِمْ) أي فزد في مقالتك وقل لا إله إلا الله. (قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (١٣١) ويقال : قال له ربه حين دعا قومه إلى التوحيد أسلم أي أخلص دينك وعملك لله قال : أسلمت ، أي أخلصت ديني وعملي لله رب العالمين. ويقال : قال له ربه حين ألقي في النار أسلم نفسك إليّ ، قال : أسلمت نفسي لله رب العالمين ، أي فوضت أمري إليه وقد حقق ذلك حيث لم يستغن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار (وَوَصَّى).
وقرأ نافع وابن عامر «وأوصى» بهمزة مفتوحة قبل واو ساكنة (بِها) أي باتباع الملة (إِبْراهِيمُ بَنِيهِ) وكانوا ثمانية إسماعيل وهو أول أولاده وأمه هاجر القبطية وإسحاق وأمه سارة ، والبقية وهم : مدن ، ومدين ، ويقشان ، وزمران ، وأشبق ، وشوح أمهم قنطوراء الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة. (وَيَعْقُوبُ) والأشهر أنه معطوف على إبراهيم ، ويجوز كونه مبتدأ محذوف الخبر والمعنى أن يعقوب وصى كوصية إبراهيم. وقرئ بالنصب عطفا على نبيه ، والمعنى وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب (يا بَنِيَ) هو على إضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصي عند الكوفيين لأنه في معنى القول (إِنَّ اللهَ اصْطَفى) أي اختار (لَكُمُ الدِّينَ) أي
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب : كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ، والدارمي في كتاب الطهارة ، باب : الاستنجاء بالأحجار ، وابن ماجة في كتاب الطهارة ، باب : الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٤٧).
دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٣٢) أي فاثبتوا على الإسلام حتى تموتوا مسلمين مخلصين له تعالى بالتوحيد والعبادة.
روي أن اليهود قالوا لرسول صلىاللهعليهوسلم : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت هذه الآية : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) أي أكنتم يا معشر اليهود حضراء (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) بما ذا أوصى بنيه باليهودية أو الإسلام أي حضره أسباب الموت (إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) أي أيّ شيء تعبدونه بعد موتي (قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١٣٣) أي مقرون بالعبادة والتوحيد (تِلْكَ) أي إبراهيم ويعقوب وبنوهما (أُمَّةٌ) أي جماعة (قَدْ خَلَتْ) أي مضت بالموت (لَها) أي لتلك الأمة (ما كَسَبَتْ) من الخير أي جزاؤه (وَلَكُمْ) أي يا معشر اليهود (ما كَسَبْتُمْ) أي جزاء ما كسبتموه من العمل (وَلا تُسْئَلُونَ) يوم القيامة (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٣٤) كما لا يسألون عن عملكم.روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا» (١). وقال : «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢). (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) أي قالت يهود المدينة للمؤمنين : كونوا هودا أي اتبعوا اليهودية ، وقالت : نصارى نجران للمؤمنين : كونوا نصارى أي اتبعوا النصرانية (تَهْتَدُوا) من الضلالة (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أي قل يا أشرف الخلق بل اتبعوا ملة إبراهيم أي بل نكون أهل ملة إبراهيم (حَنِيفاً) أي مستقيما مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٣٥) أي ما كان إبراهيم على دينهم وهذا أعلاه ببطلان دعواهم اتباعه عليهالسلام مع إشراكهم بقولهم : عزير بن الله والمسيح بن الله (قُولُوا) أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم ذلك (آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) وهو القرآن (وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ) من الصحف العشرة (وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) وهم بنو يعقوب وكانوا اثني عشر رجلا ، وهم يوسف وبنيامين ، وروبيل ويهوذا ، وشمعون ولاوى ودان ، ونفتالى وجادور بالون ، ويشجر. ودان والصحف إنما أنزلت على إبراهيم لكن لما كانوا متعبدين بتلك الصحف كانوا داخلين تحت أحكامها فكانت منزلة إليهم أيضا كما أن القرآن منزل إلينا (وَما أُوتِيَ مُوسى) من التوراة
__________________
(١) رواه أبو عوانة في المسند (١ : ٩٥) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٩ : ١٣٨) ، والطبراني في المعجم الكبير (١٩ : ٧).
(٢) رواه أبو داود في كتاب العلم ، باب : الحث على طلب العلم ، والترمذي في كتاب القرآن ، باب : ١٠ ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : الحث على طلب العلم ، والدارمي في المقدّمة ، باب : في فضل العلم والعالم ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٥٢).
(وَعِيسى) من الإنجيل (وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) من كتبهم والمعجزات (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بجميعهم (وَنَحْنُ لَهُ) أي لله (مُسْلِمُونَ) (١٣٦) أي مخلصون (فَإِنْ آمَنُوا) أي اليهود والنصارى (بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) أي فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف وتحريف كما أنكم آمنتم بالقرآن من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتوصلون بذلك إلى معرفة نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم. أو المعنى فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا من الضلالة بدين محمد وإبراهيم (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن الإيمان بالنبيين وكتبهم (فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ) أي فإنما هم مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) أي سيكفيك الله شقاقهم وقد أنجز الله تعالى وعده بقتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٣٧) فيدرك ما يقولون وما يضمرون وقادر على عقوبتهم (صِبْغَةَ اللهِ) أي اطلبوا صبغة الله وهي دين الإسلام عبّر بها عن الدين لكونه تطهير للمؤمنين من أوضار الكفر وحلية تزينهم بآثارهم الجميلة ومتداخلا في قلوبهم كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى أي ثوب كذلك كما قيل : إنما سمي دين الله بصبغة الله لأن اليهود تصبغ أولادها يهودا ، والنصارى تصبغ أولادها نصارى. بمعنى إنهم يلقنونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم. فقال تعالى : (صِبْغَةَ اللهِ) أي اتبعوا دين الله. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى لأنه تعالى يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر (وَنَحْنُ لَهُ) أي لله الذي أعطانا تلك النعمة الجليلة (عابِدُونَ) (١٣٨) شكرا لها ولسائر نعمه (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ) أي في شأن الله أن اصطفى رسوله من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم وترونكم أحق بالنبوة منا (وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ) فإنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها فلا تعترضوا على ربكم فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له (وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) أي لا يرجع إلينا من أفعالكم ضرر وإنما مرادنا نصحكم وإرشادكم (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (١٣٩) في العبودية ولستم كذلك فنحن أولى بالاصطفاء (أَمْ تَقُولُونَ).
قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة فـ «أم» يحتمل أن تكون متصلة معادلة للهمزة والتقدير بأيّ الحجتين تتعلقون في أمرنا بالتوحيد أم باتباع دين الأنبياء ، وأن تكون منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على الانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء عليهمالسلام. وقرأه الباقون بالياء على صيغة الغيبة فـ «أم» منقطعة غير داخلة تحت الأمر واردة من الله تعالى توبيخا لهم لا من جهة رسول الله صلىاللهعليهوسلم على نهج الالتفات. (إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ) أي أولاد يعقوب (كانُوا) قبل نزول التوراة والإنجيل (هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ) يا أشرف الخلق لهم : (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ) بدينهم (أَمِ
اللهُ) فإن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد صلىاللهعليهوسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين من اليهودية والنصرانية (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم (مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً) ثابتة (عِنْدَهُ) كائنة (مِنَ اللهِ) وهو شهادته تعالى لإبراهيم عليهالسلام بدين الإسلام والبراءة من اليهودية والنصرانية وهم اليهود (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٤٠) أي تكتمون من الشهادة (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٤١) هذا تكرير ليكون وعظا لليهود وزجرا لهم حتى لا يتكلموا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) أي الجهال الذي خفت أحلامهم (مِنَ النَّاسِ) وهم اليهود كما قاله ابن عباس ومجاهد لإنكار النسخ وكراهة التوجه إلى الكعبة.
والقائل منهم رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو ، وكعب بن الأشرف ، ورافع بن حرملة والحجاج بن عمرو والربيع بن أبي الحقيق. وقيل : هم المنافقون كما قاله السدي لمجرد الاستهزاء والطعن. وقيل : هم مشركو العرب كما قاله ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم للطعن في الدين (ما وَلَّاهُمْ) أي أيّ شيء صرف المؤمنين (عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) وهي بيت المقدس (قُلْ) لهم يا أشرف الخلق (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي الجهات كلها ملكا والخلق عبيده لا يختص به مكان وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) أي موصل إلى سعادة الدارين وقد هدانا إلى ذلك حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة تارة أخرى (وَكَذلِكَ) أي كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل (جَعَلْناكُمْ) يا أمة محمد (أُمَّةً وَسَطاً) أي خيارا عدولا ممدوحين بالعلم والعمل (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي يشهد بعدالتكم.
روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم. فيقولون : أمة محمد يشهدون لنا فيؤتى بأمة محمد صلىاللهعليهوسلم فيشهدون فتقول الأمم الماضية : من أين عرفتم وأنتم بعدنا؟ فيقولون : علمنا ذلك بأخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد صلىاللهعليهوسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وقيل : معنى قوله تعالى : ويكون الرسول عليكم شهيدا أنه صلىاللهعليهوسلم إذا ادعى على أمته أنه بلغهم تقبل منه هذه الدعوى ولا يطالب بشهيد يشهد له فسميت دعواه شهادة من حيث قبولها وعدم توقفها على شيء آخر (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) أي وما صيرنا لك القبلة الآن الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة إلا لنعاملهم معاملة من يمتحنهم ونعلم حينئذ من يتبع الرسول في التوجه إلى ما أمر به ممن يرتد عن دين الإسلام. وكان صلىاللهعليهوسلم يصلي إلى الكعبة فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود فصلى إليها سبعة عشر شهرا
ثم حوّل إلى الكعبة وارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا : رجع محمد إلى دين آبائه (وَإِنْ) هي المخففة من الثقيلة أي وإنها (كانَتْ) أي التولية إلى الكعبة (لَكَبِيرَةً) أي شاقة على الناس (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) منهم وهم الثابتون على الإيمان (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أي ثباتكم على الإيمان بل أعد لكم الثواب العظيم.
وقيل : إيمانكم بالقبلة المنسوخة وصلاتكم إليها ، أي فإن الله لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ) أي بالمؤمنين (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٤٣) فلا يدع صلاتهم إلى بيت المقدس. (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) فـ «قد» للتكثير أي كثيرا نرى تصرف نظرك في جهة السماء انتظارا للوحي وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يترجى من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم أبيه وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرة لهم ، ولمخالفة اليهود فكان ينتظر نزول جبريل بالوحي بالتحويل (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) أي فلنحولنك في الصلاة إلى القبلة تحبها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها في قلبك (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي فاصرف جملة بدنك تلقاء الكعبة أي استقبل عينها بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيدا عنها والمراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة كما هو في أكثر الروايات. وقال آخرون : المراد بالمسجد الحرام جميع المسجد الحرام.
وقال آخرون : والمراد به الحرم كله. روي عن ابن عباس أنه قال : البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب وهذا قول مالك (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي في أيّ موضع كنتم يا أمة محمد منه برّ أو بحر ، مشرق أو مغرب فاصرفوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) هم أحبار اليهود وعلماء النصارى (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ) أي التولي إلى الكعبة (الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) لمعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه صلىاللهعليهوسلم يصلي إلى القبلتين ، ولكن يكتمونه (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٤٤). قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء إما خطاب للمسلمين أي وما الله بساه عما تعملون أيها المسلمون من امتثال أمر القبلة ، وإما خطاب لأهل الكتاب. أي وما الله بغافل عما تكتمون يا أهل الكتاب خبر الرسول وخبر القبلة. وقرأ الباقون بالياء على أنه راجع لهؤلاء (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) أي والله لئن جئت الذين أعطوا الكتاب اليهود والنصارى بكل حجة قطعية دالة على صدقك في أن تحولك بأمر من الله ما صلوا إلى قبلتك وما دخلوا في دينك (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) أي اليهود والنصارى وهذا بيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة وحسم أطماع أهل الكتاب. وقرئ بتابع قبلتهم بالإضافة (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) أي الأمور التي
يحبونها منك (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي الوحي في أمر القبلة بأنك لا تعود إلى قبلتهم (إِنَّكَ إِذاً) أي إنك لو فعلت ذلك على سبيل تقدير المستحيل وقوعه (لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (١٤٥) لأنفسهم (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي أعطيناهم علم التوراة (يَعْرِفُونَهُ) أي رسول الله صلىاللهعليهوسلم معرفة جلية يميّزون بينه وبين غيره (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) لا تشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. قال عمر بن الخطاب رضياللهعنه لعبد الله بن سلام رضياللهعنه : كيف هذه المعرفة المذكورة في هذه الآية فقال عبد الله : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ، ومعرفتي بمحمد أشد من معرفتي بابني. فقال عمر : فكيف ذلك؟ فقال : أشهد أنه رسول الله حقا وقد نعته الله تعالى في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء ، فقبّل عمر رأسه وقال : وفقك الله يا أبا سلام فقد صدقت (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ) أي من أهل الكتاب (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَ) أي أمر محمد صلىاللهعليهوسلم (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٤٦) أن صفة محمد مكتوبة في التوراة والإنجيل وأن كتمان الحق معصية (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) مبتدأ وخبر أي الحق الذي أنت عليه يا رسول الله كائن من ربك ويحتمل أن الحق خبر مبتدأ محذوف أي ما كتموه هو الحق ، وقرأ علي رضياللهعنه الحق من ربك بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول ليعلمون (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (١٤٧) أي الشاكين في أن علماء أهل الكتاب علموا صحة نبوّتك وشريعتك (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ).
قال بعضهم : أي لكل قوم من المسلمين جهة من الكعبة يصلي إليها جنوبية أو شمالية ، أو شرقية أو غربية. وقال آخرون : ولكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة فقبلة المقربين العرش ، وقبلة الروحانيين الكرسي ، وقبلة الكروبيين البيت المعمور ، وقبلة الأنبياء الذين قبلك حتى عيسى عليهالسلام بيت المقدس ، وقبلتك الكعبة وهي قبلة إبراهيم (هُوَ) أي الله (مُوَلِّيها) أي أمر بأن يستقبلها ، في قراءة عبد الله بن عامر النخعي هو مولاها وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر محمد بن علي الباقر. والمعنى هو أي كل قوم مولى لتلك الجهة ، وقرئ ولكل وجهة بالإضافة (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي فبادروا يا أمة محمد إلى الطاعات وقبول أوامرها (أَيْنَ ما تَكُونُوا) أي في أيّ موضع تكونوا من بر أو بحر (يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً) أي يجمعكم الله يوم القيامة فيجزيكم على الخيرات (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٤٨) من جمعكم وغيره (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) أي من أيّ مكان خرجت إليه للسفر (فَوَلِّ وَجْهَكَ) عند صلاتك (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ) أي هذا الأمر (لَلْحَقُ) أي الثابت الموافق للحكمة (مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٤٩) قرأه أبو عمرو بالياء على الغيبة وهو راجع للكفار أي من إنكار أمر القبلة والباقون بالتاء على الخطاب (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة (فَوَلِّ وَجْهَكَ) في الصلاة (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي تلقاءه (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين في بر أو بحر (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) في الصلاة من محالكم (شَطْرَهُ) أي المسجد
الحرام وكرر الله تعالى أمر التولي لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة ، لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة مع أنه تعالى علّق بكل آية فائدة أما في الآية الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد وأمر هذه القبلة حق لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل ، وأما في الآية الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق وشهادة الله بكونه حقا مغايرا لعلم أهل الكتاب بكونه حقا ، وأما في الآية الثالثة فبين أنه تعالى قطع حجة اليهود والمشركين ، وذلك قوله تعالى : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ) أي اليهود والمشركين (عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) أي مجادلة في التولي. والمعنى أن التولية عن الصخرة تدفع احتجاج اليهود بأن محمدا يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ، وذلك مدفوع بأن المنعوت في التوراة قبلته صلىاللهعليهوسلم الكعبة وتدفع احتجاج المشركين بأنه صلىاللهعليهوسلم يدّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أي إلا المعاندين منهم فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده (فَلا تَخْشَوْهُمْ) أي فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم (وَاخْشَوْنِي) أي احذروا عقابي فلا تخالفوا أمري (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) بالقبلة كما أتممت عليكم بالدين (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥٠) إلى الحق (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) أي من نسبكم وهو محمد صلىاللهعليهوسلم وهذا إما متعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول. وإما متعلق بما بعده أي كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا) أي يقرأ عليكم القرآن بالأمر والنهي (وَيُزَكِّيكُمْ) أي يطهركم من الذنوب بالتوحيد والصدقة (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ) أي معاني القرآن (وَالْحِكْمَةَ) أي السنة (وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (١٥١) أي يعلمكم أخبار الأمم الماضية وقصص الأنبياء وأخبار الحوادث المستقبلة (فَاذْكُرُونِي) باللسان والقلب والجوارح فالصلاة مشتملة على الثلاثة.
فالأول : كالتسبيح والتكبير. والثاني : كالخشوع وتدبر القراءة. والثالث : كالركوع والسجود. (أَذْكُرْكُمْ) بالإحسان والرحمة والنعمة في الدنيا والآخرة (وَاشْكُرُوا لِي) نعمتي بالطاعة (وَلا تَكْفُرُونِ) (١٥٢) أي لا تتركوا شكرها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا) على تمحيص الذنوب (بِالصَّبْرِ) على أداء فرائض الله وترك المعاصي وعلى المرازي (وَالصَّلاةِ) أي بكثرة صلاة التطوع في الليل والنهار (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (١٥٣) بالنصر (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ) كسائر الأموات (بَلْ أَحْياءٌ) أي بل هم كإحياء أهل الجنة في الجنة يرزقون من التحف (وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (١٥٤) بحياتهم وحالهم.
قال ابن عباس : نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا : ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. فالمهاجرون : عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب وعمرو بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر ، ومهجع بن عبد الله. والأنصار : سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، وتميم بن الهمام ، ورافع بن
المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء ، وعوف بن عفراء. وكان الناس يقولون : مات فلان ومات فلان ، فنهى الله تعالى أن يقال فيهم إنهم ماتوا. وقال آخرون : إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت تلك الآية (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي والله لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء أم لا؟ (بِشَيْءٍ) أي بقليل (مِنَ الْخَوْفِ) من العدو (وَالْجُوعِ) في قحط السنين (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ) بالهلاك (وَالْأَنْفُسِ) بالقتل والموت (وَالثَّمَراتِ) بالجوانح.
قال الشافعي رضياللهعنه : الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من الأموال : الزكاة والصدقات ، والنقص من الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد. (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (١٥٥) الخطاب لرسول الله صلىاللهعليهوسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا) باللسان والقلب معا (إِنَّا لِلَّهِ) أي نحن عبيد الله (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) (١٥٦) بعد الموت. قال أبو بكر الوراق : «إنا لله» إقرار منا بالملك له تعالى وإنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلاك (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ) أي مغفرة (مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي لطف (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (١٥٧) للاسترجاع حيث سلموا لقضاء الله تعالى (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) أي من علامات مواضع العبادات لله بالحج والعمرة. (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) أي فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما سبعا.
قال ابن عباس : كان على الصفا صنم اسمه أساف ، وعلى المروة صنم آخر اسمه نائلة. وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله لا من شعائر الجاهلية (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) أي زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا (فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ) أي مجاز على الطاعة (عَلِيمٌ) (١٥٨) أي يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ) هي كل ما أنزله الله على الأنبياء (وَالْهُدى) أي ما يهدى في وجوب اتباعه صلىاللهعليهوسلم والإيمان به من الدلائل العقلية والنقلية (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ) أي لبني إسرائيل (فِي الْكِتابِ) أي التوراة (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ) أي يبعدهم من رحمته (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١٥٩) أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون : اللهم العنهم ، وهؤلاء دواب الأرض. كذا قال مجاهد أخرجه سعيد بن منصور وغيره. وقال قتادة والربيع هم الملائكة والمؤمنون أخرجه ابن جرير. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) أي ندموا على ما فعلوا (وَأَصْلَحُوا) بالعزم على عدم العود (وَبَيَّنُوا) ما كتموه (فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي أقبل توبتهم (وَأَنَا التَّوَّابُ) أي القابل لتوبة من تاب (الرَّحِيمُ) (١٦٠) أي المبالغ في نشر الرحمة لمن مات على التوبة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالكتمان وغيره (وَماتُوا وَهُمْ
كُفَّارٌ) بالله ورسوله (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (١٦١) حتى أهل دينهم فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا (خالِدِينَ فِيها) أي اللعنة (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ) طرفة عين (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (١٦٢) أي يؤجلون من العذاب فإذا استمهلوا لا يمهلون ، وإذا استغاثوا لا يغاثون (وَإِلهُكُمْ) أي المستحق منكم العبادة (إِلهٌ واحِدٌ) أي فرد في الإلهية (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي لا معبود لنا موجود إلّا الإله الواحد (الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) خبران آخران للمبتدأ ، فالرحمن المبالغ في النعمة والرحيم كثير النعمة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (١٦٤) اعلم أنه تعالى لما حكم بالوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده تعالى وعلى براءته من الأنداد.
النوع الأول : السموات والأرض والآيات في السماء هي : سمكها وارتفاعها بغير عمد ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ، والآيات في الأرض مدّها وبسطها على الماء ، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار ، والثمار.
النوع الثاني : الليل والنهار والآيات فيهما تعاقبهما بالمجيء والذهاب ، واختلافهما في الطول والقصر ، والزيادة والنقصان. والنور والظلمة وانتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل والسعي في الكسب في النهار.
النوع الثالث : السفن والآيات فيها جريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرحال فلا ترسب ، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة وتسخير البحر لحمل السفن مع قوة سلطان الماء ، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا الله تعالى.
النوع الرابع : ركوب السفن والحمل عليها في التجارة والآيات في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلوب من يركب هذه السفن لما تمّ الغرض في تجاراتهم ومنافعهم ، وأيضا فإن الله تعالى خصّ كل قطر من أقطار العالم بشيء معين فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وجوف البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه.
النوع الخامس : نزول المطر من السماء والآيات في ذلك أن الله جعل الماء سببا لحياة جميع الموجودات من حيوان ونبات ، وأنه ينزله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة وعند الاستسقاء وينزله بمكان دون مكان.
النوع السادس : انتشار كل دابة في الأرض والآيات في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم مع ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان.
النوع السابع : الريح والآيات فيه أنه جسم لطيف لا يمسك ولا يرى ، وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الشجر والصخر ويخرب البنيان وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن على ما وجه الأرض.
النوع الثامن : السحاب والآيات في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية العظيمة يبقى معلقا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده.
قال القاضي زكريا : إن السحاب من شجرة مثمرة في الجنة والمطر من بحر تحت العرش (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً) أي ومن الكفار من يعبد من غير الله أوثانا (يُحِبُّونَهُمْ) حبا كائنا (كَحُبِّ اللهِ) أي كحبهم لله تعالى أي يسوّون بينه تعالى وبين الأصنام في الطاعة والتعظيم أو يحبون عبادتهم أصنامهم كحب المؤمنين إلى الله تعالى بالعبادة (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) من الكفار لأصنامهم فإن المؤمنين لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة وعند زوال الحاجة يرجعون إلى الأصنام. (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ) (١٦٥).
قرأ الجمهور ولو يرى بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من أن عند القراء السبع. والمعنى لو لم يعلم الذين أشركوا بالله شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أندادا ، وعلى قراءة بعض القراء غير السبع بكسر الهمزة من إن كان التقدير ولو يعلم الذين ظلموا بعبادة الأصنام عجزها حال مشاهدتها عذاب الله لقالوا : إن القوة لله. وقرأ نافع وابن عامر «ترى» بالتاء المنقوطة من فوق مع فتح الهمزة على الخطاب للرسول صلىاللهعليهوسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب والمعنى ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ، ترى أن القوة لله جميعا ولو كسرت الهمزة كان المعنى ولو ترى الذين أشركوا إذ يرون العذاب لقلت : إن القوة لله جميعا. وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) أي القادة وهم الرؤساء من مشركي الإنس (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي السفلة (وَرَأَوُا الْعَذابَ) أي وقد رأى القادة والسفلة العذاب في الآخرة (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) (١٦٦) أي تقطعت عنهم المواصلات والأرحام والأعمال والعهود والألفة بينهم أي أنكر القادة إضلال السفلة يوم القيامة حين يجمعهم الله (وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي السفلة (لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً) أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ) أي القادة هناك (كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) اليوم (كَذلِكَ) أي كما أراهم
الله شدة عذابه (يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ) أي ندامات شديدة (عَلَيْهِمْ) أي على تفريطهم (وَما هُمْ) أي القادة والسفلة (بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (١٦٧) بعد دخولها (يا أَيُّهَا النَّاسُ).
قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف ، وبني عامر بن صعصعة ، وخزاعة ، وبني مدلج (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ) أي من الحرث والأنعام (حَلالاً طَيِّباً) أي مباحا بأن لا يكون متعلقا به حق الغير (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) أي لا تقتدوا طرق وساوس الشيطان في تحريم الحرث والأنعام (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (١٦٨) أي ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة (إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ) أي القبيح من الذنوب التي لا حد فيها (وَالْفَحْشاءِ) أي المعاصي التي فيها حد (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (١٦٩) أي وبأن تفتروا على الله ما لا تعلمون أن الله تعالى حرم هذا وذاك (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) أي لمشركي العرب (اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ) من التوحيد وتحليل الطيبات (قالُوا) لا نتبعه (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) أي ما وجدناهم عليه من عبادة الأصنام وتحريم الطيبات ونحو ذلك قال الله تعالى : (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ) أي أيتبعونهم وإن كان آباؤهم (لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً) من الدين (وَلا يَهْتَدُونَ) (١٧٠) إلى الحق (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) أي وصفة الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كصفة الراعي الذي يصوت على ما لا يسمع من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوت الراعي من غير فهم لكلامه أصلا ، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة فكذا التقليد. ويقال : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم للأوثان كمثل الراعي الذي يتكلم مع البهائم فكما يحكم على الراعي بقلة العقل فكذا هؤلاء (صُمٌ) لأنهم لم يسمعوا الحق (بُكْمٌ) لأنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه (عُمْيٌ) لأنهم أعرضوا عن الدلائل (فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (١٧١) أي لا يفقهون أمر الله ودعوة النبي صلىاللهعليهوسلم كما لا تفهم البهائم كلام الراعي (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) أي كلوا من حلالات ما أعطيناكم من الحرث والأنعام (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) على ما رزقكم من الطيبات (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (١٧٢) أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه تعالى هو المنعم لا غير فإن الشكر رأس العبادات (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) أي أكلها والانتفاع بها وهي التي ماتت على غير ذكاة أما السمك والجراد فهما خارجان عنهما باستثناء الشرع كخروج الطحال من الدم (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) أي جميع أجزائه وإنما خصّ اللحم لأنه المقصود بالأكل (وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) فما موصول وبه نائب الفاعل والباء بمعنى في مع حذف مضاف. والمعنى وما صيح في ذبحه لغير الله والكفار يرفعون الصوت لآلهتهم عند الذبح.
وقال الربيع بن أنس وابن زيد : والمعنى وما ذكر عليه غير اسم الله وعلى هذا فغير الله نائب
الفاعل واللام صلة. قال العلماء : لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي أحوج إلى أكل ما ذكر بأنه أصابه جوع شديد ولم يجد حلالا يسدّ به الرمق أو أكره على تناول ذلك (غَيْرَ باغٍ) أي غير طالب للذة (وَلا عادٍ) أي متجاوز سد الجوعة كما نقل عن الحسن وقتادة والربيع ، ومجاهد وابن زيد. وقيل : غير باغ على الوالي ولا عاد على المسلمين بقطع الطريق وعلى هذا لا يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهماالله (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) في أكل ما ذكر. (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لمن أكل في حال الاضطرار (رَحِيمٌ) (١٧٣) حيث أباح في تناول قدر الحاجة (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ) المشتمل على الأحكام من المحللات والمحرمات وعلى نعت محمد صلىاللهعليهوسلم (وَيَشْتَرُونَ بِهِ) أي بالكتمان (ثَمَناً قَلِيلاً) أي عوضا حقيرا (أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) أي إلا الحرام الذي هو سبب النار يوم القيامة (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) بكلام طيب (يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٤) يخلص ألمه إلى قلوبهم (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ) أي أولئك الكاتمون اختاروا ما تجب به النار على ما تجب به الجنة (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) (١٧٥) أي فما أجرأهم على النار (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) أي ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالصدق أو ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب ببيان الحق وهم قد حرفوا تأويله (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ) بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) (١٧٦) أي لفي خلاف بعيد عن الهدى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) في الصلاة (قِبَلَ الْمَشْرِقِ) أي جهة الكعبة (وَالْمَغْرِبِ) أي جهة بيت المقدس.
وقرأ حفص وحمزة بنصب «البر» على أنه خبر مقدم (وَلكِنَّ الْبِرَّ) ولكن الشخص البر (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) أي مع حب المال وهو أن يؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر (ذَوِي الْقُرْبى) أي القرابة (وَالْيَتامى) أي المحاويج منهم (وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) أي مار الطريق (وَالسَّائِلِينَ) أي الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال (وَفِي الرِّقابِ) أي في المكاتبين. وقيل : في اشتراء الرقاب لإعتاقها (وَأَقامَ الصَّلاةَ) المفروضة منها (وَآتَى الزَّكاةَ) أي المفروضة (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) عطف على من آمن (إِذا عاهَدُوا) فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس (وَالصَّابِرِينَ) مفعول لفعل محذوف كاذكر (فِي الْبَأْساءِ) أي الخوف والبلايا والشدائد (وَالضَّرَّاءِ) أي الأمراض والأوجاع والجوع (وَحِينَ الْبَأْسِ) أي وقت شدة القتال في سبيل الله (أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) في الدين وطلب البر (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) عن الكفر.
تنبيه : قوله «ليس البر» هو اسم جامع لكل طاعة ، ثم قوله : ولكن البر هو اسم فاعل والأصل برر بكسر الراء الأولى فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلب حركتها أو مصدر بمعنى اسم الفاعل الذي هو البار كما هو القراءة الشاذة ، واختلف في المخاطب بهذه الآية. فقال بعضهم : المراد مخاطبة اليهود لما شددوا في الثبات على التوجه جهة بيت المقدس.فقال تعالى : ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام. وقال بعضهم : بل هو خطاب للكل. وقال الله تعالى : إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور.
أحدها : الإيمان بالله فأهل الكتاب أخلّوا بذلك فإن اليهود قالوا بالتجسيم ووصفوا الله تعالى بالبخل ، وقالوا عزير ابن الله. وأن النصارى قالوا : المسيح ابن الله.
وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، فاليهود أخلّوا بهذا الإيمان حيث قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة والنصارى أنكروا المعاد الجسماني.
وثالثها : الإيمان بالملائكة ، فاليهود أخلّوا بذلك حيث أظهروا عداوة جبريل عليهالسلام.
ورابعها : الإيمان بكتب الله ، فاليهود والنصارى قد أخلّوا بذلك حيث لم يقبلوا القرآن.
وخامسها : الإيمان بالنبيين ، واليهود أخلّوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء وطعنوا في نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم.
وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر الله تعالى ، واليهود أخلّوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل.
وسابعها : إقامة الصلوات والزكوات ، فاليهود كانوا يمنعون الناس منهما.
وثامنها : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) أي فرض عليكم المماثلة وصفا وفعلا (فِي الْقَتْلى) أي بسبب قتل القتلى عند مطالبة الولي بالقصاص (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) أي الحر يقتل بقتل الحر لا بقتل العبد (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) وبالحر من باب أولى (وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) وبيّنت الأحاديث أنه يقتل أحد النوعين الذكر والأنثى بالآخر ويعتبر أن لا يفضل القاتل القتيل بالدين والأصلية والحرية. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) أي فمن سهل له من أولياء الدم من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فعلى ولي الدم مطالبة ذلك المال من ذلك القاتل من غير تشديد بالمطالبة ، وعلى القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير
مماطلة وبخس بل على بشر وطلاقة ، وقول جميل ومعنى هذه الآية إن الله تعالى حثّ الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفو عن القود. (ذلِكَ) أي الحكم من جواز القصاص والعفو عنه على الدية (تَخْفِيفٌ) في حقكم (مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) للقاتل من القتل لأن العفو وأخذ الدية محرمان على اليهود بل فرض عليهم القصاص وحده والقصاص والدية محرمان على النصارى بل فرض عليهم العفو على الإطلاق وفي ذلك تضييق على كل من الوارث والقاتل ، وهذه الأمة مخيّرة بين الثلاث : القصاص ، والدية ، والعفو تيسيرا عليهم (فَمَنِ اعْتَدى) أي جاوز الحد (بَعْدَ ذلِكَ) أي بعد بيان كيفية القصاص والدية (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٨) أي شديد الألم في الآخرة (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) أي ولكم في مشروعية القصاص حياة لأن من أراد قتل الشخص إذا علم القصاص ارتدع عن القتل فيتسبب لحياة نفسين ولأن الجماعة يقتلون بالواحد فتنتشر الفتنة بينهم فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سببا لحياتهم (يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي ذوي العقول الخالية من الهوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٧٩) أي لكي تتقوا المساهمة في أمره وترك المحافظة عليه. (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) أي فرض عليكم الوصية للوالدين والأولاد كما قاله عبد الرحمن بن زيد أو الرحم غير الوالدين ، كما قاله ابن عباس ومجاهد بالعدل بحسب استحقاقهم فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت كالمرض المخوف إن ترك مالا.
قال الأصم : إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعا للقوم عمّا كانوا اعتادوه (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) أي حق ذلك حقا على الموحدين (فَمَنْ بَدَّلَهُ) أي الوصية من وصي وشاهد إما بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبديل صفتها أو غير ذلك (بَعْدَ ما سَمِعَهُ) أي بعد علم الوصية (فَإِنَّما إِثْمُهُ) أي التبديل (عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) أي الوصية لا على الميت لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لوصية الميت (عَلِيمٌ) (١٨١) بالمبدل فيجازي الميت بالخير والمبدل بالشر (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ) قرأه شعبة وحمزة والكسائي بفتح الواو وتشديد الصاد أي من علم من ميت (جَنَفاً) أي ميلا عن الحق بالخطإ في الوصية (أَوْ إِثْماً) أي عمدا في الميل في الوصية (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) أي فعل ما فيه الصلاح بين الوصي والموصى لهم برده إلى الثلث والعدل (فَلا إِثْمَ) أي على من علم ذلك في هذا الصلح وإن كان فيه تبديل لأنه تبديل باطل بحق بخلاف الأول (عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) للميت إن جار وأخطأ للوصي (رَحِيمٌ) (١٨٢) للوصي حيث رخص عليه الرد إلى الثلث والعدل. ومعنى الآية بأن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمدا فلا إثم على من علم ذلك أن يغيّره ويرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام والأمم من لدن آدم عليهالسلام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٨٣) أي تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فالرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في غيرهما والاتقاء عنهما أشق فإذا سهل عليكم اتقاء الله بتركهما كان اتقاء الله بترك غيرهما أسهل وأخف أو المعنى لعلكم تتقون ترك المحافظة على الصوم بسبب عظم درجاته (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) أي في أيام مقدرات بعدد معلوم ثلاثين يوما وهي رمضان (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) مرضا يضره الصوم ولو في أثناء اليوم (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أي مستقرا على سفر قصر (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي فعليه إن أفطر صوم عدة أيام المرض والسفر أي بقدر ما أفطر من رمضان ولو مفرقا. وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : إن الله تعالى لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.
وروي أن رجلا قال للنبي صلىاللهعليهوسلم علي أيام من رمضان أفيجزيني أن أقضيها متفرقة؟ فقال له : «أ رأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك؟» قال : نعم. قال : «فالله أحق أن يعفو ويصفح»(١). وعن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلىاللهعليهوسلم ، فقال : يا رسول الله هل أصوم على السفر؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «صم إن شئت وأفطر إن شئت»(٢).
وروى الشافعي أن عطاء قال لابن عباس أقصر إلى عرفة؟ فقال : لا ، فقال : إلى مر الظهران؟ فقال : لا ، لكن اقصر إلى جدة وعسفان والطائف. قال مالك : بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا (فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) أي قدر ما يأكله في يوم وهو مد من غالب قوت بلده. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة فدية وجمع مساكين. قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما : إن هذه الآية منسوخة وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيّرين بين الصيام والفدية ، وإنما خيّرهم الله تعالى بينهما لأنهم كانوا لم يتعودوا الصيام فاشتد عليهم فرخص الله لهم في الإفطار. وقيل : إن هذه الآية نزلت في حق الشيخ
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الصوم ، باب : من مات وعليه صوم ، «بما معناه» ، ومسلم في كتاب الصيام ، باب : ١٥٤.
(٢) رواه البخاري في كتاب الصوم ، باب : الصوم في السفر والإفطار ، ومسلم في كتاب الصيام ، باب : ١٠٣ ، والدارمي في كتاب الصوم ، باب : الصوم في السفر ، وأبو داود في كتاب الصوم ، باب : الصوم في السفر ، والنسائي في كتاب الصيام ، باب : ذكر الاختلاف على سليمان بن يسار ، وابن ماجة في كتاب الصيام ، باب : ما جاء في الصوم في السفر ، والموطأ في كتاب السفر ، باب : ما جاء في الصيام في السفر ، وأحمد في (م ٦ / ص ٤٦ ، ١٩٣).
الهرم. والمعنى وعلى الذين يقدرون على الصوم مع المشقة فدية. (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) كأن زاد في الفدية على القدر الواجب أو صام مع إخراج الفدية (فَهُوَ) أي التطوع (خَيْرٌ لَهُ) بالثواب (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المرخصون لكم في الإفطار من المرضى والمسافرين والذين يقدرون على الصوم مع المشقة (خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) ما في الصوم من الفضيلة ومن المعاني المورثة للتقوى وبراءة الذمة فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثوابا (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) أي إن جبريل نزل بالقرآن جملة واحدة في ليلة القدر وكانت ليلة أربع وعشرين من رمضان من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فأملاه جبريل على السفر فكتبوه في صحف وكانت تلك الصحف في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة ، ثم نزل جبريل بالقرآن على رسول الله صلىاللهعليهوسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة مدة النبوة بحسب الحاجة يوما بيوم آية وآيتين وثلاثا وسورة. (هُدىً لِلنَّاسِ) أي بيانا للناس من الضلالة (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) أي واضحات من أمر الدين فالهدى الأول محمود على أصول الدين ، والهدى الثاني على فروع الدين (وَالْفُرْقانِ) أي من الفرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام. (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أي من شهد منكم أول الشهر في الحضر فليصم كل الشهر. وشهود الشهر إما بالرؤية ، وإما بالسماع فإذا رأى إنسان هلال رمضان وقد انفرد بتلك الرؤية ورد الإمام شهادته لزمه أن يصوم لأنه قد حصل شهود الشهر في حقه فوجب عليه الصوم ، وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعا ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به أما إذا شهد على هلال رمضان فيحكم به احتياطا لأمر الصوم ، أي يقبل قول الواحد في إثبات العبادة ولا يقبل في الخروج منها إلا قول الاثنين لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطا (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً) في شهر رمضان وإن كان مقيما (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أي متلبسا بالسفر وقت طلوع الفجر وإن كان صحيحا (فَعِدَّةٌ) أي فعليه عدة (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي فليصم منها بقدر ما أفطر (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) أي رخصة الإفطار في السفر (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) أي لم يرد أن يوجد لكم العسر في الصوم في السفر. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي لكي تصوموا في الحضر عدة ما أفطرتم في السفر. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الكاف وتشديد الميم (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ) عند انقضاء الصوم (عَلى ما هَداكُمْ) إلى هذه الطاعة.
قال ابن عباس : حقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. وقال الشافعي : وأحب إظهار التكبير في العيدين ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ، وأبو يوسف ، ومحمد. (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٨٥) الله على رخصته. قال الفراء : قوله تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) علة للأمر بمراعاة العدة. وقوله تعالى : (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ) علة ما علمكم الله من كيفية القضاء. وقوله تعالى : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) علة التسهيل (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي) أي عن قربي وبعدي
(فَإِنِّي قَرِيبٌ) أي فقل لهم يا أشرف الخلق : إني قريب منهم بالعلم والإجابة (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ). قيل : المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء : هو قبول التوبة ، وقيل : المراد من الدعاء العبادة.قال صلىاللهعليهوسلم : «الدعاء هو العبادة». (١) ومما يدل على ذلك قوله تعالى : (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) [غافر : ٦٠]. وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع «الداعي إذا دعاني» بإثبات الياء فيهما في الوصل. والباقون بحذفها على الوصل في الأولى وعلى التخفيف في الثانية (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) أي فلينقادوا لي وليستسلموا لي (وَلْيُؤْمِنُوا بِي) وهذا الترتيب يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١٨٦) أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي وسبب نزول هذه الآية قيل : إن أعرابيا جاء إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : أقريب ربنا فندعوه سرا أم بعيد فندعوه جهرا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي عن قتادة وغيره : أن الصحابة قالوا : كيف تدعو ربنا يا نبي الله أي أبالمناجاة أو بالمناداة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال عطاء وغيره : إنهم سألوا في أي ساعة ندعو الله فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الحسن : سأل أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : أين ربنا؟. وقال ابن عباس : إن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟ فنزلت هذه الآية. (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) أي المجامعة مع نسائكم. قال المفسرون : كان في أول شريعة محمد صلىاللهعليهوسلم إذا أفطر الصائم حلّ له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام ، ولا يصلي العشاء الأخيرة. فإذا فعل أحدهما بأن نام أو صلى العشاء حرّم عليه هذه الأشياء إلى الليلة القابلة. فواقع عمر بن الخطاب أهله بعد صلاة العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي صلىاللهعليهوسلم واعتذر إليه ، فقام رجال واعترفوا بالجماع بعد العشاء فنزلت هذه الآية ناسخة لتلك الشريعة : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) هذا مبين لسبب إحلال الوقاع وهو صعوبة اجتنابهن وستر أحدهما الآخر عن الفجور. (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي تظلمونها لأنكم تسرون بالمعصية في الجماع بعد صلاة العتمة والأكل بعد النوم (فَتابَ عَلَيْكُمْ) أي قبل توبتكم (وَعَفا عَنْكُمْ) أي محا ذنوبكم ولم يعاقبكم في الخيانة (فَالْآنَ) أي حين أحل لكم (بَاشِرُوهُنَ) أي جامعوهن (وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) أي اطلبوا ما وضع الله لكم بالنكاح من التناسل وقصد العفة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها وقيل : هذا نهي عن العزل.
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٢ ، وابن ماجة في كتاب الدعاء ، باب : فضل الدعاء ، وأحمد في (م ٤ / ص ٢٦٧).
قال الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ، ولا بأس أن يعزل عن الأمة ، وقيل : معنى ذلك ابتغوا هذه المباشرة من الزوجة والمملوكة فإن ذلك هو الذي كتب الله لكم أي قسم الله لكم (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) من حين يدخل الليل (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) أي حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل حال كون الخيط الأبيض بعضا (مِنَ الْفَجْرِ) الصادق وسمى الصبح الصادق فجرا لأنه يتفجر منه النور (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) أي إلى دخوله بغروب الشمس نزلت هذه الآية في شأن صرمة بن مالك بن عدي وذلك أنه كان يعمل في أرض له وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله فقال : هل عندك طعام؟ فقالت : لا ، وأخذت تصنع له طعاما فأخذه النوم من التعب فأيقظته فكره أن يأكل خوفا من الله فأصبح صائما مجهودا في عمله فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى النبي صلىاللهعليهوسلم وأخبره بما وقع فأنزل الله هذه الآية. (وَلا تُبَاشِرُوهُنَ) أي لا تجامعوهن ليلا ونهارا (وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ) أي ماكثون (فِي الْمَساجِدِ) بنية الاعتكاف للتقرب إلى الله تعالى (تِلْكَ) أي المباشرة (حُدُودُ اللهِ) أي معصية الله (فَلا تَقْرَبُوها) أي فلا تقربوا المعصية واتركوا مباشرة النساء ليلا ونهارا حتى تفرغوا من الاعتكاف (كَذلِكَ) أي هكذا (يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ) أي أمره ونهيه (لِلنَّاسِ) أو المعنى كما بيّن الله ما أمركم به ونهاكم عنه كذلك يبين سائر أدلته على دينه (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١٨٧) أي لكي يتقوا معصية الله نزلت هذه الآية في حق نفر من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم علي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر وغيرهما ، فكانوا معتكفين في المسجد فيأتون إلى أهاليهم إذا احتاجوا ، ويجامعون نساءهم ، ويغتسلون فيرجعون إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) أي لا يأخذ بعضكم مال بعض بالطريق الحرام شرعا (وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ) أي ولا تدخلوا بالأموال إلى الحكام لتأخذوا جملة من أموال الناس متلبسين بالإثم أي بالحلف الكاذب (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٨) أنكم مبطلون. فالإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتوبيخ أحق.
روي أن عبدان بن الأسوع الحضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بيّنة ، فحكم رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأن يحلف امرؤ القيس ، فهمّ بالحلف. فقرأ عليه رسول الله صلىاللهعليهوسلم : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) [آل عمران : ٧٧] الآية. فارتدع عن اليمين وأقر بالحق وسلّم الأرض إلى عبدان فنزلت هذه الآية.
وروي عن أبي هريرة رضياللهعنه أنه قال : اختصم رجلان إلى النبي صلىاللهعليهوسلم عالم بالخصومة وجاهل بها ، فقضى رسول الله صلىاللهعليهوسلم للعالم. فقال من قضي عليه : يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق ، فقال : «إن شئت أعاوده» فعاوده ، فقضى للعالم. فقال المقضي عليه مثل ما قال أولا.
ثم عاوده ثالثا ثم قال صلىاللهعليهوسلم : «من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار».فقال العالم المقضي له : يا رسول الله إن الحق حقه. فقال صلىاللهعليهوسلم : «من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار»(١). ومعنى «اقتطع» أي أخذ وسأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ، ثم لا يزل ينقص حتى يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل قوله تعالى :(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) أي عن فائدة اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان لما ذا (قُلْ) يا أشرف الخلق (هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) أي هي علامات لأغراض الناس الدينية والدنيوية وللحج كعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وصيامهم وإفطارهم وقضاء دينهم وأوقات زرعهم ومتاجرهم ، ودخول وقت الحج وخروجه ، ثم نزل في شأن نفر من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم كنانة وخزاعة كانوا يدخلون بيوتهم في الإحرام من خلفها أو من سطحها كما فعلوا في الجاهلية قوله تعالى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) في الإحرام (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) محارمه تعالى كالصيد وتوكل على الله تعالى في جميع أموره (وَأْتُوا الْبُيُوتَ) أي ادخلوها (مِنْ أَبْوابِها) في الإحرام كغيره (وَاتَّقُوا اللهَ) في تغيير الأحكام أو في جميع أموركم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٨٩) لكي تفوزوا بالخير في الدين والدنيا أو لكي تنجوا من السخط والعذاب (وَقاتِلُوا) أي جاهدوا (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعته وطلب رضوانه في الحل والحرم. (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) أي يبدءونكم بالقتال من الكفار (وَلا تَعْتَدُوا) عليهم بابتداء القتال في الحرم (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) أي لا يريد الخير للمتجاوزين الحد.(وَاقْتُلُوهُمْ) إن بدءوكم (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي وجدتموهم في الحل والحرم (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي من مكة (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أي والمحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وبقاء تألم النفس بها ، وقيل : وشركهم بالله وعبادة الأوثان في الحرم وصدّهم لكم عنه أشر من قتلكم إياهم فيه (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي لا تبدأوهم بالقتل في الحرم (حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ) أي الحرم بالابتداء (فَإِنْ قاتَلُوكُمْ) فيه بالابتداء (فَاقْتُلُوهُمْ) فيه ولا تبالوا بقتالهم فيه لأنهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب.
قرأ حمزة والكسائي «ولا تقتلوهم» ، «حتى يقتلوكم» ، «فإن قتلوكم» كله بغير ألف.(كَذلِكَ) أي مثل هذا الجزاء الواقع منكم بالقتل والإخراج (جَزاءُ الْكافِرِينَ) (١٩١) يفعل بهم مثل ما
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٢١٨ ، والنسائي في كتاب القضاة ، باب : القضاء في قليل المال وكثيره ، والدارمي في كتاب البيوع ، باب : فيمن اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه ، «بما معناه».
فعلوا (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الكفر (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لهم ما قد سلف (رَحِيمٌ) (١٩٢) بهم (وَقاتِلُوهُمْ) بالابتداء منهم في الحل والحرم (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي كي لا توجد فتنة عن دينكم ، أي وقد كانت فتنتهم أنهم كانوا يؤذون أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة ذلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمعنى قاتلوهم حتى تعلوا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك (وَيَكُونَ الدِّينُ) أي وكي يوجد الإسلام والعبادة (لِلَّهِ) وحده لا يعبدون في الحرم سواه (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن قتالكم في الحرم (فَلا عُدْوانَ) أي فلا سبيل لكم بالقتل (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (١٩٣) أي المبتدئين بالقتل ، أو المعنى فإن انتهوا عن الأمر الذي يوجب قتالهم وهو إما كفرهم أو قتالهم فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون أنفسهم (الشَّهْرُ الْحَرامُ) الذي دخلت يا محمد فيه لقضاء العمرة وهو ذو القعدة من السنة السابعة مقابل (بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) الذي صدوك عن دخول مكة وهو ذو القعدة من السنة السادسة. أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه. (وَالْحُرُماتُ) أي الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام (قِصاصٌ) أي يجري فيها بدل (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ) بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) أي فجازوه بمثل ما اعتدى عليكم به (وَاتَّقُوا اللهَ) أي اخشوه بالابتداء (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٩٤) بالنصرة والحفظ (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله لقضاء العمرة (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أي ولا تلقوا أنفسكم إلى الهلاك بمنع النفقة في سبيل الله أو بالإسراف في النفقة أو بتضييع وجه المعاش (وَأَحْسِنُوا) في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته بأن يكون ذلك الإنفاق وسطا فلا تسرفوا ولا تقتروا. ويقال : وأحسنوا الظن في الله (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٩٥) أي يريد بهم الخير ويثيبهم نزلت الآيات من قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) [البقرة : ١٩٠] إلى هاهنا في حق المحرمين مع النبي صلىاللهعليهوسلم لقضاء العمرة بعد عام الحديبية لأنهم خافوا أن يقاتلهم الكفار في الحرم والإحرام أو الشهر الحرام وكرهوا ذلك لأن القتال في ذلك الوقت كان محرما في تلك الأحوال الثلاثة. (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) أي افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام بأركانهما وشروطهما لله بأن تخلصوهما للعبادة ولا تخلطوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) أي منعتم عن إتمامهما بعدو (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي فعليكم إذا أردتم التحلل ما تيسّر من الهدي من بدنة أو بقرة ، أو شاة لترك الحرم ، واذبحوها حيث أحصرتم في حل أو حرم (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) أي وقت مجيء ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجا من خلاف أبي حنيفة ، فإذا ذبحتم فاحلقوا. ويجب نية التحلل عند الذبح والحلق وبهما يحصل الخروج من النسك.
قال الشافعي : كل ما وجب على المحرم في ماله لا يجزئ إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في نوعين :
أحدهما : من ساق هديا فعطب في طريقه فيذبحه ويخلي بينه وبين المساكين.
وثانيهما : دم المحصر بالعدو فإنه يذبح حيث حبس لأن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف ، وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) في بدنه محتاجا إلى المداواة واستعمال الطيب واللباس (أَوْ) كان (بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) أي ألم في رأسه بسبب القمل والصيبان أو بسبب الصداع ، أو كان عنده خوف من حدوث مرض أو ألم واحتاج إلى الحلق أبيح له ذلك ، بشرط بذل الفدية كما قال تعالى : (فَفِدْيَةٌ) أي فعليه فدية (مِنْ صِيامٍ) في ثلاثة أيام (أَوْ صَدَقَةٍ) بثلاثة آصع من غالب قوت مكة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (أَوْ نُسُكٍ) أي ذبح شاة (فَإِذا أَمِنْتُمْ) من العدو (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ) أي فمن تلذذ بمحظورات الإحرام كالطيب واللباس والنساء بسبب إتيانه بالعمرة إلى الإحرام بالحج (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي فعليه ما تيسر من الدم للجبران بخمسة شروط :
الأول : أن يقدم العمرة على الحج.
الثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
الثالث : أن يحج في هذه السنة.
الرابع : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
الخامس : أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة ووقت وجوب هذا الدم بعد ما أحرم بالحج ، ويستحب أن يذبح يوم النحر ويجوز تقديم الذبح على الإحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة ، لأن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات. وعند أبي حنيفة هو دم نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر فلا يجوز عنده الذبح قبله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ) أي فمن لم يجد الهدي لفقده أو فقد ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في حال اشتغاله بإحرام الحج في أيام الاشتغال بأعمال الحج بعد الإحرام وقبل التحلل (وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) إلى أهليكم ووطنكم مكة أو غيرها. وقرأ ابن أبي عبلة سبعة بالنصب عطفا على محل ثلاثة أيام (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) في البدل عن الهدي قائمة مقامه. (ذلِكَ) أي لزوم الهدي وبدله على التمتع (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي ، ومن كان مسكنه وراء الميقات عند أبي حنيفة وأهل الحل عند طاوس وغير أهل مكة عند مالك. (وَاتَّقُوا اللهَ) فيما
فرض عليكم (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (١٩٦) لمن تهاون بحدوده (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) أي أشهر الحج معروفات بين الناس وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر عند الشافعي. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ) أي فمن أوجب الحج على نفسه بالإحرام فيهن فلا جماع ولا خروج عن حدود الشرع بارتكاب المحظورات ولا خصام مع الخدم والرفقة وغيرهما في أيام الحج.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فلا رفث ولا فسوق» بالرفع والتنوين ، ولا جدال بالنصب. والباقون قرءوا الكل بالنصب. والمعنى على هذا لا يكونن رفث ولا فسوق ، ولا خلاف في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا بعرفات كسائر العرب ، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلىاللهعليهوسلم : «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه» (١). فإنه صلىاللهعليهوسلم لم يذكر الجدال (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) كصدقة وكترك المنهي (يَعْلَمْهُ اللهُ) أي يقبله أو يجزي به خير جزاء (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) أي تزودوا من التقوى لمعادكم فإنها خير زاد وهي فعل الواجبات وترك المحظورات. ويقال : وتزودوا ما تعيشون به لسفركم في الدنيا فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم (وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٩٧) أي ذوي العقول. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) أي ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقا من ربكم بالتجارة في الحج (فَإِذا أَفَضْتُمْ) أي رجعتم (مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ) بالتلبية والتسبيح والتحميد والتهليل (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) وهو جبل يقف عليه الإمام وسمي «قزح» وهو آخر حد المزدلفة.
وقال بعضهم : المشعر الحرام هو المزدلفة ، لأن الذكر المأمور به عنده يحصل عقب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالمبيت بالمزدلفة (وَاذْكُرُوهُ) أي الله (كَما هَداكُمْ) أي لأجل هدايته إياكم لمعالم دينه (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (١٩٨) أي وإنكم كنتم من قبل الهدي لمن الجاهلين بالإيمان والطاعة (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) أي ثم ارجعوا من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس للرمي والنحر ، كما رجع منها إبراهيم وإسماعيل في ذلك الوقت على ما جاء به الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وكان العرب الذين وقفوا بالمزدلفة يرجعون إلى منى بعد
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الحج ، باب : فضل الحج المبرور ، ومسلم في كتاب الحج ، باب : ٤٣٨ ، والترمذي في كتاب الحج ، باب : ٤ ، وابن ماجة في كتاب المناسك ، باب : فضل الحج والعمرة ، والدارمي في كتاب المناسك ، باب : في فضل الحج والعمرة ، والنسائي في كتاب مناسك الحج ، باب : فضل الحج ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٢٩).
طلوع الشمس وهذا كما اختاره الضحّاك. (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) باللسان مع التوبة بالقلب وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ويقصد بذلك تحصيل مرضاة الله تعالى (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لذنوب المستغفر (رَحِيمٌ) (١٩٩) أي منعم عليه (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ) وكان العرب بعد الفراغ من الحج يقفون بمنى بين المسجد والجبل ، فيبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم ، فقال الله تعالى هذه الآية. فالمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم المتعلقة بالحج كأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى فابذلوا جهدكم في الثناء على الله وذكر نعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم في الجاهلية. (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) أي بل أكثر ذكرا من ذكر آبائكم لأن صفات الكمال لله تعالى غير متناهية (فَمِنَ النَّاسِ) أي المشركين أو المؤمنين (مَنْ يَقُولُ) في الموقف (رَبَّنا آتِنا) أي أعطنا (فِي الدُّنْيا) إبلا وبقرا وغنما وعبيدا ، أو إماء ومالا (وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (٢٠٠) أي من نصيب في الجنة بحجه. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) أي علما وعبادة وعصمة من الذنوب وشهادة وغنيمة وصحة ، وكفافا وتوفيقا للخير (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) أي جنة ونعيمها (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١) أي ادفع عنا العذاب (أُولئِكَ) أي أهل هذه الصفة (لَهُمْ نَصِيبٌ) أي حظ وافر في الجنة (مِمَّا كَسَبُوا) أي من حجهم (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٢٠٢) أي سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين. (وَاذْكُرُوا اللهَ) أي بالتكبير والتهليل والتمجيد (فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ) أي في أيام التشريق الثلاثة (فَمَنْ تَعَجَّلَ) برجوعه إلى أهله (فِي يَوْمَيْنِ) بعد يوم النحر (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) بتعجيله (وَمَنْ تَأَخَّرَ) إلى اليوم الثالث حتى رمى فيه قبل الزوال أو بعده (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) بتأخره فهم مخيّرون في ذلك (لِمَنِ اتَّقى) أي ونفي الإثم لمن اتقى الله في حجه لأنه المتشفع بحجه دون من سواه (وَاتَّقُوا اللهَ) أي احذروا الإخلال بما ذكر من الأحكام (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٢٠٣) أي للجزاء على أعمالكم بعد البعث. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي ومن الناس يعظم في قلبك كلامه عند ما يتكلم لطلب مصالح الدنيا وهو الأخنس بن شريق الثقفي واسمه أبيّ كان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن. (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ) فإن الأخنس هذا أقبل إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم وأظهر الإسلام وحلف بالله أنه يحبه ويتابعه في السر ، ويحتمل أنه يقول فالله يشهد بأن الأمر كما قلت فهذا استشهاد بالله وليس بيمين. وقرأ ابن محيص يشهد الله بفتح الياء والهاء. والمعنى يعلم الله من قلبه خلاف ما أظهره (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (٢٠٤).
قال قتادة شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل عالم اللسان جاهل العمل. وقال السدي : أعوج الخصام. (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها) أي وإذا انصرف من عندك اجتهد في إيقاع القتال بأن يوقع الاختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أنه يتبرأ بعضهم
من بعض فيقطع الأرحام ويسفك الدماء (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ) أي الزرع بالإحراق (وَالنَّسْلَ) أي الحيوان بالقتل ، فإن الأخنس لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا ، فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم. (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (٢٠٥) أي لا يرضى به (وَإِذا قِيلَ لَهُ) أي لذلك الإنسان (اتَّقِ اللهَ) في فعلك (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أي لزمه التكبر الحاصل بالإثم الذي في قلبه. فإن التكبر إنما حصل بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أي كافيه جهنم جزاء له وعذابا (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (٢٠٦) أي لبئس المستقر هي. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي) أي يشتري (نَفْسَهُ) بماله (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ).
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان ، وفي عمار بن ياسر ، وفي سمية أمه وفي ياسر أبيه ، وفي بلال مولى أبي بكر ، وفي خباب بن الإرث ، وفي أبي ذر ، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم. فأما صهيب فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ولي مال ومتاع وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني. فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله فانصرف إلى المدينة فنزلت هذه الآية. وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضياللهعنه فقال : ربح بيعك يا أبا يحيى. فقال : وما ذاك؟ فقال : أنزل الله فيك قرآنا ، وقرأ عليه هذه الآية. وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرّا وأتيا المدينة ، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر ، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا (وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) (٢٠٧) الذين قتلوا في مكة أبي عمار وأمه وغيرهما لأنه تعالى أرشدهم لما فيه رضاه. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) نزلت هذه الآية في شأن طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي صلىاللهعليهوسلم أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى ، فعظموا السبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها وكانوا يقولون : ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام وواجب في التوراة فنحن نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقادا له وعملا به لأنها صارت منسوخة. (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) أي لا تتبعوا طرق تزيين الشيطان بتفريق الأحكام بالعمل ببعضها الموافق لشريعة موسى وعدم العمل بالبعض الآخر المخالف لها (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٢٠٨) أي ظاهر العداوة (فَإِنْ زَلَلْتُمْ) أي إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) أي الدلائل العقلية والنقلية كالمعجزة الدالة على الصدق وكالبيان الحاصل بالقرآن والسنة (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي قوي بالنقمة لمن لا يتابع رسوله فلا يمنعه مانع عنكم ولا يفوته ما يريده منكم (حَكِيمٌ) (٢٠٩) أي عالم بعواقب الأمور (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) أي ما ينظر أهل مكة إلا أن يأتيهم الله بلا كيف يوم القيامة والملائكة في ظل من الغمام فقوله : (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) مقدم ومؤخر ،
فنزول الغمام علامة لظهور أشد الأهوال في القيامة. قال تعالى : (يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً) [الفرقان : ٢٥] (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي تمّ فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته في الجنة والنار (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (٢١٠) أي إنّ الله تعالى ملك عباده في الدنيا كثيرا من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواه. كما قال تعالى : (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار : ١٩].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «ترجع» بالبناء للمجهول على معنى ترد. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ترجع» بالبناء للفاعل أي تصير كقوله تعالى : (أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى : ٥٣]. قال فخر الدين محمد الرازي : والأوضح عندي أن قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) [البقرة : ٢٠٨] إنما نزلت في حق اليهود والمعنى يا أيّها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم أكملوا طاعتكم في الإيمان بأن تؤمنوا بجميع أنبياء الله وكتبه فادخلوها بإيمانكم بمحمد صلىاللهعليهوسلم وبكتابه في الإسلام عن التمام ، ولا تتبعوا الشهوات التي تتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة وعلى هذا التقدير. فقوله تعالى : (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة : ٢٠٩] يكون خطابا مع اليهود وحينئذ يكون قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) [البقرة : ٢١٠] حكاية عن اليهود والمعنى أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود لم يمنع إجراء الآية على ظاهرها ، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه وكانوا يجوّزون على الله المجيء والذهاب ، وكانوا يقولون : إنه تعالى تجلّى لموسى عليهالسلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد صلىاللهعليهوسلم وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه فلا يحتاج إلى التأويل ولا إلى حمل اللفظ على المجاز وذكر الله تعالى بعد ذلك ما يجري مجرى التهديد بقوله تعالى : (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) [البقرة : ٢١٠].(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) قل يا أشرف الخلق لأولاد يعقوب الحاضرين منهم توبيخا : (كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي معجزات موسى عليهالسلام ، كفلق البحر وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ونتق الجبل ، وتكليم الله تعالى لموسى عليهالسلام من السحاب ، وإنزال التوراة عليهم فبدلوا مقتضاها وهو الإيمان بها بالكفر فاستوجبوا العقاب من الله تعالى فإنكم لو زللتم عن آيات الله تعالى لوقعتم في العذاب كما وقع أسلافكم. أو المعنى سل يا أشرف الخلق هؤلاء الحاضرين من بني إسرائيل تنبيها لهم على ضلالتهم كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد صلىاللهعليهوسلم يعلم بها صدقه وصحة شريعته وكفروا بها. (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ) أي ومن يغيّر آيات الله الباهرة الدالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم بالكفر من بعد ما عرفها. أو المعنى ومن يغير دين الله وكتابه بالكفر من بعد ما جاء
محمد به (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٢١١) لمن كفر به. (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) أي حسن ما في الحياة الدنيا من سعة المعيشة لكفار مكة أبي جهل ورؤساء قريش (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي يسخرون على فقراء المؤمنين كعبد الله بن مسعود ، وعمّار ، وخباب ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وسلمان ، وبلال ، وصهيب بضيق المعيشة (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) عن الدنيا الشاغلة عن الله تعالى (فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) لأن المؤمنين في عليين والكافرين في سجّين ولأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض المذلة ، ولأن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) في الدنيا من كافر ومؤمن (بِغَيْرِ حِسابٍ) (٢١٢) أي بغير تكلف من المرزوق ومن حيث لا يحتسب وقد أغنى الله المؤمنين بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر. (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) قائمة على الحق ثم اختلفوا بسبب الحسد والتنازع في طلب الدنيا فإن الناس وهم آدم وأولاده من الذكور والإناث كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ) بالجنة لمن آمن بالله (وَمُنْذِرِينَ) بالنار لمن لم يؤمن بالله (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي ليحكم الكتاب في الحق الذي اختلف الناس في ذلك الحق. فالكتاب حاكم والمختلف فيه وهو الحق محكوم عليه. (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) أي الحق (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) أي أعطوا الكتاب مع أن المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أي الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي حسدا منهم أي أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية ، أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب ، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فبعد ذلك لم يبق في العدول عن الحق علة فلو حصل العدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والحرص على طلب الدنيا (فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أي فهدى الله الذين آمنوا ـ للحق الذي اختلف فيه ـ من اختلف بعلمه وبإرادته وبكرامته. قال ابن زيد : اختلفوا في القبلة ، فصلّت اليهود إلى بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق ، فهدانا الله للكعبة. واختلفوا في الصيام ، فهدانا الله لشهر رمضان. واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهوديا. وقالت النصارى : كان نصرانيا. فقلنا : إنه كان حنيفا مسلما. واختلفوا في عيسى فاليهود فرطوا حيث أنكروا نبوته ورسالته ، والنصارى أفرطوا حيث جعلوه إلها. وقلنا قولا عدلا وهو إنه عبد الله ورسوله. (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢١٣) أي طريق حق لا يضل سالكه. ويقال : والله يثبّت من يشاء على دين قائم يرضيه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ).
قال ابن عباس : لما دخل رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا لقلوبهم. وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن. وقيل : نزلت في حرب أحد ، لما قال عبد الله بن أبيّ لأصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيا لما سلط الله عليكم الأسر والقتل ومعنى الآية أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما كلفكم به وابتلاكم بالصبر عليه ودون أن ينالكم أذى الكفار ، والفقر ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين. وهو المراد من قوله تعالى : (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي والحال لم يأتكم شبه محنة المؤمنين الذين مضوا من قبلكم ثم بيّن الله ذلك الشبه مستهم البأساء والضراء. فالبأساء : تضييق جهات الخير والمنفعة. والضراء : انفتاح جهات الشر والآفات والألم. ومعنى زلزلوا أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا ، ومعنى حتى يقول الرسول لأن الرسل عليهمالسلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) (٢١٤) إجابة لهم من الله أو من قوم منهم والأحسن أن يقال : فالذين آمنوا قالوا : متى نصر الله؟ ثم رسولهم قال : ألا إن نصر الله قريب.
وروى الكلبي عن ابن عباس : أن الآية نزلت في عمرو بن الجموح ـ وكان شيخا كبيرا هرما ـ وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ) أي أيّ شيء مصرف المال (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي مال (فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى) أي المحتاجين منهم (وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) فالإنفاق على الوالدين واجب عند عجزهما عن الكسب والملك ، والإنفاق على الأقربين ـ وهم الأولاد وأولاد الأولاد ـ قد يلزم عند فقد الملك ، فحينئذ الواجب فيما ذكر قدر الكفاية وقد يكون على صلة الرحم. والإنفاق على اليتامى والمساكين والمارين في السبيل إما من جهة الزكاة أو من جهة صدقة التطوع. فالمراد بهذه الآية : من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى في صدقة التطوع. (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) أي من سائر وجوه البر والطاعة (فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥) أي فيجازيكم عليه ويوفى ثوابه. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ) أي فرض عليكم قتال الكفرة في أوقات النفير العام مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) أي والحال أن القتال مكروه لكم طبعا للمشقة على النفس (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) كالجهاد في سبيل الله (وَهُوَ
خَيْرٌ لَكُمْ) لما تصيبون الشهادة والغنيمة والأجر (وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً) كالجلوس عن الجهاد (وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) لأنكم لا تصيبون الشهادة ولا الغنيمة ولا الأجر (وَاللهُ يَعْلَمُ) أن الجهاد خير لكم فلذلك يأمركم به (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) ذلك ولذلك تكرهونه. أو المعنى والله يعلم ما هو خير وشر لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيكم وامتثلوا أمره تعالى نزلت تلك الآية في حق سعد بن أبي وقاص ، والمقداد بن الأسود وأصحابهما (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ).
روى أكثر المفسرين عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين وبعد سبعة عشر شهرا من مجيئه المدينة في ثمانية رهط وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ويقرأه على أصحابه ويعمل بما فيه فإذا فيه : أما بعد ، فسر على بركة الله تعالى بمن اتّبعك حتى تنزل بطن نخل فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير. فقال عبد الله : سمعا وطاعة لأمره ، فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره. ومن أحب التخلف فليتخلف. فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف فمر عليهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه فلما رأوا أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين ، وساقوا العير بما فيه من تجارة الطائف حتى قدموا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فضجت قريش ، وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء والمسلمون أيضا قد تعجبوا من ذلك فقال صلىاللهعليهوسلم : «إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام».
وقال عبد الله بن جحش : يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى ، فوقف رسول الله صلىاللهعليهوسلم العير والأسارى فنزلت هذه الآية فأخذ رسول الله صلىاللهعليهوسلم الغنيمة وعلى هذا التقدير ، فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين (قُلْ) في جوابهم (سَبِيلِ اللهِ) أي الشهر الحرام وهو رجب (كَبِيرٌ) أي عظيم وزرا وقد تم الكلام هاهنا والوقف هنا تام (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ) أي ولكن منع الناس عن دين الله وطاعته وكفر بالله ومنع الناس عن مكة وإخراج أهله وهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم والمؤمنون من مكة أعظم وزرا عند الله من قتل عمرو بن الحضرمي في رجب خطأ مع أنه يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة (وَالْفِتْنَةُ) أي ما فعلوا الفتنة عن دين المسلمين تارة بإلقاء الشبهة في قلوبهم وتارة بالتعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر (أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي أفظع من قتل عمرو بن الحضرمي.
روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون
بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم بالكفر وإخراج رسول الله صلىاللهعليهوسلم من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام (وَلا يَزالُونَ) أي أهل مكة الكفرة (يُقاتِلُونَكُمْ) أيها المؤمنون (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ) أي كي يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل (إِنِ اسْتَطاعُوا) وهذا استبعاد لاستطاعتهم وإشارة إلى ثبات المسلمين في دينهم (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ) بأن لم يرجع إلى الإسلام (فَأُولئِكَ) المصرون على لارتداد إلى حين الموت (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) فحبوط الأعمال في الدنيا هو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من كل أحد. وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة أما لو رجع المرتد إلى الإسلام عادت أعماله الصالحة مجردة عن الثواب فلا يكلف بإعادتها وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي (وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) أي ملازموها (هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢١٧) أي مقيمون لا يخرجون ولا يموتون.
وروي أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نطمع منه أجرا وثوابا؟ فنزلت هذه الآية : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بالله ورسوله (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم من مكة إلى المدينة (وَجاهَدُوا) أي بذلوا جهدهم في قتل العدو كقتل عمرو بن الحضرمي الكافر (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء دين الله (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) أي يطمعون في ثواب الله أو ينالون جنة الله (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢١٨) فيحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح. (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) أي عن تناولهما (قُلْ فِيهِما) أي في تعاطيهما (إِثْمٌ كَبِيرٌ) أي عظيم بعد التحريم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وإتلاف للأموال ولأن الخمر مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا. وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المثلثة (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) قبل التحريم بالتجارة فيها وباللذة والفرح وتصفية اللون وحمل البخيل على الكرم وزوال الهمّ وهضم الطعام ، وتقوية الباءة وتشجيع الجبان في شرب الخمر ، وإصابة المال بلا كد في القمار ، أي المغالبة بأخذ المال في أنواع اللعب (وَإِثْمُهُما) بعد التحريم (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) قبل التحريم. وقرئ أقرب من نفعهما.
قال المفسرون : نزلت في الخمر أربع آيات نزل بمكة قوله تعالى : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) [النحل : ٦٧] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة منهم سيدنا حمزة بن عبد المطلب وبعض الأنصار قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل فيهما قوله تعالى : (قُلْ
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي إماما فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا ، فنزلت : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) فقلّ من شربها ، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة : ٩٠]. فقال عمر : انتهينا يا رب. (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ) أي أيّ قدر ينفقونه نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الجموح سأل النبي صلىاللهعليهوسلم ماذا نتصدق من أموالنا؟ وقيل : السائل معاذ بن جبل وثعلبة. وقال الرازي : كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو أي الفاضل عن الكفاية مقبول (قُلِ الْعَفْوَ) أي ما سهل مما يكون فاضلا عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤونتهم (كَذلِكَ) أي كما بيّن الله لكم قدر المنفق وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على الأحكام الشرعية (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٢١٩) (فِي الدُّنْيا) أنها فانية (وَالْآخِرَةِ) أنها باقية ، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بدّ من ترجيح الآخرة على الدنيا (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى) كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها ثم إن الله تعالى أنزل قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) [النساء : ١٠] وقوله : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام : ١٥٢] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم فاختلّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم فثقل ذلك على الناس فقال عبد الله ابن رواحة ، وقيل : ثابت بن رفاعة الأنصاري : يا رسول الله ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام ، ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يردهما لليتيم فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية : (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي قل يا أشرف الخلق إصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة خير لكم من ترك مخالطتهم وأعظم أجرا لكم (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) أي وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز لأنهم إخوانكم في الدين (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي يعرف المفسد لأموالهم بالمخالطة من المصلح لها وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في أموالهم بالنكاح ممن أراد الإصلاح (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) أي لكلفكم ما يشتد عليكم أو لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي غالب على أمره قوي بالنقمة لمفسد مال اليتيم (حَكِيمٌ) (٢٢٠) يحكم بما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس طاقة البشر (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) أي
ولا تتزوجوا المشركات بالله إلى أن يؤمن بالله بأن يقررن بالشهادة ويلتزمن أحكام الإسلام هذا مقصور على غير الكتابيات لما روي عن جابر بن عبيد الله عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» (١).
وروى عبد الرحمن بن عوف أنه صلىاللهعليهوسلم قال في حق المجوس : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»(٢). وسبب نزول هذه الآية ما روي أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا ، فعند قدومه جاءته امرأة مشركة اسمها عناق فالتمست الخلوة فقال : ويحك إن الإسلام حال بيني وبينك! فقالت : هل لك أن تتزوج بي؟ فقال : نعم ، ثم وعدها أن يأذن الرسول صلىاللهعليهوسلم فلما انصرف إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عرفه ما جرى في أمر عناق وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) أي لنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح مشركة ولو أعجبتكم تلك المشركة بحسنها أو بمالها أو بحريتها أو بنسبها.
قال السدي : نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن رواحة ، كان له أمة فأعتقها وتزوج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة!؟ وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله تعالى تلك الآية. (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) أي ولا تزوجوا الكفار ولو كانوا أهل كتاب المؤمنات حتى يؤمنوا (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) أي تزويجكم لعبد مؤمن خير من تزويجكم لمشرك (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) ذلك المشرك لماله وجماله وقوته وحريته (أُولئِكَ) المشركات والمشركون (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) أي إلى ما يؤدي إلى النار فإن الزوجية مظنة المحبة وذلك يوجب الموافقة في الأغراض وربما يؤدي ذلك إلى انتقال الدين بسبب موافقة المحبوب (وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ) بتبيان هذه الأحكام من الإباحة والتحريم فإن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة (بِإِذْنِهِ) أي بتيسيره تعالى وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن «والمغفرة بإذنه» بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسير الله تعالى. (وَيُبَيِّنُ آياتِهِ) أي أمره ونهيه في التزويج والتزويج (لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٢٢١) قبح المنهي عنه وحسن المدعو إليه. (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) أي الحيض والسائل عن ذلك ثابت الدحداح الأنصاري ، وقيل : عباد بن بشر وأسيد بن الحضير ، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس. وأما
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢ : ٢٦١).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩ : ٤٣٧) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٩ : ١٨٩) ، والساعاتي في بدائع المنن (٣ : ٢٢٩).
النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض. (قُلْ) يا أشرف الخلق : (هُوَ) أي الحيض (أَذىً) أي قذر الرائحة المنكرة التي فيه واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه كما قال صلىاللهعليهوسلم : «دم الحيض هو الأسود المحتدم» (١) أي المحترق من شدة حرارته (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) أي في موضع الحيض (وَلا تَقْرَبُوهُنَ) أي لا تجامعوهن (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وهذا تأكيد لحكم الاعتزال.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص ، ويعقوب الحضرمي «حتى يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء بمعنى : حتى يزول عنهن الدم. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء بمعنى يغتسلن (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) أي اغتسلن أو تيممن عند تعذر استعمال الماء (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) أي فجامعوهن في موضع أمركم الله به وهو القبل.
وقال الأصم والزجاج : أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات بالنسك ، وفهم من هذا الشرط أنه يشترط بعد انقطاع الحيض الاغتسال لأنه قد صار المجموع غاية وذلك بمنزلة قولك : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامك بالأمرين جميعا ، واتفق مالك والأوزاعي والثوري والشافعي : أنه إذا انقطع حيض المرأة لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض ، والمشهور عن أبي حنيفة : أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها ، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) بالندم على ما مضى من الذنب والترك في الحاضر والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٢٢٢) أي المتنزهين عن المعاصي من إتيان النساء في زمان الحيض والإتيان في الأدبار. وقيل : يحب المستنجين بالماء (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) أي فروج نسائكم مزرعة لأولادكم (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) أي مزرعتكم (أَنَّى شِئْتُمْ) أي من أيّ جهة شئتم ، أي فالمراد من هذه الآية أن الرجل مخيّر بين أن يأتي زوجته من قبلها في قبلها وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها لأن سبب نزول هذه الآية ما روي أن اليهود قالوا : من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا ، وزعموا أن ذلك في التوراة فذكر ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «كذبت اليهود»(٢). (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) من الأعمال الصالحة كالتسمية عند الجماع وطلب الولد. روي أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «من قال بسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب : إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة ، والنسائي في كتاب الطهارة ، باب : الفرق بين دم الحيض والاستحاضة ، ورد دون لفظة «المحتدم».
(٢) رواه أبو داود في كتاب النكاح ، باب : ما جاء في العزل ، وأحمد في (م ٣ / ص ٣٣).
يوم القيامة» (١). أي قدّموا ما يدخر لكم من الثواب ولا تكونوا في قيد قضاء الشهوة (وَاتَّقُوا اللهَ) في أدبار النساء ومجامعتهن في الحيض (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) أي الله بالبعث فتزودوا ما تنتفعون به فإنه تعالى يجزيكم بأعمالكم (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٢٣) خاصة بالثواب والكرامة (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) أي ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب إيمانكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
قال ابن عباس : ارجعوا إلى ما هو خير لكم وكفّروا يمينكم. نزلت هذه الآية في شأن عبد الله ابن رواحة فإنه حلف بالله أن لا يحسن إلى أخته وختنه ـ أي زوج أخته بشير بن النعمان ـ ولا يكلمهما ولا يصلح بينهما فكان إذا قيل له في الصلح يقول : قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي أن لا أبرّ في يميني. (وَاللهُ سَمِيعٌ) بيمينكم بترك الإحسان (عَلِيمٌ) (٢٢٤) بنياتكم وبكفارة اليمين (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) قال الشافعي رضياللهعنه : إن اللغو قول العرب لا والله ، وبلى والله في الشراء والبيع وغير ذلك مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف ، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا والله ألف مرة.
وقال أبو حنيفة : إن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ، فالشافعي لا يوجب الكفارة في المسألة الأولى ويوجبها في الثانية. وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أي قصدته من الإيمان بجد وربطت به فحنثتم فإذا حلف على شيء بالجد في أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يحصل فقد قصد بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك فلم يكن ذلك لغوا بل كان حاصلا بكسب القلب (وَاللهُ غَفُورٌ) حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا من عدم الاحتياط (حَلِيمٌ) (٢٢٥) حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي للذين يحلفون أن لا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر انتظارا أربعة أشهر (فَإِنْ فاؤُ) أي رجعوا عن اليمين بالحنث بأن جامعوا قبل أربعة أشهر (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة (رَحِيمٌ) (٢٢٦) حيث بين كفارتهم (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) أي إن حققوا الطلاق وبروا يمينهم (فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) ليمينهم (عَلِيمٌ) (٢٢٧) بعزمهم فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق. فإن بر المولى يمينه وترك مجامعة امرأته حتى تجاوز أربعة أشهر بانت منه امرأته بتطليقة واحدة ، وإن جامعها قبل ذلك فعليه كفارة اليمين كما قاله ابن عباس (وَالْمُطَلَّقاتُ) أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول
__________________
(١) رواه الدارمي في كتاب النكاح ، باب : القول عند الجماع ، «بما معناه».
بهن (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ) في العدة (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) فلا تتوقف العدة على ضرب قاض (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ) من الحبل والحيض معا وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما ، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة وربما كرهت مراجعة الزوج وأحبت التزوج بزوج آخر ، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني ، فلهذه الأغراض تكتم الحبل. وإذا كتمت الحيض فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات. (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فلا يجترئن على ذلك الكتمان وهذا الشرط للتغليظ حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضا (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ) أي أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص (إِنْ أَرادُوا) أي البعولة بالرجعة (أَصْلَحا) والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يراجعون المطلقات ، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة فنهوا عن ذلك. (وَلَهُنَ) عليهم من الحقوق (مِثْلُ الَّذِي) لهم (عَلَيْهِنَ) من الحقوق (بِالْمَعْرُوفِ) شرعا في حسن المعاشرة (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي فضيلة في الحق لأن حقوقهم عليهن في أنفسهن وحقوقهن عليهم في المهر والنفقة (وَاللهُ عَزِيزٌ) يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه (حَكِيمٌ) (٢٢٨) فيما حكم بين الزوجين (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) أي ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج هو أن يوجد مرتان فالواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أي رجعة بحسن عشرة ولطف معاملة لا على قصد إضرار ، أو تسريح أي إرسال بترك المراجعة حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة بإحسان أي بغير ذكر سوء بعد المفارقة وبأداء جميع حقوقها المالية ، وهذه الآية متناولة لجميع الأحوال لأن الزوج بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو المراد بقوله تعالى : (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ). أو يتركها حتى تبين بانقضاء العدة وهو المراد بقوله تعالى : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ). أو يطلقها ثالثة وهو المراد بقوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام ولو جعلنا التسريح طلقة ثالثة لكان قوله تعالى : فإن طلقها طلقة رابعة ، فإنه غير جائز وسبب نزول هذه الآية : أن امرأة شكت إلى عائشة رضياللهعنها بأن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) أي ومن جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها لأنه استمتع بها في مقابلة ما أعطاها (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) أي أن لا يراعيا مواجب أحكام الزوجة.
وقرأ حمزة «يخافا» بضم الياء (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي فلا حرج على الزوج في أخذ ما افتدت الزوجة به نفسها من المال ليطلقها ، ولا عليها في إعطائه إياه بطيبة نفسها. نزلت هذه الآية في شأن ثابت بن قيس بن شماس ، وفي شأن جميلة بنت عبد الله ابن
أبي اشترت نفسها من زوجها بمهرها. قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لثابت : «خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها» (١). ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام. وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية.
تنبيه : يجوز أن يكون أول الآية وهو قوله تعالى : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا) خطابا للأزواج وآخرها. وهو قوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ) خطابا للأئمة والحكام ، وذلك غير غريب في القرآن. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون ، ثم الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف وهو الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن كما قرئ قراءة شاذة «إلا أن يظنوا». والخوف إما أن يكون من قبل المرأة فقط أو من قبل الزوج فقط أو من قبلهما معا ، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما فإن كان الخوف من قبل المرأة بأن تكون ناشزة مبغضة للزوج فيحل له أخذ المال منها ، وإن كان من قبل الزوج فقط بأن يضربها ويؤذيها حتى تلتزم الفداء فهذا المال حرام كما كان الخوف حاصلا من قبلهما معا فذلك المال حرام أيضا وإن لم يحصل الخوف من قبل واحد منهما. فقال أكثر المجتهدين : إن هذا الخلع جائز والمال المأخوذ حلال. وقال قوم : إنه حرام (تِلْكَ) أي ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع (حُدُودَ اللهِ) أي أحكام الله بين المرأة والزوج (فَلا تَعْتَدُوها) أي فلا تتجاوزوا عنها (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ) أي ومن يتجاوز أحكام الله إلى ما نهى الله عنه له (فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٢٩) أي الضارون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه (فَإِنْ طَلَّقَها) بعد الطلقتين (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) أي من بعد التطليقة الثالثة (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) أي المطلق مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط تعتد منه وتعقد للثاني ويطؤها ثم يطلقها ثم تعتد منه.
وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل بمجرد العقد. روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا ، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي ـ بفتح الزاي وكسر الباء ـ فأتت النبيّ صلىاللهعليهوسلم وقالت : كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثوب ، وإنه أراد أن يطلقني قبل أن يمسني ، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «أ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة!؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٢). و «العسيلة» مجاز عن قليل
__________________
(١) رواه الدارمي في كتاب الطلاق ، باب : في الخلع.
(٢) رواه البخاري في كتاب الطلاق ، باب : إذا طلّقها ثلاثا ثم تزوجت امرأة بعد العدة زوجا ـ
الجماع ، إذ يكفي قليل انتشار. وفي قصة عبد الرحمن بن الزبير نزل قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) والحكمة في التحليل الردع عن المسارعة إلى الطلاق والعودة إلى المطلقة ثلاثا (فَإِنْ طَلَّقَها) أي طلق الزوج الثاني المطلقة ثلاثا (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) أي المرأة والزوج الأول (أَنْ يَتَراجَعا) بنكاح جديد ومهر (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ) أي أحكام الله فيما بين المرأة والزوج (وَتِلْكَ) أي الأحكام (حُدُودَ اللهِ) أي فرائض الله (يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٢٣٠) أنه من الله ويصدقون بذلك (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) أي آخر عدتهن ولم تنقض (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي فراجعوهن بغير ضرار بل بحسن الصحبة والمعاشرة (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي أو خلوهن حتى ينقضي أجلهن بغير تطويل (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً) أي لا تراجعوهن بسوء العشرة وتضييق النفقة (لِتَعْتَدُوا) أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ولتطيلوا عليهن العدة. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار ـ يدعى ثابت بن يسار ـ طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي الإمساك المؤدي إلى الظلم (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) أي أضر بنفسه بتعريضها إلى عذاب الله (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ) أي أمر الله ونهيه (هُزُواً) بأن تعرضوا عنها (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ) حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية ، أي فاشكروها واحفظوها. (وَما أَنْزَلَ) الله (عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي القرآن (وَالْحِكْمَةِ) أي السنة (يَعِظُكُمْ بِهِ) أي يأمركم وينهاكم بما أنزل عليكم (وَاتَّقُوا اللهَ) في أوامره كلها ولا تخالفوه في نواهيه (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٣١) فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وتذرون (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ) والخطاب إما للأزواج والمعنى حينئذ : وإذا طلقتم النساء فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن من يريدون أن يتزوجوهن فإن الأزواج قد يعضلون مطلقاتهم أن يتزوجن ظلما ، وإما للأولياء فنسبة الطلاق إليهم باعتبار تسببهم فيه كما يقع كثيرا أن الولي يطلب من الزوج طلاقها. والمعنى حينئذ وإذا خلصتم النساء من أزواجهن بتطليقهن فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن الرجال الذين كانوا أزواجا لهن.
روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميلة عبد الله بن عاصم فطلقها وتركها حتى انقضت
__________________
غيره فلم يمسها ، وأبو داود في كتاب الطلاق ، باب : في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره ، والنسائي في كتاب الطلاق ، باب : الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها ، وابن ماجة في كتاب النكاح ، باب : الرجل يطلق امرأته ثلاثا فتزوج فيطلقها قبل أن يدخل بها إلخ ، والموطأ في كتاب النكاح ، باب : نكاح المحلل وما أشبه ، وأحمد في (م ١ / ص ٢١٤).
عدتها ، ثم ندم ، فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك ، فقال لها معقل : إنه طلقك ثم تريدين مراجعته! وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم معقلا وتلا عليه هذه الآية فقال معقل : رغم أنفي لأمر ربي اللهم رضيت وسلمت لأمرك ، ثم أنكح أخته زوجها الأول عبد الله بن عاصم (إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ) أي بأن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالجميل عند الشرع المستحسن عند الناس (ذلِكَ) أي تفصيل الأحكام (يُوعَظُ بِهِ) أي يأمر به (مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لأنه المتعظ (ذلِكُمْ) أي العمل بالوعظ (أَزْكى لَكُمْ) أي أصلح وأنفع لكم (وَأَطْهَرُ) للقلوب من العداوة والتهمة بسبب المحبة بينهما (وَاللهُ يَعْلَمُ) ما فيه صلاح أموركم (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢٣٢) ذلك فدعوا رأيكم. (وَالْوالِداتُ) ولو مطلقات (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) من الأبوين وليس فيما دون ذلك حد وإنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) أي على الأب (رِزْقُهُنَ) أي نفقتهن (وَكِسْوَتُهُنَ) لأجل الإرضاع إذا كن مطلقات من الأب طلاقا بائنا لعدم بقاء علقة النكاح الموجبة لذلك فلو لم ترضعهم الوالدات لم يجب فإن كن زوجات أو رجعيات فالرزق والكسوة لحق الزوجية ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن منه وطلبن ما ذكر (بِالْمَعْرُوفِ) أي بغير إسراف وتقتير (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ) بالنفقة على الرضاع (إِلَّا وُسْعَها) أي إلا بقدر ما أعطاها الله من المال (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها) أي بأخذ ولدها منها بعد ما رضيت بما أعطى غيرها على الرضاع مع شدة محبتها له (وَلا مَوْلُودٌ لَهُ) أي لا يضار أب (بِوَلَدِهِ) بطرح الولد عليه بعد ما عرف أمه ، ولا يقبل ثدي غيرها مع أن الأب لا يمتنع عليها من الرزق والكسوة (وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) أي على الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى مثل ما على الأب من النفقة والكسوة ، فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله ، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على الرضاعة ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الولدان وهو قول مالك والشافعي. وقيل : المراد من الوارث الباقي من الأبوين أخذا من قوله صلىاللهعليهوسلم : «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا» (١) (فَإِنْ أَرادا) أي الوالدان (فِصالاً) أي فطام الصبي عن اللبن قبل تمام الحولين (عَنْ تَراضٍ) أي باتفاق (مِنْهُما) لا من أحدهما فقط (وَتَشاوُرٍ) أي تدقيق النظر فيما يصلح الولد (فَلا
__________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (١ : ٥٢٣) ، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٠) ، والطبراني في المعجم الكبير (٢ : ١٠٨) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٩) ، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٦٦٠) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ : ١٧٨) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٦٢١) ، والسيوطي في جمع الجوامع (٩٨٢١) ، وأبي نعيم في حلية الأولياء (٢ : ١٨٢) ، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٩٣).
جُناحَ عَلَيْهِما) في ذلك وكما يجوز عن النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه كذلك تجوز الزيادة عليهما فاتفاقهما (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) أي إن أردتم أن تطلبوا مراضع لأولادكم (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) في الاسترضاع (إِذا سَلَّمْتُمْ) إلى المراضع (ما آتَيْتُمْ) أي ما آتيتموهن إياه ، أي ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة.
وقرأ ابن كثير وحده ما أتيتم مقصورة الألف أي «ما أتيتم» به أي ما أردتم إتيانه (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالموافقة وليس تسليم الأجرة شرطا لصحة الإجارة بل لتكون المرضعة طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي وللاحتياط في مصالحه (وَاتَّقُوا اللهَ) في الضرار والمخالفة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٢٣٣) فيجازيكم على ذلك (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) أي والذين تقبض أرواحهم من رجالكم ويتركون أزواجا ينتظرن بعدهم بأنفسهن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام. وهذه العدة سببها الوفاة عند الأكثرين لا العلم بالوفاة كما قال به بعضهم ، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغ المرأة خبر وفاة زوجها وجب أن تعتد بما انقضى والدليل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) أي انقضت عدتهن (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يا أولياء الميت في تركهن (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ) من التزين وغيره من كل ما حرم عليهن في زمن العدة لأجل وجوب الإحداد عليهن (بِالْمَعْرُوفِ) أي بما يحسن عقلا وشرعا. وقيل : المخاطب بهذا الخطاب جميع المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) من الخير والشر (خَبِيرٌ) (٢٣٤) فيجازيكم عليه (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) أي ولا حرج عليكم فيما طلبتم النكاح من النساء المعتدات للوفاة وللطلاق الثلاث بطريق التعريض ، وهو ذكر كلام محتمل مؤكد بدلالة الحال على المقصود كأن يقول : إن جمع الله بيننا بالحلال يعجبني ذلك أو فيما أضمرتم في قلوبكم من قصد نكاحهن (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً) أي إنما أباح لكم التعريض لعلمه بأنكم لا تصبرون على السكوت عنهن لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهى من العزم والتمني ، وبأنه لا بدّ من كونكم ستذكرونهن بالخطبة فاذكروهن ولكن لا تواعدون بذكر الجماع وهو كما قال ابن عباس بأن لا يصف الخاطب نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول لها : آتيك الأربعة والخمسة إلا أن تساررونهن بالقول غير المنكر شرعا كأن يعدها الخاطب في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض (وَلا تَعْزِمُوا) أي لا تحققوا (عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) أي حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها وصارت منقضية (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي
أَنْفُسِكُمْ) من العزم على ما نهيتم عنه (فَاحْذَرُوهُ) بالاجتناب عن العزم على ذلك (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ) لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى (حَلِيمٌ) (٢٣٥) لا يعاجلكم بالعقوبة عن ذنوبكم (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً).
وقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء وبالألف بعد الميم ، أي لا ثقل عليكم بلزوم المهر إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو ما لم تبينوا لهن مهرا فلا تعطوهن المهر. (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) أي أعطوهن متعة الطلاق جبرا لا يحاش الطلاق على الغني قدر ماله وإمكانه وعلى ضيق الرزق قدر ماله وطاقته تمتيعا بالوجه الذي تستحسنه الشريعة والمروءة واجبا على المؤمنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى طاعة الله تعالى ، لأن المتعة بدل المهر. نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها فقال له النبي صلىاللهعليهوسلم : «أمتعها». قال : لم يكن عندي شيء ، قال : «متعها بقلنسوتك» (١). (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ) أي تجامعوهن (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي وقد بينتم مهورهن (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) أي فنصف ما بينتم ساقط (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) إلا أن تسهل الزوجات بإبراء حقها فيسقط كل المهر (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) أي أو يسهل الزوج ببعث كل الصداق فيثبت الكل إليها. (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أي عفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للألفة وطيب النفس من عدم العفو الذي فيه التنصيف. (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي ولا تتركوا أن يتفضل بعضهم على بعض بأن يسلم الزوج المهر إليها بالكلية ، أو تترك المرأة المهر بالكلية (إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ) من الفضل والإحسان (بَصِيرٌ) (٢٣٧) لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم عليه. (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) الخمس بأدائها في أوقاتها كاملة الأركان والشروط. وهذه المحافظة تكون بين العبد والرب كأنه قيل له : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وتكون بين المصلي والصلاة فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة. (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) أي الفضلى. قيل : هي صلاة الصبح ، وهو قول علي وعمر ، وابن عباس وجابر ، وأبي أمامة والباهلي ـ وهم من الصحابة ـ وطاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد ـ وهم من التابعين ـ وهو مذهب الشافعي. فإن أولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل ، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار. ولأنها منفردة في وقت واحد لا تجمع مع غيرها ، ولأنها مشهودة لأنها تؤدي بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار وقيل : هي صلاة العصر وهو مروي عن علي وابن مسعود ، وابن عباس وأبي هريرة فإنها متوسطة بين صلاة شفع وصلاة وتر ، ولأن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ، فلما كانت معرفته أشق كانت الفضيلة فيها أكثر.
__________________
(١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٢٧٩٢٣) ، وفيه «ولو بصاع»
وقال بعض الفقهاء : العصر وسط ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر ، أحدهما ثبتت بالقرآن والأخرى بالسنة ، كما أن الحرم حرمان حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة. واختار جمع من العلماء أنها إحدى الصلوات الخمس لا بعينها فأبهمها الله تعالى تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ليحافظوا على جميعها ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات. (وَقُومُوا لِلَّهِ) في الصلاة (قانِتِينَ) (٢٣٨) أي ذاكرين داعين مواظبين على خدمة الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً) أي فإن خفتم من عدو وغيره فصلوا مشاة على أرجلكم بالإيماء في الركوع والسجود ، أو راكبين على الدواب حيثما توجهتم. والخوف الذي يفيد هذه الرخصة ، إما أن يكون في القتال أو في غير القتال. فالخوف في القتال : إما أن يكون في قتال واجب أو مباح فالقتال الواجب هو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ويلتحق به قتال أهل البغي. وكما إذا قصد الكافر نفسه فإنه يجب الدفع عنه لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام. وقد جوّز الشافعي أداء الصلاة حال المسايفة. والقتال المباح : هو أن يدفع الإنسان عن نفسه وعن كل حيوان محترم فيجوز في ذلك هذه الصلاة ، أما إذا قصده إنسان بأخذ المال فالأصح أنه تجوز هذه الصلاة لقوله صلىاللهعليهوسلم : «من قتل دون ماله فهو شهيد» (١) فالدفع عن المال كالدفع عن النفس.
وقيل : لا تجوز لأن حرمة الروح أعظم ، والخوف الحاصل في غير القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع ، والمطالب بالدين إذا كان معسرا خائفا من الحبس عاجزا عن بينة الإعسار فلهم أن يصلوا هذه الصلاة. (فَإِذا أَمِنْتُمْ) بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة (فَاذْكُرُوا اللهَ) أي فافعلوا الصلاة (كَما عَلَّمَكُمْ) بقوله تعالى : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه. والصلاة تسمى ذكرا كما في قوله تعالى : (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ) [الجمعة : ٩] (ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (٢٣٩) قبل بعثة محمد صلىاللهعليهوسلم فـ «ما» مفعول لعلمكم إن جعلت «ما» الأولى مصدرية ، أما إن جعلت موصولة فما هذه بدل من الأولى أو من العائد المحذوف (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الديات ، باب : ٢١ ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٢٢٦ ، والبخاري في كتاب المظالم ، باب : من قاتل دون ماله ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في قتال اللصوص ، والنسائي في كتاب التحريم ، باب : من قتل دون ماله ، وابن ماجة في كتاب الحدود ، باب : من قتل دون ماله فهو شهيد ، وأحمد في (م ١ / ص ٧٩).
لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ) أي والذين يقربون من الوفاة من رجالكم ويتركون أزواجا ، عليهم أن يوصوا وصية لزوجاتهم في أموالهم بثلاثة أشياء : النفقة ، والكسوة ، والسكنى ، إلى تمام الحول من موتهم غير مخرجات من مسكنهن.
وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «وصية» بالرفع أي عليهم وصية. أو المعنى والذين يقبضون من رجالكم ويتركون أزواجا بعد الموت وصية من الله لأزواجهم فـ «وصية» مبتدأ و «لأزواجهم» خبر أي أمره وتكليفه لهن (فَإِنْ خَرَجْنَ) عن منزل الأزواج باختيارهن قبل الحول (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يا أولياء الميت (فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي غير منكر في الشرع. أي فلا جناح على ورثة الميت في قطع النفقة والكسوة عنهن إذا خرجن من بيت زوجهن بما فعلن في أنفسهن من معروف من التزين ومن الإقدام على النكاح. أو المعنى لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج ، لأن مقامها حولا في بيت زوجها ليس بواجب عليها في الذي فعلن في أنفسهن من معروف من تزين وتشوف للتزويج (وَاللهُ عَزِيزٌ) أي غالب على أمره يعاقب من خالفه (حَكِيمٌ) (٢٤٠) يراعي في أحكامه مصالح عباده واختيار جمهور من المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة ، ولكنها كانت مخيرة بين أن تعتد في بيت الزوج وأن تخرج منه قبل الحول ، لكن متى خرجت نفقتها فهذه الوصية صارت مفسرة بالنفقة والكسوة والسكنى إلى الحول ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين : النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والاعتداد سنة ، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنّة توجب المنع من التزويج بزوج آخر في هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين وقد دل القرآن على ثبوت الميراث لها بتعيين الرابع أو الثمن ، ودلت السنّة على أنه «لا وصية لوارث» فصار مجموع القرآن والسنّة ناسخا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول ، ووجوب العدة في الحول منسوخ بقوله تعالى : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة : ٢٣٤]. (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ) أي متعة (بِالْمَعْرُوفِ) أي بقدر حال الزوجين وما يليق بهما (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) قال الشافعي رحمهالله : لكل مطلقة متعة ، إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس. روي أنه لما نزل قوله تعالى : (وَمَتِّعُوهُنَ) إلى قوله تعالى : (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) قال رجل من المسلمين : إن أردت فعلت ، وإن لم أرد لم أفعل. فقال تعالى : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) أي على كل من كان متقيا عن الكفر (كَذلِكَ) أي مثل ذلك البيان الواضح (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) هذا وعد من الله تعالى بأنه سيبين لعباده من الأحكام ما يحتاجون إليه معاشا ومعادا (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢٤٢) أي لكي تفهموا ما فيها وتعلموا بموجبها ثم ذكر خبر غزاة بني إسرائيل فقال : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ
مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ) أي لم يصل علمك إلى الذين خرجوا من منازلهم لقتال عدوهم وهم ثمانية آلاف أو أربعون ألفا ـ كل ذلك عن ابن عباس على اختلاف الرواة ـ فجبنوا عن القتال مخافة القتل فأماتهم الله مكانهم ثم أحياهم بعد ثمانية أيام.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي تذهب إليها فيها الوباء فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم الله تعالى بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) أي على أولئك القوم بسبب أنه أحياهم ومكّنهم من التوبة وعلى العرب الذين أنكروا المعاد الذين تمسكوا بقول اليهود في كثير من الأمور فيرجعون من الإنكار إلى الإقرار بالبعث بسبب إخبار اليهود لهم بهذه الواقعة. (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٢٤٣) فضله تعالى كما ينبغي أما الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره. وهذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد ، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان وتزيل عن قلبه الخوف من الموت ، فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من الله تعالى على عبيده لأن ذكر هذه القصة سبب لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة. ثم قال الله لهم بعد ما أحياهم : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله مع عدوكم وسميت العبادات سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين فكان طاعة فلا شك أن المجاهد مقاتل في سبيل الله. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لكلامكم في ترغيب الغير في الجهاد وفي تنفير الغير عنه (عَلِيمٌ) (٢٤٤) بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لغرض الدنيا (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً).
قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي «فيضاعفه» بالألف والرفع. وقرأ عاصم «فيضاعفه» بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالتشديد والرفع بلا ألف. وقرأ ابن عامر «فيضعفه» بالتشديد والنصب. والمعنى من ذا الذي يعامل الله بإنفاق ماله في طاعته سواء كان الإنفاق واجبا أو متطوعا به معاملة جامعة للحلال الذي لا يختلط بالحرام للخالص من المن والأذى ، ولنية التقرب إلى الله تعالى لا لرياء وسمعة فيضاعف الله جزاءه له في الدنيا والآخرة أضعافا كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى. وقد روي عنه صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة». ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : إن الله فقير ونحن أغنياء فهو يطلب منا القرض (وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ) أي يقبض الرزق عمن يشاء ولو أمسكه عن الإنفاق ويبسطه على من يشاء ولو أنفق منه كثيرا ، أو المعنى والله يفيض بعض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة
ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٤٥) فلا مدبر ولا حاكم سواه.
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في شأن أبي الدحداح ـ رجل من الأنصار ـ قال : يا رسول الله إن لي حديقتين ، فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة؟ قال : «نعم» وأم الدحداح معي؟ قال : «نعم». قال والصبية معي؟ قال : «نعم». فتصدق بأفضل حديقتيه وكانت تسمى الجنينية فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها ، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك لامرأته أم الدحداح : بارك الله لك في ما اشتريت. فخرجوا منها وسلموها فكان صلىاللهعليهوسلم يقول : «كم من نخلة رداح تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح» (١). (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً) أي ألم تخبر يا أشرف الخلق عن قصة الرؤساء من بني إسرائيل من بعد وفاة موسى حين قالوا لنبيهم شمويل كما قاله وهب بن منبه أو سمعون ، أو يوشع بن نون كما قاله قتادة ، أو حزقيل كما حكاه الكرماني أو أسماويل بن حلفا ـ واسم أمه حسنة ـ كما قاله مجاهد. وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم ذلك أنه لما مات موسى وعظمت الخطايا ، سلط الله عليهم قوم جالوت ، وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وغلبوا على كثير من أرضهم ، وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولم يكن لهم حينئذ نبي يدبر أمرهم ، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت ، فولدت غلاما فلما كبر كفله شيخ من علمائهم في بيت المقدس ، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل فقال له : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا ، فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة فإن كنت صادقا فبيّن لنا ملك الجيش (نُقاتِلْ) بأمره عدونا (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله وإنما كان صلاح أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وبطاعة الملوك أنبياءهم فكان الملك هو الذي يسير بالجموع ، والنبي هو الذي يقيم أمره ويشير عليه برشده. (قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا) أي قال نبيهم : هل قاربتم أن لا تقاتلوا عدوكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك (قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا) أي أيّ شيء ثبت لنا في ترك القتال الذي في طاعة الله ، والحال أنه قد أبعد بعضنا من المنازل والأولاد والقائلون لنبيهم بما ذكر كانوا في ديارهم فسأل الله تعالى ذلك النبي فأوجب عليهم القتال وعين لهم ملكا ليقاتل بهم (فَلَمَّا كُتِبَ) أي أوجب (عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن قتال عدوهم لما شاهدوا كثرة العدو وشوكته (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) ثلاثمائة وثلاثة
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٥ / ص ٩٥) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (٩ : ٣٢٤) ، والطبراني في المعجم الكبير (٢ : ٢٤٢).
عشر على عدد أهل بدر (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (٢٤٦) أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قبل من ربه (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ) أي لأجل سؤالكم (طالُوتَ مَلِكاً) أي لما سأل الله تعالى أن يبين لهم ملكا أرسل الله له عصا وقرنا فيه دهن القدس وقيل له : إن صاحبك الذي يكون ملكا هو من يكون طوله طول هذه العصا ، وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فانتشر الدهن في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه بالدهن وملّكه عليهم واسمه طالوت. فدخل عليه رجل فانتشر الدهن في القرن فقام شمويل فقاسه بالعصا فكان على طولها وقال له : قرّب رأسك ، فقربه فدهنه النبي بدهن القدس وقال له : «أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم». فقال طالوت : أما علمت أن سبطي أدنى من سبط ملوك بني إسرائيل؟ قال : بلى. فقال شمويل الله يؤتي ملكه من يشاء كما قال الله تعالى : (قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) أي قالوا : من أين يكون له الملك علينا والحال نحن أولى بالملك منه ، وليس له سعة المال لينفق على الجيش؟. وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة وسبط مملكة. فكان سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون عليهماالسلام. وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه داود وسليمان عليهماالسلام. ولم يكن طالوت من أحدهما وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب ، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا وقالوا : هو دبّاغ ، أو راع ، أو سقّاء يستقي الماء على حمار له وإنما نزع الملك والنبوة منهم لأنهم عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهارا فغضب الله عليهم بنزع ذلك منهم وكانوا يسمون سبط الإثم. (قالَ) أي نبيهم (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ) أي اختاره بالملك (عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً) أي سعة (فِي الْعِلْمِ) أي علم الحرب وعلم الديانات حتى قيل : إنه نبي أوحي إليه (وَالْجِسْمِ) بالقوة على مبارزة العدو ، وبالجمال وبطول القامة فإنه أطول من غيره برأسه ومنكبيه فكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) في الدنيا (وَاللهُ واسِعٌ) بالعطية (عَلِيمٌ) (٢٤٧) بمن يليق بالملك (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) لما قالوا : ليس ملكه من الله بل أنت ملّكته علينا : (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ) أي إن علامة صحة ملكه من الله (أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) أي الصندوق الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة وكانوا يعرفونه ، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاة موسى عليهالسلام لسخطه على بني إسرائيل لما عصوا وفسدوا ، فلما طلب القوم من نبيهم آية تدل على ملك طالوت قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء إلى الأرض والملائكة يحفظونه فأتاهم والقوم ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت. (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أي كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهمالسلام بأن الله ينصر طالوت وجنوده ويزيل عنهم الخوف من العدو
(وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ) وهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه ونعلاه وشيء من التوراة ورداء هارون وعمامته (تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) أي تسوقه الملائكة إليكم (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في رد التابوت إليكم (لَآيَةً لَكُمْ) أي علامة لكم دالة على أن ملكه من الله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢٤٨) أي مصدقين بتمليكه عليكم. أو المعنى أن في هذه الآية من نقل القصة معجزة باهرة دالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم حيث أخبر بهذه التفاصيل من غير سماع من البشر إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة والرسالة. فلما رد عليهم التابوت قبلوا وخرجوا معه وهم ثمانون ألفا من الشبان الفارغين من جميع الأشغال (فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ) أي خرج من بيت المقدس (بِالْجُنُودِ) أي بالجيش التي اختارها وكان الوقت قيظا وسلك بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد فطلبوا منه الماء (قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) أي مختبركم بنهر جار ليظهر منكم المطيع والعاصي ـ وهو بين الأردن وفلسطين ـ أي والمقصود من هذا الابتلاء أن يميز الصدّيق عن الزنديق والموافق عن المخالف (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) أي من ماء النهر (فَلَيْسَ مِنِّي) أي من أتباعي المؤمنين فلا يكون مأذونا في هذا القتال (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) أي من لم يذقه (فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) فإنه مني ويكون أهلا لهذا القتال.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «غرفة» بفتح الغين ، وكذلك يعقوب وخلف. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم. فالغرفة بالضم : الشيء القليل الذي يحصل في الكف. والغرفة بالفتح : الفعل وهو الاغتراف مرة واحدة. فكانت تكفيهم هذه الغرفة لشربهم ودوابهم وحملهم. (فَشَرِبُوا مِنْهُ) أي فلما وصلوا إلى النهر وقفوا فيه وشربوا منه بالكرع بالفهم كيف شاءوا (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فلم يشربوا إلا قليلا وهو الغرفة.
روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه ، وصحّ إيمانه ، وعبر النهر سالما ، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه وخدمه وحمله مع نفسه ، إما لأنه كان مأذونا أي في أخذ ذلك المقدار ، وإما لأن الله تعالى يجعل البركة في ذلك الماء حتى يكفي لكل هؤلاء وذلك معجزة لنبي الزمان. وأما الذين شربوا منه وخالفوا أمر الله تعالى فقد اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو. (فَلَمَّا جاوَزَهُ) أي النهر (هُوَ) أي طالوت (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) وهم أولئك القليل (قالُوا) أي بعض من معه من المؤمنين لبعض (لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي بمحاربتهم وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) أي ملاقو ثواب الله بسبب هذه الطاعة : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) أي كم من جماعة قليلة من المؤمنين غلبت جماعة كثيرة من الكافرين بنصر الله (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢٤٩) أي معين الصابرين في الحرب بالنصرة يحتمل أن
يقال : المؤمنين الذين عبروا النهر كانوا فريقين بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت فيخاف ويجزع ، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى. فالأول : هم الذين (قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ). والثاني : هم الذين أجابوا بقولهم : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) ويحتمل أن يقال القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم (قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) فلا بد أن نوطن على القتل لأنه لا سبيل إلى القرار من أمر الله. والقسم الثاني قالوا : لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة (وَلَمَّا بَرَزُوا) أي ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين وصافوا (لِجالُوتَ) اسم ملك من ملوك الكنعانيين بالشام (وَجُنُودِهِ قالُوا) جميعا متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به تعالى (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً) على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) في مداحض القتال بكمال القوة عند المقارعة وعدم التزلزل وقت المقاومة (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٥٠) بقهرهم وهزمهم (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) أي كسروهم بنصرة الله إجابة لدعائهم (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ).
قال ابن عباس رضياللهعنهما : إن داود عليهالسلام كان راعيا وله سبعة أخوة مع طالوت ، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف ، وبادر جالوت الجبار وهو من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد. فقال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم ، فقال داود لأخوته : أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوا. فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها أخوته ، فمرّ به طالوت وهو يحرض الناس ، فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي. فقال داود : فأنا خارج إليه. وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى. وكان طالوت عارفا بجلادته. فلما همّ داود بأن يخرج إلى جالوت مرّ بثلاثة أحجار فقلن : يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت. فلما خرج إلى جالوت الكافر رماه فأصابه في صدره ، ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ثلاثين رجلا ، فهزم الله تعالى جنود جالوت ، وخرّ جالوت قتيلا ، فأخذه داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ، ففرح بنو إسرائيل وانصرفوا إلى البلاد سالمين غانمين. فجاء داود إلى طالوت وقال : أنجزني ما وعدتني ، فزوجه ابنته وأعطاه نصف الملك كما وعده. فمكث معه كذلك أربعين سنة ، فمات طالوت وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت واستقل داود بالملك سبع سنين ، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى كما قال تعالى : (وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) أي الكامل سبع سنين بعد موت طالوت ، أي ملك بني إسرائيل في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها (وَالْحِكْمَةَ) أي النبوة بعد موت شمويل. وكان موته قبل
موت طالوت ، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة لأحد قبله الإله ، بل كان الملك في سبط ، والنبوة في سبط آخر. ومع ذلك جمع الله تعالى له ولابنه سليمان بين الملك والنبوة (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ) كصنعه الدروع من الحديد ـ وكان يلين في يده وينسجه ـ وفهم كلام الطير والنمل وكيفية القضاء وما يتعلق بمصالح الدنيا ومعرفة الألحان الطيبة. ولم يعط الله تعالى أحدا من خلقه مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتظله الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح. (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) بأهلها.
قال ابن عباس : ولو لا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد. وقيل المعنى : ولو لا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لفسدت الأرض بما فيها ، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.
روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه والبلاء». ثم قرأ : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (٢٥١) كافة بسبب ذلك الدفع. (تِلْكَ) أي القصص بأخبار الأمم الماضية (آياتُ اللهِ) المنزّلة من عنده تعالى (نَتْلُوها عَلَيْكَ) أي بواسطة جبريل (بِالْحَقِ) أي ملتبسة باليقين الذي لا يشك فيه أحد من أهل الكتاب لما يجدونها موافقة لما في كتبهم (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) إلى الجن والإنس كافة بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع على أحد يخبرك بذلك. (تِلْكَ الرُّسُلُ) أي جماعة الرسل (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) في مراتب الكمال بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) بلا واسطة ـ وهو موسى ـ حيث كلمه ليلة الحيرة وهي تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر ، وفي الطور. ومحمد حيث كلمه ليلة المعراج (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) أي فضائل وهو إبراهيم لأنه تعالى اتخذه خليلا ولم يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة. وإدريس فإنه تعالى رفعه مكانا عاليا ، وداود فإنه تعالى جمع له الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسليمان فإنه تعالى سخّر له الإنس والجن والطير والريح ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود عليهالسلام.
ومحمد صلىاللهعليهوسلم بأنه تعالى خصّه بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع (وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) أي العجائب من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات (وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ) أي أعنّاه بجبريل في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ـ وهو نفخ جبريل في عيسى وتعليمه العلوم وحفظه من الأعداء ، وإعانته ، ورفعه إلى السماء حين أرادت اليهود قتله ـ (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أي الذين جاءوا
من بعد الرسل من الأمم المختلفة بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا) في الدين. (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) بما جاءت به أولئك الرسل من كل كتاب وعملوا به. (وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) بذلك فإن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة. (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) وهذا التكرير ليس للتأكيد بل للتنبيه ، على أن اختلافهم ذلك ليس موجبا لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم ، بل الله تعالى مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا (وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) (٢٥٣) فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ) أي تصدقوا بشيء مما أعطيناكم من الأموال في طاعة الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ) أي فداء (فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) أي مودة (وَلا شَفاعَةٌ) للكافرين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح في «بيع» «خلة» و «شفاعة». والباقون جميعا بالرفع (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٥٤) حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم حاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله تعالى.
وقيل : المعنى : والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعقاب. (اللهُ لا إِلهَ) أي لا معبود بحق موجود (إِلَّا هُوَ الْحَيُ) أي الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء (الْقَيُّومُ) أي دائم القيام بتدبير الخلق وحفظه في الإيجاد والأرزاق (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) أي نعاس (وَلا نَوْمٌ) ثقيل فيشغله عن تدبيره وأمره أي لا يأخذه نعاس فضلا عن أن يأخذه نوم. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) وهذا رد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء وللأصنام التي في الأرض ، أي فلا تصلح أن تكون معبودة لأنها مملوكة لله مخلوقة له. (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي لا يشفع عنده أحد من أهل السموات والأرض يوم القيامة إلا بأمره. وهذا رد على المشركين حيث زعموا أن الأصنام تشفع لهم فإنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أي يعلم ما قبلهم وما بعدهم أو ما فعلوه من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك. (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) أي بقليل من معلوماته (إِلَّا بِما شاءَ) أن يعلموه أي أن أحدا لا يحيط بمعلومات الله تعالى إلا ما شاء هو أن يعلمهم. أو المعنى أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب. (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) فالكرسي جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة. وهو أوسع من السموات والأرض.
(وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) أي لا يثقل عليه تعالى حفظ السموات والأرض بغير الملائكة. (وَهُوَ الْعَلِيُ) أي المتعالي بذاته عن الأشباه والأنظار. (الْعَظِيمُ) (٢٥٥) أي الذي يستحقر كل ما سواه بالنسبة إليه. فهو تعالى أعلى وأعظم من كل شيء.
روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين
يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة». وعن علي أنه قال : سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول : «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» أي فإذا مات دخل الجنة. ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد. ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره ، وجار جاره ، والأبيات التي حوله (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) أي لا إكراه على الدخول في دين الله (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) أي قد تميز الحق من الباطل والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الدلائل. وروي أنه كان لأبي الحصين الأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان قد تنصّرا قبل مبعث النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما. فأبيا ، فاختصموا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزلت هذه الآية ، فخلى سبيلهما ، ثم نزل في شأن منذر بن ساوى التميمي قوله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) أي بالشيطان وبكل ما عبد من دون الله (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها) أي فقد تمسك بالعقدة المحكمة لا انقطاع لها ، أي فقد أخذ بالثقة لا انقطاع لصاحبها عن نعيم الجنة ، ولا زوال عن الجنة ولا هلاك بالبقاء في النار (وَاللهُ سَمِيعٌ) لقول من يتكلم بالشهادتين وقول من يتكلم بالكفر. (عَلِيمٌ) (٢٥٦) بما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث ، أو يقال : والله سميع عليم لدعائك يا محمد بحرصك على إسلام أهل الكتاب ، وذلك لأن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة. وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية. (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي الله ناصر الذين آمنوا ، كعبد الله بن سلام وأصحابه (يُخْرِجُهُمْ) بلطفه وتوفيقه (مِنَ الظُّلُماتِ) أي الكفر (إِلَى النُّورِ) أي الإيمان (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) ككعب بن الأشرف وأصحابه (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) أي الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق (يُخْرِجُونَهُمْ) بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال (مِنَ النُّورِ) الفطري أي الذي جبل عليه الناس كافة أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبيّ صلىاللهعليهوسلم (إِلَى الظُّلُماتِ) أي ظلمات الكفر والانهماك في الضلال. (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٥٧) أي ماكثون أبدا (أَلَمْ تَرَ) أي ألم تنظر (إِلَى) هذا الطاغوت كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات. (الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) أي إلى قصة الذي خاصم إبراهيم في دين رب إبراهيم وهو نمروذ بن كنعان (أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) أي فطغى وادعى الربوبية فحاج لأن أعطاه الله الملك. (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي يخلق الحياة والموت في الأجساد.
وقرأ حمزة «ربي» بسكون الياء. وهذه المحاجة مع إبراهيم بعد إلقائه في النار وخروجه منها سالما ، وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ ، وكان الناس يمتارون من عنده ، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال : أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له : من
ربك؟ فقال له ذلك. (قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ) له ائتني ببيان ذلك فدعا نمروذ برجلين من السجن ، فقتل واحدا وترك واحدا قال : هذا بيان ذلك. قال إبراهيم : (فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) في كل يوم (فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ) ولو يوما واحدا إن كنت صادقا فيما تدّعيه من الربوبية (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أي سكت بغير حجة أي فيبقى مغلوبا لا يجد للحجة مقالا ولا للمسألة جوابا (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢٥٨) بالكفر إلى طريق الحجة (أَوْ كَالَّذِي) أي أرأيت مثل الذي (مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) هي بيت المقدس. كما أخرجه ابن جرير عن وهب عن قتادة ، والضحاك وعكرمة والربيع. أو القرية التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم ـ وهم ألوف حذر الموت ـ كما نقل عن ابن زيد أي قد رأيت الذي مر على قرية كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان ، والمار هو عزير بن سروحا. كما روي عن علي بن أبي طالب ، وعن عبد الله بن سلام وعن ابن عباس. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت السقوف أولا ثم الأبنية. (قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) أي كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم تعجبا من قدرة الله تعالى على إحيائها (فَأَماتَهُ اللهُ) مكانه فكان ميتا (مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) أي أحياه في آخر النهار. (قالَ) تعالى له : (كَمْ لَبِثْتَ) أي مكثت هنا يا عزير بعد الموت؟ ـ والقائل هو الله تعالى ، أو ملك مأمور بذلك القول من قبله تعالى ـ (قالَ لَبِثْتُ يَوْماً) ثم نظر إلى الشمس وقد بقي منها شيء فقال : (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ) أي الله له أو الملك (بَلْ لَبِثْتَ) ميتا (مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ) أي التعين والعنب (وَشَرابِكَ) أي العصير (لَمْ يَتَسَنَّهْ) أي لم يتغير ولم ينصب في هذه المدة المتطاولة فكان التين ، والعنب كأنه قد قطف من ساعته ، والعصير كأنه قد عصر من ساعته ، واللبن قد حلب من ساعته (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) كيف تقطعت أوصاله ، وكيف تلوح عظامه بيضاء. فعلنا ذلك الإحياء لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي لكي نجعلك علامة للناس في إحياء الموتى أنهم يحيون على ما يموتون لأنه مات شابا ، وبعث شابا وعبرة للناس لأنه كان ابن أربعين سنة وابنه ابن مائة وعشرين سنة (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ) أي عظام الحمار (كَيْفَ نُنْشِزُها).
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر بالراء أي كيف نحييها ونخلقها. وقرأ حمزة والكسائي «ننشزها» بالزاي المنقوطة أي كيف نرفع بعضها على بعض (ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً) أي ننبت عليها العصب والعروق ، واللحم والجلد والشعر ونجعل فيه الروح بعد ذلك (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) وقوع ما كان يستبعد وقوعه (قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من الحياة والموت (قَدِيرٌ) (٢٥٩).
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في سبب نزول هذه الآية قال : إن بختنصر البابلي غزا بني إسرائيل وهو في ستمائة ألف راية ، فسبى من بني إسرائيل الكثير ومنهم عزير ـ وكان من
علمائهم ـ فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير تلك القرية التي انهدمت حيطانها ، ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية ، فلم ير فيها أحدا فعجب من ذلك وقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ـ وذلك على سبيل الاستبعاد بحسب العادة لا على سبيل الشك في قدرة الله ـ وكانت الأشجار مثمرة فتناول من الفاكهة والتين والعنب وشرب من عصير العنب ، وجعل فضل الفاكهة في سلة ، وفضل العصير في زق ، ونام. فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضا الإنس والسباع والطير ، ثم أحياه الله تعالى بعد مائة ونودي من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت؟ فقال : يوما ، فأبصر من الشمس بقية ، فقال : أو بعض يوم. فقال الله تعالى : (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ) من التين والعنب (وَشَرابِكَ) من العصير لم يتغير طعمها فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ، ثم قال تعالى : (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله ، وسمع صوتا : «أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا» ، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كل عضو بما يليق به إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ، ثم العصب والعروق ، ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور من الجلد ، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو قائم ينهق ، فخرّ عزير ساجدا وقال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ، ثم إنه دخل بيت المقدس ، لما روي أنه لما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط الله ملكا من ملوك فارس فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس فعمروه وصار أحسن مما كان ، ورد الله تعالى من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه ، فعمروها ثلاثين سنة ، وكثروا كأحسن ما كانوا ، وأعمى الله العيون عن العزير هذه المدة فلم يره أحد ، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميت ، ثم أحيا الله تعالى جسده وهو ينظر ، ثم نظر إلى حماره ـ كما سبق ـ فلما دخل بيت المقدس قال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن سروحا أو ابن شرخيا مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل في بيت المقدس أربعين ألفا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت عورضت بما أملاه ، فما اختلفا في حرف. فعند ذلك قالوا عزير ابن الله (وَ) ألم تر (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) هذا دليل آخر على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجه لهم من الظلمات إلى النور (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى).
قال الحسن والضحّاك وقتادة وعطاء وابن جريح : إنه رأى جيفة مطروحة في شط النهر فإذا مدّ البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت. فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطوع السباع والطيور ودواب البحر (قالَ) تعالى : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أي أتسأل ولم توقن بقدرتي عن الإحياء (قالَ بَلى) أنا موقن بذلك (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي ولكن سألت ما سألت لتسكن حرارة قلبي ،
وأعلم بأني خليلك مستجاب الدعوة ، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريا (قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) أشتاتا : وزا ، وديكا ، وطاوسا ، ورألا (وهو فرخ النعام) ـ كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس من طريق الضحاك ـ أو طاوسا وديكا وحمامة وغرنوقا (وهو الكركي) ـ كما أخرجه عنه من طريق حنش ـ (فَصُرْهُنَ).
قرأه حمزة بكسر الصاد. والباقون بضمها وتخفيف الراء أي قطعن وأملهن (إِلَيْكَ) فقطع إبراهيم أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً) أي ثم ضع على كل جبل من أربعة أجبل منهن جزءهن أي على حسب الطيور الأربعة ، وعلى حسب الجهات الأربعة أيضا ، (ثُمَّ ادْعُهُنَ) بأسمائهن أي قل لهن : تعالين يا وز ، ويا ديك ويا طاوس ، ويا رأل بإذن الله تعالى (يَأْتِينَكَ سَعْياً) أي مشيا سريعا ولم تأت طائرة ليتحقق أن أرجلها سليمة في هذه الحالة (وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي غالب على جميع الممكنات (حَكِيمٌ) (٢٦٠) أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم أمر بذبحها ونتف ريشها ، وتقطيعها جزءا جزءا ، وخلط دمائها ولحومها. وأن يمسك رؤوسها بيده ، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال ، على كل جبل ربعا من كل طائر ، ثم يصيح بها : تعالين بإذن الله تعالى ، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها سعيا على أرجلها ، وانضم كل رأس إلى جثته وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى. (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) أي صفة صدقات الذين ينفقون أموالهم في دين الله كصفة حبة أخرجت سبع سنابل. أو المعنى مثل الذين ينفقون أموالهم في وجوه الخيرات من الواجب والنفل كمثل زارع حبة أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب ، في كل واحدة منها سنبلة (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) كما يشاهد ذلك في الذرة والدخن بل فيهما أكثر من ذلك (وَاللهُ يُضاعِفُ) فوق ذلك (لِمَنْ يَشاءُ) على حسب المنفق من إخلاصه وتعبه. ولذلك تفاوتت مراتب الأعمال في مقادير الثواب. (وَاللهُ واسِعٌ) أي لا يضيق عليه ما يتفضل به من التضعيف (عَلِيمٌ) (٢٦١) بنية المنفق وبمن يستحق المضاعفة. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) والمن : هو الاعتداد بالنعمة واستعظامها على المنفق عليه. والأذى : بأن يؤذى المنفق عليه بالقول أو العبوس في وجهه أو الدعاء عليه. وقيل : المراد هو المن على الله وهو العجب ، والأذى لصاحب النفقة. (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) أي ثواب إنفاقهم (عِنْدَ رَبِّهِمْ) في الجنة (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي فلا يخافون فقد أجورهم ولا يخافون العذاب ألبتة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢٦٢) على ما خلفوا من خلفهم نزلت هذه الآية في حق عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف. أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف
دينار ، فرفع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يديه يقول : «يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه» (١). وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار وقال : كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة آلاف ، وأخرجت أربعة آلاف لربي عزوجل فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» (٢). والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم ولم يخطر ببالهم شيء من المن والأذى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي كلام جميل يرد به السائل من غير إعطاء شيء (وَمَغْفِرَةٌ) من المسؤول عن بذاءة لسان الفقير (خَيْرٌ) للسائل (مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) لكونها مشوبة بضرر التعيير له بالسؤال (وَاللهُ غَنِيٌ) عن صدقة العبادة ، فإنما أمركم بالصدقة لينبئكم عليها. (حَلِيمٌ) (٢٦٣) إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ) أي أجرصدقاتكم(بِالْمَنِّ وَالْأَذى).
قال ابن عباس : أي بالمن على الله معناه العجب بسبب صدقتكم ، وبالأذى للسائل.
وقال الباقون : بالمن على الفقير وبالأذى للفقير (كَالَّذِي) أي كإبطال أجر نفقة الذي (يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ) أي سمعة الناس ولطلب المدحة والشهرة (وَ) كالذي (وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو المنافق. فإن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى ، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضا. إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما منّ على الفقير ولا آذاه. فالمقصود من الإبطال ، الإتيان بالإنفاق باطلا ، لأن المقصود الإتيان به صحيحا ، ثم إحباطه بسبب المن والأذى والأوجه كما قال بعضهم : إذا فعل ذلك فله أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن (فَمَثَلُهُ) أي فحالة المرائي في الإنفاق (كَمَثَلِ صَفْوانٍ). وقيل : الضمير عائد على المنافق ، فيكون المعنى إن الله تعالى شبّه المانّ والمؤذي بالمنافق ، ثم شبه المنافق بالحجر الكبير الأملس (عَلَيْهِ تُرابٌ) أي شي من التراب (فَأَصابَهُ وابِلٌ) أي مطر شديد (فَتَرَكَهُ صَلْداً) أي فجعل المطر ذلك الحجر أملس نقيا من التراب (لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) أي لا يقدرون على ثواب شيء في الآخرة مما أنفقوا في الدنيا رثاء ، أو المعنى لا يجد المان والمؤذي ثواب صدقته ، كما لا يوجد على الصفوان التراب بعد ما أصابه المطر الشديد (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٢٦٤) إلى الخير والرشاد. وفي هذه الآية تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى ـ على الإنفاق ـ من خصائص الكفار فلا بدّ للمؤمنين أن يجتنبوها. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ) أي مثل أموال الذين ينفقون أموالهم طلب رضاء الله تعالى ويقينا
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (٣ : ٣٠٦).
(٢) رواه ابن حجر في فتح الباري (٨ : ٣٣٢).
من قلوبهم بالثواب من الله تعالى ، وتصديقا بوعده يعلمون أن ما أنفقوا خير لهم مما تركوا كمثل بستان في مكان مرتفع مستو أصابه مطر شديد كثير (فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ) أي فأخرجت ثمرها مضاعفا مثلي ما يثمر غيرها ـ بسبب الوابل ـ فتحمل من الريع في سنة ما يحمل غيرها في سنتين (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) أي رش مثل الرذاذ يكفيها لجودتها ولطافة هوائها. والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما يقارنها من الأحوال. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) عملا ظاهرا أو قلبيا (بَصِيرٌ) (٢٦٥) لا يخفى عليه شيء منه (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) أي أيحب حبا شديدا أو يتمنى (أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ) أي بستان (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أي تطرد (الْأَنْهارُ) من تحت شجر تلك الجنة ومساكنها. (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي لذلك الأحد ـ حال كونه في الجنة ـ رزق من كل الثمرات (وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ) أي وقد أصابه كبر السن فلا يقدر على الكسب. والحال أن له أولادا صغارا لا يقدرون على الكسب (فَأَصابَها) أي الجنة (إِعْصارٌ) أي ريح ترتفع إلى السماء كأنها عمود (فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ) أي تلك الجنة. والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله ، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة. إلا أنه لا يقصد بها وجه الله بل يقرن بها أمورا تخرجها عن كونها موجبة للثواب. فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته. (كَذلِكَ) أي مثل هذا البيان في أمر النفقة المقبولة وغيرها (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي الدلائل في سائر أمور الدين (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٢٦٦) أي لكي تتفكروا في أمثال القرآن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) أي زكوا من جياد ما جمعتم من الذهب والفضة وعروض التجارة والمواشي (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) من الحبوب والثمار والمعادن. (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) أي ولا تقصدوا الرديء من أموالكم (مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) فقوله «منه» استفهام على سبيل الإنكار ، وهو متعلق بالفعل بعده. والمعنى أمن الخبيث تنفقون في الزكاة والحال أنكم لستم قابلي الخبيث إذا كان لكم حق على صاحبكم؟ (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) أي إلا بأن تساهلوا في الخبيث وتتركوا بعض حقكم كذلك لا يقبل الله الرديء منكم (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌ) عن إنفاقكم ، وإنما يأمركم به لمنفعتكم. (حَمِيدٌ) (٢٦٧) أي مستحق للحمد على نعمه العظام. وقيل : حامد بقبول الجيد وبالإثابة عليه. (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي إبليس يخوفكم بالفقر عند الصدقة ويقول لكم : أمسكوا أموالكم فإنكم إذا تصدقتم صرتم فقراء. أو المعنى النفس الأمارة بالسوء توسوس لكم بالفقر. (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) أي بالبخل ومنع الزكاة والصدقة (وَاللهُ يَعِدُكُمْ) يسبب الإنفاق (مَغْفِرَةً مِنْهُ) عزوجل (وَفَضْلاً) أي خلفا في الدنيا وثوابا في الآخرة (وَاللهُ واسِعٌ) بالمغفرة للذنوب وبإغنائكم وإخلاف ما تنفقونه (عَلِيمٌ) (٢٦٨) بنياتكم وصدقاتكم
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) فالحكمة هي العلم النافع وفعل الصواب. فقيل في حد الحكمة : هي التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية كقوله صلىاللهعليهوسلم : «تخلّقوا بأخلاق الله تعالى». (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) أي إصابة القول والفعل والرأي (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) أي أعطي خير الدارين (وَما يَذَّكَّرُ) أي ما يتفكر في الحكمة (إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢٦٩) أي إلا أصحاب العقول السليمة من الركون إلى متابعة الهوى. (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ) أي أيّ نفقة كانت في حق أو باطل ، في سر أو علانية قليلة أو كثيرة. (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) أي أيّ نذر كان في طاعة أو معصية ، بشرط أو بغير شرط ، متعلق بالمال أو بالأفعال كالصيام (فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ) أي ما أنفقتموه فيجاز بكم عليه (وَما لِلظَّالِمِينَ) بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الزكاة وعدم الوفاء بالنذور ، أو بالإنفاق بالخبيث أو بالرياء والمن والأذى (مِنْ أَنْصارٍ) (٢٧٠) أي أعوان ينصرونهم من عقاب الله (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إظهارها بعد أن لم يكن رياء وسمعة (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي أفضل من إيذائها وإيتائها الأغنياء.
روي أنهم سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس رضياللهعنهما صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا. وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر «نكفر» بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم أي و «نكفر» عنكم شيئا من ذنوبكم بقدر صدقاتكم. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «يكفر» بالياء والرفع. والمعنى يكفر الله أو يكفر الإخفاء. وقرئ قراءة شاذة «تكفر» بالتاء وبالرفع والجزم والفاعل راجع للصدقات. وقرأ الحسن بالتاء والنصب بإضمار أن. (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) من الصدقة في السر والعلانية (خَبِيرٌ) (٢٧١) لا يخفى عليه شيء منه (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) أي ليس عليك هدي من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم (وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) هدايته إلى الدخول في الإسلام.
روي أن نبيلة أم أسماء بنت أبي بكر وجدتها وهما مشركتان جاءتا أسماء تسألانها شيئا. فقالت : لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فإنكما لستما على ديني. فسألته عن الصدقة على الكفار فقالت : هل يجوز لنا يا رسول الله أن نتصدق على ذوي قرابتنا من غير أهل ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية. فأمرها رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن تتصدق عليهما ، (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) أي وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير ولو على كافر فإنما هو يحصل لأنفسكم ثوابه فلا يضركم كفرهم (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) أي ولستم في صدقتكم على أقاربكم من
المشركين تقصدون إلا وجه الله. فقد علم الله هذا من قلوبكم فأنفقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر ، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) أي من مال على الفقراء (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أي يوفي إليكم ثواب ذلك في الآخرة (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٢٧٢) أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ) أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم ووقفوها على الجهاد ، لأن الجهاد كان واجبا في ذلك الزمان. نزلت هذه الآية في حق فقراء المهاجرين من قريش ، وكانوا نحو أربعمائة ، وهم أصحاب الصفة. لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة ، وكانوا ملازمين المسجد ويتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة ولا يستطيعون سفرا في الأرض ، ثم عدم الاستطاعة للسير إما لاشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد فذلك يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإما لخوفهم من الأعداء كما قاله قتادة وابن زيد لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة ، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم فذلك يمنعهم من السفر ، وإما لمرضهم بالجروح كما قاله سعيد بن المسيب ولعجزهم لفقرهم كما قاله ابن عباس وذلك يمنعهم من السفر فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أي يظنهم من لم يختبر أمرهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة (تَعْرِفُهُمْ) أيها المخاطب (بِسِيماهُمْ) أي بعلامتهم من الهيبة ووقع في قلوب الخلق وآثار الخشوع في الصلاة فكل من رآهم تواضع لهم.
روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف أي كثرة التلطف وملازمة المسؤول أي إنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق ، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق. والمراد بقوله تعالى : (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا. عن ابن مسعود رضياللهعنه : إن الله يحب العفيف المتعفف ويبغض الفاحش البذي السآل الملحف الذي إن أعطي كثيرا أفرط في المدح ، وإن أعطي قليلا أفرط في الذم. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) أي من مال (فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢٧٣) فيجازيكم على ذلك أحسن جزاء وهذا يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته ما يكفيك بأن يكون علمي شاهدا بكيفية طاعتك وحسن خدمتك فإن هذا أعظم وقعا مما إذا قال له : إن أجرك واصل إليك (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) في الصدقة (بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) في الجنة (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بالدوام (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢٧٤) إذا حزن غيرهم.
قيل : لما نزل قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير وبعث علي رضياللهعنه بوسق من تمر ليلا فنزلت هذه الآية. وقال ابن عباس : إن عليا رضياللهعنه ما يملك غير أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية. فقال صلىاللهعليهوسلم : «ما حملك على هذا؟» فقال : أن أستوجب ما وعدني ربي. فقال : «لك ذلك». فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل : نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضياللهعنه حين تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر ، وعشرة في العلانية. وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان.
وقال الأوزاعي نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد وينفقون عليها (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) أي يأخذونه استحلالا (لا يَقُومُونَ) من قبورهم إذا بعثوا (إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) أي إلا قياما كقيام الذي يتخبله الشيطان من إصابة الشيطان بالجنون في الدنيا ، أي أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا ، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا ، فيعرفه أهل الموقف بتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا فعلى هذا معنى الآية أنهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بالجنون. (ذلِكَ) أي كون التخبل علامة آكل الربا في الآخرة (بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) أي إنما الزيادة في البيع كالزيادة في الربا ، أي ذلك العذاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح ، فاستحلوه استحلاله وقالوا : يجوز بيع درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين ، بل جعلوا الربا أصلا في الحل وقاسوا به البيع مع وضوح الفرق بينهما فإن أحد الدرهمين في الأول ضائع حتما وفي الثاني منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها. (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) أي أحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ) أي زجر وتخويف عن الربا (مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى) أي امتنع عن أخذه (فَلَهُ ما سَلَفَ).
قال السدي : أي له ما أكل من الربا وليس عليه ردما سلف فأما ما لم يقض بعد النهي فلا يجوز له أخذه وإنما رأس ماله فقط (وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ) أي يجازيه على انتهائه عن أخذه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية (وَمَنْ عادَ) إلى تحليل الربا بعد التحريم (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) أي ملازموها (هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٧٥) أي ماكثون أبدا (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا) أي يهلك المال الذي دخل فيه في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس : إن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم. (وَيُرْبِي
الصَّدَقاتِ) أي يبارك في المال الذي أخرجت منه في الدنيا والآخرة وفي الحديث : «إن الملك ينادي كل يوم اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا» (١). (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ) أي جاحد بتحريم الربا (أَثِيمٍ) (٢٧٦) أي فاجر بأخذه مع اعتقاد التحريم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بالله ورسله وكتبه وبتحريم الربا (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي فيما بينهم وبين ربهم وتركوا الربا (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أي أتموا الصلوات الخمس بما يجب فيها (وَآتَوُا الزَّكاةَ) أي أعطوا زكاة أموالهم (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) في الجنة (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من مكروه آت (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢٧٧) على محبوب فات. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) أي قوا أنفسكم عقابه (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا) أي اتركوا طلب ما بقي مما زاد على رؤوس أموالكم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢٧٨) أي مصدقين بقلوبكم في تحريم الربا (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به بأن لم تتركوا الربا (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) أي فاستعدوا للعذاب من الله في الآخرة بالنار ، وللعذاب من رسوله في الدنيا بالسيف (وَإِنْ تُبْتُمْ) من معاملة الربا (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) أي أصولها دون الزيادة (لا تَظْلِمُونَ) الغريم بطلب الزيادة على رأس المال (وَلا تُظْلَمُونَ) (٢٧٩) أي بنقصان رأس المال وبالمطل (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) أي وإن وقع غريم من غرمائكم ذو حالة يتعسر فيها وجود المال فيجب عليكم إمهاله إلى وقت يسار وسعة. (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي تصدقكم على المعسر برءوس أموالكم خير لكم من الأخذ والتأخير لأنه حصل لكم الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٨٠) فضل التصدق على الأنظار والقبض (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) أي إلى حسابه لأعمالكم وهو يوم القيامة (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) أي توفى فيه كل نفس برة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو شر (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) بنقص حسنة أو زيادة سيئة. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله والرسول (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) أي إذا داين بعضكم بعضا ، وعامله نسيئة معطيا أو آخذا إلى وقت معلوم بالأيام ، أو الأشهر ونحوهما مما يرفع الجهالة لا بالحصاد ونحوه مما لا يرفعها ، فاكتبوا الدين بأجله لأنه أوثق وأرفع للنزاع. والأكثرون على أن هذه الكتابة أمر استحباب ، فإن ترك فلا بأس وهو أمر تعليم ترجع فائدته إلى منافع الخلق في دنياهم ، فلا يثاب عليه المكلف إلا إن قصد الامتثال.
قال المفسرون : المراد بالمداينة السلم ، فالله تعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية ، مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء : «لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله تعالى لتحصيل مثل
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الزكاة ، باب : قول الله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى) إلخ ، وأحمد في (م ٢ / ص ٣٠٦).
تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا». والقرض غير الدين ، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم أو دنانير ، أو حبا أو تمرا أو ما أشبه ذلك ، ويسترد مثله ولا يجوز فيه الأجل. والدين يجوز فيه ذلك فذكر الأجل في القرض إن كان لغرض المقرض أفسده وإلا فلا يفسده ولا يجب الوفاء به لكنه يستحب.
قال ابن عباس : إن هذه الآية نزلت في السلف لأن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال صلىاللهعليهوسلم : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»(١).
وقال أكثر المفسرين : إن البياعات على أربعة أوجه :
أحدها : بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة ألبتة.
والثاني : بيع الدين بالدين. وهو باطل فلا يكون داخلا تحت هذه الآية.
وبيع العين بالدين : وهو إذا باع شيئا بثمن مؤجل.
وبيع الدين بالعين : وهو المسمى بالسلم وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. (وَلْيَكْتُبْ) كتاب الدين (بَيْنَكُمْ) أي بين الدائن والمديون (كاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أي بحيث لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص في ذلك (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ) أي ولا يمتنع أحد من أن يكتب كتاب الدين بين الدائن والمديون على طريقة ما علمه الله كتابة الوثائق فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ) أي وليبين المديون للكاتب ما عليه من الدين لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) أي وليخش المديون ربه بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص مما عليه من الدين شيئا في إلقاء الألفاظ على الكاتب (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ) أي فإن كان المديون ناقص العقل مبذرا أو عاجزا عن سماع الألفاظ للكاتب لصغر أو كبر مضعف للعقل ، أو لا يحسن الإسماع بنفسه على الكاتب ـ لخرس أو جهل باللغة أو بما عليه ـ فليقر على
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب المساقاة ، باب : ١٢٨ ، والبخاري في كتاب السلم ، باب : السلم إلى أجل معلوم ، وأبو داود في كتاب البيوع ، باب : في السلف ، والترمذي في كتاب البيوع ، باب : ٦٨ ، والنّسائي في كتاب البيوع ، باب : السلف في الثمار ، وابن ماجة في كتاب التجارة ، باب : السلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ، والدارمي في كتاب البيوع ، باب : في السلف ، وأحمد في (م ١ / ص ٢١٧).
الكاتب ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة. والمراد بالولي هو الولي لغة وهو من له ولاية عليه بأي طريق كان كوصي وقيّم ومترجم (بِالْعَدْلِ) أي بالصدق من غير زيادة ونقص. (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) أي وأشهدوا على الدين شاهدين من الرجال البالغين الأحرار المسلمين. وعند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبيد. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين بأن لم يقصد إشهادهما فرجل وامرأتان كائنون (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ) لدينه وعدالته (مِنَ الشُّهَداءِ) يشهدون. وهذا تفسير للخير. (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى).
قرأ حمزة «أن تضل» بكسر «إن» ، «وتذكر» بالرفع والتشديد. وقرأ نافع وعاصم والكسائي «فتذكر» بالتشديد والنصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب. أما سائر القراء فقرأوا بنصب «أن» على حذف لام التعليل ، أي وإنما اشترط التعدد في النساء لأجل أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة لنقص عقلهن ، فتذكر إحداهما الذاكرة للشهادة المرأة الأخرى الناسية لها (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) أي ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا إلى تحمل الشهادة وأدائها عند الحكام ، فيحرم الامتناع عليهم ، لأن تحمل الشهادة وفرض كفاية مطلقا ، والأداء كذلك إن زاد المتحملون على من يثبت بهم الحق وإلا ففرض عين. (وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ) أي ولا تملوا أن تكتبوا الدين لكثرة وقوع المداينة على أي حال كان الدين قليلا أو كبيرا ، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا ، أو مشبعا حال كون الدين مستقرا في ذمة المديون إلى وقت حوله الذي أقر به المديون. أي فاكتبوا الدين بصفة أجله ولا تهملوا الأجل في الكتابة وقوله تعالى : (وَلا تَسْئَمُوا) معطوف على قوله تعالى : (فَاكْتُبُوهُ). (ذلِكُمْ) أي الكتابة للدين (أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ) أي أعدل في حكم الله (وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ) أي أبين للشاهد بالشهادة إذا نسي (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا) أي وأقرب إلى انتفاء شككم في قدر الدين وأجله (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ).
قرأ عاصم «تجارة» بالنصب على أنه خبر «تكون». والباقون بالرفع على أنه اسم «تكون» والخبر «تديرونها» ، و «إلا» إما استثناء متصل راجع إلى قوله تعالى : (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). والتقدير إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا وهو المراد من التجارة الحاضرة ، وإما استثناء منقطع. فالتقدير : لكنه إذا كانت تجارتكم ومداينتكم تجارة حالة تتعاطونها يدا بيد ، أو التقدير لكن إذا كانت تجارة حاضرة مقبوضة بينكم ولا أجل فيها (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها) أي ليس عليكم مضرة في ترك الكتابة في المداينة الحاضرة كأن باع ثوابا بدرهم في الذمة بشرط أن يؤدى الدرهم في هذه الساعة ، أي لا بأس بعدم الكتابة في ذلك
لبعده عن التنازع والنسيان. (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) بالأجل (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ) بالكتابة (وَلا شَهِيدٌ) بالشهادة. وهذا إما مبني للفاعل فيكون نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، وهو قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، ويدل على ذلك قراءة عمر رضياللهعنه ولا يضارر بالإظهار والكسر ، واختار الزجاج هذا القول لقوله تعالى : (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) [البقرة : ٢٨٢] وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن الشهادة : (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة : ٢٨٣] ـ والآثم والفاسق متقاربان ـ وإما مبني للمفعول فيكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، كأنه يكلفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة ولا يعطي الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان فإن لهما الجعل ، ولا يكلفان الكتابة والشهادة مجانا ، وهو قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد ، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس «ولا يضارر» بالإظهار والفتح ، وهذا لو كان نهيا للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكما ، ولأن دلالة الكلام من أول الآيات إنما هو في المكتوب له والمشهود له. وإذا كان هذا النهي متوجها للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم (وَإِنْ تَفْعَلُوا) ما نهيتم عنه من الضرير (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي فإن فعلكم ذلك معصية منكم وخروج عن طاعة الله (وَاتَّقُوا اللهَ) فيما حذر منه وهو هنا المضارة. أو المعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) من مصالح الدنيا والآخرة (عَلِيمٌ) (٢٨٢) فلا يخفى عليه حالكم (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» بضم الراء والهاء أو سكونه. والباقون «فرهان» بكسر الراء وفتح الهاء مع المد و «على» بمعنى في أو بمعنى إلى. أي وإن كنتم مسافرين أو متوجهين إلى السفر ، ولم تجدوا كاتبا أو آلة الكتابة في المدينة فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو يقال في الوثيقة رهان مقبوضة (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ) أي الدائن (بَعْضاً) أي المديون بالدين بلا رهن لحسن ظنه به (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ) بالدين (أَمانَتَهُ) أي حق صاحبه (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ) أي وليخش المديون ربه في أداء الدين عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا إنكار بل يعامل الدائن معاملة حسنة كما أحسن ظنه فيه (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ) عند الحكام بإنكار العلم بتلك الواقعة أو بالامتناع من أداء الشهادة عند الحاجة إلى إقامتها. (وَمَنْ يَكْتُمْها) أي الشهادة (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) أي فاجر قلبه (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) من كتمان الشهادة وإقامتها ومن الخيانة في الأمانة وعدمها (عَلِيمٌ) (٢٨٣) فيجازيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر. (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ملكا وملكا من الخلق والعجائب يأمر عباده بما يشاء (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ) من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل (أَوْ تُخْفُوهُ) بأن تكتموه منهم (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ) يوم القيامة. فالخواطر
الحاصلة في القلب على قسمين : ما يوطّن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، وما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذا به ، والثاني لا يكون مؤاخذا به (فَيَغْفِرُ) بفضله (لِمَنْ يَشاءُ) مغفرته (وَيُعَذِّبُ) بعدله (مَنْ يَشاءُ) تعذيبه وقد يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ، وقد يعذب من يشاء على الذنب الحقير. لا يسأل عما يفعل.
قرأ عاصم وابن عامر «فيغفر» ، «ويعذب» بالرفع. والباقون بالجزم. (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من المغفرة والعذاب (قَدِيرٌ) (٢٨٤) (آمَنَ الرَّسُولُ) أي صدق محمد صلىاللهعليهوسلم (بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) أي من القرآن.
قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وذكر الطلاق والإيلاء والحيض والجهاد ، وقصص الأنبياء ، ختم السورة بذكر تصديق نبيه صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين بجميع ذلك ، انتهى. (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌ) أي كل واحد منهم (آمَنَ بِاللهِ) أي بوجوده وبصفاته وبأفعاله وبأحكامه وبأسمائه (وَمَلائِكَتِهِ) أي بوجودها وبأنهم معصومون مطهرون يخافون ربهم من فوقهم وأنهم وسائط بين الله وبين البشر. وأن كتب الله المنزّلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة (وَكُتُبِهِ). وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء مع المد بأن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسله ، وأنها ليست من باب الكهانة ولا من باب السحر ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وبأن يعلم أن الوحي بهذه الكتب ، فالله تعالى لم يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر. وبأن يعلم أن هذا القرآن لم يغيّر ولم يحرّف ، فمن قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضياللهعنه فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وهو قول فاسد. وبأن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه وأن محكمه يكشف عن متشابهه (وَرُسُلِهِ) بأن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. وبأن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي وأن الرسل أفضل من الملائكة. وأن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) أي يقول المؤمنون لا نكفر بأحد من رسله بل نؤمن بصحة رسالة كل واحد منهم (وَقالُوا) أيضا (سَمِعْنا) قول ربنا (وَأَطَعْنا) أمر ربنا (غُفْرانَكَ) أي نسألك غفرانك من ذنوبنا (رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥) أي المرجع بعد الموت (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً) من الطاعة (إِلَّا وُسْعَها) أي طاقتها (لَها ما كَسَبَتْ) أي ثوابه من الخير (وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) أي وزره من الشرفان.
قلنا : إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم إنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع ، وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا! فإذا كان هو تعالى بحكم
الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا ، ثم قالوا بعده : غفرانك ربنا ، دل ذلك على أن قولهم : غفرانك ، طلب للمغفرة مما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد ، فلما كان قولهم غفرانك طلبا للمغفرة من ذلك التقصير فلا شك في أن الله تعالى خفف عنهم ذلك وقال : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها). والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا التقصير ، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وبالجملة فهذا إجابة لهم من الله في دعائهم بقولهم غفرانك ربنا ، اه. (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا) أي يا ربنا لا تعاقبنا (إِنْ نَسِينا) طاعتك (أَوْ أَخْطَأْنا) في أمرك (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) أي تكليفا بالأمور الشاقة. (كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) من بني إسرائيل أي لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود.
قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة. ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها. وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ) أي قوة (لَنا بِهِ) من البلاء والعقوبة. أي ولا تحمل علينا أيضا ما لا راحة لنا فيه من الاستكراه. (وَاعْفُ عَنَّا) أي امح آثار ذنوبنا (وَاغْفِرْ لَنا) أي استر عيوبنا ولا تفضحنا بين عبادك. (وَارْحَمْنا) أي تعطّف بنا وتفضّل علينا. (أَنْتَ مَوْلانا) أي أنت سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك ويقال : واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون ، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط. فلما دعوا بهذا الدعاء رفع الله عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه وعفا عنهم من الخسف والمسخ والقذف. (فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم. ولما مدح الله تعالى المتقين في أول السورة بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمد صلىاللهعليهوسلم فقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) ثم قال هاهنا : (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) هو المراد بقوله تعالى هناك : (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) ثم قال هاهنا : (غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وهو المراد بقوله تعالى هناك : (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) ثم حكى الله تعالى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) إلى آخر السورة وهو المراد بقوله تعالى : (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها.
سورة آل عمران
مدنية ، مائتان آية ، ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاث كلمات
أربعة عشر ألفا وتسعمائة وسبعة وثمانون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُ) أي الذي لا يموت ولا يزول (الْقَيُّومُ) (٢) أي القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه.
قال الكلبي والربيع بن أنس ، ومحمد بن إسحاق : نزلت هذه الآيات في شأن وفد نصارى نجران ، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ودخلوا المسجد حين صلّى العصر ، عليهم ثياب الحبرات ، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم :
أحدهم : أميرهم واسمه عبد المسيح.
والثاني : مشيرهم وذو رأيهم واسمه الأيهم.
والثالث : حبرهم يقال له : أبو حارثة بن علقمة. فكلم الأيهم وعبد المسيح فقال لهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أسلما» قالا قد أسلمنا قبلك. قال : «كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء : إثباتكما لله ولدا ، وعبادتكم للصليب ، وأكلكما الخنزير». قالوا : إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه! وخاصموه صلىاللهعليهوسلم في عيسى. فقال لهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟». قالوا : بلى. قال : «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟». قالوا : بلى. قال : «ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟». قالوا : بلى. قال : «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟». قالوا : لا. قال : «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟». قالوا : بلى. قال : «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟». قالوا : لا. قال : «فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء فهل تعلمون ذلك؟» قالوا : بلى. قال : «أ لستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟». قالوا : بلى ، قال : «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ، ثم غذي
كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟» قالوا : بلى. قال : «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟!» (١). فسكتوا ، فأنزل الله تعالى من ابتداء السورة إلى آية المباهلة تثبيتا لما احتج به النبي عليهم (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن.
وقرئ قراءة شاذة بتخفيف نزل ورفع الكتاب (بِالْحَقِ) أي بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره وفي وعده ووعيده ، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله تعالى ، أو بالقول الفصل وليس بالهزل ولا بالمعاني الفاسدة المتناقضة. (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي لما تقدمه من الكتب السالفة في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بشأنه تعالى وفي الأمر بالعدل والإحسان ، وفي أنباء الأنبياء والأمم الخالية وفي بعض الشرائع. (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ) جملة على موسى بن عمران ، (وَالْإِنْجِيلَ) (٣) جملة على عيسى ابن مريم (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل تنزيل القرآن (هُدىً لِلنَّاسِ) أي حال كونهما هاديين من الضلالة ، أو أنزل هذه الكتب الثلاثة لهداية الناس (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) قيل : المراد الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الداعية إلى الخير ، الزاجرة عن الشر ، الفارقة بين الحق والباطل ، ثم المختار عند الفخر الرازي أن المراد من الفرقان هو المعجزات التي قرنها تعالى بإنزال هذه الكتب الثلاثة لأنه لما أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق دعوى الرسل حصلت المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب ، فالمعجزة هي الفرقان. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ) أي القرآن وغيره كوفد بني نجران ونحوهم بأن كذبوا بالآيات الناطقة بالتوحيد والتنزيه المبشّرة بنزول القرآن ومبعث النبيّ صلىاللهعليهوسلم (لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) بسبب كفرهم بها (وَاللهُ عَزِيزٌ) أي غالب لا يغلب (ذُو انْتِقامٍ) (٤) أي عقوبة عظيمة. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب. فالأول صفة الذات ، والثاني صفة الفعل. (إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ) قصيرا أو طويلا ، حسنا أو قبيحا ، ذكرا أو أنثى ، سعيدا أو شقيا. وهذه الآية واردة في الرد على النصارى. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى بأمرين : بالعلم والقدرة. فإن عيسى كان يخبر عن الغيوب فيقول لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، وصنعت في دارك كذا. وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا ، ثم إنه تعالى استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله تعالى : (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) فالإله يجب أن يكون حيا قيوما ، وعيسى لم يكن كذلك. فيلزم القطع بأنه لم يكن إلها. ولما قالوا : إن عيسى أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها ، فرد الله عليهم بقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ). والمعنى لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢ : ٣).
لاحتمال أنه علم ذلك بتعليم الله تعالى له ذلك. ولما قالوا : إن عيسى كان يحيي الموتى فوجب أن يكون إلها ، فرد الله عليهم بقوله : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ). والمعنى إن حصول الإحياء على وفق قوله عليهالسلام في بعض الصور لا يدل على كونه إلها لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارا لمعجزته وإكراما له. ولما قالوا : يا أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أن عيسى لم يكن له أب من البشر فوجب أن يكون ابنا لله ، فأجاب الله تعالى عن ذلك أيضا بقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ) فإن هذا التصوير لما كان من الله تعالى فإن شاء صوّر من نطفة الأب ، وإن شاء صوّره ابتداء من غير أب. ولما قالوا للرسول صلىاللهعليهوسلم : ألست تقول : إن عيسى روح الله وكلمته؟ فهذا يدل على أنه ابن الله! فأجاب الله عن ذلك بأن هذا اللفظ من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل وذلك هو المراد بقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) فظهر بذلك المذكور أن قوله تعالى : (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) إشارة إلى أن عيسى ليس بالإله ولا ابن الإله. وأما قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ) فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم. وقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ) جواب عن تمسكهم بقدرة عيسى على الإحياء ونحوه. لأنه لو قدر على الإحياء لقدر على الإماتة ، ولو قدر على الإماتة لأمات اليهود الذين قتلوه ـ وعلى زعم النصارى ـ فثبت أن حصول الإحياء في بعض الصور لا يدل على كونه إلها ، وهو جواب أيضا عن تمسكهم بأن من لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون ابنا لله ، فكأنه تعالى يقول كيف يكون عيسى ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أبا للمصوّر. وأما قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) إلى آخر الآيات فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن : أن عيسى روح الله وكلمته ، ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا لسائر النصارى عن قولهم بالتثليث فقال : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٦) فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى كمال العلم وهذا تثبيت لما تقدم من أن علم عيسى ببعض الغيوب وقدرته على الإحياء في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها. فإن الإله لا بدّ وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز وكامل العلم وهو الحكيم. (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) أي محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال ، قطعية الدلالة على المعنى المراد. (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي أصل في الكتاب وعمدة ترد إليها آيات متشابهات. ومثال المتشابه قوله تعالى : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) [الإسراء : ١٦]. فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا والمحكم قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف : ٢٨] ردا على الكفار فيما حكى عنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها والآية المتشابهة قوله تعالى : (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة : ٦٧]. والآية المحكمة قوله تعالى : (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا). [مريم : ٦٤] (وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) أي وآيات أخر محتملات لمعان متشابهة لا يتضح
مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهرة إلا بنظر دقيق وتأمل أنيق (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) أي فيتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) أي طلب الفتنة في الدين ـ وهي الضلال عنه ـ فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفا لبعض ، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) أي وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، والمنصف يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة :
أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية فذلك هو المحكم حقا.
وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره.
وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابها ، بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ) أي وما يعلم تأويل المتشابه حقيقة إلا الله وحده. ونقل عن ابن عباس رضياللهعنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يمكن لأحد جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير يعرفه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) أي بالكتاب (كُلٌ) أي كل واحد من المحكم والمتشابه (مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) والراسخ في العلم : هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا رأى شيئا متشابها ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى وقطع بأن ذلك المعنى على أي شيء كان فهو الحق والصواب ، لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بدّ وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا) أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائفة ـ وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر ـ وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ويوافق اللغة والإعراب ، ومن تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله تعالى. ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) أي لا تمل قلوبنا عن دينك بعد إذ هديتنا لدينك أو يقال : يا ربنا لا تجعل
قلوبنا مائلة إلى الباطل بعد أن تجعلها مائلة إلى الحق (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب ، ونور الطاعة والعبودية والخدمة في الأعضاء ، وسهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية في الدنيا ، وسهولة سكرات الموت عند الموت ، وسهولة السؤال والظلمة في القبر وغفران السيئات وترجيح الحسنات في القيامة. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٨) لكل مطلوب فإن هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إليّ لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك وغاية جودك ورحمتك. وكان صلىاللهعليهوسلم يقول : «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» (١). (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي يا ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك في وقوعه فجازنا فيه أحسن الجزاء (إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٩) أي الوعد وهذا من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من ربهم أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية وأنواع الرحمة فكأنهم قالوا : ليس غرضنا من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقرضة وإنما غرضنا الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ونعلم أن وعدك بالجزاء والحساب ، والميزان والصراط والجنة والنار لا يكون خلفا ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن أعطيته الهداية والرحمة بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) أي إن الذين كفروا ككعب بن الأشرف وأصحابه وأبي جهل وأصحابه لن تنفعهم كثرة أموالهم وكثرة أولادهم. (مِنَ اللهِ) أي من عذاب الله أو عند الله (شَيْئاً).
وقيل : إن المراد بهؤلاء وفد نجران. وذلك لأن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه كرز : إني لأعلم أن محمدا رسول الله حقا وهو النبي الذي كنا ننتظره ، ولكنني إن أظهرت إيماني بمحمد أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال الكثير والجاه ، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عذاب الله في الدنيا والآخرة. نعم إن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ (وَأُولئِكَ) المتصفون بالكفر (هُمْ وَقُودُ النَّارِ) (١٠) أي حطب النار الذي تسعر به (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي شأن هؤلاء في تكذيب محمد صلىاللهعليهوسلم كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من مكذبي الرسل كقوم هود وقوم صالح (كَذَّبُوا بِآياتِنا) وهي المعجزات. ومتى كذبوا بها فقد كذبوا بالأنبياء بلا شك (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي عاقبهم الله بتكذيبهم المعجزات الدالة على صدق الرسل. وإنما استعمل الأخذ في العقاب لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأسور المأخوذ لا يقدر على التخلص (وَاللهُ شَدِيدُ) (الْعِقابِ) (١١) وعن سعيد بن جبير وعكرمة
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب القدر ، باب : ٧ ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : فيما أنكرت الجهمية ، وأحمد في (م ٢ / ص ٤).
عن ابن عباس رضياللهعنهم : أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما غزا قريشا في بدر ورجع إلى المدينة جمع يهود بني قينقاع في سوق بني قينقاع وقال : «يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا يوم بدر فقد عرفتم أني نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم» (١). فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك إن قتلت نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال لو قاتلتنا لعرفت فأنزل الله تعالى قوله هذا : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) هم يهود بني قينقاع (سَتُغْلَبُونَ) عن قريب في الدنيا وقد صدق الله تعالى وعده بقتل بني قريظة ، فقد قتل منهم النبي صلىاللهعليهوسلم في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع ، وأمر السياف بضرب أعناقهم ، وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها. وبإجلاء بني النضير ، وفتح خبير ، وضرب الجزية على أهلها. وبالأسر على بعض كل. (وَتُحْشَرُونَ) في الآخرة (إِلى جَهَنَّمَ) دلت الآية على حصول البعث في يوم القيامة والنشر والحشر وعلى أن مرد الكافرين النار (وَبِئْسَ الْمِهادُ) (١٢) أي الفراش جهنم.
وقرأ حمزة والكسائي بالغيبة في الفعلين أي بلغهم أنهم سيغلبون ويحشرون. والباقون بالخطاب أي قل لهم في خطابك إياهم ستغلبون وتحشرون. والفرق بينهما أنه على الخطاب يكون الإخبار بمعنى كلام الله تعالى ، وعلى الغيبة تكون بلفظه. (قَدْ كانَ لَكُمْ) أيها اليهود (آيَةٌ) أي علامة لنبوة محمد صلىاللهعليهوسلم (فِي فِئَتَيْنِ) أي فرقتين (الْتَقَتا) بالقتال يوم بدر (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله وهم محمد صلىاللهعليهوسلم وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ومن السيوف ثمانية ، ومن الخيل فرسان للمقداد بن عمر ولمرثد بن أبي مرثد. (وَأُخْرى كافِرَةٌ) أي وجماعة أخرى كافرة بالله والرسول وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة ، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وكان في الرجال دروع سوى ذلك (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) أي يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا ، وعشرين رأيا ظاهرا عيانا بالعين. في ذلك أنه تعالى كثّر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم.
قال ابن عباس : يرون أنفسهم مثلي أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم. وقرأ نافع وأبان عن عاصم من السبعة ، ويعقوب ترونهم بالخطاب. والمعنى ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة ومع ذلك غلبهم المؤمنون مع قلتهم جدا. فيكون هذا أبلغ في إكرام المؤمنين وعناية الله بهم (وَاللهُ يُؤَيِّدُ) أي يقوي (بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ) ولو بدون الأسباب العادلة (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الخراج والفيء ، باب : كيف كان إخراج اليهود من المدينة.
نصرة الله لمحمد يوم بدر. ويقال : ـ أي في رؤية القليل كثيرا ـ من غلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح (لَعِبْرَةً) أي لعظة عظيمة (لِأُولِي الْأَبْصارِ) (١٣) أي لذوي العقول ووجه نظم هذه الآية المتقدمة وهي قوله تعالى : (سَتُغْلَبُونَ) نزلت في شأن اليهود وأن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا : لسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال ، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال كل من ينازعنا. فالله تعالى قال لهم : إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدد والعدة فإنكم ستغلبون. ثم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك القول فقال : (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا).
ثم قيل : روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلىاللهعليهوسلم في قوله ، إلا أنه لا يقر بذلك خوفا من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه. وأيضا روينا أنه صلىاللهعليهوسلم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح ، فبيّن الله تعالى أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة وأن الآخرة خير وأبقى فقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) أي الأشياء المشتهيات (مِنَ النِّساءِ) وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم (وَالْبَنِينَ) ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ، خصّه الله تعالى بالذكر ، ووجه التمتع بهم من حيث السرور بهم وغير ذلك. (وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) والقنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. والقنطار واحد والقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة. ومعنى القناطير المقنطرة أي الأموال المجموعة والأموال المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير وإنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ) أي المطهمة الحسان بأن تكون غرا محجلة (وَالْأَنْعامِ) وهي الإبل والبقر والغنم (وَالْحَرْثِ) أي المزروع (ذلِكَ) أي جميع ما سبق (مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي منفعة للناس في الدنيا ثم تفنى. (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (١٤) أي المرجع في الآخرة ، وهو الجنة. (قُلْ) يا أشرف الخلق للكفار أو للناس عامة ـ وهو أمر للنبي صلىاللهعليهوسلم بتفصيل ما أجمل أولا ـ في قوله تعالى : (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). (أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ) أي زينة الدنيا (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي تبتلوا إلى الله تعالى وأعرضوا عما سواه فلا تشغلهم الزينة عن طاعة الله تعالى (عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي عند ربهم بساتين تطرد من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والعسل واللبن والماء. (خالِدِينَ فِيها) أي مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها. (وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي مهذبة من الحيض والنفاس والبصاق ، والمني وتشويه الخلقة ، وسوء العشرة والأخلاق الذميمة. (وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ) ورضا ربهم أكبر مما هم فيه من النعيم (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) (١٥) أي بأحوال الذين اتقوا ثم وصفهم بقوله : (الَّذِينَ يَقُولُونَ) في الدنيا (رَبَّنا إِنَّنا
آمَنَّا) بك وبرسولك (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) أي استرها وتجاوز عنا (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (١٦) أي ادفع عنا ذلك (الصَّابِرِينَ) على أداء فرائض الله واجتناب معاصيه وعلى المرازي (وَالصَّادِقِينَ) في أيمانهم وأقوالهم ونياتهم. (وَالْقانِتِينَ) أي المواظبين على العبادات. (وَالْمُنْفِقِينَ) أموالهم في سبيل الله (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) (١٧) أي في أواخر الليل بأيّ صيغة كانت. وقيل : أي المصلين التطوع فيها ، وأعظم الطاعات قدرا أمران :
أحدهما : الخدمة بالمال وإليه الإشارة بقوله صلىاللهعليهوسلم : «الشفقة على خلق الله» والإشارة بقوله تعالى هنا : (وَالْمُنْفِقِينَ).
وثانيهما : الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله صلىاللهعليهوسلم : «التعظيم لأمر الله». والإشارة بقوله تعالى هنا : (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ). (شَهِدَ اللهُ) أي بيّن لخلقه بالدلائل السمعية والآيات العقلية (أَنَّهُ لا إِلهَ) أي لا مستحقا للعبودية موجود (إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) وهم الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم ، ولذلك قال صلىاللهعليهوسلم : «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» (١) وهذا يدل على أن الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول. فشهادة الله تعالى على توحيده. هو أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده وشهادة الملائكة وأولي العلم هي إقرارهم بتوحيده تعالى. (قائِماً بِالْقِسْطِ) أي مقيما للعدل في جميع أموره ، وهذا بيان لكماله تعالى في أفعاله بعد بيان كماله في ذاته. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٨) فالعزة في الملك تلائم الوحدانية. والحكمة في الصنع تلائم القيام بالقسط.
قال الكلبي قدم حبران من أحبار الشام على النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقالا له : أنت محمد؟ قال : «نعم». قالا له : وأنت أحمد؟ قال : «أنا محمد وأحمد». قالا : فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك. فقال لهما : «سلا» (٢). قالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عزوجل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأسلم الرجلان. وفي المدارك : من قرأها عند منامه وقال بعدها : أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي عنده وديعة ، يقول الله يوم القيامة : إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة. (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) فلا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة التي عليها
__________________
(١) رواه الزيلعي في نصب الراية (٤ : ٨٢) ، والعجلوني في كشف الخفاء (٢ : ٩٣).
(٢) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٥٧٧٧) ، والبخاري في التاريخ الصغير (١ : ١٥) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٢١٦٧) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١ : ٦٥).
الرسل عليهمالسلام. نزلت هذه الآية لما ادّعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية ، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية فرد الله عليهم ذلك وقال : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ).
وقرأ الكسائي بفتح همزة «أن» وهو إما بدل من أنه بدل كان من كل إن فسر الإسلام بالتوحيد نفسه أي بالإيمان بكونه تعالى واحدا. وبدل كل من بعض إن فسر الإسلام بالشريعة ، فإنها تشتمل على التوحيد والعدل ونحوهما. أو معطوف على أنه بحذف حرف العطف ، أو مبني على أن شهد واقع على أن الدين إما بإجراء أنه على التعليل ، والتقدير شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو : (إِنَّ الدِّينَ) الآية. أو بإجرائه على قراءة ابن عباس وهو بكسره على جعل جملة «أنه» اعتراضا وعلى أن الدين من باب تقديم وتأخير ، والتقدير شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ، وشهد بذلك الملائكة والنبيون والمؤمنون ، أو بإجراء «شهد» مجرى قال ، مع جعل «إن الدين» معمولا للحكيم ، بإسقاط الجار ، أي الحكيم بإن الدين. أما جعله بدل اشتمال من أنه فممتنع بذلك التفسير لأنه صار البدل أشمل من المبدل منه ، ولأن شرط بدل الاشتمال أن يكون المخاطب منتظرا للبدل عند سماع المبدل منه وهنا ليس كذلك. ولا سيما أن هنا فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي أعطوا التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى في دين الإسلام وأنكروا نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم وقالوا : نحن أحق بالنبوة من قريش ـ لأنهم أميون ـ ونحن أهل الكتاب. (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي لأجل الحسد الكائن بينهم وطلب الرياسة لا لشبهة وخفاء في الأمر (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ) الناطقة بأن الدين عند الله هو الإسلام بأن لم يعمل بمقتضاها (فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (١٩) أي فإن الله يجازيه على كفره عن قريب ، فإنه يأتي حسابه عن قريب. (فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي خاصمك اليهود والنصارى في أن الدين عند الله الإسلام بعد قيام الحجة عليهم (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ) أي أخلصت نفسي أو عملي (لِلَّهِ) لا أشرك به في ذلك غيره (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) عطف على التاء في أسلمت أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي اليهود والنصارى (وَالْأُمِّيِّينَ) أي الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب : (أَأَسْلَمْتُمْ) أي فهل أسلمتم بعد أن أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام أم أنتم على الكفر؟
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا : أسلمنا. فقال صلىاللهعليهوسلم : «أ تشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟». فقالوا : معاذ الله. وقال صلىاللهعليهوسلم للنصارى : «أ تشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟». فقالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا. (فَإِنْ أَسْلَمُوا) كما أسلمتم (فَقَدِ اهْتَدَوْا) للفوز والنجاة في الآخرة (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإسلام والاتباع لدينك لم يضروك شيئا (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلّغت ما جاءك
عن الله فقد أديت ما عليك وليس عليك قبولهم (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) (٢٠) أي عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن فيجازي كلا منهم بعمله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ) أي بالقرآن وبمحمد صلىاللهعليهوسلم (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ) أي بلا جرم (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٢١) أي فأعلمهم بعذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال : «رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأ هذه الآية ثم قال : «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم» (١).
قال الحسن : هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف تلى منزلته في العظم منزلة الأنبياء.
وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : أيّ الجهاد أفضل؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (٢) (أُولئِكَ) المتصفون بالصفات القبيحة (الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) أي بطلت محاسن أعمالهم في الدارين أما بطلانها في الدنيا فبإبدال المدح بالذم ، والثناء باللعن وبما ينزل بهم من القتل والسبي وأخذ المال منهم غنيمة ، والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم. وأما بطلانها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب. (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٢٢) من عذاب الله في إحدى الدارين (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) أي حظا من علم التوراة ـ وهم العلماء ـ منهم النعمان بن عمرو والحرث بن زيد. كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. (يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ) أي التوراة (لِيَحْكُمَ) أي كتاب الله (بَيْنَهُمْ). وقرئ «ليحكم» على البناء للمفعول (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي يعرض طائفة منهم بنو قريظة والنضير من أهل خيبر عن الحكم (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٣) أي مكذبون بذلك.
روي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من اليهود زنيا في خيبر وكانا ذوي شرف ، وكان في
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٤٠٧).
(٢) رواه أبو داود في كتاب الملاحم ، باب : الأمر والنهي ، والترمذي في كتاب الفتن ، باب : ١٣ ، وابن ماجة في كتاب الفتن ، باب : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأحمد في (م ٥ / ص ٣٤٧).
كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم ، فرجعوا في أمرهما إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم ، فحكم عليهما بالرجم. فقال له النعمان ابن أوفى وعدي بن عمرو : جرت علينا يا محمد ليس عليهما الرجم. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم بالتوراة؟» قالوا : عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة فقال له : «اقرأ» فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلىاللهعليهوسلم. فقال ابن سلام : قد جاوز موضعها يا رسول الله. فرفع كفه عنها ، ثم قرأ على رسول الله وعلى اليهود أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما ، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ما في بطنها فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم باليهوديين فرجما ، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا وانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. (ذلِكَ) أي التولي والإعراض (بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) أي لن تصيبنا في الآخرة (إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) أي سبعة أيام (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ) أي في ثيابهم على دينهم اليهودية (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٢٤) من قولهم ذلك وما أشبهه (فَكَيْفَ) صنعهم (إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي في يوم لا شك في مجيئه (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ) برة وفاجرة (ما كَسَبَتْ) أي جزاء ما عملت من ثواب أو عقاب (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٥) فلا ينقص أحد من ثواب الطاعات ولا يزاد على عقاب السيئات (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ).
روي أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم. فقال المنافقون ـ منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول ـ واليهود هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم أولم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فنزلت هذه الآية. وروي أنه صلىاللهعليهوسلم لما خط الخندق في عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون ، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم ليخبره ، فذهب إليه ، فجاء رسول الله وأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضربة صدعها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ـ أي المدينة ـ كأنه مصباح في جوف ليل مظلم فكبّر ، وكبّر المسلمون ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «أضاء لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» ثم ضرب الثانية فقال : «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم» ، ثم ضرب الثالثة فقال : «أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» (١). فقال المنافقون : ألا تعجبون من نبيكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الخوف فنزلت هذه الآية.
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٥ : ١٨٦).
وروي أنها نزلت في شأن قريش لقولهم لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : كسرى ينام على فرش الديباج فإن كنت نبيا فأين ملكك؟ (تُؤْتِي الْمُلْكَ) أي تعطي الملك في الدنيا (مَنْ تَشاءُ) من خلقك (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) منهم إما بالموت أو إزالة العقل ، أو إزالة القوى والحواس ، أو بورود التلف على الأموال أو بسلب الملك (وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ) بالإيمان والحق وبالأموال الكثيرة من الناطق والصامت ، وبإلقاء الهيبة في قلوب الخلق. (وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) بالكفر والباطل (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) أي بقدرتك العز والذل والغنيمة والنصرة (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من ذلك (قَدِيرٌ) (٢٦) (تُولِجُ اللَّيْلَ) أي تدخل بعض الليل (فِي النَّهارِ) فيكون النهار أطول من الليل (وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) أي تدخل بعض النهار في الليل فيكون الليل أطول من النهار (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي تخرج النسمة من النطفة ، والدجاجة من البيضة ، والسنبلة من الحبة ، والطيّب من الخبيث كالتوبة من الذنب ، والمؤمن من الكافر كسيدنا عكرمة من أبي جهل. فالمسلم حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد (وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ) أي تخرج النطفة من الإنسان ، والبيضة من الطير ، والحب اليابس من النبات الحي ، والخبيث من الطيب كالعجب من العبادة ، والكافر من المؤمن ككنعان من سيدنا نوح عليهالسلام (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (٢٧) أي بلا تكلف ولا ضيق.
قال أبو العباس المقري : ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه : بمعنى التعب : قال تعالى : (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ). وبمعنى العدد : قال تعالى : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) [الزمر : ١٠]. وبمعنى المطالبة : قال تعالى : (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) [ص : ٣٩] (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي لا يوال المؤمنون الكافرين لا استقلالا ولا اشتراكا مع المؤمنين وإنما الجائز لهم قصر الموالاة والمحبة على المؤمنين بأن يوالي بعضهم بعضا فقط. واعلم أن كون المؤمن مواليا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدهما : أن يكون راضيا بكفره ويتولاه لأجله. وهذا ممنوع لأن الرضا بالكفر كفر.
وثانيها : المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر. وذلك غير ممنوع.
وثالثها : الركون إلى الكفار والمعونة والنصرة إما بسبب القرابة أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه وذلك يخرجه عن الإسلام فهذا هو الذي هدد الله فيه بقوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي الموالاة مع الكافرين بالاستقلال أو بالاشتراك مع المؤمنين (فَلَيْسَ) أي الموالي (مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) أي ليس من ولاية الله في شيء يطلق عليه اسم الولاية (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) أي لا تتخذوا الكافرين أولياء ظاهرا ، أو باطنا في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم
من جهتهم اتقاء. والمعنى أن الله نهى المؤمنين عن مداهنة الكفار إلا أن يكون الكفار غالبين ، أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه مطمئنا قلبه بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما ، أو غير ذلك من المحرمات ومن غير أن يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع صحة النية.
روي عن الحسن أنه قال : التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. قال الحسن : أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم ، نعم ، نعم. فقال : أفتشهد أني رسول الله؟ قال : نعم ، فتركه. ودعا الآخر فقال : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله؟ فقال إني أصم ثلاثا فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه». (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) أي ذاته المقدسة في التقية عن دم الحرام ، وفرج الحرام ، ومال الحرام ، وشرب الخمر ، وشهادة الزور ، والشرك بالله (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) (٢٨) أي المرجع فاحذروه ولا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه. والمعنى إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ) أي ما في قلوبكم من البغض والعداوة لمحمد صلىاللهعليهوسلم (أَوْ تُبْدُوهُ) أي تظهروه بالشتم له والطعن والحرب (يَعْلَمْهُ اللهُ) أي يحفظه الله عليكم فيجازيكم به (وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) من الخير والشر والسر والعلانية (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من أهل السموات والأرض وثوابهم وعقابهم (قَدِيرٌ) (٢٩) نزلت هذه الآية في حق المنافقين واليهود (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) أي مكتوبا في ديوانها (وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) أي من قبيح تجده مكتوبا في ديوانها (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) أي والذي عملته نفس من سوء تتمنى تباعدا ما بين النفس وبين السوء مكانا بعيدا ـ كما بين المشرق والمغرب ـ لو أن بينها وبينه أجلا طويلا من مطلع الشمس إلى مغربها لفرحت بذلك. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) عند المعصية ذكر الله تعالى هذا أولا : للمنع من موالاة الكافرين. وثانيا : للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر (وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) (٣٠) أي المؤمنين ، أي كما هو منتقم من الفساق فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي) أي فاتبعوا ديني فإنكم إذا اتبعتم ديني فقد أطعتم الله فالله تعالى يحب كل من أطاعه (يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) أي إن اتبعتم شريعتي يرض الله عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما سلف من ذنوبكم (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣١) لمن يتحبب إليه بطاعته. نزلت هذه الآية في حق اليهود لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه.
وقال الضحاك عن ابن عباس : وقف النبيّ صلىاللهعليهوسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد
نصبوا أصنامهم ، وعلقوا عليها بيض النعام ، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال : «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل». فقالت قريش : إنما نعبدها حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية. وقيل : إن نصارى نجران قالوا : إنما نعظم المسيح حبا لله ، فنزلت هذه الآية. ولما نزلت قال عبد الله بن أبيّ لأصحابه : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى المسيح. وقالت اليهود : يريد محمد أن نتخذه ربا حنّانا كما اتخذت النصارى عيسى حنّانا فأنزل الله بسبب قولهم قوله تعالى : (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) أي في جميع الأوامر والنواهي. أي إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن طاعتهما (فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) (٣٢) أي اليهود والمنافقين الذين ألقوا شبهة في الدين. فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود : نحن على دين آدم مسلمين فأنزل الله قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ) إسماعيل وإسحاق ، والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم. (وَآلَ عِمْرانَ) موسى وهارون. وقيل : عيسى وأمه. حكاه الكرماني ورجحه ابن عساكر والسهيلي. (عَلَى الْعالَمِينَ) (٣٣) أي على أهل رمان كل واحد منهم بالإسلام وبالخصال الحميدة (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) أي اصطفى الآلين حال كونهم ذرية متسلسلة متشعبة البعض من البعض في النسب. (وَاللهُ سَمِيعٌ) لأقوال العباد (عَلِيمٌ) (٣٤) بضمائرهم وأفعالهم وإنما يصطفى من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا. ويقال : والله سميع لمقالة اليهود نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران فنحن أبناء الله وأحباؤه وعلى دينه. ولمقالة النصارى المسيح ابن الله عليم بعقوبتهم. واذكر يا محمد (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ) حنة بنت فاقوذا أم مريم حين شاخت وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا ، فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولدا ، فحملت بمريم ومات عمران ، فلما عرفت بالحمل قالت يا (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ) أن أجعل (لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) أي عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله ومخلصا للعبادة وخادما لمن يدرس الكتاب ويعلم في مسجد بيت المقدس (فَتَقَبَّلْ مِنِّي) أي خذ مني ما نذرته على وجه الرضا (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لتضرعي ودعائي وندائي. (الْعَلِيمُ) (٣٥) بما في ضميري وقلبي ونيتي. (فَلَمَّا وَضَعَتْها) أي ولدت المنذورة التي في بطنها (قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها) أي ما في بطني (أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ).
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «وضعت» بضم التاء على حكاية كلامها ، وإنما قالت ذلك للاعتذار ولإزالة الشبهة التي في قولها : «إني وضعتها أنثى» ، فإنها خافت أن يظن بذلك القول أنها تخبر الله تعالى. وقرأ الباقون بسكون التاء أي إنه تعالى قال : (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) تعظيما لولدها وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد. والمعنى والله أعلم بأن الذي ولدته وإن كان أنثى أحسن وأفضل من الذكر ، وهي غافلة عن ذلك ، فلذلك تحسرت. وقرأ ابن عباس : «والله أعلم بما
وضعت» على خطاب الله لها ، أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات ، ثم قال تعالى حكاية عن قولها : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) أي وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله. وهذا الكلام يدل على أن حنة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله ، عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه. ويحتمل أن هذه الجملة محض كلامه تعالى. والمعنى ليس الذي طلبته كالأنثى التي ولدتها بل هي خير منه وإن لم تصلح للسدانة فإن فيها مزايا أخر لا توجد في الذكر. (وَإِنِّي سَمَّيْتُها) أي هذه البنت (مَرْيَمَ) أرادت حنة بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا فإن مريم في لغتهم العابدة في لغة العرب. (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٣٦) أي وأني ألجئ مريم وذريتها إلى رحمتك وعصمتك ، وألصق نفسها وأولادها بفضلك ورحمتك من الشيطان اللعين (فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ) بأن اختص الله تعالى مريم بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل أنثى قبلها أو بأن أخذها الله من أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.
روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وقالت : خذوا هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم الأعظم في العلم والصلاح ، فقال زكريا : أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فقالت الأحبار : لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين إلى نهر حار في حلب يقال له : قرمق فألقوا فيها أقلامهم التي كانوا يكتبون التوراة بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح ، وعلى كل قلم اسم صاحبه ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ففي كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم ، فأخذها زكريا (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً) أي رباها الله بما يصلحها في جميع أحوالها وغذاها بالسنين والشهور والأيام غذاء حسنا (وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا) أي جعله الله مربيا لها وضامنا لمصالحها ، وقائما بتدبير أمورها ولما أخذها بنى لها غرفة في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها. (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا) وهو من ذرية سليمان بن داود (الْمِحْرابَ) أي الغرفة (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) أي فاكهة الشتاء في الصيف مثل القصب ، وفاكهة الصيف في الشتاء مثل العنب ولم ترضع ثديا قط بل يأتيها رزقها من الجنة. (قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا) أي من أين لك هذا الرزق الآتي في غير حينه الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة عليك (قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) أتاني به جبريل من الجنة فتكلمت وهي صغيرة في المهد ، كما تكلم ولدها عيسى عليهالسلام وهو صغير في المهد. (إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (٣٧) أي بغير تقدير لكثرة الرزق من غير مسألة في حينه وفي غير حينه (هُنالِكَ) أي في ذلك المكان الذي كان قاعدا فيه عند مريم وشاهد تلك الكرامات ، أو في ذلك الوقت الذي رأى
فيه خوارق العادات عندها (دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ) في مناجاته في جوف الليل (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي رب أعطني من محض قدرتك من غير وسط معتاد ولدا مباركا تقيا صالحا كهبتك لحنة ـ العجوز العاقر ـ مريم (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) (٣٨) أي مجيب الدعاء (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ) أي جبريل كما أخرجه ابن جرير عن السدي (وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ) أي في الموضع العالي الشريف في المسجد (أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ) بولد يسمى (بِيَحْيى).
قرأ ابن عامر وحمزة «إن» بكسر الهمزة. والباقون بالفتح (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) أي بعيسى ابن مريم. ومعنى كونه كلمة من الله كونه مخلوقا بلا أب.
قال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدّق بأنه كلمة الله ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى بمدة يسيرة (وَسَيِّداً) أي رئيسا للمؤمنين في العلم والحلم والعبادة والورع. قال ابن عباس : أي حليما عن الجهل. وقال مجاهد : أي كريما على الله (وَحَصُوراً) أي مانعا من النساء للعفة والزهد لا للعجز (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (٣٩) أي من المرسلين (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) أي قال زكريا لجبريل : يا سيدي من أين يكون لي ولد وقد أدركني كبر السن (وَامْرَأَتِي عاقِرٌ) أي عقيم لا تلد؟. قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشّر بالولد ابن مائة وعشرين سنة وكانت امرأته إيشاع بنت فاقوذ بنت تسعين وثمان (قالَ) أي جبريل : (كَذلِكَ) أي الأمر كما قلت لك من خلق ولد منكما وأنتما على حالكما من الكبر (اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) (٤٠) من الأفاعيل الخارقة للعادة (قالَ) أي زكريا : (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي علامة في حبل امرأتي. (قالَ) أي الله تعالى : (آيَتُكَ) أي علامتك في حبل امرأتك (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير خرس (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) متوالية بلياليها (إِلَّا رَمْزاً) أي إلا تحريكا بالشفتين والحاجبين والعينين واليدين (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) باللسان والقلب في مدة الحبسة عن كلام الدنيا مع الخلق شكر الله تعالى على هذه النعمة (كَثِيراً) أي ذكرا كثيرا على كل حال (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) (٤١) أي صل عشيا وغدو كما كنت تصلي (وَ) اذكر (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) أي جبريل لمريم مشافهة : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ) بتفرغك لعبادته وتخصيصك بأنواع اللطف والهداية ، والعصمة والكفاية في أمر المعيشة وسماع كلام جبريل شفاها (وَطَهَّرَكِ) من المعصية ومسيس الرجال ومن الأفعال الذميمة ومن مقالة اليهود وتهمتهم. ويقال : أنجاك من القتل (وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) (٤٢) بولادة عيسى من غير أب ونطقه حال انفصاله من مريم حتى شهد ببراءتها عن التهمة.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «حسبك من نساء العالمين أربع : مريم ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ،
وفاطمة عليهن السلام» (١). (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ) أي دومي على طاعته بأنواع الطاعات شكرا لذلك. ويقال : أطيلي القيام في الصلاة شكرا لربك (وَاسْجُدِي) أي صلي منفردة (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) أي صلي مع أهل الصلاة في بيت المقدس ـ فإن اقتداء النساء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء ـ قال المفسرون : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات على مريم شفاها قامت مريم في الصلاة ورمت قدماها وسال الدم والقيح من فمها. (ذلِكَ) الذي مضى ذكره من حديث حنة ومريم وزكريا (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) أي من أخبار الغائب عنك يا محمد (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) أي نرسل جبريل بإلقاء الغائب إليك (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي عند الذين تنازعوا في تربية مريم (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ) التي كانوا يكتبون بها الكتب في جري الماء ليعلموا (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي أيّ أحدهم يربي مريم. وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (٤٤) أي وما كنت هناك إذ يتقارعون تربية مريم وإذ يختصمون بسببها (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) أي جبريل : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي بولد يكون مخلوقا بكلمة من الله أي من غير واسطة الأسباب العادية فإن عيسى من كل علوق وإن وجد بكلمة كن لكنه بواسطة أب (اسْمُهُ) أي الولد (الْمَسِيحُ) سمي بالمسيح لأنه يسيح في البلدان ولأنه ما مسح بيده ذا عاهة إلا برىء من مرضه. (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وإنما نسبه الله تعالى إلى الأم إعلاما لها بأنه محدث بغير الأب ، فكان ذلك سببا لزيادة فضله وعلو درجته. (وَجِيهاً) أي ذا جاه وشرف (فِي الدُّنْيا) بالنبوة وبإحياء الموتى وبإبراء الأكمه والأبرص بسبب دعائه (وَالْآخِرَةِ) بجعله شفيع أمته وبقبول شفاعته فيهم ، وبعلو درجته عند الله تعالى (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (٤٥) إلى الله في جنة عدن وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي في حجر أمه وهو ابن أربعين يوما بقوله : إني عبد الله (وَكَهْلاً) أي بعد ثلاثين سنة أي أن عيسى يكلم الناس مرة واحدة في حجر أمه لإظهار طهارة أمه من الفاحشة ، ثم عند الكهولة يتكلم بالنبوة (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (٤٦) أي من المرسلين. (قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) أي قالت مريم لجبريل : يا سيدي من أين يكون لي ولد (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) بالحلال ولا بالحرام ـ لأن المحررة لا تتزوج أبدا كالذكر المحرر ـ (قالَ) أي جبريل : (كَذلِكِ) أي الأمر كما قلت لك من خلق ولد منك بلا أب (اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً) أي إذا أراد خلق شيء (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ) لا غير (فَيَكُونُ) (٤٧) من غير ريث فنفخ جبريل في جيب درعها فوصل نفسه إلى فرجها فدخل رحمها فحملت منه (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ).
قرأ نافع وعاصم «يعلمه» بالياء معطوف على الحال وهي قوله : «وجيها» ـ فكأن جبريل
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٣ / ص ١٣٥).
قال : وجيها ومعلما ـ أو على يبشرك. والباقون و «نعلمه» بالنون معمول لقول محذوف من كلام الملك تقديره «وجيها» ، ومقولا فيه نعلمه أو أن الله يبشرك بعيسى ويقول نعلمه كتب الأنبياء والكتابة أي الخط. (وَالْحِكْمَةَ) أي العلم المقترن بالعمل وتهذيب الأخلاق (وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) (٤٨) وخصا بالذكر لفضلهما (وَ) نبعثه (رَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي) أي كلهم. وقيل : هو معطوف على الأحوال السابقة كأنه قيل : حال كونه وجيها ورسولا. وقرئ ورسول بالجر عطفا على كلمة والمعتمد عند الجمهور أن عيسى إنما نبىء على رأس الأربعين وأنه عاش في الأرض قبل رفعه مائة وعشرين سنة وهو آخر أنبياء بني إسرائيل كما أن أولهم يوسف بن يعقوب (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) بفتح الهمزة مجرور بالياء المقدرة التي للملابسة المتعلقة بمحذوف حال من رسول المقدر لما فيه من معنى النطق والتقدير ، فلما جاءهم قال لهم : إني رسول الله فيكم ملتبسا بأني قد جئتكم (بِآيَةٍ) أي بعلامة على صدقي في الرسالة (مِنْ رَبِّكُمْ) قالوا : وما هي؟ قال : هي (أَنِّي أَخْلُقُ) أي أصوّر (لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي شيئا مثل صورة الطير (فَأَنْفُخُ فِيهِ) أي في فم ذلك المماثل لهيئة الطير (فَيَكُونُ) أي فيصير (طَيْراً) حيا يطير بين السماء والأرض (بِإِذْنِ اللهِ) أي بأمره تعالى. فطلبوه بخلق الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا وأبلغ دلالة على القدرة لأن له نابا وأسنانا ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويطير بغير ريش ولا يبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين ساعة بعد المغرب وساعة بعد طلوع الفجر ، والأنثى منه لها ثدي وتحيض وتطهر وتلد ، فلما صور لهم خفاشا قالوا : هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال : نعم (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) بالدعاء أي وأصحح الذي ولد أعمى أو الممسوح العينين (وَالْأَبْرَصَ) وهو الذي في جلده بياض شديد فلما فعل ذلك قالوا : هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال : نعم (وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ) أي بالاسم الأعظم وهو «يا حي يا قيوم» فأحيا أربعة أنفس : أحيا عازرا بعد موته بثلاثة أيام حتى عاش وولد له. وأحيا ابن العجوز وهو ميت محمول على السرير فنزل عن سريره حيا ، ورجع إلى أهله وعاش وولد له. وأحيا بنت العاشر ـ أي الذي يأخذ العشور من الناس ـ بعد يوم من موتها فعاشت وولد لها ، فقالوا : لعيسى : إنك تحيي من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا حقيقة بل أصابهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح وهو قد مضى من موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، فقام على قبره فدعا الله باسمه الأعظم فقام من قبره وقال للقوم : صدقوه فإنه نبي الله ومات في الحال فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا : هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال : نعم (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ) غدوة وعشية (وَما تَدَّخِرُونَ) أي ترفعون من غداء لعشاء ومن عشاء لغداء (فِي بُيُوتِكُمْ) مما لم أعاينه (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في ما قلت لكم من هذه الخمسة (لَآيَةً) أي لمعجزة قوية دالة على صحة رسالتي دلالة واضحة (لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٤٩) أي مصدقين انتفعتم بها (وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ) أي لما قبلي (مِنَ التَّوْراةِ) وبين موسى وعيسى
ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وسبعون سنة. «ومصدقا» معطوف على «رسولا» (وَ) جئتكم (لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) في شريعة موسى عليهالسلام من الشحوم والثروب للبقر والغنم ، ولحوم الإبل ومما لا صيصية له من السمك والطير ، ومن العمل في يوم السبت وهذا لا يقدح في كونه مصدقا للتوراة لأن النسخ تخصيص في الأزمان (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) شاهدة على صحة رسالتي. وقرئ بآيات (فَاتَّقُوا اللهَ) في عدم قبولها (وَأَطِيعُونِ) (٥٠) فيما آمركم به وأنهاكم عنه عن الله تعالى (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) وإنما أظهر سيدنا عيسى الخضوع ، وأقر بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا : إنه إله وابن إله لأن إقراره بالعبودية لله يمنع مما تدعيه جهال النصارى عليه (فَاعْبُدُوهُ) أي لازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ، أي لما كان الله تعالى رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه. وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) إشارة إلى أن استكمال القوة النظرية بالتوحيد. وقوله : (فَاعْبُدُوهُ) إشارة إلى أن استكمال القوة العملية بالطاعة (هذا) أي الجمع بين التوحيد والعبادة (صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٥١) أي دين قائم يرضاه الله تعالى ـ وهو الإسلام – ونظير قوله صلىاللهعليهوسلم : «قل آمنت بالله ثم استقم» (١) لرجل قال : يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) أي فلما سمع عيسى بأذنه من بني إسرائيل تكرار الكفر وطلبوا قتله لأنهم كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشّر به في التوراة وأنه ينسخ دينهم. (قالَ) لأصفياء أصحابه : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) أي من أنصاري حال التجائي إلى الله؟ ويقال : من أعواني؟ ـ مع الله على أعدائه ـ (قالَ الْحَوارِيُّونَ) أي القصارون أي الذين يبيضون الثياب (نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) أي نحن أعوانك مع الله على أعدائه. قيل : كانوا تسعة وعشرين. سمي منهم قطرس ويعقوب ولحيس وإيدارانيس ، وقيلس وابن تلما ، ومتنا وبوقاس ويعقوب بن حليفا ، وبداوسيس ، وقياسا ، وبودس وكدمابوطا ، وسرجس وهو الذي ألقى عليه شبهه. أخرج ذلك ابن جرير عن ابن إسحاق. وقيل : كان الحواريون اثني عشر رجلا آمنوا بعيسى عليهالسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا : جعنا يا روح الله فيضرب بيده الأرض فيخرج منها لكل واحد رغيفان. وإذا عطشوا قالوا : عطشنا ، فيضرب بيده الأرض فيخرج منها الماء فيشربون. فقالوا : من أفضل منا؟ قال عليهالسلام : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة ، فسموا حواريين ، أي إن اليهود لما طلبوا عيسى عليهالسلام للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم : (آمَنَّا بِاللهِ) فهذا استئناف يجري مجرى العلة لما قبله.
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٦٢ ، وأحمد في (م ٣ / ص ٤١٣).
والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله لأجل أننا آمنا بالله فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أولياء الله والمحاربة مع أعدائه (وَاشْهَدْ) يا سيدنا عيسى (بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٥٢) أي مقرون بالعبادة والتوحيد لله. وذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم وإشهاد لله أيضا على أنفسهم بذلك. فلما أشهدوا عيسى على إيمانهم وإسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى وقالوا : (رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ) من الكتاب أي الإنجيل (وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) أي دين رسول الله عيسى (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (٥٣) أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق.
وقال ابن عباس : فاكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه أو فاكتبنا مع محمد وأمته لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة (وَمَكَرُوا) أي أراد اليهود قتل عيسى (وَمَكَرَ اللهُ) أي أراد الله قتل صاحبهم تطيانوس. وقيل : مكرهم بعيسى همهم بقتله ، ومكر الله تعالى بهم رفع عيسى إلى السماء. وذلك أن يهودا ملك اليهود أراد قتل عيسى عليهالسلام ، وكان جبريل لا يفارقه ساعة ، فأمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقي شبهه على غيره فأخذ وصلب. (وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٥٤) أي أقوى المريدين ويقال : أفضل الصانعين.
روي عن ابن عباس أن ملك بني إسرائيل اسمه يهوذا لما قصد قتل عيسى أمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء فقال الملك لرجل خبيث منهم يقال له تطيانوس : ادخل عليه فاقتله. فدخل البيت فلم ير عيسى فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه ، فخرج يخبرهم أنه ليس في البيت ، فقتلوه وصلبوه ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! فوقع بينهم قتال عظيم (إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مستوفي أجلك المسمى وعاصمك من أن يقتلك الكفار (وَرافِعُكَ إِلَيَ) من الأرض إلى محل كرامتي وإلى محل ثوابك (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بك أي منجيك منهم (وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) أي الذين آمنوا بأنك عبد الله ورسوله والذين صدقوا بنبوتك وادعوا محبتك كالنصارى (فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بك وهم اليهود بالحجة والسيف ، والقهر والسلطان ، والاستعلاء والنصرة (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) فإن ملك اليهود قد ذهب فلم تبق لهم قلعة ولا سلطان ، ولا شوكة في جميع الأرض بل يكونون مقهورين أين ما كانوا بالذلة والمسكنة ، وملك النصارى باق قائم إلى قريب من قيام الساعة فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود. وذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليهالسلام إلى السماء فشمسوهم وعذبوهم فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته. ثم
بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليهالسلام فأخبروه فتابعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيّبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس وهو قد صار نصرانيا إلا أنه لم يظهر ذلك ثم جاء بعده ملك آخر يقال له ملطيس ، وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليهالسلام بمقدار أربعين سنة ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وقصد قتله. (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) بالموت والخطاب لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٥٥) أي تخاصمون في الدين (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسوله (فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا) بالقتل والسبي والجزية والذلة (وَالْآخِرَةِ) بالنار (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٥٦) أي مانعين من عذاب الله في الدنيا والآخرة (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله والكتاب وبنبوة عيسى وبنبوة محمد (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فيما بينهم وبين ربهم (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي فيوفرهم أجورهم وأعمالهم في الجنة (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (٥٧) أي لا يريد إيصال الخير إلى المشركين.
وقرأ حفص عن عاصم «فيوفيهم» بالياء والفاعل راجع إلى الله. والباقون بالنون (ذلِكَ) أي خبر عيسى (نَتْلُوهُ عَلَيْكَ) أي ننزل عليك جبريل به (مِنَ الْآياتِ) أي من آيات القرآن أو من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) (٥٨) أي الذي ينطق بالحكمة أو المحكم فإن القرآن ممنوع من تطرق الخلل إليه.
وروي أنه حضر وفد نجران على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا له : ما شأنك تذكر صاحبنا وتسبه فقال : «من هو؟» قالوا : عيسى. قال : «وما أقول» قالوا : تقول إنه عبد ، قال : «أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول». فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب ومن لا أب له فهو ابن الله ثم خرجوا من عنده صلىاللهعليهوسلم فجاء جبريل فقال : قل لهم إذا أتوك (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ) أي إن صفة تخلق عيسى في تقدير الله وحكمه بلا أب (كَمَثَلِ آدَمَ) أي كصفة قالب آدم (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) بلا أب وأم (ثُمَّ قالَ لَهُ) أي لآدم (كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩) أي نفخ فيه الروح. وكذلك عيسى قال له : كن من غير أب فكان ولدا بلا أب ، فإذا كان آدم كذلك ولم يكن ابنا لله فكذلك عيسى فمن لم يقر بأن الله خلق عيسى من غير أب مع إقراره بخلق آدم بغير أب وأم فهو خارج عن طور العقلاء. وأيضا إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب فجواز خلق الله تعالى عيسى من دم مريم من باب أولى فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب إلى العقل من تولده من التراب اليابس. (الْحَقُ) أي الذي أنزل عليك من خبر عيسى أنه لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه هو (مِنْ رَبِّكَ) والباطل من النصارى واليهود فالنصارى قالوا : إن مريم ولدت
إلها رموا مريم بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (٦٠) أي من الشاكين فيما بينت لك من تخليق عيسى بلا أب ، والخطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم تحريكا له لزيادة ثباته على اليقين ولكل سامع لينزع عما يورث الامتراء ، ثم ذكر الله تعالى خصومة وفد نجران مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم بعد ما بين لهم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم فقالوا : ليس كما تقول : إن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه فقال الله تعالى : (فَمَنْ حَاجَّكَ) أي خاصمك من نصارى نجران (فِيهِ) أي في شأن عيسى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي من الدلائل الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا) أي نخرج بأنفسنا (وَأَنْفُسَكُمْ) أي اخرجوا بأنفسكم (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي نجتهد في الدعاء ونخلصه أو نلاعن بيننا وبينكم (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ) فيما بيننا (عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) على الله في حق عيسى وهم من يقولون : إن عيسى ابن الله أو أنه إله.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم لما ذكر الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» فقالوا يا أبا القاسم : حتى نرجع فننظر في أمرنا ، ثم نأتيك غدا فلما رجعوا إلى قومهم قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى إن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن ، فإن أبيتم إلا الإقامة عفى دينكم والإصرار على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقد خرج من بيته إلى المسجد ، وعليه مرط من شعر أسود ، محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي خلفها رضياللهعنهم أجمعين وهو يقول لهؤلاء الأربعة : «إذا دعوت فأمنوا». فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها ولو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ، ثم قالوا يا أبا القاسم : رأينا أنا لا نباهلك وأن نثبت على ديننا فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين». فأبوا ، فقال : «إني أناجزكم القتال» فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة. ألفا في صفر وألفا في رجب. وثلاثين درعا ، وثلاثين فرسا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح فصالحهم رسول الله على ذلك. (إِنَّ هذا) الذي ذكرت من الدلائل التي دلت على أن عيسى لم يكن الله ولا ولده ، ولا شريكه ، ومن الدعاء إلى المباهلة مع وفد نجران (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ) دون أكاذيب النصارى (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ) بلا شريك ولا ولد ولا زوجة (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) أي الغالب الذي لا يمنع القادر على جميع المقدورات (الْحَكِيمُ) (٦٢) أي العالم بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور فذكر العزيز الحكيم هاهنا إشارة إلى الجواب عن النصارى في الشبهتين لعيسى القدرة على الإحياء ونحوه
وأخبار الغيوب (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) (٦٣) أي فإن أبوا عن قبول الحق وأعرضوا عما وصفت من أن الله هو الواحد ، وأنه يجب أن يكون عالما قادرا على جميع المقدورات عالما بالنهايات ، محيطا بالمعلومات مع اعترافهم بأن عيسى لم يكن كذلك ومع قولهم : إن اليهود قتلوه فاعلم أن آباءهم وأعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوّض أمرهم إلى الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين ، مطّلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة ، قادر على مجازاتهم (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران كما قاله ابن عباس : وذلك لأن النبي صلىاللهعليهوسلم لما ذكر على نصارى نجران أنواع الدلائل أولا ، ثم دعاهم إلى المباهلة ثانيا ، فخافوا وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كان صلىاللهعليهوسلم حريصا على إيمانهم فعدل إلى رعاية الإنصاف وترك المجادلة. فكأنه تعالى قال : يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم إنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي يا معشر النصارى (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا البعض لا ميل فيه لأحد على صاحبه.
وقيل : نزلت في حق يهود المدينة. وقيل : نزلت في شأن الفريقين وذلك لما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود ، واختصموا في دين إبراهيم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وأنهم على دينه ، وأولى الناس به. وقالت اليهود : بل كان يهوديا ونحن على دينه وأولى الناس به. فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه. بل كان إبراهيم حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام» (١) فقالت اليهود : يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى. وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) أي يا معشر اليهود والنصارى : هلموا إلى قصة عادلة مستقيمة بيننا وبينكم لا يختلف فيها الرسل والكتب فإذا آمنا نحن وأنتم بها كنا على السواء والاستقامة ، ثم فسر الكلمة بقوله : (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ) أي أن نوحده بالعبادة ونمحضه بها (وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) أي ولا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا نعتقده أهلا لأن يعبد (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) أي لا يطيع أحد منا أحدا من الرؤساء في معصية الله تعالى وفيما أحدثوا من التحريم والتحليل ، ولا نقول عزير بن الله ولا المسيح بن الله لأنهما بشران مثلنا (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أبوا إلا الإصرار على الشرك (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٦٤) أي فأظهر أنت والمؤمنون بأنكم على هذا الدين وقولوا : اعترفوا بأنا مقرون بالتوحيد والعبادة لله تعالى دونكم فقد لزمتكم الحجة فوجب
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (٤ : ١٢٧).
عليكم أن تعترفوا بذلك ، وبأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام. (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي يا معشر اليهود والنصارى (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ) أي لم تخاصمون في دين إبراهيم ولم تدّعون أن إبراهيم عليهالسلام كان منكم (وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ) على موسى (وَالْإِنْجِيلُ) على عيسى (إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد إبراهيم بزمن طويل ، إذ كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة. وبين موسى وعيسى ألفا سنة. وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية ، وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٥) أي أتدعون أن إبراهيم منكم فلا تعقلون بطلان ادعائكم (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ) أي ها أنتم يا هؤلاء اليهود والنصارى خاصمتم (فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) في كتابكم أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وأن محمدا نبي مرسل وهو موجود في كتابكم بنعته فأنكرتم ذلك (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) في كتابكم لأنه ليس لدين إبراهيم ذكر في كتابكم أصلا ، ولم تدّعون أن شريعة إبراهيم مخالفة لشريعة محمد صلىاللهعليهوسلم (وَاللهُ يَعْلَمُ) كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٦٦) كيفية تلك الأحوال ثم بيّن الله تعالى ذلك مفصلا وكذبهم فيما ادعوه من موافقة إبراهيم لهما فقال : (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا) أي ليس إبراهيم على دين اليهود ولا على دين النصارى (وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً) أي مائلا عن الأديان الباطلة كلها (مُسْلِماً) أي على ملة التوحيد لا على ملة الإسلام الحادثة (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٦٧) وهذا تعريض بكون اليهود والنصارى مشركين بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ، ورد على المشركين في ادعائهم أنهم على ملة إبراهيم عليهالسلام : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ) أي إن أقرب الناس إلى دين إبراهيم وأخصهم به (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) في زمانه (وَهذَا النَّبِيُ) محمد (وَالَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد فهم الذين يليق أن يقولوا نحن على دينه لأن غالب شرع محمد موافق لشرع إبراهيم أي إن أحق الناس بدين إبراهيم فريقان : أحدهما : من اتبعه من أمته. وثانيهما : النبي وسائر المؤمنين من أصحابه صلىاللهعليهوسلم (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٨) أي ناصرهم وحافظهم ومكرمهم ، ثم ذكر دعوة كعب بن الأشرف وأصحابه لأصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم معاذ وحذيفة وعمار بعد يوم أحد إلى دينهم اليهودية عن دين الإسلام فقال : (وَدَّتْ طائِفَةٌ) أي تمنت (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) أي أن يضلوكم عن دينكم الإسلام (وَما يُضِلُّونَ) عن دين الله (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين وهم صاروا خائبين حيث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوّروه (وَما يَشْعُرُونَ) (٦٩) إن هذا نصرهم لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم وتمنى إضلال المسلمين. (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ) وهي الواردة في التوراة والإنجيل من البشارة بمحمد صلىاللهعليهوسلم والإخبار بأن الدين هو الإسلام وبأن إبراهيم كان حنيفا مسلما (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (٧٠) صحتها إذا خلا بعضهم من بعض ، وتنكرون اشتمال التوراة والإنجيل
على الآيات الدالة على نبوة محمد عند حضور عوامكم وعند حضور المسلمين. أو المعنى لم تكفرون بالقرآن فإنكم تنكرون عند العوام كونه معجزا وأنتم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزا (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ) أي لم تخلطون المنزل من التوراة بالمحرف من عندكم كما نقل عن الحسن وابن زين أو لم تشككون الناس بإظهار الإسلام بالتواضع أول النهار ، ثم بالرجوع عنه في آخر النهار كما نقل عن ابن عباس وقتادة.
وقرئ «تلبسون» بتشديد الباء. وقرأ يحيى بن وثاب «يلبسون» بفتح الياء أي تكتسون الحق مع الباطل (وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ) أي الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٧١) أنكم إنما تفعلون ذلك عنادا وحسدا وتعلمون أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم أي أنتم أرباب العلم والمعرفة. (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) هم اثنا عشر حبرا من أحبار يهود خيبر لسفلتهم منهم عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحرث وكعب وأصحابه من الرؤساء (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد أي آمنوا ببعض القرآن أي بالقبلة التي صلى إليها محمد وأصحابه (وَجْهَ النَّهارِ) أي أوله. وهو صلاة الفجر. (وَاكْفُرُوا) بالقبلة الأخرى التي وصلوا إليها (آخِرَهُ) صلاة الظهر فإنه صلىاللهعليهوسلم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ، ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم. فلما حوّله الله تعالى إلى الكعبة عند صلاة الظهر شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف لأصحابهما : آمنوا بالذي أنزل على محمد في شأن القبلة وصلوا إليها أول النهار ، ثم ارجعوا إلى قبلتكم وصلوا إلى الصخرة آخر النهار (لَعَلَّهُمْ) أي أصحابه العوام (يَرْجِعُونَ) (٧٢) عن دينه وقبلته (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) أي ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه على متابعته أي غرضهم بالإتيان بذلك التلبيس إبقاء أتباعهم على دينهم. أو المعنى لا تصدقوا بالنبوة إلا من وافق دينكم اليهودية وقبلتكم بيت المقدس فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) أي إن الدين دين الله وهو الإسلام ، والقبلة قبلة الله وهي الكعبة. (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) وهذا من جملة كلام الله تعالى فلا تنكروا يا معشر اليهود أن يعطى أحد سواكم من الدين والقبلة مثل ما أعطيتموه أو أن يحاجج المسلمون إياكم بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.
وقرأ ابن كثير أن «يؤتى» بهمزتين مع قصر الأولى ، وتسهيل الثانية على الاستفهام الذي للإنكار والتوبيخ. والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه. وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر ، وغاية ما في هذا الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار مادة الإنكار لأن عليه دليلا وهو قوله تعالى : (إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان الأمر كذلك لزم ترك
الإنكار (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ) بالرسالة والنبوة والإسلام وقبلة إبراهيم (بِيَدِ اللهِ) فإنه مالك له (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) أي يعطيه محمدا وأصحابه والله تعالى حكى عن اليهود أمرين :
أحدهما : أنهم آمنوا وجه النهار وكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام ، فأجاب الله عن ذلك بقوله : (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) أي أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر.
وثانيهما : أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة فأجاب الله عن ذلك بقوله : (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ) أي كامل القدرة فيقدر أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء (عَلِيمٌ) (٧٣) أي كامل العلم فلا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ) التي بلغت في الشرف وعلو المرتبة إلى أن تكون أعلى وأجل من أن تقاس من النبوة والرسالة والدين (مَنْ يَشاءُ) محمدا وأصحابه (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (٧٤) فلا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) أي اليهود (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) بغير تعب كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) بل يستحله (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً) أي مطالبا مخاصما ككعب بن الأشرف وأصحابه.
قال ابن عباس : أودع رجل قرشي عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه. وأودع قرشي آخر فنحاص بن عازوراء فخانه ، فنزلت هذه الآية.
تنبيه : معنى الباء إلصاق الأمانة كما ، أن معنى على في قولك أمنته على كذا ، استعلاء الأمانة ، فمن ائتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به ، وصار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي ذلك الاستحلال والخيانة مستحق بسبب أنهم يقولون : ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. أي قدرة على المطالبة والإلزام فإنهم قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد ، فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا. أو المعنى ليس علينا في أخذ أموال العرب سبيل أي إثم فإنهم قالوا : أموال العرب حلال لنا لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) أي إنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش (بَلى) على اليهود في العرب سبيل وهذا رد على اليهود ولكن (مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ) فيما بينه وبين الله أو بينه وبين الناس (وَاتَّقى) عن نقض العهد بالخيانة وترك الأمانة (فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧٦). وهذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد وذلك لأن
الطاعات محصورة في أمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله. فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق فهو شفقة على خلق الله وذلك أمر الله. فالوفاء بالعهد تعظيم لأمر الوفاء كما يكون في حق الغير يكون في حق النفس ، فالوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات. (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ) أي من جميع ما أمر الله به ومما يلزم الشخص نفسه (وَأَيْمانِهِمْ) وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إثبات (ثَمَناً قَلِيلاً) من الدنيا (أُولئِكَ) الموصوفون بتلك الصفات القبيحة (لا خَلاقَ) أي لا نصيب (لَهُمْ فِي) خير (الْآخِرَةِ) ونعيمها (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي يشتد غضب الله عليهم (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) بالإحسان والرحمة (يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٧) أي وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. نزلت هذه الآية في حق عبدان بن الأشوع ، وامرئ القيس اختصما إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم في أرض فتوجهت اليمين على امرئ القيس فقال : أنظرني إلى الغد. ثم جاء في الغد وأقر له بالأرض. وقيل : نزلت في شأن الأشعث بن قيس كان بينه وبين رجل خصومة في أرض وبئر اختصما إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال للرجل : «أقم بيّنتك». فقال : ليس لي بيّنة ، فقال للأشعث : «فعليك باليمين» (١). فهمّ الأشعث باليمين. فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم ، واعترف بالحق وهذا قول ابن جريج. وقيل : نزلت في شأن كعب بن الأشرف ويحيى بن أخطب ، وأبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق بدلوا نعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم في التوراة وأخذوا الرشوة على ذلك وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ـ كما قاله عكرمة ـ أو كتبوا بأيديهم كتابا في ادعائهم أنه ليس علينا في الأميين سبيل وحلفوا أنه من عند الله ـ كما قاله الحسن ـ وهذه الآية دلت على أنها نزلت في أقوام حلفوا بالأيمان الكاذبة فتحمل على جميع الروايات. (وَإِنَّ مِنْهُمْ) أي من اليهود (لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) أي طائفة يحرّفون اللفظة الدالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم من التوراة ـ حركات الإعراب ـ تحريفا يتغير به المعنى. وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب ، وأبو ياسر وشعبة بن عمير (لِتَحْسَبُوهُ).
وقرئ شاذة بالياء (مِنَ الْكِتابِ) أي لكي يظن السفلة أو المسلمون أن المحرف من التوراة (وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ) أي والحال أن المحرف ليس من التوراة في نفس الأمر وفي اعتقادهم (وَيَقُولُونَ هُوَ) أي المحرف (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي موجود في كتب سائر الأنبياء مثل شعياء وأرخياء وحيفوف (وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) فالأغمار الجاهلون بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، والأذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى
__________________
(١) رواه الطبري في التفسير (٣ : ٢٣٠).
عليهمالسلام. وعلم من هذا التفسير المغايرة بين اللفظين فإنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٨) أي يتعمدون ذلك الكذب مع العلم. وعن ابن عباس رضياللهعنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف وغيّروا التوراة ، وكتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب الذي عندهم. (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ) أي ما أمكن وما صح لأحد من الأنبياء كعيسى ومحمد أن يعطيه الله الكتاب أي التوراة أو القرآن والفهم لذلك الكتاب والنبوة ، ثم يقول ذلك البشر المشرف بالصفات الثلاثة للناس كونوا عبادا كائنين لي متجاوزين الله إشراكا أو إفرادا. قال مقاتل والضحاك : نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران حيث يقولون : إن عيسى عليهالسلام أمرنا أن نتخذه ربا.
وقال ابن عباس : لما قالت اليهود : عزير ابن الله. وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه الآية. وقال أيضا ـ في مقالتهم ـ : نحن على دين إبراهيم وأمرنا هو بهذا الدين. وقال ابن عباس وعطاء : إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : أتريد أن نعبدك ونتّخذك ربا؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني» (١). فنزلت هذه الآية. وقيل : قال رجل يا رسول الله : نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله». فنزلت هذه الآية (وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) أي ولكن يقول ذلك البشر الذي رفعه الله إلى أعلا المراتب كونوا علماء عاملين (بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ).
قرأ عبد الله ابن كثير وأبو عمرو ونافع بفتح التاء وسكون العين. والباقون بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة. أي تعلمون الناس من الكتاب (وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (٧٩) أي وبسبب كونكم تقرؤون من الكتاب (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً).
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر «يأمركم» بفتح الراء ، والفاعل ضمير يعود على البشر و «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي ، أي ما كان لبشر أن يجعله الله نبيا ، ثم يأمر الناس بعبادة نفسه أو باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا. وقرأ الباقون برفع الراء على سبيل الاستئناف ، كما يدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ : «ولن يأمركم» والفاعل حينئذ ضمير يعود على «الله» ـ كما قاله
__________________
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٧ : ١٩٣).
الزجاج ـ أو إلى محمد ـ كما قاله ابن جريج ـ أو إلى عيسى ، أو إلى كل نبي من الأنبياء كما قيل بكل أي ولا يأمركم يا معشر قريش واليهود والنصارى بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كما اتخذت الصابئة وقريش : الملائكة ، واليهود : عزيرا والنصارى : المسيح (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ) أي كيف أمركم ذلك البشر والله تعالى بالكفر (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٨٠) وهذا استفهام إنكاري وهو خطاب للمؤمنين على طريق التعجيب من حال غيرهم. ويقال : بعد إذ أمركم بالإسلام (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ) أي أعطيناكم.
قرأ نافع «آتيناكم» بالنون على التفخيم (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ). وقرأ الجمهور «لما» بفتح اللام. وقرأ حمزة بكسر اللام. وقرأ سعيد ابن جبير «لما» مشددة. أما القراءة بالفتح فـ «لما» وجهان «ما» هو اسم موصول مرفوع بالابتداء وخبره قوله : (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) وإما هو متضمن لمعنى الشرط فـ «اللام» في قوله : (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) هي المتلقية للقسم أما اللام في «لما» هي لام تحذف تارة وتذكر أخرى ولا يتفاوت المعنى وهذا اختيار سيبويه والمازني والزجاج. وقال أبو السعود واللام في «لما» موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف ، و «ما» تحتمل الشرطية. و «لتؤمنن» ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية ، وأما القراءة بكسر اللام فلأنها للتعليل ، وإما مصدرية أو موصول. وأما قراءة «لما» بالتشديد فإما هي بمعنى حين أو لمن أجل ما ، على أن أصله لمن ما ، وأما معنى «وإذ أخذ الله» فقال ابن جرير الطبري : واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين.
وقال الزجاج : واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيين. والمقصود بهذه الآية أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء ، وينصره إن أدركه ، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلىاللهعليهوسلم وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
وقيل : إنما أخذ الله الميثاق من النبيين في أمر محمد صلىاللهعليهوسلم بأن يبين بعضهم لبعض صفة محمد وفضله ، وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي. وقال علي بن أبي طالب : ما بعث الله نبيا ـ آدم فمن بعده ـ إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلىاللهعليهوسلم وأخذ هو العهد على قومه ليؤمنن به ، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. وقيل : إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهمالسلام كانوا يأخذون الميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمد صلىاللهعليهوسلم يؤمنون به وينصرونه ـ وهذا قول كثير من المفسرين ـ والمراد من قوله : (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) هو محمد صلىاللهعليهوسلم. والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن كيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان
مذكورا في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم. (قالَ) الله تعالى لهم : (أَأَقْرَرْتُمْ) بالإيمان به والنصرة له (وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي) أي قبلتم على ما قلت عهدي (قالُوا) أي النبيون : (أَقْرَرْنا) بذلك. (قالَ) الله تعالى : (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (٨١) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضا من الشاهدين (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٨٢) أي من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول بنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الخارجين عن الإيمان (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٨٣) والوجه في هذه الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلىاللهعليهوسلم في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد ، فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله ، ومعبودا سوى الله تعالى ، ثم بيّن أن الإعراض عن حكم الله تعالى مما لا يليق بالعقلاء فقال : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لجلال الله تعالى لا لغيره انقاد في طرفي وجوده وعدمه ، لأن كل ما سوى الله ممكن لذاته وكل ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه سواء كان عقلا أو نفسا ، أو روحا أو جسما أو جوهرا ، أو عرضا ، أو فاعلا أو فعلا. ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الرعد : ١٥] فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعا فيما يتعلق بالدين وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من الفقر والمرض والموت وما أشبه ذلك. أما الكافرون فهم منقادون لله تعالى كرها على كل حال لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ويخضعون له تعالى في غير ذلك كرها لأنه لا يمكنهم دفع قضائه تعالى وقدره. وأيضا كل الخلق منقادون لإلهيته تعالى طوعا بدليل قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [لقمان : ٢٥] ومنقادون لتكاليفه تعالى وإيجاده للآلام كرها ، ثم الهمزة للاستفهام التوبيخي وموضعها لفظة يبغون ، والتقدير : أيبغون غير دين الله لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال الحوادث. وقرأ حفص عن عاصم «يبغون» و «يرجعون» بالياء على الغيبة فيهما. أي إنما ذكر الله تعالى حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم فلما أصروا على كفرهم قال تعالى على جهة الاستنكار : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ). وقرأ أبو عمرو «تبغون» بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكفار ، و «يرجعون» بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله تعالى : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ).
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب فيهما لأن ما قبلهما خطاب كقوله تعالى : (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ) وأيضا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر : أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له تعالى من في السموات والأرض وأن مرجعكم إليه. وهو كقوله تعالى : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ
تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) [آل عمران : ١٠١] ولما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين الله تعالى من صفة محمد صلىاللهعليهوسلم كونه مصدقا لما معهم فقال : (قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا) وهو القرآن (وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) من الصحف. والمراد بالأسباط أحفاد يعقوب وأبناؤه الاثنا عشر (وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى) من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيديهما (وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) من الكتب والمعجزات (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) أي نقرّ بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله ولا نكفر بأحد منهم كما فعل اليهود والنصارى (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (٨٤) أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة لا لسمعة ورياء وطلب مال وتلك صفة المؤمنين بالله والكافرون يوصفون بالمحاربة لله ، ولما قال تعالى : (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) بين أن الدين ليس إلا الإسلام فقال : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ) أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله (دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٨٥) بحرمان الثواب وحصول العقاب ولحوق التأسف على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح ، وعلى ما تحمله من التعب في الدنيا في تقرير الدين الباطل. ولفظ «دينا» إما مفعول و «غير الإسلام» حال منه مقدم عليه أو تمييز أو بدل من غير (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا) أي كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر (بَعْدَ إِيمانِهِمْ) بالقلب (وَشَهِدُوا) أي والحال هم قد أقروا باللسان (أَنَّ الرَّسُولَ) محمدا صلىاللهعليهوسلم (حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) أي الحجج الظاهرة على صدق النبي (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٨٦) أي الكافرين الأصليين والمرتدين. وهذه الآية نزلت في شأن الذين ارتدوا ولحقوا بمكة ، وهم اثنا عشر رجلا ، منهم أبو عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ، ووضوح بن الأسلت ، وطعيمة بن بيرق. كما أخرجه عكرمة وابن عساكر. (أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (٨٧) فإن لعنة الله هي الإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة ، واللعنة من الملائكة والناس هي بالقول وكل ذلك مستحق لهم بسبب كفرهم ، فصلح أن يكون جزاء لذلك وجميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد في ذلك أنه ليس بمبطل ولا بكافر فإذا لعن الكافر وهو في علم الله كافر فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك. (خالِدِينَ فِيها) أي اللعنة فلا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لا عن من هؤلاء (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (٨٨) أي لا يؤخر عذابهم من وقت إلى وقت (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) من الكفر (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي الارتداد (وَأَصْلَحُوا) باطنهم وظاهرهم بالعمل الصالح (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لقبائحهم في الدنيا بالستر (رَحِيمٌ) (٨٩) في الآخرة بالعفو. نزلت هذه الآية في شأن الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار فإنه لما لحق مكة مرتدا ندم على ردته فأرسل إلى قومه بالمدينة أن يسألوا النبيّ صلىاللهعليهوسلم هل
لي من توبة؟ ففعلوا فأنزل الله هذه الآية فبعث إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه فأقبل إلى المدينة ، وتاب على يد رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقبل الرسول توبته وحسن إسلامه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله (بَعْدَ إِيمانِهِمْ) بالله (ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) أي ثم أصروا على الكفر (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) ما أقاموا على ذلك. قال القاضي والقفال وابن الأنباري : لما قدم الله تعالى ذكر من كفر بعد الإيمان وبيّن أنه أهل اللعنة إلا أن يتوب. ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإنها تصير غير مقبولة ، وكأنها لم تكن. والتقدير إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم (وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (٩٠) على سبيل الكمال عن الهدى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله والرسول (وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) بالله والرسول (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ) أي مقدار ما يملأ الأرض مشرقها ومغربها (ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ).
قال الزجاج : إن «الواو» للعطف. والتقدير لو تقرب إلى الله في الدنيا بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب في الآخرة بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه. أو المراد بـ «الواو» التعميم في الأحوال كأنه قيل : لن يقبل من الكافر في جميع الأحوال في الآخرة ولو في حال افتدائه نفسه في الآخرة (أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٩١) في دفع العذاب عنهم أو في تخفيفه (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) أي الثواب والجنة أو لن تبلغوا إلى التوكل والتقوى (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) من أموالكم وعملكم وجاهكم في معاونة الناس وبدنكم في طاعة الله ومهجتكم في سبيله (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ) تريدون به وجه الله أو مدحة الناس (فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٩٢) هذا تعليل للجواب المحذوف أي فيجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى عالم بكل شيء تنفقونه من ذاته وصفاته علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شيء (كُلُّ الطَّعامِ) أي كل طعام حلال على محمد وأمته (كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ) أي كان حلالا أكله على أولاد يعقوب (إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ) أي يعقوب (عَلى نَفْسِهِ) بالنذر (مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ) على موسى وذلك بعد إبراهيم بألف سنة.
روى ابن عباس أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إن يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها» (١). قال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهرا للنفس وطلبا لمرضاة الله تعالى ـ كما يفعله كثير من الزهاد ـ فعبّر عن ذلك الامتناع بالتحريم. وروي أن اليهود قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم : إنك تدّعي أنك على ملة إبراهيم فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٢٧٣).
ذلك حرام في دين إبراهيم؟ فأجاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم بأن قال : «إن ذلك كان حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهمالسلام إلا أن يعقوب حرّمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده». أي فالحرمة عليهم ناشئة من نذره أيضا. فأنكر اليهود ذلك فأمرهم الرسول عليهالسلام بإحضار التوراة وباستخراج آية منها تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليهالسلام ، فعجزوا عن ذلك ، فظهر أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليهالسلام كما قال تعالى : (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٩٣) في دعواكم بأن التحريم قديم. قال تعالى : (فَمَنِ افْتَرى) أي اختلق (عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) بادعاء أنه تعالى حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل وعلى من قبلهم من الأمم (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم (فَأُولئِكَ) المصرون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقة الحال (هُمُ الظَّالِمُونَ) (٩٤) المستحقون لعذاب الله (قُلْ صَدَقَ اللهُ) في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح أفعالهم (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أي ملة الإسلام التي هي الأصل ملة إبراهيم لأنها ملة محمد صلىاللهعليهوسلم (حَنِيفاً) أي مائلا عن الأديان الزائغة كلها (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٩٥) في أمر من أمور دينه فإنه لم يدع مع الله إلها آخر ولم يعبد سواه كما فعله العرب من عبادة الأوثان ، أو كما فعله اليهود في ادعاء أن عزيرا ابن الله. وكما فعله النصارى في ادعاء أن المسيح ابن الله. ولما حوّل صلىاللهعليهوسلم القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، لأنه وضع قبل الكعبة وتحويل القبلة منه إلى الكعبة باطل. فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) أي إن أول بيت بني لعبادات الناس للبيت الذي هو ببكة ، سميت مكة بكة لأنه يبك بعضهم بعضا ، أي يزدحمون في الطواف.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم سئل عن أول بيت وضع للناس فقال : «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» وسئل كم بينهما فقال : «أربعون سنة» (١). أي أن آدم بنى الكعبة ثم بنى الأقصى وبين بنائهما أربعون سنة. (مُبارَكاً) أي ذا بركة مما يجلب المغفرة والرحمة (وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) (٩٦) أي قبلة لكل نبي ورسول ، وصدّيق ومؤمن يهتدون بذلك البيت إلى جهة صلاتهم وذلك لأن تكليف الصلاة كان لازما في دين جميع الأنبياء عليهمالسلام بدليل قوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) [مريم : ٥٨]. فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهمالسلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بدّ لها من قبلة فلو كانت قبلة شيث وإدريس
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٥ / ص ١٦٧).
ونوح عليهمالسلام موضعا آخر سوى الكعبة لبطل قوله تعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) فوجب أن يقال : إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدا مشرفة ومكرمة (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) أي علامات واضحة كانحراف الطيور عن موازاة البيت فلا تعلو فوقه بل إذا قابل هواه وهو في الجو انحرف عنه يمينا أو شمالا ، ولا يستطيع أن يقطع هواه إلا إذا حصل له مرض فيدخل هواه للتداوي ومخالطة ضواري السباع الصيود في الحرم من غير تعرض لها وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه (مَقامُ إِبْراهِيمَ) وفيه دلالة على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم لأن تأثير قدميه في الصخرة الصمّاء وعوضهما فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه ألوف السنين معجزة عظيمة (وَمَنْ دَخَلَهُ) أي الحرم (كانَ آمِناً) أي إن من دخله للنسك تقربا إلى الله تعالى كان آمنا من النار يوم القيامة وأن الله أودع في قلوب الخلق الشفقة على كل من التجأ إليه (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أي قصده للزيارة على وجه مخصوص (مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ) أي حج البيت (سَبِيلاً) أي بلاغا بوجود الزاد والراحلة والنفقة للعيال إلى الرجوع (وَمَنْ كَفَرَ) أي جحد فرض الحج (فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٩٧) أي عن إيمانهم وحجهم.
قال الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم أهل الأديان الستة المسلمين والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم ، وقال : «إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا» (١). فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس ، وقالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فأنزل الله تعالى قوله : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) أي ومن ترك اعتقاد وجوب الحج فإن الله غني عنه (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي اليهود والنصارى (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ) (٩٨) أي لم تكفرون بآيات الله دلتكم على صدق محمد صلىاللهعليهوسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره ، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها ، وهذه الحال توجب أن لا تجترئوا على الكفر بآياته. (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ) أي لم تصرفون عن دينه الحق الموصل إلى السعادة الأبدية وهو ملة الإسلام. من آمن بالله وبمحمد وبالقرآن بإضلالكم لصفة المسلمين (تَبْغُونَها عِوَجاً) أي تطلبون للسبيل زيفا لأنكم قلتم النسخ يدل على البدء. وقولكم : ورد في التوراة إن شريعة موسى باقية إلى الأبد (وَأَنْتُمْ شُهَداءُ) أن في التوراة أن دين الله هو الإسلام لا يقبل غيره (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٩٩) فإنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوة محمد صلىاللهعليهوسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين بل كانوا يحتالون في
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٣٧١) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (٣ : ٢٠٤) ، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٢٩ : ٥٩٠).
ذلك بوجوه الحيل. نزلت هذه الآية في الذين دعوا عمارا وأصحابه إلى دينهم اليهودية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) هم شاس بن قيس وعمرو بن شاس ، وأوس بن قبطي وجبار بن صحر (يَرُدُّوكُمْ) أي يصيروكم (بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (١٠٠) (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) أي كيف يوجد منكم الكفر والحال أن القرآن الذي فيه بيان الحق من الباطل يتلى عليكم على لسان نبيكم غض طري ، ومعكم رسول الله الذي يبين الحق ويدفع الشبه.
روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد ، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون وقد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام ، فشق ذلك على اليهود ، فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك في بعاث وهو موضع في المدينة ، وكان يوم بعاث يوما اقتتل فيها الأوس والخزرج قبل مبعثه صلىاللهعليهوسلم بمائة وعشرين سنة وكان الظفر فيه للأوس. وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار ، فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا : السلاح السلاح فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم فوصل الخبر إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار وقال : «أ ترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وألّف بين قلوبكم». فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ومن كيد ذلك اليهودي فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. قال الإمام الواحدي : اصطفوا للقتال. فنزلت الآية إلى قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فجاء النبيّ صلىاللهعليهوسلم حتى قام بين الصفين فقرأهن ورفع صوته فلما سمعوا صوت النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنصتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ) أي من يستمسك بكتاب الله وهو القرآن (فَقَدْ هُدِيَ) أي فقد حصل له الهدى (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٠١) أي إلى طريق موصل إلى المطلوب.
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حق معاذ وأصحابه ، ثم نزل في أوس وخزرج لخصومة كانت بينهم في الإسلام افتخر فيهم ثعلبة بن غنم وأسعد بن زرارة بالقتل والغارة في الجاهلية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) أي كما يجب أن يتقى وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كما في قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويقال : أطيعوا الله كما ينبغي. (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٠٢) لفظ النهي واقع على الموت. والمقصود الأمر بالإقامة على الإسلام أي ودوموا على الإسلام إلى الموت وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت وهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في
وسعهم (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ) وهو دين الإسلام أو بكتابه وهو القرآن (جَمِيعاً) أي مجتمعين في الاعتصام لقوله صلىاللهعليهوسلم : «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ، من قال به صدق ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» (١). (وَلا تَفَرَّقُوا) عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم لأن الحق لا يكون إلا واحدا وما عداه يكون ضلالا (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ) نعمة دنيوية وأخروية (إِذْ كُنْتُمْ) في الجاهلية (أَعْداءً) يبغض بعضكم بعضا ويحارب بعضكم بعضا (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) أي قذف الله فيها المحبة بتوفيقكم للإسلام (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ) أي فصرتم بدينه الإسلام (إِخْواناً) في الدين (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي على طرفها ، أي وكنتم قريبين من الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها. فليس بين الحياة والموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء الذي هو مثل الحياة ، وبين ذلك الشيء الذي هو مثل الموت (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) أي فأنجاكم من تلك الحفرة بأن هداكم للإسلام (كَذلِكَ) أي مثل البيان المذكور (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٠٣) أي لكي تهتدوا من الضلالة (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي ولتوجد منكم جماعة يقتدي بها فرق الناس (يَدْعُونَ) الناس (إِلَى الْخَيْرِ) فأفضل الدعوة هي دعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) والآمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب ، وإن كان مندوبا فمندوب (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فالنهي عن الحرام واجب كله لأن تركه واجب وهذه الأمور من فروض الكفايات ـ لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال ـ وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور أو المنهي في زيادة الفجور فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر ، ونهى عن المعروف وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٠٤) أي المختصون بكمال الفلاح.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه (٢). (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) أي تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين ، أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد ، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق ، وأن صاحبه على الباطل. قال الفخر الرازي : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة. فنسأل الله العفو والرحمة
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن ، باب : ١٤ ، والدارمي في كتاب فضائل القرآن ، باب : فضل من قرأ القرآن.
(٢) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٥٥٦٤) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦ : ٢١٠٤).
(مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) أي الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة (وَأُولئِكَ) الذين تفرقوا (لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٠٥) في الآخرة بسبب تفرقهم (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) أي يوم تظهر بهجة السرور على قوم وسموا ببياض الوجه والصحيفة ، وإشراق البشرة. وسعى النور أمامهم ويمينهم. ويوم تظهر كآبة الخوف والحزن على قوم وسموا بسواد اللون والصحيفة ، وإحاطة الظلمة بهم من كل جانب. وقرئ «تبياض» و «تسواد» (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) فيلقون في النار وتقول لهم الزبانية. (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) أي بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة. وقال عكرمة والأصم والزجاج : أي أكفرتم يا أهل الكتاب بعد بعثة محمد صلىاللهعليهوسلم بعد إيمانكم به قبل مبعثه (فَذُوقُوا الْعَذابَ) والأمر بذوق العذاب على طريقة الإهانة (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (١٠٦) أي بسبب كفركم (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ) أي في جنة الله وعبّر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى.
وقرئ «ابياضّت» ، كما قرئ «اسوادّت» (هُمْ فِيها خالِدُونَ) (١٠٧) أي لا يظعنون عنها ولا يموتون (تِلْكَ) أي الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار (آياتُ اللهِ) أي دلائل الله (نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ) أي بالمعنى الحق أو متلبسة بالعدل من أجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ) (١٠٨) أي ما يريد الله فردا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلا عن أن يفعله. وأما ظلم بعضهم بعضا فواقع كثيرا ، وكل واقع فهو بإرادته تعالى (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا (وَإِلَى اللهِ) أي إلى حكمه (تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (١٠٩) فيجازي كلا منهم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) أي أظهرت للناس حتى تميّزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي بالتوحيد واتباع محمد صلىاللهعليهوسلم (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي عن الشرك ومخالفة الرسول (وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء. وقال قتادة : هم أمة محمد صلىاللهعليهوسلم لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة للناس (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ) أي اليهود والنصارى إيمانا كاملا كإيمانكم (لَكانَ) أي ذلك الإيمان (خَيْراً لَهُمْ) فإنهم آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الزيادة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة فكان ذلك خيرا لهم مما قنعوا به. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود والنجاشي ورهطة من النصارى. (وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) (١١٠) في أديانهم فيكونون مردودين عند الطوائف كلهم لأن المسلمين لا يقبلونهم لكفرهم ، والكفار لا يقبلونهم لكونهم فاسقين فيما بينهم فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي لن يضركم
اليهود ضررا ألبتة إلا ضررا يسيرا ـ وهو أذى ـ أي ليس على المسلمين من اليهود ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهماالسلام وإما بإظهار كلمة الكفر كقولهم : عزير ابن الله ، وإما بتحريف نصوص التوراة ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) أي ينهزموا من غير أن يضروكم بقتل أو أسر (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) (١١١) أي ثم أخبركم أنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ولا يجدون النصر قط بل يبقون في الذلة أبدا كما قال تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) أي جعلت عليهم الذلة أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم (أَيْنَ ما ثُقِفُوا) أي صودفوا فلا يقدرون أن يقوموا مع المؤمنين (إِلَّا) أن يعتصموا (بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي المؤمنين فالأمان الحاصل للذمي قسمان :
أحدهما : الذي نص الله عليه وهو أخذ الجزية.
وثانيهما : الذي فوض الله إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد. فالأول : هو المسمى بحبل الله. والثاني : هو المسمى بحبل المؤمنين. (وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) أي داموا في غضب الله أو استوجبوا لعنة الله (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي جعل عليهم زي الفقر. واليهود في غالب الأحوال مساكين تحت أيدي المسلمين والنصارى (ذلِكَ) أي لزوم الذلة والمسكنة والمكث في اللعنة (بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ) الناطقة بنبوة محمد صلىاللهعليهوسلم حتى يحرفونها بسائر الآيات القرآنية (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) أي بلا جرم. فإن الذين قتلوا الأنبياء أسلافهم ، وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم فنسب إليهم كما أن التحريف من أفعال أحبارهم ينسب إلى كل من يتبعهم (ذلِكَ) أي الكفر والقتل (بِما عَصَوْا) في السبت (وَكانُوا يَعْتَدُونَ) (١١٢) أي يتجاوزون حدود الله باستحلال المحارم. قال أرباب المعاملات مع الله : من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة ، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر (لَيْسُوا) أي جميع أهل الكتاب (سَواءً) أي فليس من آمن منهم كمن لم يؤمن (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) أي جماعة عدل مهتدية بتوحيد الله وهم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم معهم من اليهود كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : هم عبد الله بن سلام وأخوه ثعلبة بن سلام وسعية وميس وأسيد وأسدهما ابنا كعب.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولو لا ذلك ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية : (يَتْلُونَ
آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ) أي يقرءون القرآن ساعات الليل (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (١١٣) أي يصلون التهجد في الليل. وهذا كلام مستقل والصلاة تسمى سجودا. (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية (وَأُولئِكَ) الموصوفون بالصفات السبعة (مِنَ الصَّالِحِينَ) (١١٤) أي من جملة الذين صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه. وقال ابن عباس : أي من صالحي أمة محمد صلىاللهعليهوسلم. ويقال : مع صالحي أمة محمد في الجنة مع أبي بكر وأصحابه. واعلم أن اليهود كانوا أيضا يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة. فلما مدح الله المؤمنين منهم بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله : (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) فالإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه ، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي. فإيمان اليهود بالله مع قولهم عزير ابن الله ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل ، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ، عدم الاحتراز عن معاصي الله وإضلال الناس وصدّهم عن سبيل الله ومبادرتهم إلى الشرور. واعلم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل. وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله. وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد. فقوله تعالى : (يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم. وقوله تعالى : (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم ، فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية ، وذلك أكمل أحوال الإنسان وهي المرتبة التي هي آخر درجات الإنسانية ، وأول درجات الملكية. واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية وقوته النظرية ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين وذلك بطريقين إما بإرشادهم إلى ما ينبغي أو بمنعهم عما لا ينبغي ، ثم الوصف بالصلاح غاية المدح ويدل عليه القرآن والعقل. فإن الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي فهو فساد سواء كان في العقائد أو في الأعمال ، فإذا حصل كل ما ينبغي فقد حصل الصلاح فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال : (وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ).
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء في الفعلين. لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، فإن جهّال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان. قال تعالى : (وَما يَفْعَلُوا) أي عبد الله بن سلام وأصحابه من خير مما ذكر ويقال : من إحسان إلى محمد وأصحابه. (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) أي لن ينسى ثوابه بل يثابوا.
وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لجميع المؤمنين الذين من جملتهم هؤلاء أي وما
تفعلوا معاشر المؤمنين من خير فلن تمنعوا ثوابه وجزاءه بل تجاوزوا عليه (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (١١٥) وهذا بشارة لهم بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده تعالى إلا أهل التقوى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ) أي لن تدفع عنهم (أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ) أي من عذابه (شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (١١٦) إنما خصّ الله تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال ، وأنفع الحيوانات هو الولد. ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى. (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا) أي الكفار (فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ) أي برد مهلك أو حر محرق (أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والمعاصي (فَأَهْلَكَتْهُ). والمعنى مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للزرع ، أو مثل الكافر الذي أنفق أمواله في الخيرات ـ نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل ـ وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا ، فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات فكان كمن زرع زرعا وتوقّع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح ، فأحرقته ، فلا يبقى إلا الحزن والأسف ، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات. أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه من الخيرات وهو من المعاصي ـ مثل إنفاق الأموال في إيذاء رسول الله ، وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم ـ فهو أشد تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ) حيث لم يقبل نفقاتهم (وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١١٧) حيث أتوا بالنفقات مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) نزلت هذه الآية في شأن رجال من المؤمنين يشاورون اليهود في أمورهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنا منهم أنهم ينصحون لهم في أسباب المعاش ، فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه ـ كما قاله ابن عباس ـ أو في رجال من المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال فالله تعالى منعهم عن ذلك ـ كما قاله مجاهد ـ وقال الله تعالى : (لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً) أي خاصة تباطنون في الأمور (مِنْ دُونِكُمْ) أي من غير أهل ملتكم من الكفار والمنافقين (لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً) أي لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفسادكم (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ) أي أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر أي فإن الكفار لا يقصرون لكم في إفساد دينكم فإن عجزوا عنه أحبوا بقلوبهم إلقاءكم في أشد أنواع الضرر. (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) أي قد ظهرت البغضاء في كلامهم بالطعن وغيره مما يدل على نفاقهم وبأنهم يظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق (وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ) من الحقد (أَكْبَرُ) مما يظهر على ألسنتهم. (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) أي علامة الحسد والعداوة (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (١١٨) الفرق بين ما يستحقه العدو والولي (ها أَنْتُمْ أُولاءِ) أي أنبهكم أنتم يا معشر المؤمنين المخطئين في موالاتهم (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة ، وبسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان
وأنهم يظهرون لكم محبة رسول الله (وَلا يُحِبُّونَكُمْ) بسبب المخالفة في الدين وبسبب أن الكفر مستقر في باطنهم ولأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ) وهم لا يؤمنون به وهم مع إيمانكم بكتبهم يبغضونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم (وَإِذا لَقُوكُمْ) أي منافقو اليهود (قالُوا) نفاقا : (آمَنَّا) بمحمد فإن نعته في كتابنا (وَإِذا خَلَوْا) أي رجع بعضهم إلى بعض (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) أي عضوا لأجل غمهم منكم أطراف الأصابع من شدة الغضب أي فإذا رجعوا إلى بعضهم أظهروا شدة العداوة على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل ـ كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه ـ ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان : إنه يعض يده غيظا وإن لم يكن هناك عض. (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) وهذا دعاء عليهم بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام ودعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون ، وليس أمرا بالإقامة على الغيظ فإن الغيظ كفر والأمر بالكفر غير جائز ، ويجوز أن يكون معنى قوله : (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) إنه تعالى أمر رسوله بطيب النفس وقوة الرجاء ، والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ـ كأنه قيل : حدّث نفسك بذلك ـ (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (١١٩) أي إنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) أي إن تصبكم منفعة الدنيا تحزنهم وذلك كصحة البدن ، وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة بين الأحباب. (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ) أي مضرة كمرض وفقر وانهزام من عدو ، وقتل ونهب وغارة وحصول التفرقة بين الأقارب (يَفْرَحُوا) أي اليهود والمنافقون (بِها) فإنهم متناهون في عداوتكم فاجتنبوهم (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم (وَتَتَّقُوا) كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ) أي حيلتهم التي دبروها لأجلكم (شَيْئاً) من الضرر لأن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى ، واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره حيل المحتالين.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «لا يضركم» بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء. والباقون «لا يضركم» بضم الضاد والراء المشددة على الجزم بسكون مقدر للاتباع.
وروى المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء للتخفيف. (إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (١٢٠) بالياء باتفاق القراء العشرة. أي إنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه. وفي قراءة شاذة بالتاء. والمعنى أنه تعالى عالم بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم مستحقون له (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) أي واذكر يا أشرف الخلق لأصحابك وقت خروجك من عند أهلك أي من حجرة عائشة إلى أحد ليتذكر ، وإما وقع في ذلك الوقت من الأحوال الناشئة من عدم الصبر فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم كيد الكفرة.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم ذهب من منزل عائشة في المدينة فمشى على رجليه إلى أحد بعد صلاة الجمعة في نصف شوال ، وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت ، وجعل يصف أصحابه للقتال ، وكانوا ألفا وأقل ، وكان الكفار ثلاثة آلاف. وجعل صلىاللهعليهوسلم ظهره وظهر عسكره إلى أحد ، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال : «ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا» وقال لأصحابه : «اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام». فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بن أبي مع ثلاثمائة من المنافقين فبقي من عسكر المسلمين سبعمائة ، ثم قوّاهم الله حتى هزموا المشركين ، ثم طلبوا المدبرين وتركوا ذلك المقام واشتغلوا بطلب الغنائم ، وخالفوا أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزع الله الرعب من قلوب المشركين ، فكرّ عليهم المشركون وتفرّق المسلمون عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وشجّ وجه الرسول ، وكسرت رباعيته ، وشلّت يد طلحة ولم يبق معه صلىاللهعليهوسلم إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد ، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قد قتل وكان رجل يكنى أبا سفيان ـ من الأنصار ـ نادى الأنصار وقال : هذا رسول الله فرجع إليه المهاجرون والأنصار وكان قد قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح. وكل ذلك يؤكد قوله تعالى : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) والظفر إنما حصل ببركة طاعتهم لله ولرسوله وإلا لم يقوموا مع عدوهم (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) أي تنزل المؤمنين بأحد أمكنة لقتال عدوهم (وَاللهُ سَمِيعٌ) لأقوالكم (عَلِيمٌ) (١٢١) بضمائركم ونياتكم فإن النبيّ صلىاللهعليهوسلم شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة وهو عبد الله بن أبيّ ، وأكثر الأنصار. ومنهم من قال له : اخرج إليهم وكان لكل أحد غرض. (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ) بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج وهما جناحا العسكر (أَنْ تَفْشَلا) أي بأن تجبنا عن قتال العدو يوم أحد وترجعا.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم خرج مع تسعمائة وخمسين ، ووعدهم النصر إن صبروا ، فلما بلغوا عند جبل أحد انعزل ابن أبي المنافق مع ثلاثمائة من أصحابه المنافقين وقال : يا قوم لأي شيء نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وأبو جابر السلمي وقالا : أسألكم بالله في حفظ نبيكم وأنفسكم أي فإنكم لو رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم ، وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب لتخلفكم عن نبيكم فقال عبد الله بن أبي : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، فهمّ الطائفتان باتباع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فثبتوا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم كما قال تعالى : (وَاللهُ وَلِيُّهُما) أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٢٢) في جميع أمورهم فإنه حسبهم ، ولما حكى الله عن الطائفتين أنهما همّتا بالجبن والضعف أيّد ذلك بقصة بدر ، فإن المسلمين كانوا في غاية الفقر والضعف والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ولكن لما كان الله ناصرا لهم قهروا أعداءهم وفازوا
بمطلوبهم. وقال تعالى : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال ، وعدم القدرة على مقاومة العدو فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وما كان فيهم إلا فرس واحد. والكفار كانوا فريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة. (فَاتَّقُوا اللهَ) في أمر الحرب ولا تخالفوا الأمير الذي معكم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٢٣) لكي تشكروا نعمته تعالى ونصرته (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) فـ «إذ» إما منصوب بنصركم ويكون هذا الوعد حصل يوم بدر ، وهذه الجملة من تمام قصة بدر وهو قول أكثر المفسرين ، وإما بدل من قوله : (إِذْ هَمَّتْ) أو بدل ثان من قوله تعالى : (وَإِذْ غَدَوْتَ) ويكون هذا الوعد حصل يوم أحد وهذه الجملة من تمام قصة أحد فيكون قوله : ولقد نصركم الله معترضا بين الكلامين وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) مع عدوكم (أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ) أي ينصركم (بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) (١٢٤) من السماء.
قرأ ابن عامر «منزلين» مشدد الزاي مفتوحة. والباقون بفتح الزاي مخففة. وقرئ قراءة شاذة باسم الفاعل من الصيغتين أي منزلين النصر (بَلى) يكفيكم (إِنْ تَصْبِرُوا) مع نبيكم في الحرب (وَتَتَّقُوا) معصية الله ومخالفة نبيه صلىاللهعليهوسلم (وَيَأْتُوكُمْ) أي يأتيكم المشركون (مِنْ فَوْرِهِمْ هذا) أي من ساعتهم هذه من جهة مكة (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ) أي ينصركم على عدوكم (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (١٢٥). قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو أي معلمين أنفسهم أو خيلهم. والباقون بفتح الواو أي معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها أو مجذوذة أذنابهم أو مرسلين (وَما جَعَلَهُ اللهُ) أي ما جعل الله الإمداد (إِلَّا بُشْرى لَكُمْ) بأنكم تنصرون (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) أي بالمدد. وفي ذكر الإمداد مطلوبان : إدخال السرور في قلوبكم وحصول الطمأنينة على أن إعانة الله معهم (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (١٢٦) لا من العدة والعدد ولا من عند الملائكة (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) واللام متعلق بقوله : وما النصر. والمعنى والمقصود من نصركم إن يهلك الله طائفة من كفار مكة بقتل وأسر (أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أو يهزمهم ويخزيهم (فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ) (١٢٧) أي يرجعوا منقطعي الآمال غير فائزين بمطلوبهم بشيء (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). وهذه الآية نزلت في قصة أحد لمنعه صلىاللهعليهوسلم من الدعاء عليهم لما روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته ـ وهي السن التي بين الثنية والناب ـ ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية ، ولما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم لعن أقواما فقال : «اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحرث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية» (١). فنزل قوله تعالى : (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم. ولما حصل له صلىاللهعليهوسلم من الهم بأنه رأى
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٣.
حمزة بن عبد المطلب ورأى ما فعلوا به من المثلة وقال : «لأمثلهن منهم بثلاثين» فنزلت هذه الآية ومات في ذلك اليوم من المسلمين سبعون ، وأسر عشرون ومات من الكفار ستة عشر.
وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب أنه صلىاللهعليهوسلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا يوم أحد فمنعه الله من ذلك ، وإنما نصّ الله تعالى على المنع تقوية لعصمته (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) وهذان إما معطوفان على الأمر. والمعنى ليس لك يا أشرف الخلق من شأن هذه الحادثة شيء ومن التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء ، لأنه ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك وليس لك من سؤال إهلاكهم شيء لأنه تعالى أعلم بالمصالح ، فربما تاب الله عليهم أو معطوفان على «شيء» أي ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم.
وقيل : المراد بالأمر ضد النهي. والمعنى ليس لك من أمر خلقي شيء ، أو من توبتهم أو من تعذيبهم شيء إلا إذا كان على وفق أمري. والمقصود من الآية منعه صلىاللهعليهوسلم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية (فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) (١٢٨) أي بالمعاصي وهذه جملة مستقلة لكن المقصود من ذكرها تعليل لحسن التعذيب. والمعنى (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) فإنه تعالى إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون. والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فعلم ذلك مفوّض إلى الله (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ملكا وخلقا (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) مغفرته (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) تعذيبه وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته تعالى سبقت غضبه وبأن الرحمة من مقتضيات الذات دون الغضب فإنه من مقتضيات سيئات العصاة (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢٩) والمغفرة والرحمة على سبيل الإحسان ، أما التعذيب فعلى سبيل العدل لأن الطاعة لا توجب الثواب ، والمعصية لا توجب العقاب بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وإرادته. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً) على الدرهم (مُضاعَفَةً) في الأجل وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال ، قال : زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ، ثم إذا حلّ الأجل الثاني فعل مثل ذلك ، ثم إلى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله : (أَضْعافاً مُضاعَفَةً).
وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين بلا ألف قبلها.
وقال القفال : يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا. فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال ، وينفقوه على العسكر فيتمكنوا من الانتقام منهم فحقا نهاهم الله عن ذلك. (وَاتَّقُوا اللهَ) فيما نهيتم عنه من أخذ الربا وغيره (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٣٠) أي لكي تنجوا من
العذاب والسخط (وَاتَّقُوا النَّارَ) بأن تجتنبوا ما يوجبها وهو استحلال ما حرم من الربا وغيره (الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (١٣١) وكان أبو حنيفة يقول : هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه ، وفي الآية تنبيه على أن النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. (وَأَطِيعُوا اللهَ) فيما يأمركم به وينهاكم عنه من أخذ الربا وغيره (وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١٣٢) الذي يبلغكم أوامر الله ونواهيه فإن طاعة الرسول طاعة لله (وَسارِعُوا).
قرأ نافع وابن عامر بغير واو أي بادروا واقبلوا. وقرئ شاذة وسابقوا (إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي إلى الإسلام ـ كما قاله ابن عباس ـ وإلى أداء الفرائض ـ كما قاله علي بن أبي طالب ـ والصلوات الخمس وإلى الإخلاص ـ كما قاله عثمان بن عفان ـ وإلى الجهاد ـ كما قاله الضحاك ومحمد بن إسحاق ـ وإلى التكبيرة الأولى ـ كما قاله سعيد بن جبير ـ وإلى جميع الطاعات ـ كما قاله عكرمة ـ وإلى التوبة من الربا والذنوب ـ كما قاله الأصم وابن عباس ـ (وَجَنَّةٍ) أي فكما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة. فمعنى الغفران إزالة العقاب ، ومعنى الجنة إيصال الثواب فلا بد للمكلف من تحصيل الأمرين (عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي عرضها مثل عرض السموات والأرض لو جعلت السموات والأرض طبقا طبقا ، بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله تعالى (أُعِدَّتْ) أي هيئت الجنة (لِلْمُتَّقِينَ) (١٣٣) ثم ذكر الله تعالى صفات المتقين فقال : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) أموالهم في سبيل الله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي في حال الغنى والفقر أو في سرور وحزن ، أو على وفق طبعهم وعلى خلافه كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة. وعن عائشة رضياللهعنها أنها تصدقت بحبة عنب (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) أي الكافين غيظهم.
قال صلىاللهعليهوسلم : «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» (١). وقال صلىاللهعليهوسلم : «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء»(٢). وقال صلىاللهعليهوسلم : «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب»(٣). (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب ، باب : من كظم غيظا ، والترمذي في كتاب البرّ ، باب : ٧٤ ، وأحمد في (م ٣ / ص ٤٣٨).
(٢) رواه أبو داود في كتاب الأدب ، باب : من كظم غيظا ، والترمذي في كتاب البرّ ، باب : ٧٤ ، وابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : الحلم ، وأحمد في (م ٣ / ص ٤٣٨).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأدب ، باب : قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «إنما الكرم قلب المؤمن» ، ومسلم في كتاب البرّ ، باب : ١٠٦ ، والموطأ في كتاب حسن الخلق ، باب : ما جاء في الغضب ،
الْمُحْسِنِينَ) (١٣٤) ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. روي عن عيسى ابن مريم أنه قال : «ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة ، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك». واعلم أن الإنسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه ، أما إيصال النفع إليه فيدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين ، وهداية الضالين ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات ، وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى فهذا داخل في كظم الغيظ ، وأما في الآخرة بأن يبرئ ذمة الغير عن المطالبات فهذا داخل في العفو عن الناس. فهذه الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير. (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) أي معصية (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بأن أتوا أيّ ذنب كان (ذَكَرُوا اللهَ) أي خافوا الله. قال بعضهم : لما وصف الله تعالى الجنة بأنها معدة للمتقين بيّن أن المتقين قسمان :
أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات وهم الذين وصفهم الله بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا. وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على الموصول قبله. وقيل : لما ندب الله تعالى في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير ندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على المحسنين.
روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في رجلين ـ أنصاري وثقفي ـ والرسول صلىاللهعليهوسلم كان قد آخى بينهما وكانا لا يفترقان في أحوالهما ، فخرج الثقفي مع الرسول صلىاللهعليهوسلم بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري على أهله يتعاهدهم فكان يفعل ذلك ، ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها ، فندم الرجل ، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلىاللهعليهوسلم لم ير الأنصاري وكان قد هام في الجبال للتوبة فلما عرف الرسول صلىاللهعليهوسلم سكت حتى نزلت هذه الآية.
وقال عطاء : نزلت في شأن أبي سعيد نبهان التمار فإنه أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا بالشراء ، فقال لها : هذا التمر ليس بجيد ، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها فقالت له : اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبي صلىاللهعليهوسلم وذكر ذلك فنزلت هذه الآية : (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي أتوا بالتوبة على الوجه الصحيح لأجل ذنوبهم ، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار انقطاعه إلى الله
__________________
وأحمد في (م ١ / ص ٣٨٢)
تعالى. وقوله : «فاستغفروا» معطوف على جواب «إذا». (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) أي لا يغفر ذنوب التائب أحد إلا الله (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا) من الذنوب بأن أقلعوا عنها في الحال وهذا معطوف على قوله : «فاستغفروا» (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٣٥) أن الذي فعلوه معصية الله ، وهذه الجملة حال من فاعل «يصروا» (أُولئِكَ) الذين خافوا الله وتابوا من ذنوبهم (جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) لذنوبهم (وَجَنَّاتٌ) أي بساتين (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن (خالِدِينَ فِيها) أي دائمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) (١٣٦) أي نعم ثواب التائبين المغفرة والجنات. (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي قد مضت من قبل زمانكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة المكذبة للرسل بإهلاكهم إن لم يتوبوا ، وبالمغفرة إن تابوا ، فرغب الله تعالى أمة محمد صلىاللهعليهوسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسله والإعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا) أي تعرفوا أيها المؤمنون أحوال الأمم السالفة بسير أو غيره ، ثم تفكروا فيها للتسلي والاتعاظ. (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (١٣٧) أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل الذين لم يتوبوا من تكذيبهم (هذا) القرآن (بَيانٌ) بالحلال والحرام (لِلنَّاسِ) عامة (وَهُدىً) من الضلالة (وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (١٣٨). فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان :
أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدي.
والثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة ، وإنما خصص الله المتقين بالهدي والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم (وَلا تَهِنُوا) أي لا تضعفوا عن الجهاد مع عدوكم (وَلا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من الغنائم يوم أحد ، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحة وكان قد قتل يومئذ سبعون رجلا خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وشماس بن عثمان وسعد مولى عتبة وباقيهم من الأنصار رضياللهعنهم أجمعين (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي والحال أنكم في آخر الأمر الغالبون بالنصرة لكم دون عدوكم فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسب ما شاهدتم من أحوال أسلافهم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣٩) وهذا إما منصب بالنهي أو بوعد النصر والغلبة ، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله تعالى وقلة المبالاة بالأعداء ، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان يقتضي العلو بلا شك (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي إن أصابكم جرح يوم أحد فقد أصاب أهل مكة يوم بدر جرح مثل ما أصابكم يوم أحد ثم لم يضعف ذلك قلوبكم فأنتم أحق بأن
لا تضعفوا. وقيل : إن المعنى إن نالكم يوم أحد قرح وانهزام فقد نال الكفار في ذلك اليوم مثل ذلك ، فإن المسلمين نالوا من الكفار قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا ـ منهم صاحب لوائهم ـ وجرحوا عددا كثيرا ، وعقروا عامة خيلهم بالنبل وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) أي أيام الدنيا (نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) لا يدوم مسارها ولا مضارها فيوم يحصل فيه السرور للمؤمنين ، والغم للأعداء ويوم آخر بالعكس ، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين ، والأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف فلا يليق بالكافر بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفارة وأخرى على المؤمنين ولو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب. وأيضا إن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي فيشدد الله المحنة عليه في الدنيا تأديبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه غضب من الله عليه. وأيضا إن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وإنما السعادات المستمرة في دار الآخرة.
وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ، ثم قال : أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر : هذا رسول الله ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر! فقال أبو سفيان : يوم بيوم ، والأيام دول ، والحرب سجال. فقال عمر : لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : إن كان الأمر كما تزعمون فقد خبنا إذا وخسرنا. (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) واللام متعلقة بفعل مضمر. والتقدير وفعلنا هذه المداولة لكي يرى الله الذين أخلصوا في إيمانهم متميزين من المنافقين إذا أصابتهم المشقة كما وقع في أحد (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) أي يكرم الله من يشاء منكم بالشهادة وهم شهداء أحد (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (١٤٠) أي المشركين وإنما يظفرهم في بعض الأحيان استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي ليطهرهم من ذنوبهم بما يصيبهم في الجهاد إن كانت الغلبة للكافرين على المؤمنين (وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) (١٤١) أي يهلكهم في الحرب إن كانت الغلبة للمؤمنين على الكافرين (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (١٤٢) والخطاب للذين انهزموا يوم أحد. أي أظننتم أن تدخلوا الجنة وتفوزوا بنعيمها والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر ـ أي الجمع بينهما ـ أي لا تحسبوا ذلك والحال أن الله تعالى لم ير المجاهدين منكم في سبيل الله يوم أحد والصابرين على قتال عدوهم مع نبيهم (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) بالشهادة في الحرب (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) أي الموت يوم أحد حيث قلتم : ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه من الكرامة وكانوا قد ألحوا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم أحد في الخروج ، ثم ظهر منهم خلاف ذلك (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) أي إن كنتم صادقين في تمنيكم الحرب فقد رأيتم الموت بمشاهدة أسبابه يوم أحد (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (١٤٣)
إلى سيوف الكفار حين قتل أمامكم من قتل من إخوانكم ، فلم انهزمتم منهم ولم تثبتوا مع نبيكم؟ (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي قد مضت من قبل محمد أمثاله من رسل الله تعالى.
قال ابن عباس ومجاهد والضحّاك : لما نزل النبيّ صلىاللهعليهوسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ثم قتل على طلحة صاحب لواء الكفار ، وشد الزبير والمقداد على المشركين فانهزم الكفار ، ثم بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم ، وفرق جمعهم ، ورمى عبد الله بن قميئة رسول الله صلىاللهعليهوسلم بحجر فكسر رباعيته وشجّ وجهه وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم بدر وأحد فقتله ابن قميئة فظن أنه قتل رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل ففشا في الناس خبر قتله فهناك قال بعض المسلمين : ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال قوم من المنافقين : لو كان محمدا نبيا لما قتل وإن كان قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك ـ : يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد حيّ لا يموت وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله صلىاللهعليهوسلم؟! قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء المسلمون وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المنافقين ، ثم سلّ سيفه فقاتل حتى قتل رحمهالله تعالى. ثم إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ويقول : «إليّ عباد الله» (١) فأول من عرفه صلىاللهعليهوسلم كعب بن مالك وقال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فأشار إلي أن أمسك ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا : يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية : (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) أي أصرتم كفارا بعد إيمانكم إن مات محمد أو قتل كغيره من الرسل فتخالفوا سنن أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم. أي لا ينبغي منكم الارتداد حينئذ لأن محمدا صلىاللهعليهوسلم مبلّغ لا معبود وقد بلّغكم والمعبود باق فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق لو مات من بلغكم إياه. (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً) أي ومن يرجع إلى دينه الأول ـ وهو الشرك ـ فلن ينقص الله رجوعه شيئا وإنما يهلك نفسه بإقباله على
__________________
(١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٣٢) ، وابن كثير في التفسير (٢ : ١١٨) ، والطبري في التفسير (٤) ، وابن الجوزي في زاد المسير (١ : ٤٧٧) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٤ : ٢٣).
العذاب. (وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) أي الثابتين على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف كأنس بن النضر وأمثاله (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادة الله وقضائه (كِتاباً مُؤَجَّلاً) أي كتب الله الموت كتابا مؤقتا كتابة أجله ورزقه سواء لا يسبق أحدهما الآخر. وهذا إعلام بأن الحذر لا يدفع القدر وأن أحدا لا يموت قبل الأجل ، وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء فلا فائدة في الجبن والخوف (وَمَنْ يُرِدْ) بعمله (ثَوابَ الدُّنْيا) أي منفعة الدنيا (نُؤْتِهِ مِنْها) أي نعطه من الدنيا ما يريد مما نشاء أن نعطيه إياه وما له في الآخرة من نصيب (وَمَنْ يُرِدْ) بعمله (ثَوابَ الْآخِرَةِ) أي منفعة الآخرة (نُؤْتِهِ مِنْها) أي نعطه من الآخرة ما يريد مما نشاء من الأضعاف حسب ما جرى به الوعد الكريم (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (١٤٥) أي نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى إلى ما خلق لأجله من طاعة الله. فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين : منهم من يريد الدنيا كالذين كانوا المركز طلبا للغنيمة والثناء ، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا. ومنهم من يريد الآخرة كالذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا والذين حضروا للدين لا بد وأن لا ينهزموا. واعلم أن هذه الآية وإن وردت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب الدواعي. والمقصود لا ظواهر الأعمال كما في قوله صلىاللهعليهوسلم : «إنما الأعمال بالنيات»(١). فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ).
قرأ ابن كثير «كائن» بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة. والباقون بهمزة بعد الكاف بعدها ياء مشدودة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وقتل مبنيا للمفعول. وقتادة كذلك إلا أنه شدد التاء ، وباقي السبعة «قاتل» وضمير الفعل يعود على المبتدأ والجملة خبر المبتدأ. وجملة «معه ربيون» من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال من ضمير الفعل ، و «كثير» صفة لـ «ربيون». والمعنى على القراءة الأولى وكثير من الأنبياء قتلوا وبعدهم الذين بقوا من جماعتهم فما وهنوا أي ضعفوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي ، باب : ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ، ومسلم في كتاب الإمارة ، باب : ١٥٥ ، وأبو داود في كتاب الطلاق ، باب : فيما عني به الطلاق والنيّات ، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد ، باب : ١٦ ، والنسائي في كتاب الطهارة ، باب : النية في الوضوء ، وابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : النية ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٥).
محمد هكذا. قال سعيد بن جبير : ما سمعنا بنبي قتل في القتال. وقال الحسن البصري وجماعة من العظماء : لم يقتل نبي في حرب قط ، والمعنى على القراءة المشهورة وكثير من نبي قاتل لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه كائنا معه في القتال جماعات كثيرة من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا أي جبنوا لأن الذي أصابهم إنما هو في طاعة الله وإقامة دينه ونصرة رسوله فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد (وَما ضَعُفُوا) أي عجزوا عن قتال عدوهم (وَمَا اسْتَكانُوا) أي ذلوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل : قتل نبيكم وأردتم أن تعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (١٤٦) على تحمل الشدائد في طريق الله أي يكرمهم ويعظمهم (وَما كانَ قَوْلَهُمْ) بعد ما قتل نبيهم (إِلَّا أَنْ قالُوا) هذا الدعاء. وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها أن وما بعدها (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) الصغائر والكبائر (وَإِسْرافَنا) أي إفراطنا (فِي أَمْرِنا) بإتيان الذنوب العظيمة الكبيرة (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) بإزالة الخوف عن القلوب وإزالة الخواطر الفاسدة عن الصدور (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١٤٧) وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره (فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا) بالنصرة والغنيمة ، وقهر العدو ، والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الإيمان ، وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والشبهات (وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) أي حكم الله لهم بحصول الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم في الآخرة (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٤٨) أي المعترفين بكونهم مسيئين ، فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأن الله تعالى يقول لهم : إذا اعترفتم بإساءتكم وعجزكم فأنا أصفكم بالإحسان وأجعلكم أحباء لنفسي حتى تعلموا أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي المنافقين في قولهم للمؤمنين المنهزمين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبيا لما قتل (يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) أي يرجعوكم إلى دينكم الأول. قال علي : والمراد بالذين كفروا : المنافقون ، كما تقدم.
وقال السدي وغيره : المراد بهم أبو سفيان بن حرب لأنه شجرة الفتن وكبير القوم في ذلك اليوم. ومعنى الآية حينئذ إن تخضعوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل : المراد عبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين لأنهم قالوا : لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه. وقال ابن عباس : والمراد بهم اليهود كعب وأصحابه. والمراد بالذين آمنوا حذيفة وعمار (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) (١٤٩) أي فترجعوا مغبونين في الدارين بالانقياد للعدو والتذلل له وبالحرمان عن الثواب المؤبد ، والوقوع في العقاب المخلد (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ) أي ناصركم (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) (١٥٠) أي أقواهم بالنصرة. فلا ينبغي أن تطيعوا الكفار لينصروكم لأنهم عاجزون (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) أي سنقذف
في قلوب كفار مكة المخافة منكم حتى انهزموا وذلك أن الكفار لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب. حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل وقال : أين ابن أبي كبشة؟ وأين ابن أبي قحافة؟ وأين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر ودارت كلمات بينهما وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم. (بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ) أي بعبادته (سُلْطاناً) أي كتابا ولا رسولا (وَمَأْواهُمُ النَّارُ) أي مسكنهم في الآخرة النار (وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) (١٥١) أي وبئس مقر الكافرين النار (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) يوم أحد. نزلت هذه الآية لما رجع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد قال ناس من أصحابه من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية : (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ) أي تقتلونهم قتلا كثيرا في أول الحرب (بِإِذْنِهِ) أي بعلمه ونصرته (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ) أي إلى أن ضعفتم في الرأي أو إلى حين الغنيمة (وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) أي اختلفتم في أمر الحرب أو في امتثال أمر النبيّ صلىاللهعليهوسلم وذلك لأنه صلىاللهعليهوسلم أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة ، وجعل أميرهم عبد الله بن جبير ، فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون ، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلا خيلهن فقالوا : الغنيمة الغنيمة ، فقال عبد الله : عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة وبقي عبد الله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون. (وَعَصَيْتُمْ) أمر النبيّ صلىاللهعليهوسلم بالإقامة في أصل الجبل وتركتم المركز لأجل تحصيل الغنيمة (مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ) أي بعد ما أراكم النبيّ صلىاللهعليهوسلم النصرة والغنيمة (مِنْكُمْ) أي من الرماة (مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) بجهاده ، وهم الذين تركوا المركز لأجل الغنيمة (وَمِنْكُمْ) أي من الرماة (مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) بجهاده وهم الذين ثبتوا مكانهم حتى قتلوا وهم عبد الله بن جبير وأصحابه (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) أي ثم رد المسلمين عن الكفار وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم (لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) لما علم من ندمكم على المخالفة وتفضلا منه تعالى (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (١٥٢) حيث لم يستأصل الرماة (إِذْ تُصْعِدُونَ) أي تذهبون في الأرض (وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ) أي ولا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ) أي وهو واقف في آخركم وكان يقول : «إلىّ عباد الله ، إليّ عباد الله أنا رسول الله من يقرّ فله الجنة» (١) (فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ) أي جازاكم الله عما حصل لكم بسبب الانهزام ، وقتل
__________________
(١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٣٢) ، وابن كثير في
الأحباب ، وفوت الغنائم بغم حصل للرسول بسبب عصيانكم أمره (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ) من الغنيمة (وَلا ما أَصابَكُمْ) من القتل والجراحة.
قال أبو السعود : أي لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر آت (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (١٥٣) أي عالم بأعمالكم ومقاصدكم قادر على مجازاتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً) من العدو (نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) أي يأخذ النعاس المهاجرين وعامة الأنصار (وَطائِفَةٌ) وهم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي أوقعهم في الهموم لأن أسباب الخوف وهي قصد العدو كانت حاصلة لهم والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ورسوله غير معتبر عندهم لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم فلذلك عظم الخوف في قلوبهم (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) أي كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا اعتراض لأحد عليه ، فإن النبوة خلعة من الله تعالى يشرف عبده بها وليس يجب في العقل أن الله تعالى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الإلهية (يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) أي هل لنا من النصر الذي وعدنا به محمد نصيب قط. وهذا الكلام إن كان قائله من المنافقين كعبد الله بن أبي فإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم وفي الإسلام وإن كان من المؤمنين المحققين كان غرضه منه إظهار الشفقة أنه متى يكون الفرج ومن أين يكون تحصل النصرة. (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ) أي التدبير (كُلَّهُ لِلَّهِ) فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) أي يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب مخافة القتل (يَقُولُونَ) أي معتب بن قشير وعبد الله بن أبي : (لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا) أي لو كان لنا من التدبير والرأي شيء ما قتل من قتل منا في هذه المعركة وما غلبنا (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ) أي قل يا أشرف الخلق لهم لو جلستم في بيوتكم في المدينة لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مصارعهم أي أماكنهم التي ماتوا فيها عند أحد حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد فإن الحذر لا يدفع القدر والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا لأن الله تعالى لما أخبر يقتل فلو لم يقتل لا نقلب علمه جهلا وذلك محال (وَ) فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد (لِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ) أي ليعاملكم من يختبر ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق
__________________
التفسير (٢ : ١١٨) ، والطبري في التفسير (٤) ، وابن الجوزي في زاد المسير (١ : ٤٧٧) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٤ : ٢٣).
وليظهر ما فيها من السرائر وفي المثل المشهور لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين (وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ) أي يخلصها من الوساوس (وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (١٥٤) أي بما في القلوب من الخير والشر (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ) أي انهزموا يوم أحد وهم عثمان بن عفان ، ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) جمع محمد صلىاللهعليهوسلم وجمع أبي سفيان (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ) أي أزالهم الشيطان بوسوسته أن محمدا قتل (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) أي بشؤم بعض ما كسبوا من الذنوب بترك المركز وبالحرص على الغنيمة أو على الحياة (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ) لتوبتهم واعتذارهم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لمن تاب (حَلِيمٌ) (١٥٥) أي لا يعجل لهم بالعقوبة وأما الذين ثبتوا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم أربعة عشر رجلا ، سبعة من المهاجرين : أبو بكر وعلي وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والزبير بن العوام. وسبعة من الأنصار : الخباب بن المنذر ، وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحرث بن الصمة ، وسهل بن حنيف ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي في نفس الأمر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ) أي لأجل إخوانهم في النسب أو في الكفر والنفاق (إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أي ساروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا (أَوْ كانُوا غُزًّى) فقتلوا (لَوْ كانُوا عِنْدَنا) أي مقيمين في المدينة (ما ماتُوا) في سفرهم (وَما قُتِلُوا) في غزواتهم (لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ) أي ظنهم أن إخوانهم لو لم يسافروا ولم يحضروا القتال لعاشوا (حَسْرَةً) أي حزنا (فِي قُلُوبِهِمْ) واللام لام العاقبة أي أنهم قالوا ذلك لإعماء قلوب المسلمين ليضيق صدرهم وليتخلفوا عن القتال فلما كان المؤمنون لم يلتفتوا إلى قولهم فيضيع سعيهم ، ويبطل كيدهم فتحصل الندامة في قلوبهم (وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الخوف ، ويميت القاعد عن القتال والمقيم مع حيازتهما لأسباب السلامة (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (١٥٦) فيجازيهم على قولهم واعتقادهم ويجازيكم أن تماثلوهم في ذلك (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في الجهاد (أَوْ مُتُّمْ) في سفركم للغزو مع الكفار أو في بيوتكم وكنتم مخلصين من النفاق (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ) لذنوبكم (وَرَحْمَةٌ) منه لكم (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (١٥٧) أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا من الأموال التي تعد خيرات.
وقرأ حفص عن عاصم بالغيبة أي خير مما يجمعه هؤلاء الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم. قال الفخر الرازي : والأصوب عندي أن اللام في «ولئن» للتأكيد فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا أو تقتلوا في سفركم وغزوكم فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة والرحمة فلما ذا تحترزون عن الموت والقتل بل ذلك مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون لأن الموت الذي يستحق الثواب العظيم كان خيرا من الموت من غير فائدة (وَلَئِنْ مُتُّمْ) في حضر أو سفر (أَوْ
قُتِلْتُمْ) في الجهاد أو غيره (لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) (١٥٨) فجميع العالمين يوفقون في عرصة القيامة وبساط العدل فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل والله تعالى يحكم بين عبيده بالعدل.
واعلم أن الله تعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالمغفرة والرحمة وفي هذه الآية بالحشر إلى الله زيادة في إعلاء الدرجات.
يروى «أن عيسى ابن مريم مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ورأى عليهم آثار العبادة فقال : ماذا تطلبون؟ فقالوا : نخشى عذاب الله ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا : نطلب الجنة والرحمة ، فقال : هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ورأى آثار العبودية عليهم أكثر فسألهم فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقّون». فقوله تعالى : (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ) إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه. وقوله : (وَرَحْمَةٌ) إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه. وقوله تعالى : (لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية وهذا أعلا المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة ، فهؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعة الله ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه واستئناسهم بكرمه وتمتعهم بشروق نور ربوبيته (فَبِما رَحْمَةٍ) فما استفهام للتعجب تقديره فبأي رحمة (مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ) وذلك لأنه لما كانت جنايتهم عظيمة ثم إنه صلىاللهعليهوسلم لم يظهر تغليظا في القول ألبتة علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) باللسان (غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي قاسية (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) أي لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك ولو يسكنوا إليك ولو انفضوا من حولك فات المقصود من الرسالة (فَاعْفُ عَنْهُمْ) فيما يتعلق بحقوقك (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) من الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) فإن المشاورة تقتضي شدة محبتهم له صلىاللهعليهوسلم لأنها تدل على رفعة درجتهم فترك المشاورة معهم إهانة لهم قال صلىاللهعليهوسلم : «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم». (فَإِذا عَزَمْتَ) عقب المشاورة على شيء (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في إمضاء أمرك على ما هو أصلح وليس التوكل إهمال التدبير بالكلية وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول بقلبه على عصمة الله وإعانته (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (١٥٩) عليه تعالى فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ) أي إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) أي يترك الله نصرتكم كيوم أحد (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) أي فلا أحد ينصركم على عدوكم من بعد
خذلانه تعالى (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٦٠) بالنصرة وغيرها (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين ، أي وما جاز لنبي أن يخون أمته في الغنائم.
قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة ، وقالوا : نخشى أن يقول النّبيّ صلىاللهعليهوسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال صلىاللهعليهوسلم لهم : «أ لم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟». فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا. فقال صلىاللهعليهوسلم : «ظننتم أنا نغفل فلا نقسم لكم». فنزلت هذه الآية. وقرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء وفتح الغين أي وما جاز لنبي أن يخان لأن الوحي كان يأتيه حالا فحالا فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا ولأن الخيانة في حقه صلىاللهعليهوسلم أفحش لأنه أفضل البشر ، ولأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر ، كما روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما وقعت في يده يوم حنين غنائم هوازن غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَ) أي يأت بالذي غله بعينه يحمله على عنقه (يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) أي تعطى وافيا (ما كَسَبَتْ) أي جزاء ما عملت من الغلول وغيره (وَهُمْ) أي كل نفس (لا يُظْلَمُونَ) (١٦١) بزيادة عقاب أو بنقص ثواب لأنه تعالى عادل في حكمه (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ) أي أمن اتقى فاتبع رضوان الله بالإيمان به والعمل بطاعته (كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ) أي كمن استحق سخطا من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته (وَمَأْواهُ) أي الغال أو من استوجب سخط الله (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٦٢) جهنم (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ) أي الفريقان مختلفون في درجات الثواب والعقاب في حكم الله وعلمه باختلاف مراتب الطاعات والمعاصي (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (١٦٣) أي بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم بحسبها (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي لقد أحسن إليهم (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي بعث آدميا ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله من أول العمر إلى آخره أنه ملازم الصدق والأمانة وهو صار شرفا للعرب وفخرا لهم ، وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليهالسلام كان مشتركا فيه اليهود والنصارى والعرب ، ثم إن اليهود يفتخرون بموسى والتوراة والنصارى يفتخرون بعيسى والإنجيل فما كان للعرب ما يقابل ذلك فلما بعث الله محمدا وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم. فهذا وجه الفائدة في قوله تعالى من أنفسهم : (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) أي القرآن. أي يبلغ الوحي من عند الله إلى الخلق بالأمر والنهي (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يطهرهم بالتوحيد من الشرك وبأخذ الزكاة من الذنوب ويكمل نظرهم بحصول المعارف الإلهية (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ) أي ظواهر الشريعة أو يعرفهم التأويل (وَالْحِكْمَةَ) أي محاسن الشريعة وأسرارها وعللها (وَإِنْ
كانُوا مِنْ قَبْلُ) أي والحال أنهم كانوا من قبل بعثته صلىاللهعليهوسلم (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١٦٤) أو المعنى وما كانوا من قبل مجيء محمد والقرآن إلا في ضلال بيّن وذلك لأن دين العرب قبل ذلك كان أرذل الأديان ـ وهو عبادة الأوثان ـ وأخلاقهم أرذل الأخلاق ـ وهو الغارة والنهب ، والقتل وأكل الأطعمة الرديئة ـ ثم لما بعث الله سيدنا محمدا صلىاللهعليهوسلم إليهم انتقلوا ببركته من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أحسنها ، وصاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطيباتها ولا شك أن هذا أعظم المنة. (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا) أي أقلتم متعجبين من أين أصابنا هذا ونحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق ومعنا الرسول وهم ينصرون دين الشرك بالله فكيف صاروا منصورين علينا وقد تقدم الوعد بالنصر حين أصابكم من المشركين نصف ما قد أصابهم منكم قبل. وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين ، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. (قُلْ هُوَ) أي حصول هذا الأمر (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي بشؤم معصيتكم بترككم المركز وحرصكم على الغنيمة (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٦٥) فإنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم كما هو قادر على التخلية بينكم وبين عدوكم إذا خالفتم وعصيتم (وَما أَصابَكُمْ) في أحد من القتل والجراحة (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) جمع محمد وجمع أبي سفيان (فَبِإِذْنِ اللهِ) أي فهو بقضائه وإرادته (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٦٦) (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ) أي وليظهر الله للناس الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاق والامتناع من الجهاد مع وجود الطلب. وهم عبد الله بن أبي وأصحابه حيث رجعوا يوم أحد إلى المدينة قال لهم عبد الله بن جبير أو عبد الله بن عمرو بن حرام ـ والد جابر بن عبد الله الأنصاري ـ : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو (تَعالَوْا) إلى أحد (قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا) أي كونوا إما من رجال الدين وإما من رجال الدنيا فإن كان في قلبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا لهما في طاعة الله ، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم وبلدكم. (قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً) أي لو نحسن قتالا ونقدر عليه (لَاتَّبَعْناكُمْ) إلى أحد (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) أي هم للكفر يوم إذ قالوا ما قالوا أقرب منهم للإيمان ، فإنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين وأيضا قولهم ذلك يدل على كفرهم لأنه إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبيّ صلىاللهعليهوسلم وكل واحد منهما كفر. (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) فإنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحد منهما. أحدهما : عدم العلم بالقتال. والآخر : الاتباع على تقدير العلم به. وقد كذبوا فيهما فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع بل كانوا مصرين على الانخزال عازمين على الارتداد. (وَاللهُ
أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) (١٦٧) أي يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره (الَّذِينَ قالُوا) أي الذين نافقوا ، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه (لِإِخْوانِهِمْ) أي لأجل إخوانهم وهم من قتل يوم أحد من جنسهم أو أقاربهم (وَ) قد (قَعَدُوا) عن القتال بالانخذال : (لَوْ أَطاعُونا) أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك (ما قُتِلُوا) كما لا نقتل (قُلْ) للمنافقين (فَادْرَؤُا) أي ادفعوا (عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٦٨) في أن القعود ينجي منه.
وروي أنه أنزل الله بهم الموت ، فمات منهم يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا من غير قتال ومن غير خروج لإظهار كذبهم (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً) نزلت هذه الآية في حق قتلى أحد وكانوا سبعين رجلا : أربعة من المهاجرين : حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ، وشماس بن عثمان ، وعبد الله بن جحش ، وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأما شهداء بدر فنزلت فيهم آية البقرة ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله الآية (بَلْ) هم (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (١٦٩) التحف من الجنة.
روي عن ابن عباس رضياللهعنهما أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال في صفة الشهداء إن أرواحهم في أجواف طير خضر وأنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أ لا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله». ثم قال : «ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟» فقال : يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى. (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) وهو شرف الشهادة والقرب من الله والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١٧٠) أي أن الشهداء يقول بعضهم لبعض تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله ، فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا. أي يفرحون بحسن حال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا بدوام انتفاء الخوف والحزن وبلحوقهم بهم لأن الله بشرهم بذلك (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ) أي بثواب أعمالهم من الله (وَفَضْلٍ) أي زيادة عظيمة من الكرامة (وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٧١) من الشهداء وغيرهم (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ) في أحد. منهم : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، والزبير وسعد وطلحة وابن عوف وابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح وجابر بن عبد الله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) في طاعة الرسول في ذلك الوقت (وَاتَّقَوْا) في التخلف عن الرسول (أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٧٢).
روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم! بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم. فهموا
بالرجوع ، فبلغ ذلك الرسول صلىاللهعليهوسلم فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة.فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال : «لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال بالأمس» فخرج الرسول صلىاللهعليهوسلم مع قوم من أصحابه قيل : كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال على يسار الطريق لمن أراد ذا الحليفة ، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر ، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت هذه الآية : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) وهو أعرابي من خزاعة أو جماعة راكبون من عبد القيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي (إِنَّ النَّاسَ) أي أبا سفيان وأصحابه (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) في اللطيمة وهي سوق في قرب مكة (فَاخْشَوْهُمْ) بالخروج إليهم.
روي أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر إن شئت. فقال صلىاللهعليهوسلم لعمر : «قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى». فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، فألقى الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع ، فمر به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين ، وقيل : لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال : يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب وقد بدا لي أن أرجع ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان ، فقال لهم : أين تريدون؟ فقالوا : واعدنا أبا سفيان بموسم بدر أن نقتتل فيها ، فقال لهم : ما هذا بالرأي! أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم ، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد. فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم فكره الخروج. فلما عرف الرسول صلىاللهعليهوسلم ذلك قال : «والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو لم يخرج معي أحد». فخرج في سبعين راكبا ، وباقي الجماعة يمشون وفيهم ابن مسعود فذهبوا وكلهم يقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل. إلى أن وصلوا إلى بدر وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلىاللهعليهوسلم ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق أحدا من المشركين ، ووافقوا السوق وباعوا ما كان معهم من التجارات واشتروا أدما وزبيبا بحوافي الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى: (فَزادَهُمْ إِيماناً) أي زادهم هذا الكلام المخوف جراءة بالخروج إليهم وعزما متأكدا على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول (وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ) أي كافينا الله وثقتنا به (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (١٧٣) أي الكفيل بالنصرة والكافي (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ) أي فخرجوا إلى بدر فرجعوا من بدر ملتبسين بسلامة وثواب من الله (وَفَضْلٍ) أي ربح في التجارة (لَمْ يَمْسَسْهُمْ) أي لم يصبهم في الذهاب والمجيء (سُوءٌ) أي قتل ولا جراح (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ) في طاعة رسوله (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (١٧٤) يدفع العدو عنهم ويعطيهم ثواب الغزو ويرضى عنهم (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ).
قرأ ابن عباس وابن مسعود «يخوفكم أولياءه». وقرأ أبي بن كعب «يخوفكم بأوليائه» ، أي ذلكم المثبط الشيطان يحوفكم أيها المؤمنون المشركين أبا سفيان وأصحابه.
وقال الحسن والسدي : معنى هذه الآية الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويختارون أمره ـ وهم المنافقون ـ ليقعدوا عن قتال المشركين. فأما أولياءه الله فإنهم لا يخافون الكفار إذا خوّفهم الشيطان ولا ينقادون لأمره (فَلا تَخافُوهُمْ) أي أولياء الشيطان بالخروج إليهم (وَخافُونِ) في مخالفة أمري بالجلوس (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٧٥) فإن الإيمان يقتضي تقديم خوف الله على خوف الناس ويستلزم عدم الخوف من شر الشيطان وأوليائه (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ).
قرأ نافع «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي في جميع ما في القرآن إلا قوله تعالى (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) [الآية : ١٠٣] في سورة الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي كباقي القراء في جميع ما في القرآن (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً). اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية فقيل : إنها نزلت في شأن كفار قريش والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم. والمعنى لا يحزنك من يسارع في الكفر بنصرته بأن يقصد جمع العساكر بمحاربتك وإبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة. وهذا المقصود لا يحصل لهم بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ويعظم أمرك ويعلو شأنك فإنهم لن يضروا الله شيئا بهذا الصنيع وإنما يضرون أنفسهم. وقيل : نزلت في شأن المنافقين إنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصر والظفر. وقيل : نزلت في شأن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلىاللهعليهوسلم لمتاع الدنيا (يُرِيدُ اللهُ) بذلك (أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) من الثواب (فِي الْآخِرَةِ) أي الجنة (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٧٦) في النار (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٧)
قال ابن عباس : هم المنافقون اختاروا الكفر على الإيمان فإنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان ، فإذا خلوا إلى شيطانهم كفروا وتركوا الإيمان فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. ويمكن حمل هذه الآية على اليهود ، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم أنهم كانوا يعرفون النبيّ صلىاللهعليهوسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ، ويستنصرون به على أعدائهم فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) أي نمهل لهم بتطويل الأعمار (خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) أي ذنبا في الدنيا ودركات في الآخرة (وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (١٧٨) يهانون به يوما فيوما وساعة بعد ساعة.
قال الفخر الرازي : بيّن الله تعالى في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين عن القتال ليس
خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا في أحد لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة. وقتل أولئك الذين قتلوا في أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو في الأربعة : «ولا تحسبن الذين كفروا» ، ولا تحسبن الذين يبخلون ، لا تحسبن الذين يفرحون فـ «لا تحسبنهم» بالتاء وضم الباء في قوله تعالى : «تحسبنهم».
وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله : «فلا تحسبنهم» فإنه بالتاء. وقراءة حمزة كلها بالتاء. وقيل : نزلت الآية من قوله : (وَلا يَحْزُنْكَ) إلى هاهنا في حق مشركي أهل مكة يوم أحد. (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ) أي ليترك المخلصين (عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أيها الناس من اختلاط المنافقين بالمخلصين وإظهارهم أنهم من أهل الإيمان (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ) أي المنافق (مِنَ الطَّيِّبِ) أي المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وتصديق الرسول صلىاللهعليهوسلم ، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره أو بالقرائن فإن المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته والمنافقين كانوا يغتمون بذلك (وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي إن عادة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات من التكاليف الشاقة كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب فهو من خواص الأنبياء فلهذا قال تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) فخصّهم بإعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق ، أو المعنى فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان. أو المعنى وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة ، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) أي لما طعن المنافقون في نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم بوقوع الحوادث المكروهة في أحد بين الله تعالى أنه كان فيها مصالح منها تمييز الخبيث من الطيب ، ولم يبق بعد جواب هذه الشبهة إلا أن تؤمنوا بالله ورسله (وَإِنْ تُؤْمِنُوا) حق الإيمان (وَتَتَّقُوا) أي الكفر والنفاق (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٧٩) أي ثواب وافر في الجنة (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) أي لا يتوهمن هؤلاء البخلاء ببذل المال في الجهاد أن بخلهم هو خير لهم بل هو شرّ لهم لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي سيجعل ذلك المال طوقا من النار في عنقهم. وقيل : إن المراد البخل بالعلم وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلىاللهعليهوسلم فكان ذلك الكتمان بخلا فحينئذ كان معنى سيطوقون أن
الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار. قال صلىاللهعليهوسلم : «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة» (١). والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. (وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي له تعالى ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ) من البخل والسخاء (خَبِيرٌ) (١٨٠) فيجازيكم عليه أو فيجازيهم عليه. (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا) أي فنحاص بن عازوراء ـ كما قاله ابن عباس والسدي ـ أو حيي بن أخطب ـ كما قاله قتادة ـ أو كعب بن الأشرف كما نقله ابن عساكر.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فقال فنحاص اليهودي : إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لو لا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. فشكاه إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأنكر ما قاله فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضياللهعنه والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك : (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ) محتاج يطلب منا القرض (وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) ولا نحتاج إلى قرضه (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) أي من العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة ليقرأوا ذلك يوم القيامة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله ، أو المراد سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة جهلهم وطعنهم في نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم بكل ما قدروا عليه (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) في اعتقادهم كما في نفس الأمر أي نكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء بغير جرم. أو المعنى سنحفظ عن الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم (وَنَقُولُ) عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب أو عند الإلقاء في النار ويحتمل أن يكون هذا القول كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن هناك قول.
وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها على لفظ ما لم يسم فاعله وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء. والباقون بالنون ونصب اللام من قتلهم. وقرأ الحسن والأعرج «سيكتب» بالياء وبالبناء للفاعل (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (١٨١) أي المحرق (ذلِكَ) أي العذاب المحرق (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي بسبب ما اقترفتموه من التفوه بتلك العظيمة وغيره من المعاصي (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (١٨٢) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. (الَّذِينَ قالُوا) نصب على الذم أو جر نعتا لـ «الّذين» الأول. أي لقد سمع الله قول الذين قالوا.
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب العلم ، باب : كراهية منع العلم ، والترمذي في كتاب العلم ، باب : ٣ ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : من سئل عن علم فكتمه ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٦٣).
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حق كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوت ، وفنحاص بن عازوراء ، وحيي بن أخطب وغيرهم ، أتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ويكون لها دوي خفيف تنزل من السماء ، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية : (إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا) أي أمرنا في الكتاب (أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ) أي لا نصدق أحدا بالرسالة (حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) ما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل حيث كان يقرب بالقربان من النعم أو من الصدقات ـ غير الحيوان ـ فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل واقفون حول البيت ، فتنزل نار بيضاء أي لا دخان لها ولها دوي ، فتأكل القربان أي تحرقه وهذا من أباطيلهم فإن أكل النار القربان لم يجب الإيمان إلا لكونه معجزة ، فهو وسائر المعجزات سواء. وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلىاللهعليهوسلم وطلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ولذلك رد الله عليهم بقوله : (قُلْ) يا أشرف الخلق (قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ) أي بالمعجزات الواضحة (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) وهو القربان الذي تأكله النار (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٨٣) في مقالتكم إنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهمالسلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) في أصل النبوة والشريعة فتسل (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ) أي المعجزات (وَالزُّبُرِ) أي الصحف كصحف إبراهيم وموسى (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) (١٨٤) أي الواضح وهو التوراة والإنجيل والزبور.
وقرأ ابن عامر «بالزبر» بإعادة الباء كقراءة ابن عباس دلالة على المغايرة. وقرأ هشام «وبالكتاب» بإعادة الباء. والباقون بغير الباء فيهما (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أي كل حيوان حاضر في دار التكليف يذوق الموت. وروي عن الحسن أنه قرأ «ذائقة الموت» بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الأعمش بطرح التنوين مع نصب «الموت». (وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي وإنما تعطون أجزية أعمالكم على التمام يوم قيامكم من القبور. وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما يدل عليه قوله صلىاللهعليهوسلم : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» (١) (فَمَنْ زُحْزِحَ) أي أبعد (عَنِ النَّارِ) بالتوحيد والعمل الصالح (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ) أي نال غاية مقصوده. وقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «من أحبّ أن يزحزح عن النار
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب القيامة ، باب : ٢٦.
ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (١). (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) (١٨٥) أي ليس ما في الدنيا من النعيم إلا كمتاع البيت في بقائه مثل الخزف والزجاجة وغير ذلك أي إن العيش في هذه الدنيا يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب ، وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم. قال بعضهم : الدنيا ظاهرها مطيّة السرور وباطنها مطية الشرور. قال سعيد بن جبير : إن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب الآخرة بها فإنها نعم المتاع (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) أي والله لتختبرن في ذهاب أموالكم بالمهلكات كالغرق والحرق وبالتكاليف كالزكاة والجهاد ، وفي ما يصيب أنفسكم من البلايا كالأمراض والأوجاع والقتل والضرب ومن التكاليف كالصلاة والج هاد والصبر فيهما. (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) أي ولتسمعن من اليهود والنصارى ومشركي العرب : أنواع الإيذاء من الطعن في الدين الحنيف ، والقدح في أحكام الشرع الشريف ، وصدّ من أراد أن يؤمن ، وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتشبيب نسائهم ، وتحريض المشركين على مضادة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ونحو ذلك مما لا خير فيه. (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على تلك البلوى وأذى الكفار وتستعملوا احتمال المكروه ومداراة الكفار في كثير من الأحوال (وَتَتَّقُوا) أي تحترزوا عما لا ينبغي وعن المداهنة مع الكفار وعن السكوت عن إظهار الإنكار (فَإِنَّ ذلِكَ) أي الصبر والتقوى (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (١٨٦) أي من حزم أمور المؤمنين وخيرها ومن صواب التدبير. أو المعنى فإن ذلك ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به ومما يجب أن يعزم عليه كل أحد لأنه حميد العاقبة. (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) أي واذكر وقت أخذه تعالى العهد على علماء اليهود والنصارى لتذكرن الآيات الدالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم من التوراة والإنجيل وللناس ، ولا تلقوا فيها التأويلات الفاسدة والباطلة.
قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بالغيبة في الفعلين. والباقون بالخطاب فيهما. (فَنَبَذُوهُ) أي طرحوا الميثاق (وَراءَ ظُهُورِهِمْ) أي فلم يعملوا به (وَاشْتَرَوْا بِهِ) أي الكتاب (ثَمَناً قَلِيلاً) أي شيئا تافها من الدنيا أي أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) (١٨٧) أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي للناس وكتم
__________________
(١) رواه ابن ماجة في كتاب الفتن ، باب : ما يكون من الفتن ، ومسلم في كتاب الإمارة ، باب : ٤٦ ، والنّسائي في كتاب البيعة ، باب : ذكر ما على من بايع الإمام وأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٦١).
شيئا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ، وتطييب قلوبهم أو لجر منفعة أو لخوف ، أو لبخل للعلم دخل تحت هذا الوعيد. قال صلىاللهعليهوسلم : «من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار» (١). وعن محمد بن كعب قال : لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. وكان قتادة يقول : طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه. (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) أي بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة وتفسيرها بتفسيرات باطلة (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) أي يحبون أن يوصفوا بالدين والفضل والعفاف والصدق. (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ) أي بمباعدة (مِنَ الْعَذابِ).
وقيل : نزلت هذه الآية في شأن المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث إنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا ، ثم كانوا يتوقعون من النبيّ صلىاللهعليهوسلم أن يحمدهم على الإيمان الذي لم يكن موجودا في قلوبهم. ولا شك أن هذه الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله بالصبر على أذاهم فإن أكثر المنافقين كانوا من اليهود. والأولى إجراء الموصول على العموم فيشتمل على كل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على طاعة الله.
وقرأ حمزة وعاصم والكسائي «تحسبن» و «تحسبنهم» بالتاء الفوقية وكلاهما بفتح الباء ، والتقدير : لا تحسبن يا محمد أو أيها السامع أو كلاهما بضم الباء ، والخطاب للمؤمنين والمفعول الأول : «الذين يفرحون» ، والثاني : «بمفازة». وقوله تعالى : (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) تأكيد والفاء مقحمة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء التحتية ، وكلاهما بفتح الباء ، والفاعل للرسول وبضمها والفاعل من يتأتى منه الحسبان أو بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو ، والفاعل هو الموصول والمفعول الأول محذوف ، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما. أي لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين أو على أن الفعل الأول مسند للرسول أو لكل حاسب ومفعوله الأول الموصول والثاني محذوف مفعول الفعل الثاني عليه ، والفعل الثاني مسند إلى ضمير الموصول ، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب العلم ، باب : كراهية منع العلم ، والترمذي في كتاب العلم ، باب : ٣ ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : من سئل عن علم فكتمه ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٦٣).
حسبانهم على عدم حسبانه صلىاللهعليهوسلم ومفعولاه ما بعده (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٨٨) أي وجيع في الآخرة (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي له تعالى السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء إيجادا وإعداما ، إحياء وإماتة ، تعذيبا وإثابة ، وهو تعالى يملك ما فيهما من خزائن المطر والنبات والرزق (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٨٩) فلا يشذ من ملكوته شيء من الأشياء وكل ما سواه تعالى مقدور له تعالى. (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي في إنشائهما على ما هما عليه في ذواتهما وصفاتهما (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أي في تعاقبهما في وجه الأرض وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها. الناشئين من حركات السموات وسكون الأرض أو في تفاوتهما بازدياد وانتقاص باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في اختلافهما بحسب الأمكنة (لَآياتٍ) كثيرة عظيمة دالة على وحدانيته تعالى وقدرته تعالى (لِأُولِي الْأَلْبابِ) (١٩٠) أي لذوي العقول. المتفكرين في بدائع صنائع الملك الخلاق. المتدبرين في حكمه المودعة في الأنفس والآفاق. وعن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «بينما رجل مستلق على فراشه ، إذ رفع رأسه فنظر لى النجوم وإلى السماء وقال : أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له» (١). وقال : «لا عبادة كالتفكر»(٢).
وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة ، فعبد في تلك المدة فتى من فتيانهم فما أظلته سحابة ، فقالت له أمه : لعل فرطة صدرت منك في مدتك. فقال : ما أذكر. قالت : لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر! قال : نعم ، قالت : فما أتيت إلا من ذلك. (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) أي الذين لا يغفلون عن الله تعالى في جميع أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره تعالى ، واستغراق سرائرهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كل ما سواه فائض منه وعائد إليه فلا يشاهدون حالا من الأحوال في أنفسهم ولا في الآفاق إلا وهم يعاينون في ذلك شأنا من شؤونه تعالى. فالمراد ذكره تعالى مطلقا سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال وسواء قارنه الذكر اللساني أولا. وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر ليس لتخصيص الذكر بها بل لأنها الأحوال المعتادة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا. والمراد تعميم الذكر للأوقات. قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» (٣)
__________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن (١٠٥) ، والقرطبي في التفسير (٤ : ٣١٤).
(٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ : ٢٨٣) ، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٤ : ٢٢١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠ : ٣٠٢) ، وابن عبد البر فيه التمهيد (٦ : ٥٨) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٥ : ٦) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (١٨٨٧) ، والعراقي في
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وعلى وفق هذه الآية قوله صلىاللهعليهوسلم : «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» (١) أي لأن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة ، وإنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة. فإذا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل. وقوله صلىاللهعليهوسلم : «من عرف نفسه عرف ربه» (٢). معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب ، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء. فكان التفكر في الخالق ممكنا من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة فإذا لا تتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول : إنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا في الجهة. ولا شك أن حقيقة المخصوصة مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله فلهذا السبب نهى النبيّ صلىاللهعليهوسلم عن التفكر في الله وأمر بالتفكر في المخلوقات. فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآية بذكره ولم يأمر بالتفكر فيه بل أمر بالتفكر في مخلوقاته.
قال بعض العلماء : «الفكرة تذهب الغفلة وتجلب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع». وعن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تفضلوني على يونس بن متّى فإنه كان يرفع كل يوم مثل عمل أهل الأرض» (٣). أي وذلك لأن عمله هو التفكر في معرفة الله لأنه لا يقدر أحد أن يعمل بجوارحه مثل ما عمل أهل الأرض ، وإنما هو عمل القلب. واعلم أن دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أعظم وأعجب فلو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها ، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين ، ثم يتشعب منها عروق دقيقة ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسرارا عجيبة ، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة الورقة
__________________
المغني عن حمل الأسفار (١ : ٢٩٦) ، والسيوطي في الدر المنثور (٥ : ٢٠٥) ، والقرطبي في التفسير (١٥ : ٢٨٨).
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١ : ١٦٢) ، والسيوطي في الدر المنثور (٢ : ١١٠) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٥٧٠٦).
(٢) رواه السيوطي في الحاوي للفتاوي (٢ : ٤١٢) ، والعجلوني في كشف الخفاء (٢ : ٣٦٢) ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة (٣٥١).
(٣) رواه القاضي عياض في الشفا (١ : ٢٦٥) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢ : ١٠٥).
لعجز. فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة ، فإذا قاس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن ، والنبات والحيوان عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم ، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض. وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجلّ من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكما بالغة وأسرار عظيمة ولا سبيل له إلى معرفتها فعند هذا يقول : (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا) أي المخلوق العجيب (باطِلاً) أي بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ومدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد (سُبْحانَكَ) وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض أي إن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. وهو أن خالقها ما خلقها باطلا بل خلقها لحكم عجيبة وأسرار عظيمة وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها (فَقِنا عَذابَ النَّارِ) (١٩١) أي ادفع عنا عذاب النار لأنه جزاء من عصى ولم يطع. اعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى وأبدانهم في طاعة الله وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ذكر أنهم مع هذه الطاعة يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار لأنه يجوز على الله تعذيبهم لأنه لا يقبح من الله شيء أصلا (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي أهنته (وَما لِلظَّالِمِينَ) أي الكافرين (مِنْ أَنْصارٍ) (١٩٢) يمنعونهم من عذاب الله تعالى (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي سمعنا نداء مناد وهو كما قال محمد بن كعب القرآن المجيد يدعو الناس إلى الإيمان أي آمنوا بمتولي أموركم. (فَآمَنَّا) أي فامتثلنا أمره وأجبنا نداءه (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) أي كبائرنا (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) أي صغائرنا.
وقيل : المراد بالأول ما يزول بالتوبة ، وبالثاني ما تكفره الطاعة العظيمة. وقيل : المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية ، وبالثاني ما أتى به الإنسان مع جهله بذلك (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) (١٩٣) أي على مثل أعمالهم لنكون في درجاتهم يوم القيامة. أو المعنى توفنا على الإيمان ، واجمعنا مع أرواح النبيين والصالحين (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) والجار والمجرور متعلق بوعدتنا أي وعدتنا على تصديق رسلك أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف أي وعدتنا وعدا كائنا على ألسنة رسلك. وقيل : والمعنى وفقنا للأعمال التي نصير بها أهلا لوعدك من الثواب ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي (وَلا تُخْزِنا) أي لا تفضحنا (يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) (١٩٤) وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع
الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق وفي الآثار عن جعفر الصادق من حزبه أمر فقال : ربنا خمس مرات أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد واستدلّ بهذه الآية. (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) فيما سألوه من غفران الذنوب وإعطاء الثواب. (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ) وقرأ الجمهور بفتح الهمزة. وقرأ أبي بأني بالباء التي للسببية. وقرأ عيسى بن عمر بكسر الهمزة. والمعنى أني لا أبطل ثواب عمل عامل منكم. والمراد حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) فلا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا في التمسك بالطاعة على السوية (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية (فَالَّذِينَ هاجَرُوا) أي اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلىاللهعليهوسلم (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) أي ألجأهم الكفار إلى الخروج من منازلهم التي ولدوا فيها (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) أي بسبب طاعتي ومن أجل ديني وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا).
قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو «وقاتلوا» بالألف ، «وقتلوا» مخففة. والمعنى قاتلوا العدو معه صلىاللهعليهوسلم حتى قتلوا في الجهاد. وقرأ ابن كثير وابن عامر «وقاتلوا» بالألف ، «وقتلوا» مشددة لتكرر القتل فيهم. وقيل : معناه قطعوا. وقرأ حمزة والكسائي «وقتلوا» بغير ألف أولا ، «وقاتلوا» بالألف ثانيا ، أي وقد قاتلوا. (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) (١٩٥) أي إن الله تعالى وعد من فعل ذلك بأمور ثلاثة :
أولها : محو السيئات وغفران الذنوب. وذلك هو الذي طلبوه بقولهم فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.
وثانيها : إعطاء الثواب العظيم وهو دخول الجنان وهو الذي طلبوه بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك.
وثالثها : كون الثواب مقرونا بالتعظيم وهو المشار إليه بقوله تعالى : (مِنْ عِنْدِ اللهِ) وهو الذي طلبوه بقولهم : ولا تخزنا يوم القيامة. وقوله تعالى : (ثَواباً) مصدر مؤكد لمعنى ما قبله لأن معنى مجموع قوله تعالى : (لَأُكَفِّرَنَ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) لأثيبنهم. فكأنه قيل : لأثيبنهم إثابة من عند الله. وقوله تعالى : (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) تأكيد لكون الثواب في غاية الشرف.
روي أن أم سلمة قالت يا رسول الله : إني لم أسمع ذكر النساء في الهجرة فنزل قوله تعالى : (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) إلى هنا ولما قال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل قوله تعالى : (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) (١٩٦) أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر
والمزارع (مَتاعٌ قَلِيلٌ) أي الذي ترى من الخير منفعة يسيرة في الدنيا لا قدر لها في مقابلة ما أعد الله للمؤمنين من الثواب قال صلىاللهعليهوسلم : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» (١) رواه مسلم. (ثُمَّ مَأْواهُمْ) أي مصيرهم (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) (١٩٧) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم جهنم (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) من الشرك والمعاصي وإن أخذوا في التجارة (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) فلا يضرهم ذلك لكسب (نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي حال كون الجنات عطاء وإكراما من الله لهم كما تعد الضيافة للضيف إكراما (وَما عِنْدَ اللهِ) من الثواب الدائم (خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) (١٩٨) أي للموحدين مما يتقلب فيه الفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) أي القرآن (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) أي التوراة والإنجيل.
قال ابن عباس وجابر وقتادة نزلت هذه الآية في شأن أضحمة النجاشي حين مات وأخبر جبريل النبي صلىاللهعليهوسلم في ذلك اليوم بموته فقال النبيّ لأصحابه : «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» (٢) فخرج إلى البقيع وكشف الله له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه ، واستغفر له. فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه. وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في حق عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقال عطاء : نزلت في حق أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فأسلموا. وقال مجاهد : نزلت في حق مؤمني أهل الكتاب كلهم (خاشِعِينَ لِلَّهِ) أي متواضعين لله في الطاعة (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي لا يكتمون أمر الرسول ونعته كما يفعله غيرهم من أهل الكتاب لغرض المأكلة والرياسة (أُولئِكَ) أي المتصفون بصفات حميدة (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) في الجنة (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (١٩٩) أي سريع لإيصال الأجر الموعود إليهم من غير حاجة إلى تأمل لكونه عالما بجميع الأشياء فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) على مشقة الاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات نحو الفلاسفة وعلى مشقة أداء الواجبات والمندوبات وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات وعلى شدائد الدنيا من المرض والفقر والخوف. (وَصابِرُوا) على تحمل المكاره الواقعة بينكم وبين غيركم
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنّة ، باب : ٥٥ ، والترمذي في كتاب الزهد ، باب : ١٥ ، وابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : مثل الدنيا ، وأحمد في (م ٤ / ص ٣٩٥).
(٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ : ٣٨) ، والسيوطي في الدر المنثور (٢ : ١١٣) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٣ : ١١٧١).
فيدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من أهل البيت والأقارب والجيران ، وترك الانتقام ممن أساء والعفو عمن ظلم والإيثار على الغير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والمصابرة مع المبطلين وحل شبههم (وَرابِطُوا) أي جاهدوا القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة من الشهوة والغضب والحرص. أو المعنى انتظروا الصلاة بعد الصلاة (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة أمره وبتقوى الله يحصل دفع القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٢٠٠) أي كي تنتظموا في زمرة الفائزين بكل مطلوب الناجين من كل كروب فظهر أن هذه الآية مشتملة على علوم الأصول والفروع وعلى الحكم والأسرار.
سورة النساء
مدنية ، مائة وست وسبعون آية ، ثلاثة آلاف وسبعمائة واثنتان وستون
كلمة ، ستة عشر ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) بالتناسل (مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) أبيكم آدم (وَخَلَقَ مِنْها) أي من نفس آدم (زَوْجَها) أمكم حواء.
روي أنه تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم ، فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده. وقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» (١). (وَبَثَّ مِنْهُما) أي نشر من تلك النفس وزوجها بطريق التوالد (رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً) كثيرة. روى ابن جرير عن ابن إسحاق إن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطنا فمما حفظ من ذكورهم قابيل وهابيل ، وأباذ وشبوبه ، وهند ومرانيس وفحور وسند ، وبارق وشيث. ومن نسائهم أقليمة وأشوف وجزروه وعزورا.
قال ابن عساكر : وقد روي أن من بني آدم لصلبه عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث وودا ، وسواعا ويغوث ويعقوب ، ونسرا وجميع أنساب بني آدم ترجع إلى شيث وسائر أولاده انقرضت أنسابهم من الطوفان (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تساءلون» بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وحده «والأرحام» بجر الميم. والتقدير واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام. لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم. وربما أفرد ذلك فقال
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب : خلق آدم ـ صلوات الله عليه ـ وذرّيّته ، ومسلم في كتاب الرضاع ، باب : ٦١ ، والدارمي في كتاب النكاح ، باب : مداراة الرجل أهله ، أحمد في (م ٥ / ص ٨) ، والترمذي في كتاب الطلاق ، باب : ١٢.
أسألك بالرحم وأما قراءة الأرحام بالنصب فمعناه واتقوا الله بالتزام طاعته واجتناب معاصيه واتقوا الأرحام بوصلها وعدم قطعها فيما يتصل بالبر والإحسان والإعطاء. أو يقال : والزموا الأرحام وصلوها. وقد دلت الآية على جواز المسألة فيما بيننا بالله كقوله : بالله أسألك. روى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من سألكم بالله فأعطوه» (١). (إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (١) أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم على ذلك (وَآتُوا الْيَتامى) الذين بلغوا (أَمْوالَهُمْ) التي عندكم.
وقال أبو السعود : أي لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة سواء أريد باليتامى الصغار أو ما يعم الصغار والكبار. (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) أي لا تستبدلوا الحرام الذي هو مال اليتامى بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب بأن لا تتركوا أموالكم وتأكلوا أموالهم (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في حل الانتفاع بها فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. (إِنَّهُ) أي أكل مال اليتيم (كانَ حُوباً كَبِيراً) (٢) أي ذنبا عظيما عند الله. نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم. فنزلت هذه الآية. فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع ماله إليه. (وَإِنْ خِفْتُمْ) يا أولياء اليتامى (أَلَّا تُقْسِطُوا) أي أن لا تعدلوا (فِي الْيَتامى) إذا نكحتموهن (فَانْكِحُوا) غيرهن من الغرائب.
روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى). قالت : يا ابن أختي ، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ، ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها. فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن. وقال الحسن : كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها ، وهي لا تعجبه وإنما تزوجها كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيرثها فعاب الله عليهم ذلك وأنزل هذه الآية.
وروي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده نسوة وأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقيل لهم : لا تزيدوا على أربع
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب ، باب : في الرجل يستعيذ بالرجل ، والنّسائي في كتاب الزكاة ، باب : من سأل بالله عزوجل ، وأحمد في (م ٢ / ص ٦٨).
فإنهم كانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا تسعا أو عشرا ، وكان تحت قيس بن الحرث ثمان نسوة فحرم الله عليهم ما فوق الأربع. أي وإن خفتم ألا تعدلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق فأنكحوا (ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) أي فتزوجوا من استطابتها نفوسكم ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) ولا تزيدوا على أربع (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) بين هذه الأعداد في القسمة والنفقة كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الأعداد وكما لم تعدلوا في حق اليتامى (فَواحِدَةً) أي فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع.
وقرئ «فواحدة» بالرفع أي فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي من السراري فإنه لا قسمة لهن عليكم (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (٣) أي اختيار الحرة الواحدة أو التسري أقرب إلى أن لا تميلوا ميلا محظورا بالنسبة إلى ما عداهما والأمر يدور مع عدم الجور لا مع تحقق العدل. (وَآتُوا النِّساءَ) اللاتي أمرتم بنكاحهن (صَدُقاتِهِنَ) أي مهورهن (نِحْلَةً) أي فريضة من الله تعالى كما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب فقوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) أي أعطوهن مهورهن لأنها شريعة ودين ومذهب وما هو كذلك فهو فريضة وانتصاب نحلة على أنها مفعول له أو حال من الصدقات. (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) أي فإن وهبن لكم شيئا من الصداق بطيبة نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن أو سوء معاشرتكم معهن (فَكُلُوهُ) أي فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه (هَنِيئاً) أي حلالا بلا إثم (مَرِيئاً) (٤) أي بلا ملامة وعن عمر بن الخطاب رضياللهعنه أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً) أي ويا أيها الأولياء لا تؤتوا المبذرين من اليتامى الذين يكونون تحت ولايتكم أموالهم التي في أيديكم التي جعل الله الأموال معاشكم أي لا يحصل معاشكم إلا بهذا المال مخافة أن يضيعوها وأضاف الله المال إلى الأولياء من حيث إنهم ملكوا التصرف فيه لا لأنهم ملكوا المال ، ويكفي حسن الإضافة أدنى سبب (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) أي أنفقوا عليهم (وَاكْسُوهُمْ) وإنما قال الله فيها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بجعل بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم بأن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول المال (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٥) أي جميلا وهو كل ما سكنت إليه النفس من قول لحسنه شرعا أو عقلا كأن يقول الولي للصبي : مالك عندي وأنا خازن له فإذا رشدت سلمت إليك أموالك (وَابْتَلُوا الْيَتامى) أي واختبروا من لا يتبين منهم السفه قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء ، والمماسكة فيهما ، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوام بها ، والأنثى فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها. وحفظ متاع البيت وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها.
قال أبو حنيفة رضياللهعنه : تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى) أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم. وقال الشافعي ولا يصح عقد الصبي المميز بل يمتحن في المماسكة ، فإذا أراد العقد عقد الولي لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر فثبت عدم جواز تصرفه حال الصغر (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) أي إذا بلغوا مبلغ الرجل الذي يلزمه الحدود. وذلك بأن يحتلموا وإنما سمي الاحتلام ببلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع (فَإِنْ آنَسْتُمْ) أي عرفتم (مِنْهُمْ رُشْداً) أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير تبذير وعجز عن خديعة الغير (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) التي عندكم من غير تأخر عن حد البلوغ.
وقرئ «رشدا» بفتحتين و «رشدا» بضمتين. وعند الشافعي الصلاح يعتبر مع مصلح للمال في الدين بأن لا يرتكب كبيرة ولا يصر على صغيرة وعند أبي حنيفة هو غير معتبر وفائدة هذا الخلاف أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه (وَلا تَأْكُلُوها) أي أموال اليتامى أيها الأولياء (إِسْرافاً وَبِداراً) أي مسرفين بغير حق ومبادرين إلى إنفاقها (أَنْ يَكْبَرُوا) أي مخافة كبرهم فيمنعوكم عن ذلك وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا. (وَمَنْ كانَ) من الأولياء والأوصياء (غَنِيًّا) عن مال اليتيم (فَلْيَسْتَعْفِفْ) أي فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله (وَمَنْ كانَ) من الأولياء والأوصياء (فَقِيراً) محتاجا (فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أي بقدر أجرة خدمته لليتيم وعمله في مال اليتيم. ويقال : فليأكل بالمعروف أي بالقرض ثم إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية وهذا القرض في أصول الأموال أما نحو ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح لنحو الوصي إذا كان غير مضر بالمال وهذا قول أبي العالية وغيره. (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) أي اليتامى (أَمْوالَهُمْ) بعد البلوغ والرشد (فَأَشْهِدُوا) ندبا (عَلَيْهِمْ) عند الدفع فإن الإشهاد أبعد من الخصومة ولو ادّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه. أو قال : أنفقت عليه في صغره فقال مالك والشافعي : لا يصدق. وقال أبو حنيفة : يصدق مع اليمين. وقال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم وإنما هو مؤمن من جهة الشرع (وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً) (٦) أي شهيدا.
روي أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم : وقال ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى) إلى هنا. (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ) أي للأولاد والأقرباء الذكور صغارا أو كبارا حظ. (مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) المتوارثون منهم (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي المتوفون (مِمَّا قَلَ
مِنْهُ) أي مما تركوه (أَوْ كَثُرَ) وأتى بهذه الجملة لتحقيق أن لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق ولدفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة ، كالخيل وآلات الحرب للرجال. (نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) أي أعني نصيبا مقدرا مقطوعا بتسليمه إليهم فالوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض. وهذا إبطال لحكم الجاهلية فإنهم لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون : إنما يرث من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة وذكر الله في هذه الآية أن الإرث أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ثم ذكر التفصيل في قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ). (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) أي قسمة التركة (أُولُوا الْقُرْبى) أي قرابة الميت الذي ليس بوارث (وَالْيَتامى) أي يتامى المؤمنين (وَالْمَساكِينُ) أي مساكين المؤمنين من الأجانب (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي أعطوهم من المال المقسوم شيئا قبل القسمة (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٨) وهذا الإعطاء مندوب إذا كانت الورثة كبارا ، أما إذا كانوا صغارا فليس على الولي إلا القول المعروف كأن يقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون وإن يكبروا فسيعرفون حقكم أو يقول : سأوصيهم ليعطوك شيئا (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ) أي وليخف الذين يحضرون المريض على أولاد المريض إن تركوا بعد موتهم أولادا صغارا خافوا عليهم الضياع. وهذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا فأوص بمالك لفلان وفلان ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا. وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضى لأخيك المسلم عن أنس قال : قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١) (فَلْيَتَّقُوا اللهَ) في أمر اليتامى (وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (٩) أي عدلا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة والتأديب ويخاطبون لهم بقولهم : يا ولدي يا بني. وبأن يقولوا للمريض : إذا أردت الوصية فلا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك ، ويذكروه التوبة وكلمة الشهادة وبأن يلطف الورثة القول للحاضرين الذين لا يرثون حال قسمة الميراث (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) أي وجه الغضب (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) أي حراما يؤدي إلى النار. أو يقال : يجعل الله في بطونهم
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٧١ ، والبخاري في كتاب الإيمان ، باب : من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، والترمذي في كتاب القيامة ، باب : ٥٩ ، والنسائي في كتاب الإيمان ، باب : علامة الإيمان ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : في الإيمان ، والدارمي في كتاب الاستئذان ، باب : في حق المسلم على المسلم ، وأحمد في (م ١ / ص ٨٩).
نارا يوم القيامة بأن يخلق الله نارا يأكلونها في بطونهم (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) أي سيدخلون نارا وقودا لا يعرف غاية شدتها إلّا الله تعالى.
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وسيصلون بضم الياء. والباقون بالفتح. وقرئ شاذة بضم الياء وتشديد اللام. نزلت هذه الآية في شأن حنظلة بن شمردل. وقيل في شأن رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد : ولي مال يتيم ـ وكان اليتيم ابن أخيه ـ فأكله. (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) أي يبين الله لكم في ميراث أولادكم بعد موتكم.
روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين ، وامرأة وأخا. فأخذ الأخ المال كله فأتت المرأة وقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد وإن سعدا قتل وإن عمهما أخذ مالهما فقال صلىاللهعليهوسلم : «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عمهما وقال : «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» (١) فهذا أول ميراث قسم في الإسلام (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أي فإذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وإذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم ، وإذا كان مع الأولاد أبوان وأحد الزوجين فالباقي بعد سهام الأبوين وأحد الزوجين بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) أي فإن كانت بنات الصلب نساء خلصا بنتين أو أكثر فلتلك النساء ثلثا ما ترك المتوفى (وَإِنْ كانَتْ) أي الوارثة بنتا (واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ). وقرأ نافع واحدة بالرفع فكان تامة (وَلِأَبَوَيْهِ) أي الميت (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ) أي الميت (إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) ذكر أو أنثى ، أي فإن كان مع الأبوين ولد ذكر فأكثر أو بنتان فأكثر فلكل واحد من الأب والأم السدس وإن كان معها بنت فلها النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية. والسدس الباقي للأب أيضا بحكم التعصيب (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أي الميت (وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ). وذلك فرض لها والباقي للأب فيأخذ السدس بالفريضة والنصف بالتعصيب ، وإذا انفرد أخذ كل المال كما هو شأن العصبة. وإذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فللأم ثلث ما يبقى بعد فرضه ، والباقي للأب خلافا لابن عباس فإن للأم ثلث الكل عنده ، ووافقه ابن سيرين في الزوجة وخالفه في الزوج لأن الثلث فيه يفضي إلى كون نصيب الأنثى مثل نصيب الذكرين (فَإِنْ كانَ لَهُ) أي الميت (إِخْوَةٌ) اثنان فصاعدا من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما ذكور أو إناث وارثون أو محجوبون بالأب (فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ). والباقي للأب ولا شيء للأخوة ، وأما السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند
__________________
(١) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٣٠٥٨).
وجوده ولهم عند عدمه (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) أي هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية (يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق فأما إذا لم يكن دين أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت من ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله تعالى.
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «يوصى» بفتح الصاد. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد. (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل إليها طباعكم (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) أي فرض ذلك فريضة وهذا إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً) أي بالمصالح والرتب (حَكِيماً) (١١) في كل ما قضى وقدر.
قال ابن عباس : إن الله ليشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله تعالى من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة ، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته ليقرّ بذلك عينه ، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ولذا قال تعالى : (لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) لأن أحد المتوالدين لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ) من المال (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم والباقي لورثتهن (فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) وارث واحد أو متعدد (فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) من المال والباقي لباقي الورثة (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن وصية (يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ) أي أو من بعد قضاء دين عليهن (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) من المال (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن ، والباقي لبقية ورثتكم من أصحاب الفروض والعصبات أو ذوي الأرحام ، أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث آخر أصلا. (فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) من المال والباقي للباقين (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ) أي أو من بعد قضاء دين عليكم من المال (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ) أي ميت (يُورَثُ كَلالَةً) أي لا ولد له ولا والد (أَوِ امْرَأَةٌ) أي أو كانت امرأة تورث كلالة (وَلَهُ) أي الميت (أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) من أمه فقط (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) أي الأخ والأخت (السُّدُسُ) من غير تفضيل للذكر على الأنثى لأن الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة (فَإِنْ كانُوا) أي من يرث من الأخوة من الأم (أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ) أي من الواحد (فَهُمْ) أي الزائد على الواحد كيفما كانوا (شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) فالذكر والأنثى فيه سواء ، والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) للورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يقرّ بكل ماله أو ببعضه لأجنبي ، أو يقر على نفسه
بدين لا حقيقة له أو يقر بأن الدين الذي له على الغير قد وصل إليه أو يبيع شيئا بثمن بخس أو يشتري شيئا بثمن غال ، أو يوصي بالثلث لغرض تنقيص حقوق الورثة (وَصِيَّةً مِنَ اللهِ) أي فريضة من الله عليكم في قسمة المواريث. وقيل : المعنى وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الإسراف في الوصية ، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن «غير مضار وصية» بالإضافة. (وَاللهُ عَلِيمٌ) بمن جار أو عدل في وصيته (حَلِيمٌ) (١٢) على الجائر لا يعاجله بالعقوبة فلا يغتر بالإمهال (تِلْكَ) أي شؤون الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث (حُدُودُ اللهِ) أي أحكام الله (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ) في جميع الأوامر والنواهي (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) نصب على الظرفية عند الجمهور وعلى المفعولية عند الأخفش (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) حال من الهاء في يدخله وهي عائدة على «من» وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى ، فلهذا صح الوجهان. (وَذلِكَ) أي دخول الجنات على وجه الخلود (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١٣) الذي لا فوز وراءه (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ) ولو في بعض الأوامر والنواهي (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) أي يتجاوز أحكامه بالجور.
وقال الكلبي : أي ومن يكفر بقسمة الله المواريث ويتعد حدوده استحلالا. وقال عكرمة عن ابن عباس : من لم يرض بقسم الله تعالى ويتعد ما قال الله تعالى (يُدْخِلْهُ ناراً) أي عظيمة هائلة (خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) (١٤) أي وله مع عذاب الحريق الجسماني عذاب شديد روحاني.
وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بنون العظمة في الموضعين. والباقون بالياء. (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي اللاتي يفعلن الزنا كائنات من أزواجكم المحصنات فاطلبوا أن يشهد عليهن بفعله أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم.
وقرئ بالفاحشة (فَإِنْ شَهِدُوا) عليهن بذلك كما ينبغي (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) أي فخلدوهن محبوسات في بيوتكم (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) أي أن يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٥) أي أو إلى أن يشرع لهن حكما خاصا بهن ثم قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى»(١). (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) أي البكران اللذان يأتيان الفاحشة من أحراركم (فَآذُوهُما) بالتهديد والتعيير كأن يقال : بئس ما فعلتما وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه ، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة. ويخوفا بالرفع إلى الإمام وبالحد.
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الحدود ، باب : ١٤.
وقرأ ابن كثير «واللذان» بتشديد النون. (فَإِنْ تابا) عما فعلا من الفاحشة بعد زواجر الأذية (وَأَصْلَحا) أعمالهما فيما بينهما وبين الله (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) أي اتركوا إيذاءهما (إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً) أي كثير القبول للتوبة ممن تاب (رَحِيماً) (١٦) أي واسع الرحمة. وقد نسخ الإيذاء باللسان للفتى والفتاة بجلد مائة. وقال أبو مسلم الأصفهاني والمراد بقوله تعالى : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ) السحاقات حدّهن الحبس إلى الموت أو إلى أن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح. والمراد بقوله تعالى : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) أهل اللواط وحدّهما الأذى بالقول والفعل. (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) أي إنما التوبة التي يجب على الله قبولها وجوب الكرم والفضل لا وجوب الاستحقاق للذين يعملون المعصية مع عدم علمه بأنها معصية لكن يمكنه تحصيل العلم بأنها معصية. (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي من زمان قريب وهو ما قبل معاينة سبب الموت وأهواله (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي يتجاوز الله عنهم (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والجهالة عليه. (حَكِيماً) (١٧) بأن العبد لما كان من صفته ذلك ، ثم تاب قبل سوق الروح فإنه يجب في الكرم والإحسان قبول توبته (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) أي وليس التوبة للذين يعملون الذنوب إلى حضور موتهم أي علامات قربه وقولهم حينئذ : (إِنِّي تُبْتُ الْآنَ). ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق.
روى أبو أيوب عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١) أي ما لم تتردد الروح في حلقه. وقال عطاء : ولو قبل موته بفواق الناقة. وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده فقال الله : «وعزّتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر» (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أي وليس قبول التوبة للذين يموتون على الكفر إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب (أُولئِكَ) أي الكفار (أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٨) بيان لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال نزلت هذه الآية في حق طعمة وأصحابه الذين ارتدوا. قاله ابن عباس. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ) أي عين النساء (كَرْهاً) أي لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه. نزلت هذه الآية في حق أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال :
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب : ٩٨ ، وابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : ذكر التوبة ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٣٢).
ورثت امرأته كما ورثت ماله فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها فإن شاء تزوّجها بغير صداق وإن شاء زوجها من إنسان آخر ، وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قرأ حمزة والكسائي «كرها» بضم الكاف هنا. وكذا في التوبة وفي الأحقاف. وقرأ عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر في الأحقاف بالضم. والباقون بالفتح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك. قال الفراء : الكره بالفتح الإكراه ، وبالضم المشقة فما أكره عليه فهو كره بالفتح ، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم (وَلا تَعْضُلُوهُنَ) أي وكذلك لا يحل لكم بعد التزويج بهن الحبس والتضييق (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ) من المهر (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ). وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بفتح الباء. والباقون بالكسر أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة ، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب إلا أن يفحشن عليكم. والمعنى لا يحل لكم أن تضيقوا الأمر عليهن لعلة من العلل إلا لإتيانهن بالنشوز فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (١٩) أي فإن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف ولا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك فقد قربت كراهتكم شيئا أي معهن مع كون الله جعل في صحبتهن خيرا كثيرا ، كحصول ولد فتنقلب الكراهة محبة. وكاستحقاق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا للإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ) أي وإن أردتم تزوج امرأة ترغبون فيها بدل امرأة تنفرون عنها بأن أردتم أن تطلقوها (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) أي وقد أعطيتم إحدى الزوجات التي تريدون أن تطلقوها مالا كثيرا من الصداق (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ) أي من ذلك القنطار (شَيْئاً) أي يسيرا. أي إن كان سوء العشرة من قبل الزوج كره له أن يأخذ شيئا من مهرها ، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع ، وإن كان من قبل المرأة فيحل أخذ بدل الخلع (أَتَأْخُذُونَهُ) أي المهر (بُهْتاناً) أي ظلما (وَإِثْماً مُبِيناً) (٢٠) أي حراما بينا أي إن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر.
روي أن الرجل إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) أي ولأي وجه تأخذون المهر وقد اجتمعتم في لحاف واحد فإنها قد بذلت نفسها لك ، وجعلت ذاتها لذّتك وتمتعك. وحصلت الألفة التامة بينكما فكيف يليق بالعاقل أن
يسترد منها شيئا؟ فهذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم! (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) (٢١).
قال ابن عباس ومجاهد : وهو كلمة النكاح المعقودة على الصداق وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء قال صلىاللهعليهوسلم : «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (١). وهذا الإسناد مجاز عقلي من الإسناد للسبب لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له أي وقد أخذ الله عليكم العهد بسببهن (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم من النساء فإنه موجب للعقاب إلا ما قد مضى قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه ويقال : ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي شهود وكانت موقتة ، وعلى سبيل القهر. وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية. وقيل : المعنى لا تزوجوا امرأة وطئها آباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة فإنه يجوز للابن تزوجها كما نقل هذا المعنى عن ابن زيد ، وكما قال أبو حنيفة : يحرّم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه لهذه الآية.
وقال الشافعي : لا يحرم (إِنَّهُ) أي نكاح نساء الآباء (كانَ فاحِشَةً) أي قبيحا لأن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش (وَمَقْتاً) أي ممقوتا عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقتى. (وَساءَ سَبِيلاً) (٢٢) أي بئس مسلكا. نزلت هذه الآية في حق محصن بن قيس الأنصاري. واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول ، وفي الشرائع ، وفي العادات. فقوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) إشارة إلى القبح العقلي. وقوله تعالى : (وَمَقْتاً) إشارة إلى القبح الشرعي. وقوله : (وَساءَ سَبِيلاً) إشارة إلى القبح العادي. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) من النسب (وَبَناتُكُمْ) من النسب (وَأَخَواتُكُمْ) من النسب من أي وجه يكن (وَعَمَّاتُكُمْ) أي أخوات آبائكم (وَخالاتُكُمْ) أي أخوات أمهاتكم (وَبَناتُ الْأَخِ) من النسب من أي وجه يكن (وَبَناتُ الْأُخْتِ) من النسب من أي وجه يكن (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) في الحولين خمس رضعات متفرقات عند الشافعي وابن حنبل. وقال أبو حنيفة ومالك : يحصل التحريم بمصة واحدة وفاقا للأوزاعي ولسفيان الثوري ،
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الحج ، باب : ١٤٧ ، وأبو داود في كتاب المناسك ، باب : صفة حجة النبي صلىاللهعليهوسلم ، وابن ماجة في كتاب المناسك ، باب : حجة الرسول صلىاللهعليهوسلم ، والدارمي في كتاب المناسك ، باب : في سنة الحاج ، وأحمد في (م ٥ / ص ٧٣).
وعبد الله بن المبارك كقول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب (وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) وهي من أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) من نسب أو رضاع سواء دخل بزوجته أم لا؟ (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) أي بنات نسائكم اللاتي ربيتم في بيوتكم (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ) أي جامعتموهن سواء كان ذلك بعقد صحيح أو فاسد (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) في نكاح الربائب بعد طلاق أمها أو موتها (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) أي ونساء أبنائكم الذين من أولاد فراشكم دون نساء الأولاد الأدعياء.
قال الشافعي : لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لأنها حليلته.
وقال أبو حنيفة : يجوز واتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ، كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بذلك (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) بالنكاح وبالوطء في ملك اليمين لا في نفس ملك اليمين. قال الشافعي : نكاح الأخت في عدة البائن جائز لأنه لم يوجد الجمع. وقال أبو حنيفة : لا يجوز (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي قد مضى في الجاهلية فإنه مغفور لكم (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً) فيما كان منكم في الجاهلية (رَحِيماً) (٢٣) أي فيما يكون منكم في الإسلام إذا تبتم. (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي وحرّم عليكم نكاح ذوات الأزواج كائنات من جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا فإنهن حلال لكم بعد ما استبرأتم أرحامهن بحيضة ، وإن كان أزواجهن في دار الحرب واختلف القراء في كلمة المحصنات سواء كانت معرّفة بال أم نكرة. فقرأ الجمهور بفتح الصاد ، والكسائي بكسرها في جميع القرآن إلّا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا فيها على الفتح. والمعنى أحصنهن الأزواج بالتزوج ، أي أعفوهن عن الوقوع في الحرام والأولياء أعفوهن عن الفساد بالتزويج وهن يحصن أزواجهن عن الزنا ويحصن فروجهن عن غير أزواجهن بعفافهن (كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله. أو المعنى الزموا كتاب الله (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ).
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «وأحل لكم» بالبناء للمفعول عطفا على قوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) والباقون «وأحل» بالبناء للفاعل عطفا على «كتاب الله» أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها. ومحل أن تبتغوا رفع على البدل من ما على القراءة الأولى ، ونصب على القراءة الثانية. وقوله : (مُحْصِنِينَ) حال. وقيل : خبر كان الناقصة. والمعنى وأحل لكم ما سوى المحرمات المعدودة أن تطلبوا النساء بصرف أموالكم المهور أو الأثمان على طريق النكاح إلى الأربع أو التسري للإماء حال كونكم متعففين عن الزنا وغير زانين وهذا تكرير للتأكيد.
وقيل : المعنى كونوا مع النساء متزوجين أو متسرين (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) أي فأي فعل استنفعتم به من جهة المنكوحات مكن جماع أو عقد فأعطوهن مهورهن لأجله. بالتمام إن استنفعتم بالدخول ولو مرة ، وبالنصف إن استنفعتم بعقد النكاح. (فَرِيضَةً) أي حال كون أجورهن مفروضة من الله عليكم (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ) أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة المطلقة قبل الدخول تمام المهر أو فيما تراضيا به من نفقة ونحوها (مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي من بعد ذكر المقدار المعين (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً) بمصالح العباد (حَكِيماً) (٢٤) فلا يشرع الأحكام إلّا على وفق الحكمة وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ) أيها الأحرار (طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) أي الحرائر (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) أي من إمائكم المؤمنات فقوله تعالى : (أَنْ يَنْكِحَ) إما مفعول لطولا ، وإما بدل منه ، وإما مفعول ليستطع وطولا مصدر مؤكد له ، لأنه بمعناه إذ الاستطاعة هي الطول ـ أي الفضل ـ والزيادة في المال أو تمييز. أي ومن لم يستطع منكم زيادة في المال يبلغ بها نكاح الحرائر فلينكح الإماء. أو المعنى ومن لم يستطع منكم استطاعة نكاحهن. أو المعنى من لم يستطع منكم من جهة سعة المال لا من جهة الطبيعة نكاح الحرة فلينكح الأمة لأنها في العادة تخف مهورها ونفقتها لاشتغالها بخدمة السيد ، بخلاف الحرة الفقيرة. ويقال للمرأة الحديثة السن : فتاة. وللغلام : فتى. والأمة : تسمى فتاة ، سواء كانت عجوزا أم شابة لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.
وقال مجاهد وسعيد والحسن ومالك والشافعي : لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية سواء كان الزوج حرا أو عبدا. وقال أبو حنيفة : يجوز. (وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ) أي إنه تعالى أعلم منكم بمراتبكم في الإيمان فربّ أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر. فاعلموا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله يتولى السرائر والحقائق (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم الفضائل فإذا حصل الاشتراك في ذلك كان التفاوت فيما وراءه غير معتبر.
روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ثلاث من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب. والفخر بالأحساب. والاستسقاء بالأنواء» (١). (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ) أي سيدهن (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي أعطوهن مهورهن على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل (مُحْصَناتٍ) أي عفائف عن الزنا وهي حال مفعول فأنكحوهن (غَيْرَ مُسافِحاتٍ) أي غير مؤجرة
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنائز ، باب : ٢٩ ، وأبو داود في كتاب الأدب ، باب : التفاخر بالأحساب ، وأحمد في (م ٥ / ص ٣٤٢).
نفسها مع أي رجل أرادها (وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) أي غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهن سرا (فَإِذا أُحْصِنَ) أي زوجهن. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل أي «أسلمن» ، كما قال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي. (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ) أي فإن فعلن زنا (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ) أي فثابت عليهن شرعا نصف ما على الحرائر الأبكار (مِنَ الْعَذابِ) أي الحد فيجلدن خمسين ويغرين نصف سنة كما هو كذلك قبل الإحصان. وهذه الآية بيان عدم تفاوت حدّهن بالإحصان كتفاوت حد الحرائر. فتخفيف الحد للرق (ذلِكَ) أي نكاح الإماء حلال (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي الضرر الشديد في العزوبة بالشبق الشديد فإنه قد يحمل على الزنا ، وقد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشديدة (وَأَنْ تَصْبِرُوا) عن نكاح الإماء (خَيْرٌ لَكُمْ) لما في نكاحهن من تعريض الولد للرق (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٥) بإباحته لكم في نكاح الإماء وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد مع أن هذا يقتضي المنع منه لاحتياجكم إليه ، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي يرشدكم طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم فكل ما بين الله تحريمه وتحليله لنا من النساء كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) إذا تبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير في مراعاة الشرائع (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأحوالكم (حَكِيمٌ) (٢٦) في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم. (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي أن يتجاوز عنكم حين حرّم عليكم الزنا ونكاح الأخوات من الأب (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ) في نكاح الأخوات من الأب ، وهم : اليهود. وفي الزنا ، وهم : الفجرة. (أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) (٢٧) بموافقتهم على استحلال المحرمات في قول اليهود : إن نكاح الأخوات من الأب حلال في كتابنا وعلى اتباع الشهوات. فإن الزاني يحب أن يشركه في الزنا غيره ليفرق اللوم عليه وعلى غيره. (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) في جميع أحكام الشرع كإباحة نكاح الأمة عند الضرورة (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) (٢٨) أي عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه حيث لا يصبر عن النساء وعن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات ولذلك خفف الله تكليفه.
وقرأ ابن عباس «وخلق الإنسان» على البناء للفاعل والضمير لله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) أي بما يخالف الشرع كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا ، وشهادة الزور ، والحلف الكاذب ، وجحد الحق (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تجارة» بالنصب أي لا يأكل بعضكم أموالا بغير طريق شرعي بل كلوا بأن تكون الأموال تجارة صادرة عن تراض منكم. والباقون بالرفع أي لكن بأن توجد
تجارة عن طيب نفس (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) (٢٩) حيث نهاكم عن كل ما تستوجبون به مشقة (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات (عُدْواناً) أي إفراطا في مجاوزة حد الحلال (وَظُلْماً) أي إتيانا بما لا يستحقه (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ) أي ندخله (ناراً) هائلة شديدة العذاب (وَكانَ ذلِكَ) أي إصلاؤه النار (عَلَى اللهِ يَسِيراً) (٣٠) أي هينا (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) في هذه السورة (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) أي صغائركم من جماعة إلى جماعة ومن جمعة إلى جمعة ومن شهر رمضان إلى شهر رمضان (وَنُدْخِلْكُمْ) في الآخرة (مُدْخَلاً كَرِيماً) (٣١). قرأ نافع بفتح الميم والباقون بالضم أي موضعا حسنا وهو الجنة (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ).
قال ابن عباس : لا يتمنى الرجل مال غيره ودابته وامرأته ولا شيئا من الذي ثبت له كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس ، وذلك هو الحسد المذموم لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها ، واسألوا الله من فضله وقولوا : اللهم ارزقنا مثله أو خيرا منه مع التفويض. ويقال : نزلت هذه الآية في حق أم سلمة زوج النبيّ صلىاللهعليهوسلم لقولها للنبيّ : ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال فنهى الله عن ذلك وقال : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ـ أي الرجال ـ على بعض ـ أي النساء ـ من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم بيّن الله تعالى ثواب الرجال والنساء باكتسابهم فقال (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ) أي ثواب (مِمَّا اكْتَسَبُوا) أي الخير كالجهاد والنفقة على النساء (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ) أي ثواب (مِمَّا اكْتَسَبْنَ) من الخير في بيوتهن كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والإرضاع (وَسْئَلُوا اللهَ). قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز (مِنْ فَضْلِهِ) أي واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد.
قال الفخر الرازي : قوله تعالى : (وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق اه. وقد جاء في الحديث : «لا يتمنين أحدكم مال أخيه ، ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله». وعن ابن مسعود رضياللهعنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» (١) (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٣٢) ولذلك
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب : ١١٥.
جعل الناس على طبقات فرفع بعضهم على بعض درجات. أي فإنه تعالى هو العالم بما يكون صلاحا للسائلين فليقصر السائل على المجمل وليحترز في دعائه عن التعيين. فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي ولكل تركة جعلنا ورثة متفاوتة في الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم ومما ترك بيان لكل (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) أي ومما ترك الزوج والزوجة فالنكاح يسمى عقدا. وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويصح أن تكون جملة «جعلنا موالي» صفة «لكل» ، والضمير الراجع إليه محذوف ، والكلام مبتدأ أو خبر. والمعنى حينئذ ولكل قوم جعلناهم وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك المورثون (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من الميراث. قيل : إن هذه الآية نزلت في شأن أبي بكر الصديق لأنه حلف أن لا ينفق على ابنه عبد الرحمن ولا يورثه شيئا من ماله فلما أسلم عبد الرحمن أمر الله أبا بكر أن يؤتيه نصيبه. وقيل : المراد من قوله تعالى : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) الحلفاء. وبقوله : (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة ، وحينئذ فقوله : (وَالَّذِينَ) مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر بالفاء أو منصوب بمضمر يفسره قوله : (فَآتُوهُمْ) وعلى هذه الوجوه فهذه الآية غير منسوخة بخلاف ما لو حمل قوله : (الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) على الحلفاء في الجاهلية. وقوله : (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) على الميراث ـ وهو السدس ـ فهذه الآية حينئذ منسوخة بقوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ) [الأنفال : ٧٥] وبقوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ). وكذا لو حمل قوله : (الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) على الأبناء الأدعياء أو على من واخاه النبي صلىاللهعليهوسلم لرجل آخر فإنه وأخي بين كل رجلين من أصحابه صلىاللهعليهوسلم (إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من أعمالكم (شَهِيداً) (٣٣) أي مطلعا (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) أي الرجال مسلطون على أدب النساء بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي ، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات. ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة والولاية ، وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا ، ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك وبسبب إنفاقهم من أموالهم للمهر والنفقة (فَالصَّالِحاتُ) أي المحسنات إلى أزواجهن (قانِتاتٌ) أي مطيعات لأزواجهن (حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ) أي لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة أزواجهن من الفروج والأموال (بِما حَفِظَ اللهُ) أي بالذي حفظه الله لهن أي فإن حفظ حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن. أو المعنى بحفظ الله إياهن بالأمر بحفظ الغيب والتوفيق له.
وقرئ بما حفظ الله بالنصب على حذف المضاف أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره
(وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ) أي والنساء اللاتي تظنون عصيانهن لكم (فَعِظُوهُنَ) أي فانصحوهن بالترغيب والترهيب (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ) أي حولوا عنهن وجوهكم في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحاف إن علمتم النشوز ولم تنفعهن النصيحة (وَاضْرِبُوهُنَ) إن لم ينجع الهجران ضربا غير مبرح ولا شائن ، والأولى ترك الضرب ، فإن ضرب فالواجب أن يكون الضرب بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك بأن يكون مفرقا على البدن بأن لا يكون في موضع واحد وأن لا يوالي به وأن يتقي الوجه وأن يكون بمنديل ملفوف (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) أي فلا تطلبوا عليهن طريقا في الحب ولا في الأذية ، واكتفوا بظاهر حال المرأة ولا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض. (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) أي إن الله تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم ما لا تطيقون فكذلك لا تكلفوهن ما لا طاقة لهن من المحبة. وإنه تعالى مع ذلك يتجاوز عن سيئاتكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتهن لكم (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) أي وإن علمتم أيها المؤمنون مخالفة بين الرجل والمرأة ولم تدروا من أيهما فابعثوا إلى الزوجين لإصلاح الحال بينهما حكما ، أي رجلا وسطا صالحا للإصلاح من أهله ـ أي الزوج ـ وحكما آخر على صفة الأول من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب وأشد طلبا للإصلاح. فإن كانا أجنبيين جاز فيستكشف كل واحد منهما حقيقة حال الزوجين ، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من جمعهما أو إيقاع طلاق أو خلع. (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما).
فالضمير الأول : إما عائد على الحكمين أو الزوجين. والضمير الثاني : كذلك فالوجوه أربعة. والمعنى إن كانت نية الحكمين قطعا للخصومة أوقع الله الموافقة بين الزوجين (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً) بموافقة الحكمين ومخالفتهما (خَبِيراً) (٣٥) بفعل المرأة والرجل. قال ابن عباس : نزلت الآية من قوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) [النساء : ٣٤] إلى هاهنا في شأن بنت محمد بن سلمة بلطمة لطمها زوجها سعد بن الربيع لعصيانها في المضاجع فطلبت من النبيّ صلىاللهعليهوسلم قصاصها من زوجها فنهاها الله عن ذلك. (وَاعْبُدُوا اللهَ) أي بقلوبكم وجوارحكم (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) أي شركا جليا أو خفيا وهذا أمر بالإخلاص في العبادة (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) أي أحسنوا بهما إحسانا بالقيام بخدمتهما وبالسعي في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما وبعدم رفع الصوت عليهما وعدم تخشين الكلام معهما ، وعدم شهر السلاح عليهما ، وعدم قتلهما ولو كانا كافرين لأنه صلىاللهعليهوسلم نهى حنظلة عن قتل أبيه ـ أبي عامر الراهب ـ وكان مشركا. وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم من اليمن استأذنه في الجهاد فقال صلىاللهعليهوسلم : «هل لك أحد باليمن»؟ فقال : أبواي. فقال : «أبواك أذنا لك»؟ فقال : لا. فقال : «فارجع فاستأذنهما فإن أذنا
لك فجاهد وإلا فبرهما» (١). (وَبِذِي الْقُرْبى) أي صلوا بصاحب القرابة من أخ ، أو عم ، أو خال أو نحو ذلك. (وَالْيَتامى) أي أحسنوا إليهم بالرفق بهم وبمسح رأسهم وبتربيتهم وحفظ أموالهم (وَالْمَساكِينِ) أي أحسنوا إليهم بالصدقة أو بالرد الجميل (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) أي الذي قرب جواره أو الذي له مع الجوار اتصال بالنسب.
وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيما لحقه ، لأن له ثلاثة حقوق : حق القرابة ، وحق الجوار ، وحق الإسلام. كما قرئ والصلاة الوسطى نصبا على الاختصاص (وَالْجارِ الْجُنُبِ) أي الذي بعد جواره أو الذي لا قرابة له فله حقان : حق الإسلام ، وحق الجوار. (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) وهو إما رفيق في سفر أو جار ملاصق أو شريك في تعلم أو حرفة ، أو قاعد بجنبك في مسجد أو مجلس. وقيل : هي المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك (وَابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر المنقطع عن بلده بالسفر أو الضيف أي أحسنوا له بالإكرام وله ثلاثة أيام حق وما فوق ذلك صدقة (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي أحسنوا إلى الخدم من العبيد والإماء (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً) أي متكبرا عن أقاربه بالفقراء وجيرانه الضعفاء وأصحابه ولا يحسن عشرتهم (فَخُوراً) (٣٦) على الناس بما أعطاه الله تعالى من العلم وغيره (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلىاللهعليهوسلم والأظهر أن الموصول منصوب على الذم ، أو مرفوع على الذم أي هم الذين. ويجوز أن يكون بدلا من قوله : (مَنْ كانَ مُخْتالاً) وأن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره أحقاء بكل ملامة أو كافرون ، نزلت هذه الآية في حق كدوم بن زيد وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ، ومحرى بن عمرو وحيي بن أخطب ، ورفاعة بن زيد ابن التابوت حين أمروا رجالا من الأنصار بترك النفقة على من عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم خوف الفقر عليهم. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ) أي لليهود (عَذاباً مُهِيناً) (٣٧) أي فمن كان شأنه كذلك فهو كافر بنعمة الله ، ومن كان كافرا بنعمته فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يظهر أثرها عليه» (٢). (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ). والموصول إما معطوف على الموصول الأول ، وإما معطوف على قوله تعالى : (لِلْكافِرِينَ).
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الجهاد ، باب : ٢ ، وأبو داود في كتاب الجهاد ، باب : في الرجل يغزو وأبواه كارهان ، والنّسائي في كتاب الجهاد ، باب : الرخصة في التخلف لمن له والدان ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٨٨).
(٢) رواه أحمد في (م ٣ / ص ٤٧٤).
قال الواحدي : نزلت هذه الآية في شأن المنافقين ، وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة رسول الله صلىاللهعليهوسلم. (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً) أي ومن يكن الشيطان معينا له في هذه الأفعال في الدنيا (فَساءَ قَرِيناً) (٣٨) أي فبئس الصاحب له في النار هو فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانا في سلسلة في النار ، ثم بيّن الله تعالى سوء اختيارهم في ترك الإيمان فقال : (وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ) أي وأيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق ابتغاء وجه الله (وَكانَ اللهُ بِهِمْ) وبأحوالهم المخفية (عَلِيماً) (٣٩) فالله تعالى عالم ببواطن الأمور فإن القصد إلى الرياء إنما يكون باطنا غير ظاهر (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) أي إن الله لا يظلم أحدا وزن نملة حمراء صغيرة أي لا يظلم قليلا ولا كثيرا (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها).
قرأ نافع وابن كثير حسنة بالرفع والمعنى وإن حدثت حسنة. والباقون بالنصب. والمعنى وإن تكن زنة الذرة حسنة. وقرأ ابن كثير وابن عامر يضعفها بالتشديد من غير ألف فيكون التضعيف للثواب إلى مقدار لا يعلمه إلّا الله تعالى.
روي عن ابن مسعود رضياللهعنه أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ، ثم يقال له : أعط هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته.
وقال أبو عثمان النهدي : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقدّر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فلقيته فقلت : بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة : لم أقل ذلك ولكن قلت : إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف وتلا قوله تعالى : (وَيُؤْتِ) أي يعط الله صاحب الحسنة (مِنْ لَدُنْهُ) أي من عنده تعالى (أَجْراً عَظِيماً) (٤٠) فلا يقدر أحد قدره.
روي أن عمر كان جالسا مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم إذ ضحك رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى بدت ثناياه ، فقال عمر : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحكك؟ قال : «رجلان من أمتي جثيا بين يدي الله عزوجل فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من هذا. فقال الله تعالى : رد على أخيك مظلمته. فقال : يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء. فقال الله تعالى للطالب : كيف تصنع بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء فقال : يا رب فليحمل عني من أوزاري ثم فاضت عينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالبكاء فقال : إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم. قال : فيقول الله تبارك
وتعالى للمتظلم : ارفع بصرك فانظر في الجنان. فقال : يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق ، أو لأي شهيد هذا؟ فيقول الله تعالى : لمن أعطى الثمن. قال : يا رب ومن يملك ذلك؟ قال : أنت تملكه. قال : بما ذا يا رب؟ قال : بعفوك عن أخيك. قال : يا رب ، قد عفوت عنه. فيقول الله تعالى : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة»(١). (فَكَيْفَ) يصنع الكفار يوم القيامة (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) أي قوم (بِشَهِيدٍ) أي بنبي يشهد على قبح أعمالهم (وَجِئْنا بِكَ) يا أشرف الخلق (عَلى هؤُلاءِ) الشهداء وهم الرسل (شَهِيداً) (٤١) فتشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم. ويقال : وجئنا بك لأمتك مزكيا معدلا لأن أمته صلىاللهعليهوسلم يشهدون للأنبياء على قومهم إذا جحدوا بالبلاغ (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) (٤٢) أي يوم مجيء ذلك يتمنى الذين كفروا بالله وعصوا أمر الرسول أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. ويقال : يتمنون أن يصيروا ترابا مع البهائم لعظم هول ذلك اليوم ولا يقدرون أن يكتموا من الله حديثا بأن يقولوا : والله ربنا ما كنا مشركين أي إنهم يريدون الكتمان أولا لما علموا أن الله لم يغفر شركا فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين رجاء غفران الله لهم. لكنهم تشهد عليهم الأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) أي لا تقيموا الصلاة حال كونكم سكارى من الشراب إلى أن تعلموا قبل الشروع فيها ما تقولونه ولا تقيموها حال كونكم جنبا إلا حال كونكم مسافرين. وقيل : إن «إلا» بمعنى غير ، وهو صفة لـ «جنبا». والمعنى لا تقيموها حال كونكم جنبا غير مسافرين وسيأتي حكم المسافرين (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) من الجنابة (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً). والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا يمنع من استعمال الماء أو مسافرين طال السفر أو قصر ، أو أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين أو تلاقت بشرتكم مع بشرة النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به للصلاة بعد الطلب فاقصدوا أرضا لا سبخة فيها (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) إلى المرفقين بضربتين (إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) (٤٣) وهذا كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته أنه يعفو عن المذنبين فبأن يرخص للعاجزين كان أولى. (أَلَمْ تَرَ) أي تنظر (إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً)
__________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٤ : ٥٧٦) ، والمنذري في الترغيب والترهيب (٣ : ٣٠٩) ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤ : ٥٠٧) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٦ : ٢٦٧) ، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (١١٦).
أي حظا يسيرا (مِنَ الْكِتابِ) أي من علم التوراة (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) أي يؤثرون تكذيب الرسول صلىاللهعليهوسلم ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة. كما قاله الزجاج (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) (٤٤) أي ويتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يخرجوا عن الإسلام (وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ) أي هو سبحانه وتعالى أعلم بكنه ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء (وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا) أي متصرفا في جميع أموركم (وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً) (٤٥) في كل موطن فثقوا به.
وقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في شأن اليسع ورافع بن حرملة ـ حبرين من اليهود ـ دعوا رئيس المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه إلى دينهما. ثم نزل في مالك بن الصيف وأصحابه قوله تعالى (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ) أي من اليهود قوم يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها كتحريفهم في نعت النبي (أسمر ربعة) فوضعوا مكانه (آدم طوال). وتحريفهم في (الرجم) فوضعوا بدله (الجلد). ويقولون في الظاهر إذا أمرهم النبيّ عليهالسلام : سمعنا قولك ، وفي أنفسهم وعصينا أمرك. ويقولون في أثناء مخاطبة النبيّ عليهالسلام كلاما ذا وجهين وهو محتمل للخير والشر ، مظهرين المدح ويضمرون الشتم وهو : واسمع منا غير مسمع مكروها. والمراد واسمع منا حال كونك غير مسمع كلاما أصلا لصمم أو موت وهو دعاء منهم على الرسول صلىاللهعليهوسلم بذهاب السمع أو غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا. يقولون للنبي : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ، فقوله غير مسمع ، معناه غير سامع. ويقولون في أثناء خطابهم له صلىاللهعليهوسلم : راعنا وهي كلمة ذات وجهين محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم وللشر إذا حملت على السب بالرعونة أو على أنهم يريدون إنك يا محمد كنت ترعى أغناما لنا فإنهم يفتلون الحق فيجعلونه باطلا لأن راعنا من المراعاة فيجعلونه من الرعونة. وكانوا يقولون لأصحابهم : إنما نشتمه ولا يعرف ولو كان نبيا لعرف ذلك فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم وعلى ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه وللقدح في دين الإسلام بالاستهزاء والسخرية (وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا) باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه (سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا) بدل ذلك (لَكانَ) قولهم ذلك (خَيْراً لَهُمْ) عند الله (وَأَقْوَمَ) أي أصوب (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) أي أبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم بذلك (فَلا يُؤْمِنُونَ) بعد ذلك (إِلَّا قَلِيلاً) (٤٦) أي إلا إيمانا قليلا غير نافع وهو الإيمان بالله والتوراة وموسى ، وكفروا بسائر الأنبياء أو إلا زمانا قليلا وهو زمان الاحتضار فلا ينفعهم الإيمان وبعضهم جعل قليلا مستثنى من الهاء في لعنهم أي إلا نفرا قليلا فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا) أي بالقرآن (مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) أي موافقا للتوراة في القصص
والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس ، والنهي عن المعاصي والفواحش (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً) أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) أي فنجعلها على هيئة أقفائها (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) فهم ملعونون بكل لسان. وضمير الغائب راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات فلما لعنهم الله ذكرهم بعبارة الغيبة (وَكانَ أَمْرُ اللهِ) بإيقاع شيء ما (مَفْعُولاً) (٤٧) أي نافذا. وهذا إخبار عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه تعالى مهما أخبرهم بإنزال العذاب على الكفار فعل ذلك لا محالة (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ) أي لا يغفر الكفر لمن اتصف (بِهِ) بلا توبة وإيمان (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) أي الشرك في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة من غير توبة عنها (لِمَنْ يَشاءُ).
روي عن ابن عباس أنه قال : لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه بالإعتاق إن هو فعل ذلك ، ثم إنهم ما وفوا له بذلك فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم بذنبهم وأنه لا يمنعهم عن الدخول إلى الإسلام إلا قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) [الفرقان : ٦٨]. فقالوا : قد ارتكبنا كل ما في هذه الآية. فنزل قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً) [الفرقان : ٧٠] فقالوا : هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) فقالوا : نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى.فنزل : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) [الزمر : ٥٣] فدخلوا عند ذلك في الإسلام (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) (٤٨) أي فقد فعل ذنبا غير مغفور (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) أي يمدحونها.
قال قتادة والضحاك والسدي : هم اليهود. أخرجه ابن جرير ، وذلك لما هدد الله تعالى اليهود بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فعند هذا قالوا : لسنا من المشركين بل نحن من خواص الله تعالى. وهذا استفهام تعجيب وهو أمر المخاطب على التعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم. وفي هذه الآية تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) عطف على مقدر. أي هم لا يزكون أنفسهم في الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستحقها من المؤمنين (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (٤٩) أي إن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم. أي فلا يظلمون في ذلك العقاب قدر فتيل وهو الخيط الذي في شق النواة طولا. والنقير النقطة التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة والقمطير والقشرة الرقيقة على النواة. (انْظُرْ) يا أشرف الخلق متعجبا (كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) لقولهم ما نعمل بالنهار من الذنوب يغفره الله لنا بالليل ، وما نعمل بالليل يغفره بالنهار فـ «الكذب» مفعول به أو مفعول مطلق لأنه يلاقي العامل
في المعنى. لأن الافتراء والكذب متقاربان معنى ، أو معناهما واحد (وَكَفى بِهِ) أي افترائهم هذا (إِثْماً مُبِيناً) (٥٠) في استحقاقهم لأشد العقوبات (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) فكل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت ، وكل من دعا إلى المعاصي الكبار فهو طاغوت.
روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود بعد قتال أحد ليحالفوا قريشا على محاربة رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منهم إلينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ففعلوا ذلك. فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس. فقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟. فقال كعب : ماذا يقول محمد؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام. قال : وما دينكم؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني. فقال : أنتم أهدى سبيلا وذلك قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي في حق كفار مكة (هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (٥١) أي كفار مكة أبو سفيان وأصحابه أصوب دينا من محمد وأصحابه وذكرهم بلفظ الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل ، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح (أُولئِكَ الَّذِينَ) أي القائلون : إن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى (لَعَنَهُمُ اللهُ) أي أبعدهم عن رحمته (وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) (٥٢) أي ومن يطرده الله عن رحمته فلن تجد أيها المخاطب من يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) (٥٣) وأم منقطعة عما قبلها. وهذا الاستفهام استفهام إنكاري إبطال على اليهود في قولهم نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ وتكذيب لهم في زعمهم إن الملك يعود إليهم في آخر الزمان فيخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ، ويدعو إلى دينهم. و «إذن» حرف جواب وجزاء لشرط مقدر ورفع الفعل بعدها وإن كان مرجوحا في النحو لأن القراءة سنة متبعة.
وقرئ شاذا على الأرجح بحذف النون. والمعنى ليس لهم من الملك شيء ألبتة ولو كان لليهود نصيب منه فيتسبب عن ذلك أنهم لا يعطون واحدا من الناس قدر ما يملأ النقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة التي تنبت منها النخلة وهذا بيان لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم الحرمان منه بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا شيئا من ذلك لما أعطوا الناس من أقل قليل ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي بل يحسدون محمدا ومن معه على ما أعطاهم الله من النبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما ، وكثرة النساء له صلىاللهعليهوسلم وكانت له يومئذ تسع نسوة. فقالت اليهود : لو كان محمد نبيا لشغله أمر النبوة
عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ) الذين هم أسلاف محمد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) أي النبوة أو المراد بالكتاب ظواهر الشريعة وبالحكمة أسرار الحقيقة (وَآتَيْناهُمْ) أي أعطينا بعضهم كداود وسليمان ويوسف (مُلْكاً عَظِيماً) (٥٤) لا يقادر قدره فكان لداود مائة امرأة مهرية ، ولسليمان سبعمائة سرية ، وثلاثمائة امرأة مهرية. وهؤلاء الثلاثة كانوا في بني إسرائيل ولم يشغلهم أمر النبوة عن أمر الملك والنساء فكيف يستبعدون نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ويحسدونه على إيتائها (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم ، ومنهم من أعرض عن الإيمان به فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم؟ فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت وذلك تسلية من الله لرسوله ليكون أشد صبرا على ما يناله من قبلهم (وَكَفى بِجَهَنَّمَ) في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين (سَعِيراً) (٥٥) أي نارا وقودا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا) أي الدالة على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ) أي ندخلهم (ناراً) أي عظيمة هائلة (كُلَّما نَضِجَتْ) أي احترقت (جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) بأن يجعل النضيج غير النضيج فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) أي لكي يجدوا ألم العذاب على الدوام من غير انقطاع بهذه الحالة الجديدة.
وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله تعالى عنه فقال للقارئ : أعدها فأعادها ـ وكان عنده معاذ بن جبل ـ فقال معاذ : عندي تفسيرها ، تبدل الجلود في ساعة مائة مرة. فقال عمر رضياللهعنه هكذا سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : (إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً) أي قادرا غالبا لا يمتنع عليه ما يريده. (حَكِيماً) (٥٦) أي لا يفعل إلا الصواب فيعاقب من يعاقبه على وفق حكمته (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ) في الآخرة (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) فإن نعيم الجنة لا ينقطع كعذاب النار (لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً) (٥٧) أي عظيما في الراحة واللذاذة بخلاف المواضع في الدنيا فإنها إذا لم يصل نور الشمس فيها إليها في الدوام يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) لما حكى الله عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات ، وإن ورد الأمر على سبب خاص في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة. وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ، فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله صلىاللهعليهوسلم ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية
والسدانة. فنزلت هذه الآية ، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلي : أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال : لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا. وقرأ عليه الآية. فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله فهبط جبريل عليهالسلام وأخبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم (وَ) إن الله يأمركم (إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) وعن أنس عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت : صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت» (١). (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) أي إن الله نعم شيء يعظكم به ذاك وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل (إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً) لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم إذا حكمتم بالعدل (بَصِيراً) (٥٨) لكل المبصرات يبصركم إذا أديتم الأمانة فيجازيكم على ما يصدر منكم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وهذه الآية مشتملة على أصول الشريعة الأربع : الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس. فالكتاب : يدل على أمر الله ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة. والسنة : تدل على أمر الرسول ، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة. فثبت أن قوله تعالى : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة. والمراد بأولي الأمر جميع العلماء من أهل العقد والحل ، وأمراء الحق وولاة العدل. وأما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق وجوب الطاعة لهم.
قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبيّ صلىاللهعليهوسلم أميرا على سرية. وعن ابن عباس أنها نزلت في شأن خالد بن الوليد بعثه النبيّ صلىاللهعليهوسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر ، فجرى بينهما اختلاف في شيء ، فنزلت هذه الآية ، وأمر بطاعة أولي الأمر فحينئذ فالمراد بهم أمراء السرايا قال بعضهم : طاعة الله ورسوله واجبة قطعا ، وطاعة أهل الإجماع واجبة قطعا ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فالأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلّا بالظلم ، وقد تكون واجبة بحسب الظن الضعيف فحينئذ يحمل أولوا الأمر على الإجماع وأيضا إن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء فهؤلاء أولوا الأمر (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) أي فإن اختلفتم أيها المجتهدون في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع فردوه إلى واقعة تشبهه في الصورة والصفة. وهذا المعنى يؤكد بالخبر والأثر. أما الخبر فهو أنهم سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن قبلة الصائم فقال صلىاللهعليهوسلم : «أ رأيت لو تمضمضت» (٢). والمعنى أخبرني هل تبطل المضمضة الصوم أم لا؟ أي فكما أن
__________________
(١) رواه ابن حجر في المطالب العالية (٤١٦٨) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٤٣٣٨٣).
(٢) رواه أبو داود في كتاب الصيام ، باب : القبلة للصائم ، والدارمي في كتاب الصوم ، باب :
المضمضة مقدمة للأكل فكذا القبلة مقدمة للجماع فإذا كانت المضمضة لم تفسد الصيام فكذلك القبلة ولما سألته صلىاللهعليهوسلم الخثعمية عن الحج عن أبيها فقال صلىاللهعليهوسلم : «أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزئ» فقالت : نعم ، قال صلىاللهعليهوسلم : «فدين الله أحق بالقضاء» (١). وأما الأثر فما روي عن عمر رضياللهعنه أنه قال : أعرف الأشباه والنظائر ، وقس الأمور برأيك. فدل مجموع ما ذكر على أن قوله تعالى : (فَرُدُّوهُ) أمر برد الشيء إلى شبيهه وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمهالله تعالى : قياس الأشباه ، ويسميه أكثر الفقهاء : قياس الطرد (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهذا محمول على التهديد فإن الإيمان بهما يوجب ذلك (ذلِكَ) أي الذي أمرتكم به في هذه الآيات (خَيْرٌ) لكم (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٥٩) أي عاقبة لكم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) أي يدعون (أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) وهو التوراة (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) أي كثير الطغيان (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) أي والحال أنهم قد أمروا في القرآن أن يتبرءوا من الطاغوت (وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ) بالتحاكم إليه (أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (٦٠) عن الحق والهدى.
قال كثير من المفسرين : خاصم رجل من المنافقين ـ يقال له : بشر ـ رجلا من اليهود. فقال اليهودي : بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الأشرف. وسبب ذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، واليهودي كان محقا وأن كعبا شديد الرغبة في الرشوة ، والمنافق كان مبطلا. وأصرّ اليهودي على قوله بذلك. فذهبا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فحكم لليهودي على المنافق فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر فأتياه فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال : بيني وبينك عمر. فذهبا إليه فأخبره اليهودي بأن الرسول صلىاللهعليهوسلم وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا؟ فقال : نعم ، قال : اصبر إن لي حاجة أدخل بيتي فأقضيها وأخرج إليكما فدخل وأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به عنق المنافق حتى برد أي مات وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. وهرب اليهودي فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فسأل صلىاللهعليهوسلم عمر عن قصته فقال : إنه رد حكمك يا رسول الله. فجاء جبريل عليهالسلام في الحال ونزلت هذه الآية ، وقال جبريل : إن عمر هو الفاروق فرق بين الحق والباطل. فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم لعمر : «أنت
__________________
الرخصة في القبلة للصائم ، وأحمد في (م ١ / ص ٢١).
(١) رواه البخاري في كتاب الأيمان ، باب : من مات وعليه نذر ، «بما معناه» ، والنّسائي في كتاب الحج ، باب : تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين ، والدارمي في كتاب المناسك ، باب : الحج عن الميت ، وأحمد في (م ١ / ص ٢١٢).
الفاروق» (١) ، وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لشبهه بالشيطان في فرط طغيانه (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ) أي أقبلوا إلى القرآن الذي فيه الحكم (وَإِلَى الرَّسُولِ) الذي تجب طاعته ليحكم بينكم (رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (٦١) أي أبصرت المنافقين يعرضون عنك إلى غيرك إعراضا بالكلية (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) أي كيف يكون حالهم وقت إصابة المصيبة إياهم بقتل عمر صاحبهم بظهور نفاقهم (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي بسبب ما عملوا من التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك (ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) (٦٢) أي ثم جاءك أهل المنافق مطالبين عمر بدمه وقد أهدره الله ويحلفون بالله كذبا للاعتذار ، فقالوا : ما أراد صاحبنا المقتول التحاكم إلى عمر إلّا أن يصلح ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة ، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا بالحق المر ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك (أُولئِكَ) أي المنافقون (الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) من النفاق والغيظ والعداوة (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي لا تقبل منهم ذلك العذر ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم ، فإن من هتك ستر عدوه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر ، وإذا تركه على حاله بقي في وجل فيقل الشر. (وَعِظْهُمْ) أي ازجرهم عن النفاق والكيد والحسد والكذب وخوفهم بعذاب الآخرة (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ) أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم لأن النصيحة على الملأ تقريع في السر محض المنفعة (قَوْلاً بَلِيغاً) (٦٣) أي مؤثرا وهو التخويف بعقاب الدنيا بأن يقول لهم : إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار ، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الإيمان فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر لكل الناس بقاؤكم على الكفر وحينئذ يلزمكم السيف. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ) أي وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته بتوفيقنا وإعانتنا فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله تعالى وهذه الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ودالة على أن الأنبياء معصومون عن المعاصي والذنوب ، ودالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بترك طاعتك (جاؤُكَ) وبالغوا في التضرع إليك لينصبوك شفيعا لهم (فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ) أي أظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) بأن يسأل الله أن يغفر الذنوب لهم عند توبتهم (لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً) أي
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (٥ : ٢٦٤) ، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٤٥).
يقبل توبتهم (رَحِيماً) (٦٤) أي يرحم تضرعهم ولا يرد استغفارهم ، والفائدة في العدول في قوله تعالى : (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة إجلال شأن رسول الله فإن شأنه أن يستغفر لمن عظم ذنبه وإنهم إذا جاءوه فقد جاءوا من خصه الله تعالى برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه وذلك مثل قول الأمير : حكم الأمير بكذا بدل قوله : حكمت بكذا (فَلا وَرَبِّكَ) لا مزيد لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم أو مفيدة لنفي أمر سبق. والتقدير ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك فوربك (لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي حتى يجعلوك حاكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي فيما اختلف بينهم من الأمور فتقضي بينهم (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) أي صدورهم (حَرَجاً) أي ضيقا (مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٦٥) أي وينقادوا لك انقيادا تاما بظواهرهم.
قال عطاء ومجاهد والشعبي : إن هذه الآية في قصة اليهودي والمنافق فهذه الآية متصلة بما قبلها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : نزلت في الزبير ابن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبيّ صلىاللهعليهوسلم للزبير (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) أي ولو أوجبنا عليهم قتل أنفسهم أو الخروج عن أوطانهم في توبتهم كتوبة بني إسرائيل ما فعلوا أحد الأمرين بطيبة النفس إلّا قليل منهم وهم المخلصون من المؤمنين. والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس لما فعله إلا الأقلون وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم بل اكتفينا منهم في توبتهم بالتسليم لحكمك فليقبلوه بالإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.
روي أن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ناظر يهوديا ، فقال اليهودي : إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه فقال : يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك.
وروي أن ابن مسعود وعمار بن ياسر فالأمثل ذلك فنزلت هذه الآية وعن عمر بن الخطاب أنه قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك قال صلىاللهعليهوسلم وأشار إلى عبد الله بن رواحة : «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا في أولئك القليل» (١). أخرجه ابن أبي حاتم.(وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي المنافقين (فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) أي ما يكلفون به (لَكانَ) أي فعلهم ذلك (خَيْراً لَهُمْ) أي لحصل لهم خير الدنيا والآخرة (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) (٦٦) لهم على الإيمان وسميت أوامر الله مواعظ لاقترانها بالوعد والترغيب (وَإِذاً) لو فعلوا ما أمروا به (لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا) أي
__________________
(١) رواه ابن كثير في التفسير (٢ : ٣٠٩).
لأعطيناهم من عندنا (أَجْراً عَظِيماً) (٦٧) أي ثوابا وافرا في الجنة وكيف لا يكون عظيما وقد قال صلىاللهعليهوسلم : «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»(١). (وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٦٨) أي طريقا من عرصة القيامة إلى الجنة وحمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى ، لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الأجر والدين الحق مقدم على الأجر ، والطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ) بأن يعرف أنه إله ويقر بجلاله وعزته واستغنائه عمن سواه (وَالرَّسُولَ) أي بأن ينقاد انقيادا تاما لجميع الأوامر والنواهي (فَأُولئِكَ) أي المطيعون (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي فإنهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا وإذا أرادوا الزيادة والتلاقي قدروا على الوصول إليهم بسهولة (مِنَ النَّبِيِّينَ) محمد صلىاللهعليهوسلم وغيره (وَالصِّدِّيقِينَ) أي السابقين إلى تصديق الرسل فصاروا في ذلك قدوة لسائر الناس وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وَالشُّهَداءِ) أي الذين يشهدون بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان وأخرى بالسيف والسنان فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وأما كون الإنسان مقتول الكافر فليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ، ومن لا منزلة له عند الله والمؤمنون قد يقولون : اللهم ارزقنا الشهادة فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل فإنه غير جائز لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر (وَالصَّالِحِينَ) في الاعتقاد والعمل فإن الجهل فساد في الاعتقاد والمعصية فساد في العمل وهم الصارفون أعمارهم في طاعة الله وأموالهم في مرضاته وكل من كان اعتقاده صوابا وعمله غير معصية فهو صالح ، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل ، وأخرى بالسيف ، وقد يكون الصالح غير موصوف بكونه قائما بهذه الشهادة فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، ولا عكس فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم الشهيد قد يكون صديقا وقد لا. ومعنى الصديق هو الذي كان أسبق إيمانا من غيره وكان إيمانه قدوة لغيره فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ولا عكس فثبت أن أفضل الخلق الأنبياء وبعدهم الصديقون وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) (٦٩) أي ما أحسن أولئك المذكورين صاحبا في الجنة وحسن لها حكم نعم والمخصوص بالمدح محذوف
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب : ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ، ومسلم في كتاب الجنّة ، باب : ٢ ، وابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : صفة الجنّة ، وأحمد في (م ٥ / ص ٣٣٤).
تقديره «وحسن أولئك» من جهة الرفيق الممدوحون (ذلِكَ) أي مرافقة هؤلاء المنعم عليهم هو (الْفَضْلُ مِنَ اللهِ) وما سواه ليس بشيء (وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً) (٧٠) بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله.
روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن حاله. فقال : يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجات العبيد فلا أراك ، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا ، فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو يبكي فقال : «ما يبكيك يا فلان؟» فقال : يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي ، وإني لأذكرك وأنا في أهلي فيأخذني مثل الجنون حتى أراك وذكرت موتي وأنك ترفع مع النبيين وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك فلم يرد النبي صلىاللهعليهوسلم فنزلت هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) أي خذوا سلاحكم واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم (فَانْفِرُوا ثُباتٍ) أي انهضوا إلى قتال عدوكم واخرجوا للحرب جماعات متفرقة سرية بعد سرية (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (٧١) أي مجتمعين كوكبة واحدة (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ) أي وإن من عسكر رسول الله صلىاللهعليهوسلم لمن يتثاقلن وليتخلفن عن القتال وهم ضعفة المؤمنين والمنافقون (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ) يا معشر المجاهدين (مُصِيبَةٌ) كقتل وهزيمة وجهد من العيش. (قالَ) أي من يبطئ فرحا شديدا بتخلفه وحامدا لرأيه (قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَ) بالقعود (إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) (٧٢) أي حاضرا في المعركة فيصيبني ما أصابهم (وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ) كفتح وغنيمة (مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَ) أي من يبطئ ندامة على قعوده (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) وهذه الجملة اعتراض بين الفعل ومفعوله. والمراد التعجب كأنه تعالى يقول : انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبين المنافق صلة في الدين ومعرفة في الصحبة ولا مخالطة أصلا (يا لَيْتَنِي كُنْتُ) غازيا (مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) (٧٣) أي فأصيب غنائم كثيرة وآخذ حظا وافرا. وقيل : الجملة التشبيهية حال من ضمير ليقولن أي ليقولن مشبها بمن لا معرفة بينكم وبينه.
وقيل : هي داخلة في المقول أي ليقولن المثبط للمثبطين من المنافقين ، وضعفه المؤمنين : كأن لم تكن بينكم وبين محمد معرفة في الصحة حيث لم يستصحبكم في الغزو حتى تفوزوا بما فاز محمد يا ليتني كنت معهم وغرض المثبط إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله صلىاللهعليهوسلم
(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء دين الله (الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ) وهم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد فأمروا أن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله فلم تدخل الباء إلا على المتروك ، لأن المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا أي فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة. وعلى هذا فلا بد من حذف تقديره آمنوا ثم قاتلوا. أو المراد بـ «الذين» يشرون هم المؤمنون الذين تخلفوا عن الجهاد. وعلى هذا فيشرون بمعنى يبيعون أي فليقاتل في طاعة الله الذين يبيعون الدنيا بالآخرة أي يختارون الآخرة على الدنيا (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله (فَيُقْتَلْ) أي يمت شهيدا (أَوْ يَغْلِبْ) أي يظفر على العدو (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) أي نعطيه في كلا الوجهين (أَجْراً عَظِيماً) (٧٤) وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم وإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ) أي أيّ شيء لكم يا معشر المؤمنين غير مقاتلين مع أهل مكة أي لا عذر لكم في ترك المقاتلة (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل طاعة الله (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) أي ولأجل المستضعفين (مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) أي الصبيان. وقيل : المراد بالولدان العبيد والإماء أي وهم قوم من المسلمين الذين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا.
قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (الَّذِينَ يَقُولُونَ) في مكة (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) وهي مكة وكون أهلها موصوفين بالظلم لأنهم كانوا مشركين وكانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (٧٥) أي ولّ علينا واليا من المؤمنين يقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا ، وانصرنا على أعدائنا برجل يمنعنا من الظالمين. فأجاب الله دعاءهم واستنقذهم من أيدي الكفار لأن النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم. وكان الولي هو رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، والنصير عتاب بن أسيد ، وكان ابن ثماني عشرة سنة فكان ينصر المظلومين على الظالمين ، وينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز. (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) أي في سبيل غير رضا الله (فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ) أي جند الشيطان (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ) أي إن صنع الشيطان في فساد الحال على جهة الحيلة (كانَ ضَعِيفاً) (٧٦) لأن الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه. أضعف من نصرة الله لأوليائه ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر ، وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر! وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم؟! (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة : عبد الرحمن بن عوف الزهري ، وسعد بن أبي وقاص
الزهري ، وقدامة بن مظعون الجمحي ، ومقداد بن الأسود الكندي ، وطلحة بن عبيد الله التيمي كانوا مع النبي صلىاللهعليهوسلم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة يلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله : «كفوا أيديكم عن القتل والضرب فإني لم أومر بقتالهم واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلوات الخمس وزكاة أموالكم» (١). فلما هاجروا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم لا شكا في الدين بل نفورا عن الأخطار بالأرواح ، وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية وذلك قوله تعالى : (فَلَمَّا كُتِبَ) أي فرض (عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) أي الجهاد في سبيل الله (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) كطلحة بن عبيد الله التيمي (يَخْشَوْنَ النَّاسَ) أي أهل مكة (كَخَشْيَةِ اللهِ) أي كخوفهم من الله (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) أي بل أكثر خوفا لما كان من طبع البشر من الجبن لا للاعتقاد. ثم باتوا وأهل الإيمان يتفاضلون فيه (وَقالُوا) خوفا من الموت لا لكراهتهم أمر الله بالقتال وهذا عطف على جواب «لما» وهو «إذا» فإنها فجائية مكانية (رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ) في هذا الوقت (لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي هلا عافيتنا من بلاء القتال إلى موتنا بآجالنا. وهذا القول استزادة في مدة الكف ويجوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم من غير أن يتفوهوا به صريحا (قُلْ) جوابا لهذا السؤال عن حكمة فرض القتال عليهم من غير توبيخ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي (مَتاعُ الدُّنْيا) أي منفعة الدنيا (قَلِيلٌ) لأنه سريع التقضي وشيك الانصرام وإن أخرتم إلى ذلك لأجل (وَالْآخِرَةُ) أي ثواب الآخرة لا سيما المنوط بالقتال (خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) الكفر والفواحش. لأن نعم الآخرة كثيرة ومؤبدة وصافية عن كدورات القلوب ويقينية بخلاف نعم الدنيا فإنها مشكوكة عاقبتها في اليوم الثاني ومشوبة بالمكاره (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (٧٧).
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيبة. والباقون بالخطاب أي لا تنقصون من أجور أعمالكم قدر خيط في شق النواة. أو المعنى لا ينقصون من ثواب حسناتهم أدنى شيء (أَيْنَما تَكُونُوا) في الحضر أو السفر في البر أو البحر (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) الذي تكرهون القتال لأجله زعما منكم أنه من محاله (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي حصون مرتفعة قوية بالجص (وَإِنْ تُصِبْهُمْ) أي اليهود والمنافقين (حَسَنَةٌ) أي خصب ورخص السعر وتتابع الأمطار (يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ).
قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلما ظهر عناد اليهود والمنافقين على دعائه إياهم إلى الإيمان أمسك الله عنهم بعض الإمساك ، كما جرت عادته تعالى في جميع الأمم. فعند هذا قالوا : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل نقصت ثمارنا ومزارعنا
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الجهاد باب : وجوب الجهاد.
وغلت أسعارنا منذ قدم. (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي جدوبة وشدة وغلاء سعر (يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي هذه من شؤم محمد وأصحابه. أي وإن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى. وإن تصبهم بلية أضافوها إليك كما حكى الله عن قوم موسى بقوله تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) [الأعراف : ١٣١] وعن قوم صالح بقوله تعالى : (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) [النمل : ٤٧]. (قُلْ) لهم ردا لزعمهم الباطل وإرشادا لهم إلى الحق (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى وخلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون ، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا ، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة (فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) (٧٨) أي وحيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء المنافقين واليهود حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثا من الأحاديث أصلا فقالوا ما قالوه. إذ لو فهموا شيئا من ذلك لفهموا أن الكل من عند الله تعالى. فالنعمة منه تعالى بطريق التفضل ، والبلية منه تعالى بطريق العقوبة على ذنوب العباد عدلا منه تعالى. (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ) أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة من النعم فهي منه تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من غير استيجاب لها من قبلك (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) أي أيّ شيء أصابك من بلية من البلايا فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها. وعن عائشة رضياللهعنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) أي ليس لك إلا الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) (٧٩) على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ). وهذه الآية تدل على أنه لا طاعة إلّا لله ألبتة لأن طاعة الرسول لا تكون إلا طاعة لله. وقال الشافعي رضياللهعنه : وهذه الآية تدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة ، والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله.
قال مقاتل : إن النبيّ صلىاللهعليهوسلم كان يقول : «من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله» (١). فقال المنافقون : لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو ينهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فأنزل الله هذه الآية (وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (٨٠)
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد ، باب : يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ، ومسلم في كتاب الإمارة ، باب : ٣٢ ، والنسائي في كتاب البيعة ، باب : الترغيب في طاعة الإمام ، وابن ماجة في المقدمة ، باب : اتباع سنة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأحمد في (م ٢ / ص ٩٣).
وجواب الشرط محذوف والمذكور تعليل له. أي ومن أعرض بقلبه عن حكمك يا محمد فأعرض عنه. أو المعنى ومن أعرض عن طاعة الله بظاهرهم فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك الإعراض وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي. أو المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي. ثم نسخ هذا بآية الجهاد فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له صلىاللهعليهوسلم عن الحزن ، فإنه صلىاللهعليهوسلم كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم. (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ) أي يقول المنافقون ـ عبد الله ابن أبي وأصحابه ـ إذا أمرتهم بشيء : شأننا طاعة أو منا طاعة أو أمرك يا محمد طاعة مر بما شئت نفعله. (فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي خرجوا من مجلسك (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) أي تفكر ليلا فريق من المنافقين وهم رؤساؤهم غير الذي تأمر وتكلموا فيما بينهم بعصيانك وتوافقوا عليه (وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) أي ينزل إليك ما يتدبرونه ليلا في جملة ما يوحي إليك فيطلعك على أسرارهم أو يثبت ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي لا تهتك سترهم ولا تفضحهم إلى أن يستقيم أمر الإسلام (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في شأنهم فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (٨١) أي مفوضا إليه لمن توكل عليه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) أي أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الناطق بنفاقهم (وَلَوْ كانَ) أي القرآن (مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ) كما يزعمون (لَوَجَدُوا فِيهِ) أي القرآن (اخْتِلافاً كَثِيراً) (٨٢) بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع إذ لا علم بالأمور الغيبية ماضية كانت أو مستقبلة لغيره تعالى ، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده تعالى. (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ) أي وإذا جاء المنافقين خبر بأمر من الأمور سواء كان من باب الأمن أو من باب الخوف أفشوه وكان ذلك سبب الضرر ، لأن هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير ، ولأن العداوة الشديدة صارت قائمة بين المسلمين والكفار وذلك أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم كان يبعث السرايا ، فإذا غلبوا أو بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلىاللهعليهوسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله هذه الآية. (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي ولو ردوا الخبر الذي تحدثوا به إلى الرسول وإلى ذوي العقل والرأي من المؤمنين وهم كبار الصحابة ـ كأبي بكر ، وعمر وعثمان ، وعلي ـ بأن لم يحدّثوا به حتى يكون هؤلاء هم الذين يظهرونه لعلم ذلك الخبر من يستخرجونه من جهة هؤلاء. أي ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه هؤلاء المنافقون المذيعون من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) ببعثه محمد صلىاللهعليهوسلم وإنزال القرآن (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) وكفرتم بالله (إِلَّا قَلِيلاً) (٨٣) منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلىاللهعليهوسلم ، وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان وما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهم (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله.
قيل : وهذا متصل بقوله تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) [النساء : ٧٥]. وقيل : هذا معطوف على قوله تعالى : (فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ) [النساء : ٧٦]. (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) أي إلا فعل نفسك فلا يضرك مخالفتهم فتقدم أنت إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب بخلاف الرسول صلىاللهعليهوسلم فإنه على ثقة من النصر والظفر. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي على الخروج معك بذلا للنصيحة فإنهم آثمون بالتخلف لأن القتال كان مفروضا عليهم إذ ذاك ، فإن فرضه في السنة الثانية وهذه القضية في الرابعة ، كما روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم. فنزلت هذه الآية (عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي أن يمنع صولة كفار مكة ، وعسى وعد من الله تعالى واجب الإنجاز (وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً) أي قوة من قريش (وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) (٨٤) أي تعذيبا (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) أي من ثوابها ويندرج فيها الدعاء للمسلم فإنه شفاعة إلى الله تعالى (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) أي نصيب من وزرها مساو لها في المقدار. والغرض من هذه الآية بيان أنه صلىاللهعليهوسلم لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما. ولو لم يقبلوا أمره صلىاللهعليهوسلم لم يرجع إليه من عصيانهم شيء من الوزر ، وذلك لأنه صلىاللهعليهوسلم بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة ولم يرغبهم في المعصية ألبتة فحقا يرجع إليه من طاعتهم أجر ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) (٨٥) أي قادرا على إيصال الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه وحافظا للأشياء شاهدا عليها فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل فيجازي كلا بما علم منه (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) أي إذا سلم عليكم فردوا على المسلم ردا أحسن من ابتدائه أو أجيبوا التحية بمثلها ومنتهى الأمر في السلام أن يقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد فالأحسن هو أن المسلم إذا قال : السلام عليك زيد في جوابه الرحمة ، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة ، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعيدت في الجواب ، ورد الجواب واجب على الفور وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للإكرام ومبالغة فيه وترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر ، والضرر حرام. وإذا استقبلك واحد فقل : سلام عليكم واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله. وعن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»(١). وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تبدأ
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاستئذان ، باب : كيف يردّ على أهل الذمّة بالسلام ، ومسلم في
اليهودي بالسلام وإذا بدأك فقل وعليك» (١). وعن أبي حنيفة أنه قال : لا يبدأ اليهود بالسلام في كتاب ولا في غيره. وعن أبي يوسف قال : لا تسلم عليهم ولا تصافحهم ، وإذا دخلت عليهم فقل : السلام على من اتّبع الهدى. ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء : ينبغي أن يقال : وعليك. ثم هاهنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم : وعليكم السلام فهل يجوز ذكر الرحمة؟ فقال الحسن : يجوز أن يقال للكافر : وعليكم السلام ، لكن لا يقال : ورحمة الله لأنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني وعليكم السلام ورحمة الله ، فقيل له في ذلك ، فقال : أليس في رحمة الله يعيش. وقيل : التحية بالأحسن عند كون المسلم مسلما ورد مثلها عند كونه كافرا. والمقصود من هذه الآية : الوعيد ، فإن الواحد من جنس الكفار قد يسلم على الرجل المسلم ، ثم إن ذلك المسلم يتفحص عن حاله بل ربما قتله طمعا منه في سلبه فالله تعالى زجر عن ذلك فإياكم أن تتعرضوا له بالقتل (إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (٨٦) أي محاسبا على كل أعمالكم وكافيا في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. وهذا يدل على شدة الاعتناء بحفظ الدماء (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) مبتدأ وخبر. قال بعضهم : كأنه تعالى يقول من سلم عليكم فاقبلوا سلامه وأكرموه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلّا هو وإنما ينكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة. (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي والله ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة (لا رَيْبَ فِيهِ) أي يوم القيامة (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) (٨٧) وهذا استفهام على سبيل الإنكار. والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا ، وأن الكذب والخلف في قوله تعالى محال (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) أي ما لكم يا معشر المؤمنين صرتم في أمر المنافقين فرقتين وهو استفهام على سبيل الإنكار. أي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في كفرهم بل يجب أن تقطعوا به. نزلت هذه الآية في عشرة نفر قدموا على النبيّ صلىاللهعليهوسلم مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله ثم قالوا : يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه ، فأذن لهم. فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم. فقال بعضهم : لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما
__________________
كتاب السلام ، باب : ٩ ، والدارمي في كتاب الاستئذان ، باب : في رد السلام على أهل الكتاب ، وأحمد في (م ٢ / ص ٩).
(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب ، باب : في السلام على أهل الذمة ، ومسلم في كتاب السلام ، باب : ١٤ ، والترمذي في كتاب الاستئذان ، باب : ١٢ ، وابن ماجة في كتاب الأدب ، باب : السلام على أهل الذمة ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٦٣).
صبرنا. وقال قوم : هم مسلمون وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم. فبيّن الله تعالى نفاقهم في هذه الآية (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ) أي ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والسبي والقتل (بِما كَسَبُوا) من إظهار الكفر بعد ما كانوا على النفاق. وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله فإذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ) عن الإيمان (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) عن دينه (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (٨٨) إلى إدخاله في الإيمان (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا) أي تمنوا كفركم بمحمد والقرآن كفرا مثل كفركم (فَتَكُونُونَ) أنتم وهم (سَواءً) في الكفر (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي إذا كان حالهم ودادة كفركم فلا توالوهم حتى ينتقلوا من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين لأجل أمر الله تعالى.
اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين. قال صلىاللهعليهوسلم : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وقال المحققون : الهجرة في سبيل الله عبارة عن ترك منهيات الله وفعل مأموراته وذلك يشمل مهاجرة دار الكفر ، ومهاجرة شعار الكفر وإنما قيد الله تعالى الهجرة بكونها في سبيل الله لإخراج الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا. فإنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن الإيمان والهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة (فَخُذُوهُمْ) أي فأسروهم إذا قدرتم عليهم (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي في الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسرا وقتلا (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ) في هذه الحالة (وَلِيًّا) يتولى شيئا من مهماتكم (وَلا نَصِيراً) (٨٩) ينصركم على أعدائكم (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) أي ينتهون (إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) أي إلا من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في حق هلال بن عويمر الأسلمي ، وسراقة بن مالك المدلجي وبني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وفي هذه الآية بشارة عظيمة لأهل الإيمان لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى. (أَوْ) إلا الذين (جاؤُكُمْ حَصِرَتْ) أي ضاقت (صُدُورُهُمْ) عن المقاتلة فلا يريدون (أَنْ يُقاتِلُوكُمْ) لأنكم مسلمون وللعهد (أَوْ) لا يريدون أن (يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) لأنهم أقاربهم فهم لا عليكم ولا لكم. أي لما أمر الله بأخذ الكفار وقتلهم استثنى من المأمور فريقين أحدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) ببسط صدورهم
وتقوية قلوبهم وإزالة الرعب عنها. والمعنى أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو بقذف الله الرعب في قلوبهم ولو قوّى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى منّ على المسلمين بكف بأس المعاهدين (فَلَقاتَلُوكُمْ) وهذا في الحقيقة جواب «لو» وما قبله توطئة له ، وأعيدت اللام توكيدا (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) أي تركوكم (فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي الانقياد للصلح والأمان (فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (٩٠) أي طريقا بالأسر أو بالقتل (سَتَجِدُونَ) عن قريب (آخَرِينَ) أي قوما من المنافقين غير من سبق وهم قوم من أسد وغطفان كانوا مقيمين حول المدينة فإذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا. وقالوا لأصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إنا على دينكم ـ ليأمنوا من قتال المسلمين ـ وإذا رجعوا إلى قومهم كفروا أو نكثوا عهودهم ـ ليأمنوا من قومهم ـ حتى كان الرجل منهم يقول له قومه : بما ذا أسلمت؟ فيقول : آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء ، كما قال تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) أي يأمنوا من قتالكم بإظهار الإسلام عندكم (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) أي من بأسهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) أي كلما دعوا إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُوا فِيها) أي قلبوا في الفتنة أقبح قلب وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير. أي كلما دعاهم قومهم إلى الكفر وقتال المسلمين رجعوا إليه وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي فإن لم يتركوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفروا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أي وأسروهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي وجدتموهم في الحل والحرم (وَأُولئِكُمْ) أي أهل هذه الصفة (جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) (٩١) أي جعلنا لكم على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بأهل الإسلام أو جعلنا لكم عليهم تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) أي ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا فههنا يجوز قتله ولا شك أن هذا خطأ فإنه ظن أنه كافر مع أنه غير كافر.
روي أن عياش بن أبي ربيعة أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبيّ صلىاللهعليهوسلم إليها ، وتحصن في أطم من آطامها خوفا من قومه ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع فخرج أبو جهل بن هشام ، والحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه ، فقال أبو جهل : أليس إن محمدا يأمرك ببر الأم؟ فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك. فرجع إلى مكة فلما دنوا من مكة قيدا يديه ورجليه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما دخل على أمه حلفت لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول فتركوه موثوقا مطروحا في الشمس ما شاء
الله ، ففعل بلسانه فأتاه الحرث ابن زيد فقال : يا عياش إن كان دينك الأول هدى فقد تركته ، وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه. فغضب عياش من مقالته وقال : والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث بعد ذلك ، وهاجر إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلقيه عياش في ظهر قباء خاليا ولم يشعر بإسلامه فقتله ، فلما أخبره الناس بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً) بأن يقصد رمي المشرك فأصاب مسلما ، أو يظن الشخص مشركا فقتله فبان مسلما أو يضرب المسلم بضربة لا تقتل غالبا فيموت منها.
فالأول : خطأ في الفعل.
والثاني : خطأ في القصد.
والثالث : خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب ولذلك سمي شبه العمد (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) أي فعليه إعتاق نسمة محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ودية مؤداة إلى ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي إلا أن يعفو أهل المقتول عن الدية ويتركوها وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله. وفي الحديث «كل معروف صدقة» (١). (فَإِنْ كانَ) أي المقتول خطأ (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي من سكان دار الحرب (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ولم يعلم القاتل بكونه مؤمنا (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي فالواجب على القاتل بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة ، وأما الدية فلا تجب إذ لا وراثة بين المقتول وبين أهله لأنهم محاربون كالحرث بن زيد فإنه من قوم محاربين لرسول صلىاللهعليهوسلم ، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى ليقوم المعتوق به مقام المقتول في المواظبة على العبادات (وَإِنْ كانَ) أي المقتول خطأ (مِنْ قَوْمٍ) كفرة (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) أي عهد مؤقت أو مؤبد (فَدِيَةٌ) أي فعلى قاتله دية (مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) أي المقتول. وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانيا أو يهوديا تحل مناكحته ، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا أو كتابيا لا تحل مناكحته (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) على القاتل (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) أي فمن كان فقيرا فعليه ذلك الصيام بدلا عن الرقبة. وقال مسروق : بدلا عن مجموع الكفارة والدية والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس (تَوْبَةً مِنَ اللهِ)
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأدب ، باب : كل معروف صدقة ، ومسلم في كتاب الزكاة ، باب : ٥٢ ، وأبو داود في كتاب الأدب ، باب : في المعونة لمسلم ، والترمذي في كتاب البرّ ، باب : ٤٥ ، وأحمد في (م ٣ / ص ٣٤٤).
أي شرع ذلك تجاوزا من الله على تقصيره في ترك الاحتياط لأنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) بأن القاتل لم يتعمد (حَكِيماً) (٩٢) في أنه تعالى ما يؤاخذه بذلك الخطأ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ).
روي أن مقيس بن ضبابة الكناني كان قد أسلم هو وأخوه هشام ، فوجد مقيس أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وذكر له القصة فأرسل رسول الله صلىاللهعليهوسلم معه زبير ابن عياض ـ الفهري وكان من أصحاب بدر ـ إلى بني النجار يأمرهم بتسليم القاتل إلى مقيس ليقتص منه إن علموه وبأداء الدية إن لم يعلموه. فقالوا : سمعا وطاعة ، فأتوه بمائة من الإبل فانصرفا راجعين إلى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريق تغفل مقيس الكناني رسول سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم الفهري فرماه بصخرة فشدخه ، ثم ركب بعيرا من الإبل واستاق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا ، فنزلت هذه الآية وهو الذي استثناه رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم الفتح ممن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة (خالِداً فِيها) حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام. كأنه قيل : فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا فيها (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ) أي انتقم منه عطف على مقدر كأنه قيل بطريق الاستئناف : حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب عليه (وَلَعَنَهُ) أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائه ما ذكر (وَأَعَدَّ لَهُ) في جهنم (عَذاباً عَظِيماً) (٩٣) لا يقدر قدره.
وقال ابن عباس : ومن يقتل مؤمنا رسول سيدنا رسول الله متعمدا بقتله ـ أي بأن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن ـ فجزاؤه جهنم بقتله عامدا عالما بكونه مؤمنا خالدا فيها بشركه وارتداده وغضب الله عليه بأخذه الدية ، ولعنه بقتله غير قاتل أخيه ، وأعدّ له عذابا عظيما أي شديدا بجراءته على الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي سافرتم في الغزو (فَتَبَيَّنُوا) أي تحققوا حتى يتبين لكم المؤمن من الكافر. قرأ حمزة والكسائي هنا في الموضعين. وفي الحجرات : (فَتَبَيَّنُوا) أي اطلبوا التثبت. والمراد في الآية فتأنوا واتركوا العجلة واحتاطوا (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ) أي لا تقولوا بغير تأمل لمن حياكم بتحية الإسلام أو لمن ألقى إليكم الانقياد بقول : لا إله إلّا الله محمد رسول الله (لَسْتَ مُؤْمِناً) فتقتلونه (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي حال كونكم طالبين لماله الذي هو سريع النفاد (فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) أي ثواب كثير (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) أي مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام كنتم أنتم أيضا في أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها. (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) بأن قيل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم (فَتَبَيَّنُوا) أي إذا كان الأمر كذلك أي فقيسوا حاله بحالكم وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال من غير
وقوف على تواطئ الظاهر والباطن (إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ) من الأعمال الظاهرة والخفية (خَبِيراً) (٩٤) فيجازيكم بحسبها إن خير فخير وإن شرا فشر. فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه.نزلت هذه الآية في شأن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك وكان قد أسلم هو ولم يسلم غيره من قومه فذهبت سرية رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى قومه مع أميرهم غالب بن فضالة فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا ، كبر ونزل وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه.فأخبروا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فوجد وجدا شديدا وقال : «قتلتموه إرادة ما معه» فقال : أسامة إنه قال بلسانه دون قلبه. فقال صلىاللهعليهوسلم : «هلا شققت عن قلبه» ثم قرأ هذه الآية على أسامة فقال : يا رسول الله استغفر لي. فقال : «فكيف وقد تلا لا إله إلا الله؟» قال أسامة : فما زال صلىاللهعليهوسلم يعيدها حتى وددت إن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر لي ثلاث مرات وقال : «أعتق رقبة»(١). (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ) الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم الذين هم (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) من مرض أو عاهة ، من عمي أو عرج أو زمانة أو نحوها. وفي معناه العجز عن الأهبة.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالرفع بدل من «القاعدون» ، ونافع وابن عامر والكسائي. والباقون بالنصب على الحال من «القاعدون». والأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين (وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ).
قال ابن عباس : أي لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. (فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ) أولي الضرر (دَرَجَةً) أي فضيلة في الآخرة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد ، فنزلوا عن المجاهدين درجة (وَكُلًّا) من المجاهدين والقاعدين (وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) أي الجنة بإيمانهم (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ) في سبيل الله (عَلَى الْقاعِدِينَ) الذين لا عذر لهم ولا ضرر (أَجْراً عَظِيماً) (٩٥) (دَرَجاتٍ مِنْهُ) أي من الله تعالى (وَمَغْفِرَةً) للذنوب (وَرَحْمَةً) من العذاب (وَكانَ اللهُ غَفُوراً) لمن خرج إلى الجهاد (رَحِيماً) (٩٦) لمن مات على التوبة. وقيل : هذا التفضيل بين المجاهدين والقاعدين غير أولي الضرر فقط. وذلك إما لتنزيل الاختلاف بين التفضيلين منزلة الاختلاف الذاتي ، كأنه قيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها وإما
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب : ١٥٨ ، وأبو داود في كتاب الجهاد ، باب : على ما يقاتل المشركون ، وابن ماجة في كتاب الفتن ، باب : الكف عمن قال : لا إله إلا الله ، وأحمد في (م ٤ / ص ٤٣٩).
للاختلاف بالذات بين التفضيلين على أن المراد بالتفضيل الأول ما أعطاهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر ، والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية كأنه قيل : وفضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى. أما أولو الضرر فهم مساوون للمجاهدين ويدل على المساواة النقل والعقل. أما النقل : فقوله تعالى : (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [التين : ٥ ، ٦] وذكر بعض المفسرين في تفسير ذلك أن من صار هرما كتب الله له أجر ما كان يعمله قبل هرمه ، غير منقوص من ذلك شيئا. وأما العقل : فالمقصود من جميع الطاعات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب ، وإن كان القاعد أكثر خطأ من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا.
وقال بعضهم : والمراد بقوله : (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ) لدفع التكرار هو من كان مجاهدا في كل الأمور بالظاهر والقلب. وهو أشرف أنواع المجاهدة ، وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله ولما كان هذا المقام أعلى جعل فضيلته درجات. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي ملك الموت وأعوانه وهم ستة : ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين. وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار. (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة الموجبة للإخلال بأمور الدين فإن هذه الآية نزلت في ناس من مكة قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة ، فقتلوا يوم بدر مع الكفار منهم : علي بن أمية بن خلف ، والحرث بن زمعة ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج ، وأبو قيس بن الفاكه (قالُوا) أي الملائكة لهم حين القبض : (فِيمَ كُنْتُمْ) أي في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم أي أكننتم في أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم أم كنتم مشركين أو فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه. (قالُوا) معتذرين اعتذارا غير صحيح : (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) أي كنا مقهورين في أرض مكة في أيدي الكفار (قالُوا) أي الملائكة لهم توبيخا مع ضرب وجوههم وأدبارهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) أي إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم فبقيتم بين الكفار.
وقال ابن عباس : أي ألم تكن المدينة آمنة فتهاجروا إليها (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ) في الآخرة (جَهَنَّمُ) كما أن مأواهم في الدنيا دار الكفر لتركهم الفريضة فـ «مأواهم» مبتدأ ، و «جهنم» خبره ، والجملة خبر لـ «أولئك». وهذه الجملة خبران وقوله تعالى : «قالوا فيم كنتم» حال من «الملائكة» أو هو الخبر والعائد منه محذوف أي قالوا لهم : (وَساءَتْ مَصِيراً) (٩٧) أي بئس مصيرهم جهنم (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) أي الصبيان أو المماليك (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أي لا
يقدرون على حيلة الخروج ولا نفقة أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة (وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (٩٨) أي لا يعرفون طريقا ولا يجدون من يدلهم على الطريق. كعياش بن أبي ربيعة بن هشام ، وسيدنا عبد الله بن عباس وأمه ـ اسمها لبابة ـ كما قال : كنت أنا وأمي ممن عفا الله عنه بهذه الآية (فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) وذكر العفو بكلمة «عسى» لا بالكلمة الدالة على القطع ، لأن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها ، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة فكانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام (وَكانَ اللهُ عَفُوًّا) لما كان منهم (غَفُوراً) (٩٩) لمن تاب منهم (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) في المعيشة أي ومن يهاجر في طاعة الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية ، وذلك لأن من ذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه ورغمت أنوفهم بسبب ذلك (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) أي إلى موضع أمر الله ورسوله (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) قبل أن يصل لي المقصد وإن كان خارج بابه (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) أي فقد وجب أجر هجرته عند الله بإيجابه على نفسه بحكم الوعد والتفضل والكرم ، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية (وَكانَ اللهُ غَفُوراً) لما كان منه من القعود إلى وقت الخروج (رَحِيماً) (١٠٠) بإكمال أجر الهجرة ، فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على إتمامها كتب الله له ثوابها كاملا.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما نزل عليه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) إلى آخر الآيات. بعث بها إلى مكة فتليت على المسلمين الذين كانوا فيها إذ ذاك فسمعها رجل من بني ليث ـ شيخ مريض كبير يقال له : جندع بن ضمرة ـ فقال لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي الطريق والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله ، ثم قال : اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات ، فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : توفى بالمدينة لكان أتم أجرا ، وضحك المشركون وقالوا : ما أدرك ما طلب فأنزل الله تعالى قوله : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ) الآية. قالوا : كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى الله تعالى وإلى رسوله صلىاللهعليهوسلم (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أي إذا سافرتم ـ أيّ مسافرة كانت ـ فليس عليكم مأثم في أن تردوا الصلاة من أربع ركعات إلى ركعتين إذا كان السفر طويلا لغير معصية. وهو عند الشافعي ومالك أربعة برد وهي مرحلتان ، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام بلياليهن.
وروي عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام وبه قال الزهريّ والأوزاعي وقال أنس بن مالك :
المعتبر خمس فراسخ (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيره. وقال ابن عباس : أي إن علمتم أن يقتلوكم في الصلاة. وهذا الشرط بيان للواقع إذ ذاك ، وهو أن غالب أسفار نبينا صلىاللهعليهوسلم وأصحابه لم تخل من خوف العدو لكثرة المشركين ، وأهل الحرب إذ ذاك فحينئذ لا يشترط الخوف بل للمسافر القصر مع الأمن لما في الصحيحين أنه صلىاللهعليهوسلم سافر بين مكة والمدينة ، لا يخاف إلا الله عزوجل فكان يصلي ركعتين.قال يعلى بن أمية : قلت لعمر : إنما قال الله تعالى : (إِنْ خِفْتُمْ) وقد أمن الناس. قال عمر : قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١) رواه مسلم. (إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً) (١٠١) أي إن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة ، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين ، وازدادت عداوتهم بسبب شدة العداوة وقصدوا إتلافكم إن قدروا ، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة. (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) أي إذا كنت يا أشرف الخلق مع المؤمنين في خوفهم فأردت أن تقيم بهم الصلاة فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم (وَلْيَأْخُذُوا) أي الطائفة الذين يصلون معك (أَسْلِحَتَهُمْ) من التي لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم (فَإِذا سَجَدُوا) أي القائمون معك وأتموا صلاتهم بعد نية المفارقة (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) أي فلينصرفوا من ورائكم إلى مصاف أصحابهم بإزاء العدو للحراسة ، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) في الركعة الثانية ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن يصلوا ركعة ثانية ، ثم يسلم الإمام بهم وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي. (وَلْيَأْخُذُوا) أي هذه الطائفة (حِذْرَهُمْ) من العدو (وَأَسْلِحَتَهُمْ) معهم وإنما ذكر الحذر هنا لأن العدو لم يتنبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة فإذ قاموا في الركعة الثانية ظهر للكفار كونهم في الصلاة فحينئذ ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم. فخص الله تعالى هذا الوضع بزيادة الحذر من الكفار (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) أي تمنوا نسيانكم عن الأسلحة وما تستمتع بها في الحرب إذا قمتم إلى الصلاة فينالوا منكم غرة وينتهزوا فرصة فيشدوا عليكم واحدة في الصلاة (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) أي لا وزر عليكم في وضع الأسلحة إن تعذر حملها إما لثقلها بسبب مطر أو مرض أو لإيذاء من في الجنب. (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) أي احترزوا من العدو ما استطعتم لئلا يهجموا
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب : صلاة المسافر ، ومسلم في كتاب الصلاة ، باب : ١.
عليكم. وهذه الآية تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة ، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجبا والله أعلم. (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) (١٠٢) في الدنيا بأن يخذلهم وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل بهم عذابه تعالى بأيديكم بالقتل والأسر والنهب (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي فإذا فرغتم من صلاة الخوف فداوموا على ذكر الله في جميع الأحوال حتى في حال المسايفة والقتال ، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه ، فإذا سكنت قلوبكم من الخوف فأدوا الصلاة التي دخل وقتها حينئذ على الحالة التي كنتم تعرفونها ولا تغيروا شيئا من أحوالها وهيئاتها.
وقيل : معنى الآية فإذا أردتم الصلاة فصلوا قياما حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة ، وقعودا جاثين على الركب حال اشتغالكم بالمراماة ، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض ، فإذا زال الخوف عنكم بانقضاء الحرب فأفضوا ما صليتم في تلك الأحوال. وهذا ظاهر على مذهب الشافعي من إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسايفة إذا حضر وقتها وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء.
وقال ابن عباس : أي فإذا فرغتم من صلاة الخوف فصلوا لله قياما للصحيح وقعودا للمريض وعلى الجنوب للجريح والمريض فإذا ذهب منكم الخوف ورجعتم إلى منازلكم فأتموا الصلاة أربعا (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) أي فرضا موقتا (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ) أي لا تعجزوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال. نزلت هذه الآية في شأن بدر الصغرى وذلك لما بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه فشكوا الجراحات حين رجعوا من أحد (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ) أي إن كنتم تتوجعون بالجراح فإنهم يتوجعون بالجراح. فحصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ، فلم يصر خوف الألم مانعا عن قتالكم فكيف صار مانعا لكم عن قتالهم (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ) أي وأنتم ترجون من الله ثوابه وتخافون عذبه لأنكم تعبدون الله تعالى ، والمشركون يعبدون الأصنام فلا يصح منهم أن يرجوا منها ثوابا أو يخافوا منها عقابا فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها.
وقرأ الأعرج «أن تكونوا» بفتح الهمزة أي لأن تكونوا. (وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (١٠٤) أي لا يكلفكم شيئا إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) أي بين طعمة وزيد بن سمين (بِما أَراكَ اللهُ) أي بما علمك الله في القرآن. وسمي العلم الذي بمعنى الاعتقاد بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن الريب يكون جاريا
مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحدكم : قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، والرأي منا يكون ظنا لا علما. نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار يقال له : طعمة ابن أبيرق من بني ظفر سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان وهي في جراب دقيق ، فصار الدقيق يتناثر من خرق فيه ، فخبأها عند زيد بن سمين اليهودي ، فالتمست الدرع عند طعمة ، فلم توجد ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال : دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم نشهد إن اليهودي هو السارق لئلا نفتضح بل عزموا على الحلف فذهبوا وشهدوا زورا ، ولم يظهر له صلىاللهعليهوسلم قادح فيهم فهمّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم بضرب اليهودي أو بقطع يده لثبوت المال عنده. فأعلمه الله الحال بالوحي فهمّ أن يقضي على طعمة فهرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا ليسرق متاع أهله فوقع عليه فقتله ومات مرتدا في مكة. (وَلا تَكُنْ) يا أشرف الخلق (لِلْخائِنِينَ) أي لأجل المنافقين وللذب عنهم وهم طعمة وقومه بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر. كما أخرجه الترمذي من حديث قتادة بن النعمان (خَصِيماً) (١٠٥) أي مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب وهو اليهودي (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ) من همك بضرب اليهودي زيد بن سمين تعويلا على شهادتهم لأنهم كانوا في الظاهر مسلمين. فاستغفاره صلىاللهعليهوسلم بسبب ذلك الهمّ بالحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند الله فيه فأمر صلىاللهعليهوسلم بالاستغفار لهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (١٠٦) أي مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره. (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ) طعمة ومن عاونه من قومه من علم كونه سارقا (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) (١٠٧) فإن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة ، وطلب من النبيّ صلىاللهعليهوسلم أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي. وهذا يبطل رسالة الرسول ومن حاول إبطاله ذلك وإظهار كذبه فهو كافر. وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وروي عن عمر أنه أمر بقطع يد السارق فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال عمر : كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر. (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) أي يستترون منهم حياء وخوفا من ضرر (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) أي ولا يستحيون منه تعالى ولا يخافون من عذابه تعالى (وَهُوَ مَعَهُمْ) بعلمه ورؤيته وقدرته (إِذْ يُبَيِّتُونَ) أي يقدرون في أذهانهم (ما لا يَرْضى) أي الله (مِنَ الْقَوْلِ) وهو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع ، وأحلف أني لم أسرقها فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي. (وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (١٠٨) لا يعزب عنه تعالى شيء ولا يفوت (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ) أي أنتم يا قوم طعمة (جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وأمثاله في الدنيا.
وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب عنه بالإفراد (فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) عند تعذيبهم (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (١٠٩) أي أم من الذي يكون حافظا لهم من عذاب الله (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً) أي قبيحا ويحزن به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع لقتادة ومن رمي اليهودي بالسرقة. (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) كالحلف الكاذب (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ) بالتوبة الصادقة (يَجِدِ اللهَ غَفُوراً) لذنوبه (رَحِيماً) (١١٠) حيث قبل توبته (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً) أي ذنبا (فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) فلا يتعدى ضرره إلى غيره فليحترز عن إقبال نفسه للعقاب عاجلا وآجلا والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف الله تعالى بذلك (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة (حَكِيماً) (١١١) تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب وأن لا يحمل نفسا وازرة وزر نفس أخرى (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي صغيرة أو قاصرة على الفاعل ، أو ما لا ينبغي فعله بالعمد أو بالخطإ (أَوْ إِثْماً) أي كبيرة أو ما يتعدى إلى الغير كالظلم والقتل أو ما يحصل بالعمد (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ) أي يقذف بذلك الذنب (بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (١١٢) أي فقد أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم وعقوبة ذنب بيّن. فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكم وهو بريء منه فصاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ومعاقب في الآخرة أشد العقاب ، فقوله تعالى : (بُهْتاناً) إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا. وقوله تعالى : (إِثْماً مُبِيناً) إشارة إلى العقاب العظيم في الآخرة (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ) بإعلامك ما همّ عليه بالوحي (وَرَحْمَتُهُ) بتنبيهك على الحق أو المعنى لو لا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة وهي العصمة (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي لأرادت طائفة من قوم طعمة أن يلقوك في الحكم الباطل وذلك لأن قوم طعمة قد عرفوا أنه سارق ، ثم سألوا النبيّ صلىاللهعليهوسلم أن يجادل عنه ويبرئه عن السرقة وينسب تلك السرقة إلى اليهودي (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) أي إنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت فيه لأنه تعالى عاصمك ولأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (وَالْحِكْمَةَ) أي علم الشرائع (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من أمور الدين وأسرار الكتاب والحكمة وأخبار الأولين وحيل المنافقين (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (١١٣) وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف المناقب والفضائل مع أن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا) في نجوى (مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) واجبة أو مندوبة (أَوْ مَعْرُوفٍ) وهو أصناف أعمال البر كالقرض وإغاثة الملهوف (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) عند وقوع المعاداة بينهم من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك وذلك كما قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف
أو نهي عن منكر أو ذكر الله» (١). (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي هذا المذكور من الصدقة وفنون الجميل والإصلاح ، أو ذلك الأمر بهذه الأقسام الثلاثة كأنه قيل : ومن يأمر بذلك ويجوز أن يراد بالفعل الأمر ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر فعل من الأفعال أي ومن يأمر بذلك (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) أي طلب رضوان الله (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١١٤) أما إذا أتى بذلك للرياء والسمعة صار من أعظم المفاسد. وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية وتصفية القلب عن داعية الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله.
وقرأ أبو عمرو وحمزة «يؤتيه» بالياء مناسبة للغيب في قوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ). والباقون بنون العظمة مناسبة لقوله تعالى الآتي نوله ونصله (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) (١١٥).
روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ، ونقب جدار إنسان لأجل السرقة ، فتهدم الجدار عليه ومات ، فنزلت هذه الآية ، ومعناها : ومن يخالف الرسول في الحكم من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام ويتبع دينا غير دين الموحدين نتركه إلى ما اختار لنفسه ، ونخله إلى ما اعتمد عليه في الدنيا وندخله جهنم في الآخرة وبئس مصيره جهنم. وذلك أن طعمة قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره ـ من أنه سارق ـ ما دله ذلك على صحة نبوة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم فعادى الرسول وأظهر الشقاق وترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأصنام (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) إذا مات على الشرك (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) أي الشرك (لِمَنْ يَشاءُ) سواء حصلت التوبة أو لم تحصل.
روي عن ابن عباس رضياللهعنهما أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جراءة على الله تعالى ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا وأني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت هذه الآية. (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (١١٦) عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة أما من لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدا فلا يصير محروما عن الرحمة ، ثم بيّن الله تعالى كون الشرك ضلالا بعيدا فقال : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً) أي ما يعبد المشركون من أهل مكة إلا أوثانا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللات ، والعزى ، ومناة. واللات : تأنيث العزيز. ومناة : تأنيث المنان. أو لأنهم كانوا يزينونها على هيآت النسوان.
__________________
(١) رواه ابن ماجة في المقدمة ، باب : كف اللسان في الفتنة.
وقرأت عائشة رضياللهعنها «إلّا أوثانا». وابن عباس «إلّا إثنا». جمع وثن مثل أسد وأسد ، والهمزة بدل من الواو المضمومة. (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ) أي وما يعبدون إلّا شيطانا شديد البعد عن الطاعة طرده الله من كل خير لأن إبليس هو الذي أمرهم بعبادة الأوثان فكانت طاعته في ذلك عبادة له. (وَقالَ) أي الشيطان عند ذلك (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (١١٨) أي لأجعلن لي من عبادك حظا مقدرا معينا وهم الذين يتبعون خطوات إبليس ويقبلون وساوسه.
وروي عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) عن الهدى (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أي ألقين في قلوبهم الأماني وهي تورث شيئين :الحرص ، والأمل. وهما يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، ويلازمان للإنسان. قال صلىاللهعليهوسلم : «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان : الحرص والأمل»(١). اه. فالحرص يستلزم ركوب الأهوال فإذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلّا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة (وَلَآمُرَنَّهُمْ) بالتبتيك أي شق آذان الناقة (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) فإن العرب كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها (وَلَآمُرَنَّهُمْ) بالتغيير (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) صورة أو صفة كإخصاء العبيد وفقء العيون وقطع الآذان والوشم والوشر ، ووصل الشعر. فإن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها. ويدخل في هذه الآية التخنث والسحاقات لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا ، لكن الفقهاء رخصوا في البهائم للحاجة فيجوز في المأكول الصغير وبحرم في غيره. (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ) بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به (فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً) (١١٩) أي بتضييع أصل ماله وهو الدين الفطري كما قال صلىاللهعليهوسلم : «كل مولود يولد على الفطرة ـ أي دين الإسلام ـ ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (٢). وذلك لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة وطاعة الشيطان تفيد
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٣ / ص ١١٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب القدر ، باب : الله أعلم بما كانوا عاملين ، ومسلم في كتاب القدر ، باب : ٢٢ ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في ذراري المشركين ، والترمذي في كتاب القدر ، باب : ٥ ، والموطأ في كتاب الجنائز ، باب : جامع الجنائز ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٣٣).
المنافع القليلة المنقطعة ويعقبها العذاب الأليم (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) بأن يلقي الشيطان في قلوبهم أنه ستطول أعمارهم وينالون من الدينا آمالهم ومقاصدهم ويقع في قلوبهم أن الدنيا دول فربما تيسرت لهم كما تيسرت لغيرهم ، وأيضا أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية (وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) (١٢٠) وهو أن يظن الإنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار وجميع الدنيا كذلك (أُولئِكَ) أي أولياء الشيطان وهم الكفار (مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها) أي جهنم (مَحِيصاً) (١٢١) أي معدلا ومهربا (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي الطاعات تصديقا لإقرارهم (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) أي ماكثين في الجنة مكثا طويلا لا يخرجون منها (أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا) أي وعدهم بذلك الإدخال وعدا لا خلف فيه وحق ذلك حقا.
فالأول : مؤكد لنفسه.
والثاني : مؤكد لغيره. (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) (١٢٢) أي لا أحد أصدق من الله وعدا وهذا توكيد ثالث ، وفائدة هذه التوكيدات لمواعيد الشيطان الكاذبة وترغيب للعباد في تحصيل ما وعده الله (لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ) أي ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله تعالى : (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ بِأَمانِيِّكُمْ) يا معشر المؤمنين أن يغفر لكم وإن ارتكبتم الكبائر أي فإنكم تمنيتم أن لا تؤاخذوا بسوء بعد الإيمان ولا أماني اليهود والنصارى فإنهم قالوا : لن يدخل الجنة إلّا من كان هودا أو نصارى ، وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا ، وقالوا : لن تمسنا النار إلّا أياما معدودة وليس الأمر كذلك فإنه تعالى يخص بالعفو أو الرحمة من يشاء أي ليس يستحق ذلك الثواب بالأماني ، وأنّى يستحق بالإيمان والعمل الصالح. (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) فالمؤمن يجزى عند عدم التوبة إما في الدنيا بالمصيبة ، أو بعد الموت قبل دخول الجنة أو بإحباط ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية ، والكافر يجزى في الدنيا بالمحن والبلاء وفي الآخرة دائما.
روي أنه لما نزلت هذه الآية؟ قال أبو بكر الصديق : كيف الصلاح بعد هذه الآية فقال صلىاللهعليهوسلم : «غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض! أليس يصيبك الأذى ـ أي البلاء ـ والحزن؟!» قال : بلى ، يا رسول الله. قال : «فهو ما تجزون»(١). وعن عائشة رضياللهعنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال : أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا فبلغ كلامه النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : «يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبة في
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ١١).
جسده وما يؤذيه»(١). وعن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «أبشروا فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلّا جعلها الله له كفارة ، حتى الشوكة التي تقع في قدمه»(٢). (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي مجاوزا عن حفظ الله ونصرته (وَلِيًّا) أي حافظا يحفظه (وَلا نَصِيراً) (١٢٣) ينصره فشفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلّا الله تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) أي من يعمل بعض الصالحات كائنا (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (١٢٤) أي ولا ينقصون قدر منبت النواة من ثواب أعمالهم فإذا لم ينقص الله الثواب فجدير أن لا يزيد في العقاب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم يدخلون الجنة بالبناء للمفعول وكذلك في سورة «مريم» وفي «حم المؤمن».
قال مسروق : لما نزل قوله تعالى : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ). وقال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء. فنزلت هذه الآية (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أي لا أحد أحسن دينا ممن عرف ربه بقلبه ، وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي والحال أنه آت بالحسنات تارك للسيئات (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) حال للمتبوع أو للتابع وإنما دعا سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم الخلق إلى دين إبراهيم لأنه اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلّا إلى الله تعالى وشرعه مقبول عند الكل ، لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم. وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) (١٢٥).
روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان ، وكان منزله على ظهر الطريق ، يضيف من مر به من الناس. فأصحاب الناس أزمة فاجتمعوا في بابه فحشروا إلى بابه يطلبون الطعام ، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر ، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر ، فقال خليله لغلمانه : لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكن يريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس من الشدة ، فرجع غلمانه فمروا ببطحاء أي بأرض ذات حصى فملأوا منها الغرائر حياء من الناس حيث كانت إبلهم فارغة وجاءوا بها إلى منزل إبراهيم وألقوها فيه وتفرقوا وأخبره أحدهم بالقصة ، فاغتم لذلك غما شديدا ، فغلبته عيناه ، وعمدت سارة إلى الغرائر ففتحتها فإذا فيها أجود حوّارى بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء ،
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٦ / ص ٦٦).
(٢) رواه الحميدي في المسند (١١٤٨).
وهو الدقيق الذي نخل مرة بعد أخرى. فأمرت الخبازين فخبروا فأطعمت الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز ، فقال : من أين هذا لكم؟ فقالت سارة : من خليلك المصري. فقال بل من عند خليلي الله عزوجل فسماه الله تعالى خليلا. وقال شهر بن حوشب : هبط مالك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليهالسلام : اذكره مرة أخرى ، فقال لا أذكره مجانا ، فقال : لك مالي كله فذكره الملك بصوت أشجى من الأول. فقال : اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك : أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك ، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فحقا اتخذه الله خليلا (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) يختار منهما ما يشاء لمن يشاء (وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) من أهل السموات والأرض (مُحِيطاً) (١٢٦) بالقدرة والعلم (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) أي يسألك يا أشرف الخلق جماعة من الصحابة عن أحوال كثيرة مما يتعلق بحق النساء فالذي بين الله حكمه فيما سبق في أول هذه السورة أحال بيان الحكم في ذلك ، والذي لم يبين حكمه بين هنا وذلك قوله تعالى : (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ) أي قل يا أشرف الخلق لهم الله تعالى قد بيّن لكم أحوال النساء والمتلو (فِي الْكِتابِ) في أول هذه السورة قد بيّن لكم (فِي يَتامَى النِّساءِ) أي في شأنهن فـ «ما» معطوف على المبتدأ وهذا متعلق بـ «يتلى» وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) [النساء : ٣] (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَ) أي اللاتي لا تعطونهن ما وجب لهن من الميراث أو الصداق وذلك لأنهم يورثون الرجال دون النساء والكبار دون الصغار (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) وهذا يحتمل الرغبة والنفرة فإن حمل على الرغبة كان المعنى ، وترغبون عن أن تنكحوهن لما لهن وجمالهن بأقل من صداقهن ، وإن حمل على النفرة كان المعنى : وترغبون في أن تنكحوهن لدمامتهن وتمسكوهن رغبة في مالهن. وهذه الجملة معطوف على الصلة عطف المثبتة على المنفية ويجوز أن تكون حالا من فاعل تؤتونهن والتأويل وأنتم ترغبون وهذا إذا أريد بقوله تعالى : (ما كُتِبَ لَهُنَ) صداقهن.
روى مسلم عن عائشة قالت : هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينكحها وينقص صداقها عن عادة نسائها فنهوا عن نكاحهن إلّا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن. قالت عائشة : فاستفتى الناس رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) إلى قوله تعالى : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) فبين الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بعادتها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها ، قال الله تعالى : فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يعطوها حقها إلّا وفي من الصداق ويقسطوا لها (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) معطوف على يتامى النساء وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء الذين تلي في حقهم قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم.
وروي أن عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : أخبرنا بأنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة فقال صلىاللهعليهوسلم : (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) عطف على المستضعفين وتقدير الآية : وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين في أن تقوموا لليتامى والذي تلي في حقهم قوله تعالى : (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء : ٢] (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) (١٢٧) أي يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً) أي إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما (أَوْ إِعْراضاً) أي سكوتا عن الخير والشر (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) حينئذ في (أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً) بأن بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة أو القسم وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها. وهذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهمّ بطلاقها فقالت : لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة. فقال الزوج : إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «يصلحا» بضم الياء وسكون الصاد ، والباقون «يصالحا» بفتح الياء والصاد المشددة الممدودة قالوا : معناه يتوافقا وهو أليق بهذا الموضع (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) أي والصلح بين الزوجين خير من سوء العشرة أو من الفرقة أو من الخصومة أو هو خير من الخيور (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ) أي جعل الشح حاضرا للأنفس لا يغيب عنها ولا ينفك عنها أبدا فالمرأة تبخل ببذل حقها لزوجها وطمعها يجرها إلى أن ترضى ، والرجل يبخل بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمعاشرتها (وَإِنْ تُحْسِنُوا) بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن بأن تسووا بين الشابة والعجوز في القسمة والنفقة (وَتَتَّقُوا) ما يؤدي إلى الأذى والخصومة (فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ) من الإحسان والتقوى (خَبِيراً) (١٢٨) وهو يثيبكم عليه.
وروي أن هذه الآية نزلت في عمرة بنت محمد بن مسلمة وزوجها سعد بن الربيع تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها فأتت رسول الله صلىاللهعليهوسلم وشكت إليه ذلك (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ) أي لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به (وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أي جهدتم على إقامة العدل في الحب (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة أي إنكم لستم منهيين عن حصول
التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) أي فتبقى الأخرى لا أيم ولا ذات بعل. كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء وفي قراءة أبي فتذروها كالمسجونة (وَإِنْ تُصْلِحُوا) ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة (وَتَتَّقُوا) في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك (فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (١٢٩) فيغفر ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض ويتفضل عليكم برحمته (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) أي وإن رغبا في المفارقة بأن لم يتفقا بصلح أو غيره يغن الله كل واحد منهما عن صاحبه بزوج خير من زوجه الأول يعيش أهنأ من عيشه الأول من غناه تعالى وقدرته (وَكانَ اللهُ واسِعاً) أي في العلم والقدرة والرحمة والفضل والجود (حَكِيماً) (١٣٠) أي متقنا في أفعاله وأحكامه (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) من الموجودات من الخلائق والخزائن فيهما (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) أي ولقد أمرنا اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم وأمرناكم يا أمة محمد في كتابكم بطاعة الله وهي وصية الله في الأولين والآخرين فهي شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً) (١٣١) أي وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فاعملوا أن لله ما في سماواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده وكان مع ذلك غنيا عن خلقهم وعن عباداتهم ومستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه ، وإن لم يحمده أحد منهم فهو تعالى في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم ، كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم ، وإنما وصاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته ، فهو منزه عن طاعات المطيعين ، وعن ذنوب المذنبين فلا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي والسيئات (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) من الخلائق قاطبة مفتقرون إليه في الوجود وسائر النعم المتفرعة عليه لا يستغنون عن فيضه طرفة عين. فحقه أن يطاع ولا يعصى ، ويتقى عقابه ويرجى ثوابه (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (١٣٢) في تدبير أمور الكل وكل الأمور فلا بد من أن يتوكل عليه لا على أحد سواه (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) أي إن يشأ إفناءكم بالكلية وإيجاد قوم آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، يفنكم بالمرة ويوجد مكانكم قوما خيرا منكم وأطوع لله. (وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ) أي إهلاككم وتخليف غيركم (قَدِيراً) (١٣٣) أي إن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلق إرادته باستئصالكم لا لعجزه تعالى عن ذلك (مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) أي من كان يريد بعمله منفعة الدنيا فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدارين.
وقال الفخر الرازي : تقرير الكلام ، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده الله تعالى وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط. وقال ابن عباس : من كان يريد منفعة الدنيا بعمله الذي
افترضه الله عليه فليعمل لله فإن ثواب الدنيا والآخرة بيد الله ، أي فإن العاقل يطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع (وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (١٣٤) أي عالما بجميع المسموعات والمبصرات (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ) أي كونوا مبالغين في اختيار العدل وفي الاحتراز عن الجور تقيمون شهادتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي ولو كانت وبالا على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما) أي إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغني أو للترحم على الفقير أولى بأمورهما ومصالحهما وفي قراءة أبي فالله أولى بهم. وهو إما راجع إلى قوله «أو الوالدين والأقربين» ، أو راجع إلى جنس الغني وجنس الفقير.
وقرأ عبد الله «إن يكن غني أو فقير» على كان التامة (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) أي لأجل أن تعدلوا. والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل (وَإِنْ تَلْوُوا) بواوين على قراءة الجمهور أي وإن تحرفوا ألسنتكم عن شهادة الحق.
وقرأ ابن عامر وحمزة «وإن تلوا» بضم اللام وحذف الواو الأولى أي إن تتموا الشهادة وتقبلوا عليها (أَوْ تُعْرِضُوا) عن أداء الشهادة أصلا (فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (١٣٥) فيجازي المحسن المقبل والمسيء المعرض. نزلت هذه الآية في مقيس بن حبابة كانت عنده شهادة على أبيه. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) في الماضي والحاضر (آمَنُوا) في المستقبل (بِاللهِ وَرَسُولِهِ) محمد صلىاللهعليهوسلم (وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) وهو القرآن (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) أي قبل القرآن. أو المعنى يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال ، أو يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجملية آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية وهذا خطاب لكافة المسلمين. وقيل : هو خطاب لمؤمني أهل الكتاب لما أن عبد الله بن سلام وابن أخته سلامة ، وابن أخيه سلمة وأسدا وأسيدا بني كعب وثعلبة بن قيس ، ويامين بن يامين ، أتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقالوا : يا رسول الله إنّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» (١) فقالوا : لا نفعل فنزلت هذه الآية فآمنوا كلهم (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي ومن يكفر بواحد من ذلك المذكور (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (١٣٦) بحيث يعسر العود من الضلال إلى سواء الطريق (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) أي إن
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢ : ٢٣٤) ، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٥٠).
الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات ، ثم ماتوا على الكفر. أو المعنى إن الذين أظهروا الإسلام ثم كفروا بكون باطنهم على خلاف ظاهرهم ، ثم آمنوا بألسنتهم فكلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا : إنا مؤمنون وإنما أظهروا الإيمان لتجري عليهم أحكام المؤمنين ، ثم كفروا فإذا دخلوا على شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزئون. ثم ازدادوا كفرا باجتهادهم في استخراج أنواع المكر في حق المسلمين وبموتهم على الكفر (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (١٣٧) فإن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه عظم فلا يتوب عن الكفر حتى يموت عليه (بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ) أي أنذرهم (بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٣٨) (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي فإن المنافقين يوالون اليهود ويقول بعض المنافقين : لبعض لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود فيقولون : إن العزة لهم (أَيَبْتَغُونَ) أي أيطلب المنافقون (عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي عند اليهود القوة (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (١٣٩) أي إن القدرة الكاملة لله وكل من سواه فبإقداره صار قادرا وبإعزازه صار عزيزا. فالعزة الحاصلة للرسول صلىاللهعليهوسلم وللمؤمنين لم تحصل إلا من عند الله تعالى فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) يا معشر المنافقين (فِي الْكِتابِ) أي القرآن في سورة الأنعام قبل هذا بمكة (أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها) أي أنه إذا سمعتم آيات الله مكفورا بها ومستهزأ بها (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي الكفر والاستهزاء. وذلك قوله تعالى : (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) [الأنعام : ٦٨] الآية وهذا نزل بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ويستهزئون في مجالسهم ، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام المنافقون فقال تعالى مخاطبا للمنافقين : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها) أي إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إنكم أيها المنافقون مثل أولئك الأحبار في الكفر ، قال أهل العلم : هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله ، وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشرة أما إذا كان ساخطا لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك. فالمنافقون الذين كانوا يجالسون اليهود وكانوا يطعنون في الرسول والقرآن هم كافرون مثل أولئك اليهود. أما المسلمون الذين كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين على الإيمان فهم كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة بخلاف المنافقين فإنهم كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار (إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ) أي منافقي أهل المدينة عبد الله بن أبي وأصحابه (وَالْكافِرِينَ) أي كفار أهل مكة أبي جهل وأصحابه وكفار أهل المدينة كعب وأصحابه (فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (١٤٠) أي كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ)
أي المنافقين ينتظرون أمرهم وما يحدث لكم من خير أو شر (فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ) أي ظهور على اليهود (قالُوا) أي المنافقون للمؤمنين : (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي مظاهرين لكم فأعطونا قسما من الغنيمة (وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ) أي اليهود (نَصِيبٌ) أي ظفر على المسلمين (قالُوا) أي المنافقون لليهود : (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئا من ذلك (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم وإلا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا لنا نصيبا مما أصبتم. وقيل : إن أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام والمنافقون حذروهم عن ذلك وأطمعوهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم ، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون للكفار : ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم : سيضعف أمر محمد ويقوى أمركم. فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) أي بين المؤمنين والمنافقين (يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي فإن الله تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين إلّا أنه أخر عقابهم إلى يوم القيامة وأجرى عليهم حكم الإسلام في الدنيا (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (١٤١) أي بالشرع. فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه. منها : أن الكافر لا يرث من المسلم. ومنها : أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه في دار الحرب لم يملكه. ومنها : أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما. ومنها : أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية. وقيل : المعنى ليس لأحد من الكافرين أن يغلب المسلمين بالحجة وأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية.
وقال ابن عباس : ولن يجعل الله لليهود على المؤمنين دولة دائما (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطال الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه تعالى الدنيوية. والله فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا ، وأعدّ لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار. قال جرير : نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن أبي ، وأبي عامر بن النعمان.
وقال الزجاج : أي يخادعون رسول الله فيبطنون له الكفر ويظهرون له الإيمان والله مجازيهم بالعقاب على خداعهم. وقال ابن عباس : إنه تعالى خادعهم في الآخرة عند الصراط وذلك أنه تعالى يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ، وبقوا في الظلمة ويبقى نور المؤمنين ، فينادون المؤمنين : أنظرونا نقتبس من نوركم. ويقول المؤمنون : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ودليل ذلك قوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) [البقرة : ١٧] (وَإِذا قامُوا إِلَى
الصَّلاةِ) أي أتوا إلى الصلاة مع المؤمنين (قامُوا كُسالى) أي متثاقلين متباطئين لأنهم لا يرجعون بها ثوابا ولا يخافون من تركها عقابا (يُراؤُنَ النَّاسَ) ليحسبوهم مؤمنين فإنهم لا يقومون إليها إلّا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين (وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٤٢) أي لا يصلون إلا بمرأى من الناس ، وإذا لم يكن معهم أحد لم يصلوا ولا يذكرون الله إلا باللسان فقط (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ) أي مترددين بين كفر السر وإيمان العلانية (لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) أي ليسوا مع المؤمنين في السر فيجب لهم ما يجب للمؤمنين ، وليسوا مع اليهود في العلانية فيجب عليهم ما يجب على اليهود (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (١٤٣) موصلا إلى الصواب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بالسر والعلانية (لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ) أي المجاهرين بالكفر (أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) المخلصين (أَتُرِيدُونَ) يا معشر المؤمنين الخلص (أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً) (١٤٤) أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لأهل دين الله ـ وهم الرسول وأمته ـ حجة بينة على كونكم منافقين؟ فإن موالاتهم أوضح أدلة النفاق. وقيل : المعنى يا أيها الذين آمنوا بالعلانية ـ عبد الله بن أبي وأصحابه ـ لا تتخذوا اليهود أولياء في التعذر من دون المخلصين أتريدون يا معشر المنافقين أن تجعلوا لرسول الله عليكم عذرا بينا بالقتل؟ أو المعنى أتريدون أن تجعلوا الله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم لليهود (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) وهو الطبقة التي في قعر جهنم لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم ، ولأنهم لما أظهروا الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ، ثم يخبرون الكفار بذلك ، فكانت المحنة تتضاعف من هؤلاء المنافقين لهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار الخلص (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ) أي المنافقين (نَصِيراً) (١٤٥) يخلصهم من عذاب الله ، ثم استثنى الله من الضمير المجرور أو من الضمير المستكن في خبر إن بقوله (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) عن النفاق والقبيح (وَأَصْلَحُوا) أي أقدموا على الحسن (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ) بأن يكون غرضهم من التوبة وإصلاح الأعمال طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) بأن يكون ذلك الغرض خالصا لا يمتزج به غرض آخر (فَأُولئِكَ) المتصفون بهذه الشروط الأربعة من المنافقين (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي المخلصين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا أي معهم في الدرجات العالية من الجنة (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ) أي يعطي الله الخلص (أَجْراً عَظِيماً) (١٤٦) أي ثوابا وافرا في الجنة (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) فـ «ما» استفهامية مفيدة للنفي. أي أيعذبكم الله لأجل التشفي من الغيظ أم لطلب النفع أم لدفع الضرر كما هو شأن الملوك؟ وكل ذلك محال في حقه تعالى : وإنما التعذيب أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب وتقديم الشكر على الإيمان لأن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكرا مجملا ، ثم إذا تمم النظر في معرفة
المنعم آمن به ، ثم شكر شكرا مفصلا فكان ذلك الشكر المجمل مقدما على الإيمان (وَكانَ اللهُ شاكِراً) أي مثيبا على الشكر (عَلِيماً) (١٤٧) أي بجميع الجزئيات فلا يقع الغلط له تعالى ألبتة فيوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) أي لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالسوء كائنا من القول إلّا جهر من ظلم فهو غير مسخوط عنده تعالى وذلك بأن يقول : سرق فلان مالي أو غصبني ، أو سبني ، أو قذفني ويدعو عليه دعاء جائزا بأن يكون بقدر ظلمه فلا يدعو عليه بخراب دياره لأجل أخذ ماله منه ولا يسب والده وإن كان هو فعل كذلك ولا يدعو عليه لأجل ذلك بالهلاك بل يقول : اللهم خلّص حقي منه أو اللهم جازه أو كافئه ولا يجوز أن يدعو عليه بسوء الخاتمة أو الفتنة في الدين فالدعاء بغير قدر ما ظلم به حرام كالدعاء بمستحيل عادة أو عقلا ومثل المظلوم ما إذا أريد اجتماع على شخص فيجب على من علم عيوبه به بذل النصيحة له ، وإن لم يستشره لأن الدين النصيحة فيذكر له ما يندفع به فإن زاد حرم الزائد فالله تعالى لا يحب إظهار القبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ولهذا قال صلىاللهعليهوسلم : «اذكروا الفاسد بما فيه كي تحذره الناس». وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير إلّا من ظلم بالبناء للفاعل. والمعنى لكن من ظلم فاتركوه. وقال الفراء والزجاج : لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ويفعل ما لا يحبه الله تعالى هذا إن جعل الاستثناء كلاما منقطعا عما قبله أما إن جعل متصلا فيكون التقدير إلّا من ظلم فإنه يجوز الجهر بالسوء من القول معه (وَكانَ اللهُ سَمِيعاً) لقول الظالم أو المظلوم ولفعلهما (عَلِيماً) (١٤٨) لفعل الظالم والمظلوم ولقولهما فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف بسوء لمستور فإنه يصير عاصيا لله بذلك وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره (إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ) في إيصال النفع إلى الخلق (أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) كأن تدفعوا الضرر عنهم (فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا) عن المذنبين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى كما قاله الحسن (قَدِيراً) (١٤٩) أي فهو أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو ذنوب من ظلمك كما قاله الكلبي. وقيل : المعنى إن الله كان عفوا لمن عفا وهو المظلوم قديرا على إيصال الثواب إليه وعقوبة الظالم. وقوله تعالى : (فَإِنَّ اللهَ) الآية تعليل لجواب الشرط المقدر والتقدير فذلك أولى لكم من تركه لأن الله إلخ.
اعلم أن مواضع الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين صدق مع الحق وخلق مع الخلق ، فالذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين : إيصال نفع إليهم وهو المشار إليه بقوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ). ودفع ضرر عنهم وهو المشار إليه بقوله تعالى : (أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) فدخل في هذين القسمين جميع أنواع الخير وأعمال البر (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ) كاليهود فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وعزير ، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن. وكالنصارى فإنهم آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن (وَيُرِيدُونَ أَنْ
يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ) بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) أي نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض (وَيُرِيدُونَ) بقولهم ذلك (أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ) أي بين الإيمان بالكل أو الكفر بالكل (سَبِيلاً) (١٥٠) أي دينا وسطا وهو الإيمان بالبعض دون البعض (أُولئِكَ) الموصوفون بالصفات القبيحة (هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) أي كفرا كاملا ثابتا يقينا لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من نبي من الأنبياء إلا وقد أخبر قومه بحقيقة دين نبينا محمد صلىاللهعليهوسلم فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ) اليهود وغيرهم (عَذاباً مُهِيناً) (١٥١) أي شديدا يهانون به (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) في الإيمان به (أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ).
وقرأ عاصم في رواية حفص بالياء ، والضمير راجع إلى اسم الله. والباقون بالنون (وَكانَ اللهُ غَفُوراً) لما فرط منهم (رَحِيماً) (١٥٢) أي مبالغا في الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم (يَسْئَلُكَ) يا أشرف الخلق (أَهْلُ الْكِتابِ) أي أحبار اليهود (أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ).
روي أن كعبا وأصحابه وفنحاص قالوا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : إن كنت رسولا من عند الله فإننا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح أي فلا تبال يا أشرف الخلق بسؤالهم فإنه عادتهم (فَقَدْ سَأَلُوا) أي اليهود (مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ) أي أعظم مما سألوك (فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) أي أرناه نره معاينة (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) أي فأحرقتهم النار التي جاءت من السماء (بِظُلْمِهِمْ) وهو سؤالهم لما يستحيل وقوعه في ذلك الوقت (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) أي عبدوه (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أي الصاعقة وإحياؤهم بعد موتهم ومعجزات موسى التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها. (فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ) أي تركنا عبدة العجل ولم نستأصلهم (وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً) (١٥٣) أي قهرا ظاهرا عليهم فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال فقتل منهم سبعون ألفا في يوم واحد (وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ) أي بسبب ميثاقهم على أن لا يرجعوا عن الدين ليخالفوا فلا ينقضوه فإنهم هموا بنقضه (وَقُلْنا) على لسان موسى أو على لسان يوشع (لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ) أي باب بيت المقدس أو أريحا (سُجَّداً) أي مطأطئين الرؤوس (وَقُلْنا لَهُمُ) على لسان داود (لا تَعْدُوا) أي لا تظلموا باصطياد الحيتان (فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ) على الامتثال بما كلفوه (مِيثاقاً غَلِيظاً) (١٥٤) أي مؤكدا.
وقال ابن عباس : وهو ميثاق وثيق في محمد صلىاللهعليهوسلم (فَبِما نَقْضِهِمْ) فـ «ما» مقحمة والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي فعلناهم بسبب نقضهم (مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ) أي بالمعجزات فمن أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) أي بلا
جرم فإنهم معصومون من كل نقيصة لا يتوجه عليهم حق (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ) أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا فكذبوا الأنبياء بهذا القول. أو المعنى قلوبنا في أغطية جبلية فهي لا تفقه ما تقولون (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ) أي بل أحدث الله عليها صورة مانعة عن وصول الحق إليها. أو بل ختم الله على قلوبهم بكفرهم (فَلا يُؤْمِنُونَ) أي اليهود (إِلَّا قَلِيلاً) (١٥٥) أي إلّا فريقا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، أو فلا يؤمنون. أي المطبوع على قلوبهم إلّا إيمانا قليلا ، وهو الإيمان بموسى والتوراة بحسب زعمهم فإن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة (وَبِكُفْرِهِمْ) لإنكارهم قدرة الله تعالى عن خلق الولد من دون الأب (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً) (١٥٦) أي نسبتهم مريم إلى الزنا بعد ما ظهر منها من الكرامات الدالة على براءتها من كل عيب ، فإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات وعيسى تكلم حال كونه طفلا منفصلا عن أمه (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) وصلبناه (رَسُولَ اللهِ) أي في زعم عيسى نفسه فإن وصفهم له بوصف الرسالة استهزاء به أوان الله وضع الذكر الحسن بقوله رسول الله مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم فإنهم قالوا : هو ساحر ابن ساحرة. أو إن رسول الله وصف له من عند الله تعالى مدحا له وتنزيها له عن مقالتهم التي لا تليق به. قال الله تعالى إبطالا لافتخارهم بقتل النبي والاستهزاء به : (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ). قال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم لما أنهم اجتمعوا على قتله ، لأن الله مسخ من سبوه وسبوا أمه قردة وخنازير بدعائه عليهم فأخذوا إنسانا يقال له : ططيانوس اليهودي وقتلوه وصلبوه ، ولبسوا على الناس أنه المسيح والناس ما كانوا يعرفونه إلّا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس ، ثم إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب. وقال الضحاك : لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جميع اليهود فركب أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين : «أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟». فقال رجل يقال له سرجس : أنا يا نبي الله. فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازه ، وألقى الله عليه شبه عيسى فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما المسيح فكساه الله تعالى الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار مع الملائكة. (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي في شأن عيسى (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي من قتله (ما لَهُمْ بِهِ) أي بقتله (مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) أي لكنهم يتبعون الظن فإن فسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس فالاستثناء متصل ، أي لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود : إنه كان كاذبا فقتلناه حقا. وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فليس هذا المقتول بعيسى.
وقال آخرون : بل هو هو. وقال بعضهم : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) (١٥٧) أي قتلا يقينا كما قالوا : إنا قتلنا المسيح (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) أي إلى موضع لا يجري فيه حكم غير الله تعالى ولا يصل إليه حكم آدمي وذلك الموضع هو السماء الثالثة (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً) أي كامل القدرة (حَكِيماً) (١٥٨) أي كامل العلم فرفع عيسى من الأرض إلى السماء لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي وما من اليهود والنصارى أحد إلّا ليؤمنن بعيسى قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله ورسوله فلا ينفعه إيمان لانقطاع وقت التكليف. كما نقل عن محمد بن علي بن أبي طالب من الحنيفة أن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره. وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول : آمنت بأنه عبد الله ورسوله. ويقال للنصراني : أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه هو الله وابن الله فيقول : آمنت أنه عبد الله وابنه فأهل الكتاب يؤمنون به ولكن لا ينفعهم ذلك الإيمان (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ) أي عيسى عليهالسلام (عَلَيْهِمْ) أي أهل الكتاب (شَهِيداً) (١٥٩) فيشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه وعلى النصارى أنهم أشركوا به وكل نبي شاهد على أمته (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا) أي فبسبب ظلم عظيم من الذين تابوا من عبادة العجل (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) فإن اليهود كانوا كلما فعلوا معصية من المعاصي يحرم الله عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن قبلهم عقوبة لهم. (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً) (١٦٠) أي وبمنعهم عن دين الله ناسا كثيرا (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) فإن الربا كان محرما عليهم كما هو محرّم علينا (وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) أي بطريق الرشوة (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ) أي هيأنا للمصرّين على الكفر من اليهود (عَذاباً أَلِيماً) (١٦١) سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) أي لكن المتمكنون في علم التوراة من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَالْمُؤْمِنُونَ) منهم ومن المهاجرين والأنصار (يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) على سائر الأنبياء من الكتب (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) أي وأعني المقيمين الصلاة ، وهم المؤتون الزكاة. فـ «المقيمين» نصب على المدح لبيان فضل الصلاة. وجاء في مصحف عبد الله بن مسعود و «المقيمون الصلاة» بالواو وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري ، وعيسى الثقفي ، وابن جبير ، وعاصم عن الأعمش وعمرو بن عبيد (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
قال أبو السعود : والمراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب (أُولئِكَ) أي المتصفون بتلك الصفات الجميلة من أهل الكتاب (سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) (١٦٢) وجملة هذه خبر اسم الإشارة والجملة من المبتدأ والخبر خبر قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ) وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد (إِنَّا
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد نوح (وَ) كما (أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) ابني إبراهيم (وَيَعْقُوبَ) ابن إسحاق (وَالْأَسْباطِ) أي أولاد يعقوب الاثني عشر فمنهم يوسف نبي رسول باتفاق وفي البقية خلاف (وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا) أي وكما أعطيناه أباه (داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) وكان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتسبيح وتقديس ، وتحميد وتمجيد وثناء على الله تعالى. وكان داود عليهالسلام يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء وتقوم الجن خلف الناس والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه وترفرف الطيور على رؤوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها ، فلما قارف الخطيئة زال عنه ذلك (وَ) كما أرسلنا (رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ) أي سميناهم لك في القرآن وعرفناك أخبارهم وما حصل لهم من قومهم (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هذه السورة أو هذه الآية أو قبل هذا اليوم (وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم. والمعنى إنا أوحينا إليك إيحاء مثل ما أوحينا إلى نوح ومثل ما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده. وآتيناك الفرقان إيتاء مثل ما آتينا داود زبورا وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا آخرين لم نقصصهم عليك من غير تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء وأصل الإرسال فما للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهمالسلام (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) (١٦٤) أي كلمه على التدريج شيئا فشيئا بحسب المصالح بغير واسطة ملك أي أزال الله تعالى عنه الحجاب حتى سمع المعنى القائم بذاته تعالى ، لا أنه تعالى أحدث ذلك لأنه تعالى يتكلم أبدا. والمعنى أنه تعالى بعث هؤلاء الأنبياء والرسل ، وخصّ موسى عليهالسلام بالتكلم معه ولم يلزم من تخصيص موسى بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهمالسلام فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب متفرقا وقد فضل الله تعالى نبينا محمدا صلىاللهعليهوسلم بإعطائه مثل ما أعطي كل واحد منهم.
وقرأ إبراهيم ويحيى بن وثاب وكلم الله بالنصب (رُسُلاً) منصوب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال الموطئة لما بعدها أو على البدلية من رسلا الأول (مُبَشِّرِينَ) لأهل الطاعة بالجنة (وَمُنْذِرِينَ) للعصاة بالنار (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ) أي معذرة يعتذرون بها (بَعْدَ الرُّسُلِ) أي بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. والمعنى لئلا يحتج الناس يوم القيامة على الله في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل فيقولوا : لم لم ترسل إلينا رسولا ولم لم تنزل علينا كتابا؟ فإن الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل وإن قبول المعذرة عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده وهي بمنزلة الحجة التي لا مرد لها ، وله تعالى أن يفعل ما يشاء كيف يشاء (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً) لا يغالب في أمر من أموره (حَكِيماً) (١٦٥) في أفعاله فاختلاف الكتب في كيفية النزول وتغايرها في
بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال التي عليها يدور فلك التكليف فكلفهما الله بما يليق بشأنهم (لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ) بتخفيف النون ورفع الجلالة وبالبناء للفاعل أي لكن الله يشهد لك بحقية ما أنزل إليك من القرآن الناطق بنبوتك.
روي أنه لما نزل قوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) قال اليهود : نحن لا نشهد لك بذلك ، فنزل (لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ). والمعنى أن اليهود وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليك يا محمد من السماء لكن الله يشهد بأنه أنزل عليك ، وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه صلىاللهعليهوسلم هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته ، فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي بالرسالة صادقا ، ولما كانت شهادته تعالى عرفت بواسطة إنزال القرآن فقال : (لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ) أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) بأنه في غاية الحسن ونهاية الكمال وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل والعلم إذا صنف كتابا واستقصى في تحريره أنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله. أي إنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب ، فيدل ذلك القول على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن فكذا هاهنا (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) بصدقة وإنما تعرف شهادة الملائكة له صلىاللهعليهوسلم بذلك لأن ظهور المعجز على يده صلىاللهعليهوسلم يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة بذلك بلا شك ، لأنه ثبت في القرآن إنهم لا يسبقونه تعالى بالقول. والمعنى يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك وملائكة السموات السبع والعرش والكرسي يصدقونك في ذلك ومن صدقه الله والملائكة أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) (١٦٦) على صحة نبوتك وإن لم يشهد غيره (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بما أنزل الله وشهد به (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي دين الإسلام من أراد سلوكه وهم اليهود حيث قالوا : ما نعرف صفة محمد في كتابنا وقالوا : لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء. وقالوا : إن الله ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقالوا : إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود (قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً) (١٦٧) عن الحق والصواب لأن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد في نفسه أنه محق ، ثم يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه ، ثم يبذل غاية ما في طاقته في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) محمدا بكتمان ذكر بعثته وعوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم وماتوا على الشرك (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) (١٦٨) إلى الجنة يوم القيامة (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ) أي جعلهم خالدين في جهنم (عَلَى اللهِ يَسِيراً) (١٦٩) أي لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئا بعد شيء إلى غير النهاية يسيرا عليه وإن كان متعذرا على غيره (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ
بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) أي يا أهل مكة قد جاءكم الرسول محمد صلىاللهعليهوسلم بالقرآن أو متكلما بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره من عند ربكم (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) أي فآمنوا بالرسول يكن ذلك الإيمان خيرا لكم بما أنتم فيه أي يكن أحمد عاقبة من الكفر (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي وإن تكفروا بالرسول فإن الله غني عن إيمانكم ، لا يتضرر بكفركم ، ولا ينتفع بإيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما ، ومن كان كذلك كان قادرا على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم أو فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه ، أو فمن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء (حَكِيماً) (١٧٠) لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمحسن والمسيء (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي الإنجيل من النصارى (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) أي لا تبالغوا في تعظيم عيسى فإنه ليس بحق كما أن اليهود بالغوا في طعنه حيث قالوا : إنه ابن زانية وكلا طرفي قصدهم ذميم (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) أي لا تصفوه بما يستحيل اتصافه تعالى به من الاتحاد والحلول في بدن الإنسان أو روحه ، واتخاذ الزوجة والولد بل نزهوه عن هذه الأحوال فإن نصارى أهل نجران أربعة أنواع :
ملكانية : وهم الذين قالوا : عيسى والرب شريكان.
ومرقوسية : وهم الذين قالوا : ثالث ثلاثة.
وماريعقوبية : وهم الذين قالوا : عيسى هو الله.
ونسطورية : وهم الذين قالوا : عيسى ابن الله ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ) فـ «المسيح» مبتدأ و «عيسى» بدل منه أو عطف بيان له و «ابن مريم» صفة له ورسول الله خبر المبتدأ (وَكَلِمَتُهُ) أي مكون بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة (أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ) أي أوصل الكلمة إليها بنفخ جبريل (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي وروح صادر من أمر الله فصار ولدا بلا أب وقد جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روح فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل وصف بأنه روح وقوله تعالى : (مِنْهُ) متعلق بمحذوف وقع صفة لـ «روح». أي كائنة من عند الله وجعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريل لكون النفخ بأمره تعالى ، و «من» ابتدائية لا كما زعمت النصارى من أنها تبعيضية.
حكي أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء للرشيد فناظر علي بن الحسين المروزي ذات يوم فقال له : إن في كتابهم ما يدل على أن عيسى جزء من الله وتلا هذه الآية. فقرأ المروزي (وَسَخَّرَ لَكُمْ
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) [الجاثية : ١٣] فقال إذا يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزاء منه تعالى فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ، وأعطى للمروزي عطاء عظيما (فَآمِنُوا بِاللهِ) واعتقدوا ألوهيته وحده (وَرُسُلِهِ) أجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تصفوا واحدا منهم بالألوهية (وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) أي الآلهة ثلاثة : الله ، والمسيح ، ومريم. ولا تقولوا : إن الله واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) أي انتهوا عن مقالتكم بالتثليث يكن ذلك الانتهاء خيرا لكم (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) أي منفرد في ألوهيته (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد أو سبحوه تسبيحا من ذلك.
وقرأ الحسن «إن يكون» بكسر الهمزة ورفع الفعل أي سبحانه ما يكون له ولد (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فمن كان مالكا لهما وما فيهما كان مالكا لعيسى ومريم وإذا كانا مملوكين له فكيف يتوهم كونهما له ولدا وزوجة (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (١٧١) أي ربا للخلق فإنه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى إثبات إله آخر (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) أي لن يترفع عن أن يكون عبدا له تعالى. أي مقرا بالعبودية لله مستمرا على عبادته وطاعته.
روي أن وفد نجران قالوا : يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول : إنه عبدا لله فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدا لله» قالوا : بلى ، فنزلت : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ).
وقرأ علي بن أبي طالب رضياللهعنه عبيدا لله بصيغة التصغير (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) أي ولا يستنكف الملائكة المقربون كحملة العرش أن يقروا بالعبودية لله. أي لن يستنكف المسيح عن عبادة الله تعالى بسبب أنه قادر على الإتيان بخوارق العادات من الإحياء والإبراء وعالم بالمغيبات مخبر عنها وممتاز عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالرفع إلى السماء فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ وأعلى حالا منه في القدرة ، لأن أربعة منهم حملوا العرش على عظمته ، وأنهم مخلوقون من غير أب وأم ومقارهم السموات العلى ، ولا خلاف لأحد في علو درجتهم من هذه الحالات وإنما الخلاف في علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات ، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لن يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) (١٧٢) أي ومن يترفع عن طاعته تعالى ويعد نفسه كبيرا ، أي يعتقدها كذلك فإن الله يجمع المترفعين والمعتقدين أنفسهم كبيرة ومقابليهم ـ وهم غيرهم ـ إليه تعالى يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا
فيجازيهم (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) من غير أن ينقص منها شيئا أصلا (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) بتضعيفها أضعافا كثيرة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، أي على وجه التفصيل وإنما يخطر نعيم الجنان على قلوبنا ، ونسمعه من ألسنة على وجه الإجمال. (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا) عن عبادته تعالى (وَاسْتَكْبَرُوا) أي عدوا أنفسهم كبيرة (فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا) يلي مصالحهم (وَلا نَصِيراً) (١٧٣) ينجيهم من عذاب الله (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ) أي رسول (مِنْ رَبِّكُمْ) وهو محمد صلىاللهعليهوسلم وإنما سماه برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (١٧٤) أي نيرا بنفسه منورا لغيره وهو القرآن وذلك بواسطة إنزاله على الرسول وسماه نورا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب أي فمنهم من آمن ومنهم من كفر (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ) في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه (وَاعْتَصَمُوا بِهِ) أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزغ الشيطان (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ) وهي الجنة ومنفعتها (وَفَضْلٍ) أي إحسان زائد كالنظر إلى وجهه الكريم والتعظيم وغير ذلك من مواهب الجنة (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (١٧٥) وهو الإسلام والطاعة والسعادة الروحانية. والجار والمجرور في محل نصب حال من «صراطا» ، والضمير المجرور عائد على «الله» بتقدير مضاف أي إلى ثوابه (يَسْتَفْتُونَكَ) أي يسألونك عن محمد عن الكلالة.
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله قال : مرضت فأتاني رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي عليّ ، فتوضأ النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ثم صبّ علي من وضوئه فأفقت ، فإذا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فقلت : يا رسول الله كيف أصنع في مالي ، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد عليّ شيئا حتى نزلت آية الميراث (يَسْتَفْتُونَكَ) الآيات.
وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله هذه الآيات (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) وهو اسم يقع على الوارث وعلى الموروث ، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد ، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد من الوالدين ولا أحد من الأولاد (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) أي إن مات امرؤ غير ذي ولد ووالد وله أخت شقيقة أو من الأب فللأخت نصف ما ترك بالفرض والباقي للعصبة أولها بالرد إن لم يكن له عصبة (وَهُوَ) أي المرء الكلالة (يَرِثُها) أي يرث أخته جميع ما تركت إن فرض موتها مع بقائه (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) ذكر أو أنثى فإن كان لها أو له ولد ذكر فلا شيء له أو لها أو ولد أنثى فله أو لها الباقي من نصيبها (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) أي فإن كان من يرث بالأخوة أختين شقيقتين ، أو من أب فصاعدا فلهما لأكثر الثلثان مما
ترك الميت من المال (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أي وإن كان من يرث بطريق الأخوة أخوة مختلطة رجالا أشقاء ، أو من أب ونساء شقيقات ، أو لأب فللذكر منهم مثل نصيب الأنثيين يقتسمون التركة على طريقة التعصيب (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ) قسمة الميراث (أَنْ تَضِلُّوا) أي لكيلا تخطئوا في قسمة الميراث. وقيل : المعنى يبين الله ضلالكم لتعلموا أن غير هذا البيان ضلال فتجتنبوه (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء المتعلقة بمحياكم ومماتكم (عَلِيمٌ) (١٧٦) أي مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.
سورة المائدة
مدنية ، مائة وعشرون آية ، ألفان وثمانمائة وسبع وثلاثون كلمة
اثنا عشر ألفا ومائتان وستة أحرف
بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وهي جميع ما ألزمه الله تعالى عباده من التكاليف والأحكام الدينية ، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن دينا (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) أي أحل لكم أحل البهيمة من الأنعام ، وهي الأزواج الثمانية المعدودة في سورة الأنعام. وقيل : المعنى أحلت لكم ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب ، وذلك كالظباء وبقر الوحش ونحوهما من صيد البرية كحمر الوحش فأضيفت البهيمة إلى الأنعام لحصول المشابهة أي أحلت لكم البهيمة الشبيهة بالأنعام. وقيل : المعنى أحلت لكم أجنة الأنعام. وهذان القولان مرويان عن ابن عباس ، وهذا الثالث مروي أيضا عن ابن عمر وهذا الوجه يدل على صحة مذهب الشافعي في أن الجنين مذكى بذكاة الأم (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) في هذه السورة (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي إلا إن كانت الأنعام ميتة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله فهي محرمة وإلا أن تحلوا الصيد في حال إحرامكم أو في حال كونكم في الحرم فإنه لا يحل لكم ذلك (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) (١) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه فموجب التكليف والحكم هو إرادته لا مراعاة المصالح (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً) أي يا أيها الذين آمنوا أقروا بالإيمان لا تحلوا معالم دين الله. أي لا تهاونوا شيئا من فرائضه تعالى ولا تحلوا الشهر الحرام : ذا القعدة ، وذا الحجة ، والمحرم ورجب بالقتال فيه والغارة.
قال أبو السعود : والمراد بالشهر الحرام شهر الحج. وقال عكرمة : هو ذو القعدة. واختار ابن جرير أنه رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة. ولا تحلوا الهدي بالعصب أو بالمنع عن بلوغ محله ، وهو ما أهدي إلى بيت الله من إبل أو بقر أو شاة. ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدي
وهي : البدن. ولا تحلوا قوما قاصدين زيادة المسجد الحرام بصدهم عن ذلك بأي وجه كان.
وقرأ عبد الله «ولا آميّ البيت الحرام» بالإضافة حال كونهم مبتغين فضلا من ربهم بالتجارة المباحة ، أو المعنى طالبين ثوابا من ربهم ورضوانا. وقرأ حميد بن قيس الأعرج «تبتغون» بالتاء على خطاب المؤمنين. فالجملة حينئذ حال من الضمير في «لا تحلوا» وإضافة الرب إلى ضمير «الآمين» للإشارة إلى اقتصار التشريف عليهم (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) والأمر للإباحة أي وإذا خرجتم من الإحرام والحرم فلا جناح عليكم في اصطياد حيوان البرية (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) أي ولا يحملنكم بغضكم لقوم من أهل مكة بمنعهم ، إياكم عن المسجد الحرام أي عن العمرة عام الحديبية على ظلمكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي من البغض.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير «إن صدوكم» بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه «لا يجرمنكم». والمعنى إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية وهي سنة ست ، على أن نزول هذه الآية عام الفتح وهو سنة ثمان غير مجمع عليه (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) أي على متابعة الأمر ومجانبة الهوى (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ) أي المعصية للتشفي (وَالْعُدْوانِ) أي التعدي في حدود الله للانتقام. (وَاتَّقُوا اللهَ) في جميع الأمور ولا تستحلوا شيئا من محارمه (إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٢) لمن لا يتقيه فلا يطيق أحد عقابه (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) أي حرم عليكم أكل ما فارقته الروح من غير ذبح شرعي وكان أهل الجاهلية يقولون : إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول ، لأن الدم جوهر لطيف جدا فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه ، وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة ، (وَالدَّمُ) أي السائل منه. فخرج الكبد والطحال وكان أهل الجاهلية يملؤون الأمعاء من الدم بصبه فيها ويشوونه ويطعمونه الضيف (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ).
قال أهل العلم الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي فلا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية ، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المشتهيات وأورثهم عدم الغيرة. فإن الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي هي له ولا يتعرض له لعدم الغيرة. وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) أي وما رفع
الصوت لغير الله عند ذبحه وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى (وَالْمُنْخَنِقَةُ) أي التي ماتت بانعصار الحلق فالمنخنقة على وجوه : منها : إن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها. ومنها : ما يخنق بحبل الصائد. ومنها : ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت (وَالْمَوْقُوذَةُ) أي المضروبة إلى أن ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات ، وهي معنى الميتة وفي معنى المنخنقة ، لأنها ماتت ولم يسل دمها. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) أي الساقطة من علو إلى سفل فماتت ويدخل فيها ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فتسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم هل مات بالتردي أو بالسهم ولو رمى صيدا في الهواء بسهم فأصابه فإن سقط على الأرض ومات حل لأن الوقوع على الأرض من ضرورته ، وإن سقط على شجر أو جبل ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية ، إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأن الذبح قد حصل قبل التردية (وَالنَّطِيحَةُ) أي ماتت بنطح شاة أخرى ، وإنما دخلت «الهاء» في «النطيحة» لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة كما تقول : رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف المقتول أرجل هو أم امرأة ، بخلاف ما إذا ذكر الموصوف فإنه تحذف الهاء حينئذ كقولهم : كف خضيب ، ولحية دهين وعين كحيل ، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس والكلام يمشي على الأغلب ويكون المراد الكل. (وَما أَكَلَ السَّبُعُ) منه فمات وهي ، فريسة السبع.
قال قتادة : كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله تعالى (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) أي إلا ما أدركتم ذكاته وقد بقيت فيه حياة مستقرة من هذه الأشياء الخمسة. وذلك بحيث يتحرك بالاختيار وإلا فلا يحل بتذكية لأن موته حينئذ يحال على السبب المتقدم على التذكية من الخنق وأكل السبع وغيرهما (وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) أي على اعتقاد تعظيم النصب. وقال ابن جريج : النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام ، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ، ويضعون اللحوم عليها ، ويعدون ذلك الذبح قربة فقال المسلمون : يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه. وكان النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لم ينكره فأنزل الله تعالى (لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها) [الحج : ٣٧] (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) أي وحرم عليكم طلب معرفة ما قسم لكم من الخير والشر بواسطة ضرب القداح ، وذلك أنهم إذا قصدوا سفرا أو غزوا أو تجارة ، أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضربوا ثلاثة أقداح ، مكتوب على أحدها : أمرني ربي. وعلى الثاني : نهاني ربي. والثالث : خال عن الكتابة. فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى (ذلِكُمْ) أي الاستقسام بالأزلام (فِسْقٌ) أي خروج عن الطاعة لأنه طلب لمعرفة الغيب وذلك حرام.
وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة وذلك ضلال باعتقاد أنه طريق إلى الدخول في علم الغيب ، وافتراء على الله تعالى إن كان مرادهم بربي هو الله تعالى. وقال قوم آخرون : إنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام يعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقا أي شركا وجهالة ، وهذا القول أولى وأقرب كما قاله الفخر. (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) أي هذا الزمان انقطع رجاء كفار مكة من إبطال أمر دينكم (فَلا تَخْشَوْهُمْ) أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة ، وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم (وَاخْشَوْنِ) أي ومحضوا الخشية لي وحدي في ترك أتباع محمد صلىاللهعليهوسلم ودينه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) بالنصر والإظهار على الأديان كلها والحكم ببقائه إلى يوم القيامة (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بفتح مكة ودخولها آمنين وبانفراد المسلمين بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه ، حتى حج المسلمون لا يخالطهم المشركون (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) أي اخترته لكم من بين الأديان وهو الدين المرضي عند الله تعالى لا غير (فَمَنِ اضْطُرَّ) إلى تناول شيء من هذه المحرمات (فِي مَخْمَصَةٍ) أي مجاعة يخاف معها الموت (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ) أي غير معتمد لإثم بأن يأكلها فوق الشبع تلذذا كما قاله أهل العراق أو بأن يكون عاصيا بسفره كما قاله أهل الحجاز (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لمن أكل المحرم عند ما اضطر إلى أكله (رَحِيمٌ) (٣) بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى أكله (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ) من الصيد. والسائلون عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة ، وعويمر بن ساعدة كذا قال عكرمة كما أخرجه ابن جرير.
وقال ابن عباس : والسائل بذلك زيد بن مهلهل الطائي وعدي بن حاتم الطائي وكانا صيادين ، وكذا قال سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) وهو كل ما يشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه مما لم يرد نص بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس مجتهد (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) أي وأحل لكم صيد ما علمتموه من الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والباز (مُكَلِّبِينَ) أي معلمين الجوارح الصيد (تُعَلِّمُونَهُنَ) حال ثانية من ضمير علمتم. والمقصود من التكرار المبالغة في اشتراط التعليم وأن تكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه موصوفا بالتأديب (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) من طرق التعليم ومن الحيل في الاصطياد (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) أي كلوا بعض ما أمسكنه لكم وهو الذي لم يأكلن منه.
روي أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قال لعدي بن حاتم : «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم
يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه ، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك ، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فإنما أمسك على نفسه» (١). (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) أي سموا على ما علمتم من الجوارح عند إرساله على الصيد كما قال صلىاللهعليهوسلم لعدي بن حاتم : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل» (٢) أو سموا على ما أمسكن عند ذبحه. وقيل : المعنى سموا على أكل الصيد.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال لعمر بن أبي سلمة : «سمّ الله وكل مما يليك» (٣). (وَاتَّقُوا اللهَ) أي واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل وتحريم ما حرمه (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٤) فإنه تعالى يؤاخذكم سريعا في كل ما جل ودق (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) أي المستلذات المشتهيات لأهل المروءة والأخلاق الجميلة (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ) فيحل لنا أكل ذبائح من تمسكوا بالتوراة والإنجيل إذا حلت المناكحة بيننا وبينهم فحل الذبيحة تابع لحل المناكحة ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته بخلاف من تمسكوا بغير التوراة والإنجيل ، كصحف إبراهيم فلا تحل ذبائحهم واتفق العلماء على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وروي عن ابن المسيب أنه قال إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور : إن أمره بذلك في الصحة فلا بأس (وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) فيحل لكم أن تطعموهم من طعامكم وتبيعوه منهم (وَالْمُحْصَناتُ) أي الحرائر العفائف (مِنَ الْمُؤْمِناتِ) أي حل لكم وذكرهن للحمل ما هو الأولى لا لنفي ما عداهن فإن نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق ، وكذا نكاح غير العفائف ، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة خلافا للشافعي (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي هن حل لكم أيضا وإن كنّ حربيات.
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الصيد ، باب : الأمر بالتسمية عند الصيد ، وأحمد في (م ٤ / ص ١٩٥).
(٢) رواه البخاري في كتاب الذبائح ، باب : إذا أكل الكلب ، ومسلم في كتاب الصيد ، باب : ١ ، والترمذي في كتاب الصيد ، باب : ١ ، والنسائي في كتاب الصيد ، باب : إذا قتل الكلب ، وابن ماجة في كتاب الصيد ، باب : صيد الكلب ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٣١).
(٣) رواه البخاري في كتاب الأطعمة ، باب : الأكل وما يليه ، ومسلم في كتاب الأشربة ، باب : ١٠٨ ، والترمذي في كتاب الأطعمة ، باب : ٤٧ ، وابن ماجة في كتاب الأطعمة ، باب : الأكل باليمين ، والدارمي في كتاب الأطعمة ، باب : التسمية على الطعام ، والموطأ في كتاب صفة النبي ، باب : ما جاء في الطعام والشراب.
قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن فمن دان بذلك الكتاب بعد نزول القرآن خرج عن حكم الكتاب ، وهذا مذهب الإمام الشافعي رضياللهعنه. وأما أهل المذاهب الثلاثة فلم يقولوا بهذا التفصيل بل أطلقوا القول بحل أكل ذبائح أهل الكتاب وحل التزويج من نسائهم ولو دخلوا في دين أهل الكتاب بعد نسخه (إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) وتقييد التحليل بإعطاء المهور يدل على تأكد وجوبها وعلى أن الأكمل بيانها لا هو شرط لصحة العقد إذ لا تتوقف على دفع المهر ولا على التزامه ومن تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات (مُحْصِنِينَ) أي متزوجين (غَيْرَ مُسافِحِينَ) أي غير معلنين بالزنا (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) أي ولا مسرين بالزنا بمن لها حليل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) أي ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد بطل ثواب عمله الصالح سواء عاد إلى الإسلام أولا (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٥) إذا لم يعد إلى الإيمان بما نزل في القرآن حتى يموت على الكفر. أما إذا عاد إلى الإيمان بذلك قبل الموت فإن عمله لا يبطل فلا يجب إعادة صلاة وحج قد أتاهما قبل الردة. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) أي إذا أردتم الاشتغال بإقامة الصلاة وأنتم على غير وضوء (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف فلا يجوز لأنه تعالى جعل المرافق غاية الغسل فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية ، كذا قال بعضهم.
وقال جمهور الفقهاء : إن ذلك لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركا للسنة (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) قيل : الباء فارقة بين حمل المسح بالكل والبعض كما في قولك : مسحت المنديل ومسحت يدي بالمنديل. فقولك : مسحت المنديل لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية. وقولك : مسحت بالمنديل يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل وتحقيق هذه الباء أنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل : وألصقوا المسح برءوسكم وذلك لا يقتضي الاستيعاب (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب أما القراءة بالجر فهي معطوفة على الرؤوس فكما يجب المسح في الرؤوس كذلك في الأرجل ، وإنما عطفت الأرجل على الممسوح للتنبيه على الإسراف في استعمال الماء فيها لأنها موضع صب الماء كثيرا. والمراد غسلها أو مجرورة بحرف جر محذوف متعلق بفعل محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلا ، وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز ولا يجوز هذا الكسر على الجوار على أنه منصوب في المعنى عطف على المغسول لأنه
معدود في اللحن الذي قد يحمل لأجل الضرورة في الشعر ويجب تنزيه كلام الله عنه ولأنه يرجع إليه عند حصول الأمن من الالتباس كما في قول الشاعر :
كبير أناس في بجاد مزمل
وفي هذه الآية لا يحصل الأمن من الالتباس ، ولأنه إنما يكون بدون حرف العطف. وأما القراءة بالنصب فهي إما معطوفة على الرؤوس لأنه في محل نصب والعطف على الظاهر وعلى المحل جائز كما هو مذهب مشهور للنحاة وإما معطوفة على وجوهكم فظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى : (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله تعالى : (وَامْسَحُوا) وقوله تعالى : (فَاغْسِلُوا) فإذا اجتمع العاملان على معمول واحد كان الأولى إعمال الأقرب حتى إن بعضهم لا يجوز أن يكون العامل فاغسلوا لما يلزم عليه من الفصل بين المتعاطفين بجملة مبينة حكما جديدا ليس فيها تأكيد للأول وليست هي اعتراضية فوجب أن يكون عامل النصب في قوله : (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله : (وَامْسَحُوا) فتدل هذه الآية على وجوب مسح الأرجل ، لكن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل وهو مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب الرجوع إليه ويجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها ، وأيضا إن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح وهذا جواب لقولهم ولا يجوز دفع وجوب مسح الرجل بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) أي فاغتسلوا ولحصول الجنابة سببان : نزول المني ، والتقاء الختانين. فختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة وشفر المرأة محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد. وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير ، وموضع ختانها وهو فوق ثقبة البول. وهناك جلدة قائمة مثل عرف الديك وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانة (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى) مرضا يضره الماء كجراحة أو جدري (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أي مستقرين عليه (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أي الموضع الذي يقضي فيه حاجة الإنسان التي لا بد منها (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) بذكر أو غيره (فَلَمْ تَجِدُوا) يا معشر المسافرين والمحدثين حدثا أصغر أو أكبر (ماءً) بعد طلبه (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) أي فاقصدوا ترابا نظيفا (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) بالضربة الأولى (وَأَيْدِيَكُمْ) بالضربة الثانية (مِنْهُ) أي التراب (ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) أي ضيق بما فرض عليكم من الطهارة للصلاة (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) أي ليطهر قلوبكم عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى لأن الكفر والمعاصي نجاسات للأرواح ، وذلك لأنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية فأزال هذا الانقياد عن
قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) ببيان كيفية الطهارة وهي نعمة الدين بعد ذكر نعمة الدنيا وهي إباحة الطيبات من المطاعم والمناكح أو بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٦) نعمته (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي تأملوا في جنس نعم الله عليكم وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل ، والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه غير الله فمتى كانت النعمة على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم (وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) بواسطة رسول الله صلىاللهعليهوسلم (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا) وهو المواثيق التي جرت بين رسول الله والمسلمين في أن يكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه مثل مبايعته صلىاللهعليهوسلم مع الأنصار في أول الأمر ليلة العقبة ومبايعته صلىاللهعليهوسلم مع عامة المؤمنين بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية وغيرهما.
وقال السدي : المراد بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد والشرائع وهو اختيار أكثر المتكلمين (وَاتَّقُوا اللهَ) في نسيان نعمته ونقض ميثاقه (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٧) فلا تعزموا بقلوبكم على نقض تلك العهود فإنه إن خطر ببالكم فالله يعلم ذلك وكفى بالله مجازيا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ) بأن تقوموا لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من العمل بطاعته واجتناب نواهيه (شُهَداءَ بِالْقِسْطِ) فلا تشهدوا بأمر مخالف للواقع بل اشهدوا بما في نفس الأمر والتكاليف محصورة في نوعين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ) إشارة إلى النوع الأول وهو حقوق الله ، وقوله تعالى : (شُهَداءَ بِالْقِسْطِ) إشارة إلى الثاني وهو حقوق الخلق (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا) أي لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوزوا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم بل اعدلوا فيهم وإن أساؤوا عليكم. والمعنى إن الله تعالى أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل الإنصاف وترك الاعتساف (اعْدِلُوا) في عدوكم ووليكم (هُوَ) أي العدل (أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أي إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى أو إلى الاتقاء من عذاب الله (وَاتَّقُوا اللهَ) فيما أمركم ونهاكم (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (٨) فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم فيجازيكم على ذلك (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) بالعدل والتقوى (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي إسقاط السيئات (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (٩) وهو إيصال الثواب وجملة قوله : (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) بيان للوعد لا محل لها فكأنه قيل : وأي شيء وعده؟ فقال المجيب : لهم مغفرة وأجر عظيم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١٠) أي ملازموها وهذه الجملة مستأنفة أتى بها جمعا بين الترغيب والترهيب إيفاء لحق الدعوة بالتبشير والإنذار(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) أي كونوا مواظبين على طاعة الله ولا تخافوا أحدا في إقامة طاعات الله تعالى (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) وسبب نزول هذه الآية وجهان : الأول : أنها نزلت في واقعة عامة وذلك أن المشركين في أول الأمر ـ وهو في ضعف المسلمين ـ يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين. الثاني : أنها نزلت في واقعة خاصة. وفي هذا ثلاثة أوجه :
الأول : أنها نزلت في شأن يهود من بني قريظة أو بني النضير ، وذلك أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا دخلوا عليهم وقد كانوا عاهدوا النبي على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات فطلب منهم مالا قرضا لدية رجلين مسلمين أو معاهدين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين أو حربيين ، فقالوا : اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ثم همّوا بالفتك برسول الله وبأصحابه فجاء عمرو بن جحاش برحى عظيمة ليطرحها عليه صلىاللهعليهوسلم بموافقتهم ، فأمسك الله تعالى يده ، فنزل جبريل عليه صلىاللهعليهوسلم وأخبره بذلك فقام في الحال مع أصحابه وخرجوا إلى المدينة.
والثاني : عن قتادة أنها نزلت في قوم من العرب وهم بنو ثعلبة وبنو محارب أرادوا الفتك به صلىاللهعليهوسلم وهو في غزوته فأرسلوا له أعرابيا ليقتله ببطن نخل ، وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نزل منزلا وتفرق أصحابه عنه يستظلون في شجر العضاه وعلق رسول الله صلىاللهعليهوسلم سيفه بشجرة ، فجاء أعرابي وسلّ سيف رسول الله ثم أقبل عليه وقال : يا محمد من يمنعك مني؟ قال صلىاللهعليهوسلم : «الله» قالها ثلاثا فأسقطه جبريل من يده فأخذه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وقال : «من يمنعك مني؟» (١) فقال : لا أحد ثم صاح رسول الله بأصحابه فأخبرهم ولم يعاقبه. وفي رواية أن الأعرابي قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وعلى هذين القولين ، فالمراد من قوله تعالى : (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ). تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر عن نبيهم فإنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن.
والثالث : أنها نزلت في شأن المشركين أنهم رأوا رسول الله وأصحابه بعسفان في غزوة ذي أنمار ، وهي غزوة ذات الرقاع وهي السابعة من مغازيه صلىاللهعليهوسلم ، وذلك أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة فلما صلوا ندم المشركون في عدم إكبابهم عليهم وقالوا : ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم. فقيل لهم : إن للمسلمين بعد هذه الصلاة صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم. فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر فرد الله تعالى كيدهم بأن أنزل جبريل بصلاة
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٣ / ص ٣٦٥).
الخوف (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي إقرارهم أن لا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) وهو المسند إليه أمور القوم وتدبير مصالحهم.
روي أن بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء أرض الشام وقد سكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم : «إني كتبتها لكم دارا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم». وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا فاختار الله تعالى من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم والنقباء الاثنا عشر كما قال ابن إسحاق هم شموع وشوقط ، وكالب ، وبعورك ، ويوشع ، ويعلى ، وكرابيل ، وكدي ، وعمابيل ، وستور ، ويحيى ، وآل. ثم إن هؤلاء النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليهالسلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليهالسلام ، فلما ذهبوا إليهم رأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوهم ورجعوا ، فحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليهالسلام أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب ويوشع وهما اللذان قال الله تعالى في حقهما : (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) [المائدة : ٢٣] الآية (وَقالَ اللهُ) لهؤلاء النقباء (إِنِّي مَعَكُمْ) بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) أي التي فرضت عليكم (وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ) أي زكاة أموالكم (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي) أي بجميعهم (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي نصرتموهم بالسيف على الأعداء (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) أي صادقا من قلوبكم. والمراد بهذا الإقراض : الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) وهذا إشارة إلى إزالة العقاب (وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) وهذا إشارة إلى إيصال الثواب (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ) أي بعد أخذ الميثاق (مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١٢) أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) أي بسبب نقضهم ميثاقهم بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمان صفة محمد صلىاللهعليهوسلم لعناهم أخرجناهم من رحمتنا (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) أي منصرفة عن الانقياد للدلائل.
وقرأ حمزة والكسائي قسية بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء أي رديئة يابسة بلا نور (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) يغيرون نعت محمد صلىاللهعليهوسلم وحكم الرجم بعد بيانه أي في التوراة (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي تركوا بعضا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم (وَلا تَزالُ) يا أشرف الخلق (تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي تظهر على خيانة صادرة من بني قريظة (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه أو الذين بقوا على الكفر لكنهم بقوا على العهد ولم يخونوا فيه (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي لا تعاقبهم (وَاصْفَحْ) أي أعرض عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٣) إلى الناس.
قال ابن عباس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) في الإنجيل باتباع محمد وبيان صفته وأن لا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا ، كما أخذنا الميثاق على بني إسرائيل اليهود (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي اتركوا نصيبا عظيما مما أمروا به في الإنجيل من الإيمان ونقضوا الميثاق (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي ألصقنا بين نصارى أهل نجران العداوة بالقتل والبغضاء في القلب بعد أن جعلناهم فرقا أربعة : نسطورية ، والملكانية ، واليعقوبية ، والمرقوسية ، فإن بعضهم يكفر بعضا إلى يوم القيامة (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ) أي يخبرهم في الآخرة (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١٤) من المخالفة والخيانة والكتمان فيجازيهم عليه (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي يا معشر اليهود والنصارى (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) محمد أفضل الخلق (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) أي تكتمون من التوراة والإنجيل كنعت محمد وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى بأحمد في الإنجيل (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه إذا لم تدع حاجة دينية إلى إظهاره (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ) أي رسول وهو محمد صلىاللهعليهوسلم (وَكِتابٌ مُبِينٌ) (١٥) وهو القرآن لما فيه من إبانة ما خفي على الناس من الحق (يَهْدِي بِهِ) أي بذلك الكتاب (اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ) وهو من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى (سُبُلَ السَّلامِ) أي إلى طرق السلامة من العذاب وهو دين الإسلام ، وهذا منصوب بنزع الخافض لأن «يهدي» يتعدى إلى الثاني بـ «إلى» أو بـ «اللام». (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ) أي ظلمات فنون الكفر (إِلَى النُّورِ) أي نور الإيمان (بِإِذْنِهِ) أي بتوفيقه والباء تتعلق باتبع ولا يجوز أن تتعلق بيهدي ولا بيخرج إذ لا معنى لها حينئذ ، فدلت الآية على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله منه ذلك (وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٦) أي يثبتهم على ذلك الدين بعد إجابة دعوة الرسول (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) وهم نصارى نجران (إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وهذه المقالة لليعقوبية فإنهم قالوا : إن الله قد يحل في بدن إنسان معين أو في روحه. وقيل : لم يصرح به أحد منهم ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث اعتقدوا اتصاف عيسى بصفاته الخاصة أي بأنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم. (قُلْ) لهم يا أكرم الخلق : (فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) أي فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده (إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) أي إن عيسى مماثل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلمتم كونه تعالى خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ) فتارة يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض ، وتارة أخرى يخلق من أصل كخلق ما بينهما فينشئ من أصل ليس من جنسه كخلق آدم وكثير من الحيوانات ومن أصل من جنسه إما من ذكر وحده كخلق
حواء أو من أنثى وحدها كخلق عيسى عليهالسلام ، أو منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى عليهالسلام معجزة له وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على يده أيضا فيجب أن ينسب كله إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٧) وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقوية استقلال الجملة (وَقالَتِ الْيَهُودُ) أي إن يهود أهل المدينة (وَالنَّصارى) أي نصارى أهل نجران (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) أي إن اليهود لما زعموا أن عزيزا ابن الله. والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ، ثم زعموا أن عزيرا والمسيح كانا منهم صار ذلك كأنهم قالوا : نحن أبناء الله كما يقول أقارب الملوك عند المفاخرة : نحن الملوك. فالمراد بأبناء الله خاصته
وقال ابن عباس : إن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوّفهم بعقاب الله تعالى فقالوا : تخوّفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه. والذي قال تلك الكلمة من اليهود : نعمان ويحرى وشاس. (قُلْ) أي لهم يا أكرم الخلق إلزاما وتبكيتا : (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع ، فأنتم كاذبون لأن الأدب لا يعذب ولده والحبيب لا يعذب حبيبه (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) أي لستم كذلك بل أنتم بشر من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله وتابوا من اليهودية والنصرانية (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) أن يعذبه منهم. وهم الذين كفروا به تعالى وبرسله وماتوا على اليهودية والنصرانية (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) فمن كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه تعالى حقا واجبا (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (١٨) في الآخرة فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي يا أهل التوراة والإنجيل (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) محمد صلىاللهعليهوسلم (يُبَيِّنُ لَكُمْ) أي مبينا لكم الشرائع (عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) أي على حين انقطاع من الأنبياء.
فروي عن سلمان أنه قال : فترة ما بين عيسى ومحمد ستمائة سنة. أخرجه البخاري. وكان بينهما أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل كما قال تعالى : (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) [يس : ١٤] وواحد من العرب وهو خالد بن سنان وقال في حقه نبينا صلىاللهعليهوسلم : «نبي ضيعه قومه» (١) (أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) أي إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت فترة من
__________________
(١) رواه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٧٩) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١ : ٤٢) ، وابن الجوزي في زاد المسير (٢ : ٣٢٠) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٢ : ٢٧١).
إرسال الرسل كراهة أن تقولوا إذا سئلتم عن أعمالكم يوم القيامة : ما جاءنا بشير بالجنة ولا نذير بالنار ، وقد انقمست آثار الشرائع السابقة وانقطعت أخبارها فلا تعتذروا بذلك (فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ) كامل البشارة (وَنَذِيرٌ) كامل النذارة (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٩) فكان قادرا على الإرسال تترى كما أرسل الرسل بين موسى وعيسى وكان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ) لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل ومنهم أولاد يعقوب فإنهم كانوا على قول الأكثرين أنبياء (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) فقد تكاثر فيهم الملوك ، ثم إن أقارب الملوك يقولون عند المفاخرة نحن الملوك.
قال السدي : أي وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم. وقيل : كل من كان مستقلا بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجا في مصالحه إلى أحد فهو ملك. وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكانت لهم أموال كثيرة فمن كان كذلك كان ملكا. وعن أبي سعيد الخدري عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا». وقال قتادة : سموا ملوكا لأنهم كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : من كان له امرأة يأوي إليها ومسكن يسكنه فهو غني ، ثم إن كان له خادم بعد ذلك فهو من الملوك. (وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) (٢٠) من فلق البحر وإغراق العدو وإيراث أموالهم وإنزال المن والسلوى ، وإخراج المياه العذبة من الحجر وتظليل الغمام فإن ذلك لم يوجد في غير بني إسرائيل (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) أي المباركة (الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) أي وهبها الله لكم ميراثا من أبيكم إبراهيم عليهالسلام.
روي أن سيدنا إبراهيم عليهالسلام لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك. وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام الموعد. قال ابن عباس : والأرض هي الطور وما حوله (وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ) أي لا ترجعوا إلى خلفكم أي إلى مصر خوف العدو (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) (٢١) في الدين والدنيا لأنهم صاروا شاكين في صدق موسى عليهالسلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوة : فإن موسى قد أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم فكان ذلك وعدا بأن الله تعالى ينصرهم على العدو ، ولأن الله تعالى منعهم عن المن والسلوى ثم بعث موسى عليهالسلام اثني عشر نقيبا ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساما عظيمة هائلة ، ثم انصرفوا إلى موسى عليهالسلام فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلان منهم وهما يوشع وكالب فإنهما سهلا
الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم وقلوب القوم الذين فيها ضعيفة ، وإن كانت أجسامهم عظيمة ، وأما العشرة من النقباء فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم ورفعوا أصواتهم بالبكاء. (قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها) أي في الطور ، أو أريحا أو دمشق وفلسطين كما روى كل واحد من هذه الثلاثة عن ابن عباس (قَوْماً جَبَّارِينَ) أي طوالا عظماء أقوياء فلا تصل أيدي قوم موسى إليهم فسموهم جبارين لهذا المعنى (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها) من غير صنع منافاته لا طاقة لنا بإخراجهم منها (فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها) بسبب ليس منا (فَإِنَّا داخِلُونَ) (٢٢) قالوا هذا على سبيل الاستبعاد (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) أي يخافون الله تعالى في مخالفة أمره ونهيه (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) بالهداية والثقة بعون الله والاعتماد على نصرة الله وهما يوشع بن نون وهو الذي نبىء بعد موسى وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوقنا ، ختن موسى وهو بفتح اللام وكسرها. وقيل : هما رجلان من الجبابرة أسلما واجتمعا مع موسى والموصول عبارة عن الجبابرة وإليهم يعود العائد المحذوف. والتقدير : قال رجلان من الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل وهما رجلان منهم أنعم الله عليهما بالإيمان فآمنا ويشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ «يخافون» على صيغة المبني للمفعول. (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ) أي باب بلدهم. أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من البروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا (فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ) أي باب بلدهم (فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ) من غير حاجة إلى القتال فإنا شاهدنا أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة وإنما جزم هذان الرجلان بالغلبة لأنهما كانا جازمين بنبوة موسى ، فلما أخبرهم موسى بأن الله تعالى أمرهم بالدخول في تلك الأرض قطعا بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جهتهم (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا) في حصول هذا النصر لكم بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢٣) بصحة نبوة موسى ومقرين بوجود الإله القادر مصدقين لوعده (قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها) أي أرض الجبارين (أَبَداً ما دامُوا فِيها) أي أرضهم (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) إنما قالوا هذه المقالة على وجه التمرد عن الطاعة أي على وجه مخالفة أمر الله فهم فسقة (فَقاتِلا) هم (إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (٢٤) عن القتال. (قالَ) عليهالسلام لما رأى منهم عنادا على طريق الحزن والشكوى إلى الله تعالى : (رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) هارون أي لا أملك التصرف. ولا ينفذ أمري إلا في نفسي وأخي. وإنما قال ذلك تقليلا لمن يوافقه ويجوز أن يكون المعنى إلا نفسي ومن يواخيني في الدين (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (٢٥) أي احكم لنا بما نستحقه واحكم على القوم الخارجين عن طاعتك بما يستحقونه وهو في معنى الدعاء عليهم. (قالَ) الله : يا موسى (فَإِنَّها) أي الأرض المقدسة (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) أي ممنوع عليهم الدخول فيها (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) أي يتحيرون في البرية. وكان طول البرية تسعين فرسخا وقد تاهوا في تسعة فراسخ عرضا في ثلاثين
فرسخا طولا ، وأوحى الله تعالى إلى موسى عليهالسلام : «بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبديّ يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا سنة» ـ أي كانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين ـ يوما «ولألقين جيفهم في هذه القفار» ـ أي مات أولئك العصاة فيها ـ «وأهلك النقباء العشرة فيها بعقوبات غليظة وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلون تلك الأرض المقدسة» اه.
قال ابن عباس : وكلهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه ، وكان الغمام يظللهم من الشمس وكان عمود نور يطلع بالليل فيضيء لهم ، وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملون ولا تطول شعورهم. وهذه الإنعامات عليهم مع أنهم معاقبون لما أن عقابهم كان بطريق التأديب.
وروي أن موسى وهارون كانا معهم ولكن كان ذلك لهما راحة وسلامة كالنار لإبراهيم ولملائكة العذاب عليهمالسلام وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم ومشاهدتهم لهما حال العقوبة أبلغ (فَلا تَأْسَ) أي لا تحزن (عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (٢٦).
قال مقاتل : إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه ، ثم إن موسى عليهالسلام أخبر قومه بذلك فقالوا له : لم دعوت علينا؟ وندم موسى على ما عمل فأوحى الله إليه لا تأس على القوم الفاسقين فإنهم أحقاء بذلك لفسقهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِ) أي اذكر يا أكرم الخلق لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم قابيل وهابيل ملتبسا بالصدق ليعتبروا به وهذه القصة دالة على أن كل ذي نعمة محسود فلما كانت نعم الله سيدنا محمد أعظم النعم كان أهل الكتاب استخرجوا أنواع المكر في حقه صلىاللهعليهوسلم حسدا منهم ، فكان ذكر هذه القصة تسلية من الله تعالى لرسوله. قال محمد بن إسحاق : إن آدم كان يغشي حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل وأخته ، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا ولم تر دما وقت الولادة فلما هبطا إلى الأرض تغشاها ، فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوحم والصب والطلق والدم.
وقال بعضهم : غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وأقليما في بطن ، ثم هابيل ولبودا في بطن. فإن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما وجارية إلا شيئا فإنها وضعته مفردا عوضا عن هابيل ، وجملة أولاد آدم تسعة وثلاثون في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث ، ويتزوج كل من الذكور غير توأمته. وأمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل وينكح هابيل أقليما أخت قابيل ـ وهي أحسن من لبودا ـ
فذكر ذلك آدم فرضي هابيل وسخط قابيل وقال : هي أختي وأنا أحق بها ونحن من أولاد الجنة وهما من أولاد الأرض ، فقال له آدم : إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك وقال : إن الله لم يأمرك بهذا وإنما هو من رأيك. فقال لهما آدم : قربا لله قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بإقليما ، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها ، وإن لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير والسباع فخرجا من عند آدم ليقربا القربان ، وكان قابيل قرب صبرة من قمح رديء وهابيل قرب كبشا أحسن وقصد بذلك رضا الله تعالى ، فوضعا قربانهما على جبل ، ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل. وقيل : رفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به إسماعيل عليهالسلام (إِذْ قَرَّبا) أي كل منهما (قُرْباناً) وهو اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما) وهو هابيل (وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) وهو قابيل فأضمر لأخيه الحسد إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت وغاب فأتى قابيل لهابيل وهو في غنمه (قالَ) لهابيل : (لَأَقْتُلَنَّكَ) فقال هابيل : ولم تقتلني؟ قال قابيل : لأن الله تقبّل قربانك وردّ قرباني وتريد أن تنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدث الناس بأنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي فـ (قالَ) هابيل : وما ذنبي؟ (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٢٧) أي إن حصول التقوى شرط في قبول القربان (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) أي والله لئن باشرت قتلي حسب ما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعل مثله لك في وقت من الأوقات (إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) (٢٨) في قتلك كما قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لمحمد بن مسلمة : «ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» (١). (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) أي أن تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي. كما قاله ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة رضياللهعنهم (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) أي فتصير من أهل النار (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) (٢٩).
وروي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم (فَطَوَّعَتْ لَهُ) أي سهلت له (نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ). قال ابن جريج : لما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله فتمثل له إبليس وقد أخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلم منه القتل فوضع قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم صابر.
روي عن عمرو بن خير الشعياني قال : كنت مع كعب الأحبار على جبل دير متران فأراني لمعة حمراء سائلة في الجبل فقال : هاهنا قتل ابن آدم أخاه وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٥ / ص ١١٠).
(فَأَصْبَحَ) أي صار (مِنَ الْخاسِرِينَ) (٣٠) بقتله دينا ودنيا لأنه أسخط والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ، ولأن له عقابا عظيما في الآخرة ، ولما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض فقصدته السباع لتأكله ، فحمله قابيل على ظهره في جراب أربعين يوما وقيل : سنة (فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ) أي يحفر الحفيرة بمنقاره ورجليه بعد قتل صاحبه ، ثم ألقاه فيها وأثار التراب عليه فتعلم قابيل ذلك من الغراب (لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) واللام إما متعلقة ببعث حتما والضمير المستكن عائد إلى الله تعالى أو متعلقة بـ «يبحث» أو بـ «بعث» ، والضمير راجع للغراب. و «كيف» حال من ضمير «يوارى» العائد إلى قابيل كالضميرين البارزين وهو معمول ليواري ، وجملته معلقة للرؤية البصرية أو العرفانية المتعدية لمفعول قبل تعديتها بهمزة النقل وبعده لاثنين ، وحينئذ فكيف في محل المفعول الثاني سادة مسده ، والمراد بالسوأة الجسد لقبحه بعد موته. (قالَ) أي قابيل : (يا وَيْلَتى) أي يا هلاكي تعال. وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ولفظها لفظ النداء كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره. أي أيها الويل احضر فهذا أوان حضورك (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي) أي فأغطي جسد أخي بالتراب أي لما قتل قابيل أخاه تركه بالعراء استخفافا به ، ولما رأى الغراب يدفن غرابا ميتا رق قلبه وقال : إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر أخفاه تحت الأرض أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (٣١) على حمله لهابيل على ظهره سنة لأنه لم يعلم الدفن إلا من الغراب وعلى قتله لأنه لم ينتفع بقتله ولأنه سخط عليه بسببه أبواه وإخوته فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية وعلى استخفافه بهابيل بعد قتله لتركه في العراء. فلما رأى أن الغراب دفن غرابا ميتا ندم على قساوة قلبه وقال : هذا أخي لحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على غراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة. فكان ندمه لهذه الأسباب لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا ينفعه ذلك الندم. قيل : لما قتل قابيل هابيل هرب إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها فإن عبدتها أيضا حصل مقصودك فبنى بيت نار فعبدها وهو أول من عبد النار.
وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلا. قال : بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ) أي المذكور من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهي حصول خسارة الدين والدنيا ، وحصول الندم والحسرة والحزن في القلب. والجار والمجرور متعلق بـ «كتبنا» وهو ابتداء كلام فلا يوقف على اسم الإشارة فالوقف على قوله تعالى : (مِنَ النَّادِمِينَ) تام هذا عند جمهور المفسرين وأصحاب المعاني ويروى عن نافع أنه كان يقف على اسم الإشارة ويجعله من تمام
الكلام الأول فحينئذ الجار والمجرور متعلق بما قبله ، واسم الإشارة عائد على القتل أي من أجل أن قابيل قتل هابيل ولم يواره بالتراب. (كَتَبْنا) أي أوجبنا في التوراة (عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ) أي الشأن (مَنْ قَتَلَ نَفْساً) واحدة من بني آدم (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص (أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ) أي أو بغير فساد يوجب إهدار الدم من كفر أو زنا أو قطع طريق.
وقرأ الحسن بنصب فساد بإضمار فعل أي أو عمل فسادا (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) في تعظيم أمر القتل العمد العدوان كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحد. فالمقصود مشاركة الأمرين في الاستعظام وكيف لا يكون مستعظما وقد قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) [النساء : ٩٣] (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ) أي ومن خلص نفسا واحدة من المهلكات كالحرق والغرق ، والجوع المفرط ، والبرد والحر المفرطين.
قال ابن عباس أي وجبت له الجنة بعفو عن نفس كما لو عفا عن الناس (جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ) أي بني إسرائيل (رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ) أي المعجزات (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ) أي بعد مجيء الرسل وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل (لَمُسْرِفُونَ) (٣٢) في القتل لا يبالون بعظمته فإنهم كانوا أشد الناس جراءة على القتل حتى كانوا يقتلون الأنبياء (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ، أو إنما مكافأة الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) أي يعملون في الأرض مفسدين بالمعاصي وهو القتل وأخذ المال ظلما (أَنْ يُقَتَّلُوا) واحدا بعد واحد إن قتلوا (أَوْ يُصَلَّبُوا) ثلاثة أيام بعد القتل والصلاة عليهم. وقيل : يصلبون أحياء ثم يزج بطنهم برمح حتى يموتوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل. (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) أي تقطع مختلفة بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذمي وكان المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم نصاب السرقة (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إن أخافوا السبل.
قال أبو حنيفة : النفي من الأرض هو الحبس وهو اختيار أكثر أهل اللغة. قالوا : والمحبوس قد يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها ولا يرى أحدا من أحبابه فصار منفيا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات ، فكان كالمنفي في الحقيقة. وقال الشافعي : هذا النفي محمول على وجهين :
الأول : أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ،
وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني : القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جميع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فإن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم من الأرض هو هذا الحبس لا غير.
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في قوم هلال بن عويمر لأنهم قتلوا قوما من بني كنانة أرادوا الهجرة إلى رسول الله ليسلموا فقتلوهم وأخذوا ما كان معهم من السلب. وقيل : نزلت في قوم من عرينة وكانوا ثمانية نزلوا المدينة مظهرين للإسلام فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم ، فبعثهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا فلما شربوا وصحوا قتلوا الراعي مولى لرسول الله صلىاللهعليهوسلم واسمه يسار النوبي وساقوا الإبل وكانت خمسة عشر ، فبعث النّبيّ صلىاللهعليهوسلم عشرين فارسا أميرهم كرز بن جابر الفهري في طلبهم فجيء بهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمّرت أعينهم بأن أحمى مسامير الحديد وكحل بها أعينهم حتى ذهب ضوءها ، وتركوا في الحرة حتى ماتوا (ذلِكَ) أي الحد (لَهُمْ خِزْيٌ) أي هوان وفضيحة (فِي الدُّنْيا) إذا لم تحصل التوبة. أما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الاستخفاف بل يكون على جهة الامتحان (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٣٣) أي أشد مما يكون في الدنيا لمن لم يتب (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) أي إن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى يسقط بعد هذه التوبة ، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين لا يسقط. فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو إلا أنه يزول وجوب القصاص بسبب هذه التوبة لا جوازه قصاصا ، وإن أخذوا مالا وجب عليهم رده ولم يكن عليهم قطع اليد والرجل ، وإن جمعوا بين القتل وأخذ المال فيسقط وجوب القتل ويجوز استيفاؤه ويجب ضمان المال. وعن علي رضياللهعنه : إن الحرث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق فقبل توبته ، ودرأ عنه العقوبة ، أما إذا تاب القاطع بعد القدرة فالتوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه.
وقال الشافعي رحمهالله : ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة ، لأن ماعزا لما رجم أظهر توبته فلما تمّموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «هلا تركتموه» (١) وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى وهذا التفصيل إنما يكون للمسلم أما إن كان القاطع كافرا سقطت عنه الحدود مطلقا لأن توبته تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها.
__________________
(١) رواه ابن ماجة في كتاب الحدود ، باب : الرجم.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) بترك المنهيات (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) بفعل المأمورات (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٣٥) نبيل مرضاته وبالفوز بكراماته.
اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين : أحدهما : ترك المنهيات وهو المشار إليه بقوله تعالى : (اتَّقُوا اللهَ). وثانيهما : فعل المأمورات وهو المشار إليه بقوله تعالى : (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ). والمراد بطلب الوسيلة إليه تعالى هو تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات. ولما أمر الله تعالى بترك ما لا ينبغي وبفعل ما ينبغي وكان الانقياد لذلك من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على الطبع ، لأن النفس لا تدعو إلا إلى المشتهيات واللذات المحسوسة أردف ذلك التكليف بقوله : (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أي بمحاربة أعدائه البارزة والكامنة ، ثم إن من يعبد الله تعالى فريقان : منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله وهو المشار إليه بقوله تعالى : (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) ومنهم من يعبده للثواب مثلا وهو المشار إليه بقوله : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي تفوزون بالمحبوب وتخلصون عن المكروه. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ) أي لو ثبت أن لكل واحد منهم (ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) أي من أصناف أموالها وسائر منافعها قاطبة (وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) أي ليجعلوا كلا منهما فدية لأنفسهم (مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي من العذاب الواقع يومئذ (ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٣٦) تصريح بعدم قبول الفداء وتصوير للزوم العذاب فلا سبيل لهم إلى الخلاص منه. وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «يقال للكافر يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول : نعم ، فيقال له : قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت» (١) (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ) بتحويل حال إلى حال. وقيل : يتمنون الخروج إذا رفعهم لهب النار إلى فوق ويقصدونه. وقيل : يكادون يخرجون منها لقوة النار ودفعها لهم. وقيل : يريدون الخروج بقلوبهم كما قرأ بعضهم «أن يخرجوا» بالبناء للمفعول (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ) أي الكافرين خاصة دون عصاة المؤمنين (عَذابٌ مُقِيمٌ) (٣٧) أي دائم لا ينقطع تارة بالبر وتارة بالحر وتارة بغيرهما. (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) أي أيمانهما من الكوع. كما يدل عليه قراءة ابن مسعود رضياللهعنه «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم» لأنه صلىاللهعليهوسلم أتى بسارق وهو طعمة فأمر بقطع يمينه من الرسغ. (جَزاءً بِما كَسَبا) أي لجزاء فعلهما (نَكالاً) أي للإهانة والذم (مِنَ اللهِ) فجزاء مفعول من أجله وعامله فاقطعوا نكالا مفعول من أجله وعامله جزاء على طريقة الأحوال المتداخلة كما تقول : ضربت ابني تأديبا له ، إحسانا إليه ، فالتأديب علة للضرب والإحسان علة للتأديب (وَاللهُ عَزِيزٌ) في انتقامه
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٣ / ص ٢٩١).
(حَكِيمٌ) (٣٨) في شرائعه وتكاليفه (فَمَنْ تابَ) إلى الله تعالى (مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ) أي سرقته (وَأَصْلَحَ) بأن يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض (فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) أي يقبل توبته تفضلا منه وإحسانا لا وجوبا عليه (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٩) فلا يعذبه في الآخرة ولا يسقط عنه القطع بالتوبة بل يقطع على سبيل الامتحان عند الجمهور. وقيل : يسقط بها الحد. وقال الشافعي : إن عفا المستحق عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) والمالك له أن يتصرف في ملكه كيف شاء (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤٠) فيقدر على التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما بحسب ما تقتضيه مشيئته تعالى ونحن نعتقد أن المغفرة تابعة للمشيئة في حق غير التائب (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) أي لا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه المكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم.
وقرأ نافع «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي. وقرئ «يسرعون» من أسرع والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا. قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن أبي وأصحابه. وقيل : نزلت في عبد الله بن صوريا (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) أي إن هؤلاء القوم من اليهود لهم صفتان سماع الكذب في دين الله وفي طعن محمد صلىاللهعليهوسلم من أحبارهم ونقله إلى عوامهم وسماع الحق منك ، ونقله لأحبارهم ليحرفوه. أي فيكونوا وسائط بينك وبين قوم آخرين ، والوسائط هم يهود بني قريظة كعب وأصحابه. والقوم الآخرون هم يهود خيبر فهم لا يقربون مجلسه صلىاللهعليهوسلم لبغضهم إياه وتكبرهم. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) أي يضع هؤلاء الأحبار الجلد مكان الرجم ، والطعن في محمد مكان المدح في التوراة (يَقُولُونَ) أي المحرفون وهم القوم الآخرون للسماعين لهم عند إلقائهم إليهم أقاويلهم الباطلة مشيرين إلى كلامهم الباطل : (إِنْ أُوتِيتُمْ) من جهة محمد (هذا) المحرف من جلد المحصن (فَخُذُوهُ) أي فاقبلوا منه (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) ولا تقبلوا منه.
قال المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وهما محصنان وكان حد الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما فأرسلوهما مع قوم منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن حكمه في الزنيين. وقالوا : إن أمركم بالجلد وتسويد الوجه فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا. فلما سألوا رسول الله عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به. فقال له جبريل عليهالسلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا. فقال الرسول : «هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا؟». قالوا : نعم. فقال : «هو أيّ
رجل فيكم؟» فقالوا : هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما في التوراة. فقال : «فأرسلوا إليه» فأتاهم ، فقال له النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «أنت ابن صوريا؟» قال : نعم. قال : «وأنت أعلم اليهود؟». قال : كذلك يزعمون ، فقال لهم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «أ ترضون به حكما؟» قالوا : نعم. فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو ، الذي فلق البحر لموسى ، ورفع فوقكم الطور وأنجاكم ، وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟». قال ابن صوريا : نعم. فوثب عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته فأجابه عنها ، فقال ابن صوريا : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيّ الأمي العربي الذي بشّر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله بالزانيين فرجما عند باب مسجده (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ) أي ضلالته كفره (فَلَنْ تَمْلِكَ) أي تستطيع (لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) على دفعها (أُولئِكَ) أي اليهود والمنافقون (الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أي من رجس الكفر وخبث الضلالة لانهماكهم فيهما (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي ذل بالفضيحة للمنافقين بظهور نفاقهم بين المسلمين وخوفهم من قتل المسلمين إياهم والجزية والافتضاح لليهود بظهور كذبهم في كتمان التوراة (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)) وهو الخلود في النار (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) الذين كانوا ينسبونه إلى التوراة (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) أي الحرام الذي يصل إليهم من الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسيب الفحل ، وكسب الحجام ، وثمن الكلب ، وثمن الخمر ، وثمن الميتة وحلوان الكاهن ، والاستئجار في المعصية.
روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد (فَإِنْ جاؤُكَ) متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم ذلالهم. فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يخيّر في ذلك. وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدهما ، وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمهما ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعا. وكذا الذمي مع المعاهدين (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً) أي فإنهم كانوا لا يتحاكمون إليه صلىاللهعليهوسلم إلا لطلب الأخف ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له فلا تضره عداوتهم له فإن الله يعصمه من الناس (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل الذي أمرت به (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٤٢) أي يثيب العادلين في الحكم (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) استفهام تعجيب من الله لنبيه من تحكيمهم إياه صلىاللهعليهوسلم لمن لا يؤمنون به وبكتابه. والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذين يدعون الإيمان به وتنبيه على أنهم ما
قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ، وإنما طلبوا ما هو أهون عليهم وإن لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم ثم يعرضون عن حكمه صلىاللهعليهوسلم الموافق لكتابهم من بعد التحكيم ، والرضا بحكمه صلىاللهعليهوسلم فقوله تعالى : (وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ) حال من فاعل (يُحَكِّمُونَكَ). وقوله تعالى : (فِيها حُكْمُ اللهِ) حال من التوراة. وقوله تعالى : (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ) معطوف على (يُحَكِّمُونَكَ). (وَما أُولئِكَ) أي البعداء من الله (بِالْمُؤْمِنِينَ) (٤٣) بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ولا بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك وإن طلبوا الحكم منك وذلك دليل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن مقصودهم تحصيل منافع الدنيا فقط (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً) أي بيان الأحكام والشرائع والتكاليف (وَنُورٌ) أي بيان للتوحيد والنبوة والمعاد (يَحْكُمُ بِهَا) أي انقادوا لحكم التوراة (النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) أي انقادوا لحكم التوراة فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهماالسلام وبينهما ألف نبي وكلهم بعثوا بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها.
وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو سيدنا محمدا صلىاللهعليهوسلم لأنه حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، ولأنه قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء. وقال ابن الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى. فردّ الله عليهم بذلك. أي فإن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين أي منقادين لتكاليف الله تعالى. وفي ذلك تنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام ، وتعريض بهم بأنهم بعدوا عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء عليهمالسلام (لِلَّذِينَ هادُوا) متعلق بيحكم أي يحكمون بها فيما بين اليهود (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ) أي ويحكم بها العلماء المجتهدون الذين انسلخوا عن الدنيا وسائر العلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين (بِمَا اسْتُحْفِظُوا) أي بسبب الذي استحفظوا من جهة النبيين (مِنْ كِتابِ اللهِ) وهو التوراة. فإن الأنبياء سألوا الربانيين والأحبار أن يحفظوا التوراة من التغيير والتبديل وذلك منهم عليهمالسلام استخلاف لهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها (وَكانُوا عَلَيْهِ) أي ذلك الكتاب (شُهَداءَ) أي كان هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق وأنه من عند الله ، فحقا كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير. (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ) أيها اليهود (وَاخْشَوْنِ) أي إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم فلا تكونوا خائفين
من الناس بل كانوا خائفين مني ومن عقابي في كتمان الأحكام ونعوت محمد صلىاللهعليهوسلم (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً) أي ولا تستبدلوا بآياتي التي في التوراة عرضا قليلا من الدنيا أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (٤٤).
قال ابن عباس : ومن لم يبين ما بيّن الله في التوراة من نعت محمد وآية الرجم فأولئك هم الكافرون بالله والرسول والكتاب. وقال عكرمة : أي ومن لم يحكم بما أنزل الله منكرا له بقلبه وجاحدا له بلسانه فقد كفر ، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه ذلك إلا أنه حكم بضده فهو ظالم فاسق لتركه حكم الله تعالى (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها) أي فرضنا على نبي إسرائيل في التوراة (أَنَّ النَّفْسَ) مقتولة (بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ) مفقوءة (بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ) مجدوع (بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ) مقطوعة (بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ) مقلوعة (بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) أي ذات قصاص إذا كانت بحيث تعرف المساواة كالشفتين ، والذكر والأنثيين ، والقدمين واليدين. فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منها التلف ففيه أرش وحكومة.
قرأ الكسائي «العين والأنف والأذن والسن والجروح» كلها بالرفع. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصب الكل غير «الجروح» فإنه بالرفع. وقرأ نافع وعاصم وحمزة بنصب الكل وخبر الجميع قصاص (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) أي بالقصاص من المستحقين (فَهُوَ) أي التصدق (كَفَّارَةٌ لَهُ) أي للمتصدق. يكفر الله تعالى بها ذنوبه أي إذا عفا المجروح أو ولي المقتول كان ذلك العفو كفارة للعافي كما قال صلىاللهعليهوسلم : «أ يعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس»(١).
وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من تصدق من جسده بشيء كفّر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه». وقيل : إن المجني عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني وسقط عنه ما لزمه فلا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجني عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى ، ثم القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق : حق لله تعالى ، وحق للمقتول ، وحق للولي فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل خوفا من الله تعالى وتوبة نصوحا ، سقط حق الله تعالى بالتوبة وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو وبقي حق للمقتول يعوضه الله عنه
__________________
(١) رواه البغدادي في موضع أوهام الجمع والتفريق (١ : ٢٧) ، والألباني في إرواء الغليل (٨ : ٣٢).
يوم القيامة عن عبده التائب ، ويصلح بينه وبينه ولو سلم القاتل نفسه اختيارا من غير ندم وتوبة أو لم يمكن من نفسه بل قتل كرها فيسقط حق الوارث فقط ويبقى حق الله تعالى ، لأنه لا يسقطه إلا التوبة ويبقى حق المقتول أيضا ويطالبه به في الآخرة ، لأن القاتل لم يسلم نفسه تائبا ولم يصل منه للمقتول شيء (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٤٥) بالتقصير في حق النفس لإبقاء النفس في العقاب الشديد والتدين بترك حكم الله نهاية الظلم وهو الكفر لإنكار نعمة الله تعالى وجحدها (وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ) أي أتبعنا على آثار النبيين الذين يحكمون بالتوراة (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي لما قبل عيسى مما أتى به موسى (مِنَ التَّوْراةِ) ومعنى كون عيسى مصدقا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزل من عند الله تعالى وأقر بأنه كان حقا واجب العمل به قبل ورود النسخ (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً) لاشتماله على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه وبراءة الله تعالى عن الزوجة والولد والمثل والضد وعلى النبوة وعلى المعاد (وَنُورٌ) لأنه بيان للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف (وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قبل الإنجيل (مِنَ التَّوْراةِ) وهذا المنصوب معطوف على محل فيه هدى وهو النصب على الحال ، أي موافقا لما في التوراة من أصول الدين ومن بعض الشرائع ومن كون الإنجيل مبشرا بمبعث محمد صلىاللهعليهوسلم (وَهُدىً) لاشتماله على البشارة بمجيء محمد صلىاللهعليهوسلم فهو سبب لاهتداء الناس إلى النبوة محمد صلىاللهعليهوسلم فهذه المسألة أشد المسائل احتياجا إلى البيان فالإنجيل يدل دلالة ظاهرة عليها لكثرة المنازعة بين المسلمين واليهود والنصارى في ذلك (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٦) لاشتماله على النصائح والزواجر وإنما خص الموعظة بالمتقين لأنهم الذين ينتفعون بها (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ومن الأحكام التي لم تنسخ بالقرآن فإن الحكم بالأحكام المنسوخة ليس حكما بما أنزل الله فيه بل هو تعطيل له إذ هو شاهد بنسخها لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة شهادة بنسخها.
وقرأ حمزة «وليحكم» بكسر اللام ونصب الفعل بأن مضمرة بعد لام كي وهو متعلق بمقدر. أي وآتيناه الإنجيل ليحكموا به. وقرأ الباقون «وليحكم» بسكون اللام وجزم الفعل بلام الأمر (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٤٧) أي الخارجون عن الإيمان إن كان مستهينا به وعن طاعة الله إن كان لاتباع الشهوات (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (بِالْحَقِ) أي ملتبسا بالصدق والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من الكتاب أو من فاعل أنزلنا أو من الكاف في إليك (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي لم تقدمه (مِنَ الْكِتابِ) أي من كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) أي شاهدا على الكتب كلها ، لأن القرآن هو الذي لا ينسخ ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على سائر الكتب بالصدق باقية.
وقرأ ابن محيصن ومجاهد «مهيمنا» بفتح الميم الثانية ، فإن القرآن يصان عن التحريف والتبديل والحافظ هو الله تعالى (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) أي بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك (بِما أَنْزَلَ اللهُ) فإن ما أنزل الله إليك وهو القرآن مشتمل على جميع الأحكام الشرعية (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ) و «عن» متعلقة «بلا تتبع» على تضمين معنى تتزحزح ونحوه أي لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) أي لكل واحد من الأمم الثلاثة أمة موسى وأمة عيسى ، وأمة محمد جعلنا منكم أيها الأمم شريعة وهي العبادة التي أمر الله بها عباده ، ومنهاجا أي طريقا واضحا يؤدي إلى الشريعة ، فالتوراة شريعة للأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى. والإنجيل شريعة من مبعث عيسى إلى مبعث سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم ، والقرآن شريعة للموجودين من سائر المخلوقات في زمنه صلىاللهعليهوسلم إلى يوم القيامة ليس إلا والدين واحد وهو التوحيد (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) أي جماعة متفقة على شريعة واحدة في جميع الأعصار من غير اختلاف ولا نسخ ولا تحويل. أو المعنى لجعلكم ذوي أمة واحدة أي دين واحد (وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) أي ولكن لم يشأ الله أن يجعلكم أمة واحدة بل شاء أن يختبركم فيما أعطاكم من الشرائع المختلفة المناسبة للأزمنة والجماعة. هل تعملون بها منقادين لله معتقدين أن اختلافها مبني على الحكم اللطيفة والمصالح النافعة لكم أم تتبعون الهوى وتقصرون في العمل؟ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا يا أمة محمد إلى ما هو خير لكم في الدارين وابتدروه انتهازا للفرصة وحيازة لفضل السبق (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٤٨) في الدنيا من أمر الدين أي فيخبركم بما لا تشكون فيه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ، والموفى والمقصر في العمل فإن الأمر سوف يرجع إلى ما يحصل معه اليقين ، وذلك عنده مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) أي بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليك (بِما أَنْزَلَ اللهُ) وهذه الجملة معطوفة على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم بينهم وذكر إنزال الحكم لتأكيد وجوب امتثال الأمر ، أو على قوله بالحق أي أنزلنا إليك الكتاب بالحق وبالحكم وذكر إنزال الأمر بالحكم بعد الأمر الصريح به تأكيد للأمر وتفريش لما بعده ، ولأن الآيتين حكمان أمر الله بهما جميعا لأنهم احتكموا إليه صلىاللهعليهوسلم في زنا المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) في عدم الشريف بالوضيع وعدم قتل الرجل بالمرأة (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) أي يميلوك (عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) ويردوك إلى أهوائهم وكان بنو النضير إذا قتلوا من قريظة أدوا إليهم نصف الدية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة ، ويقتلون النفسين بالنفس ويفقئون العينين بالعين فغيروا حكم الله الذي أنزله في التوراة فما لهم يخالفون.
قال ابن عباس : إن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا ، وشاش بن قيس قال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه ، أي نصرفه عن دينه فأتوه صلىاللهعليهوسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك فأتى ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله تعالى : (أَنْ يَفْتِنُوكَ) بدل اشتمال من المفعول أي واحذرهم فتنتهم أو مضاف إليه لمفعول من أجله أي احذرهم مخافة أن يفتنوك أي يصرفوك عن الحق ويلقوك في الباطل (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أي أن يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا وهو أن يسلطك عليهم ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء والسبي فالقوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم وذلك كاف في إهلاكهم (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) أهل الكتاب وغيرهم (لَفاسِقُونَ) (٤٩) أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ).
قرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي برفع «حكم» على أنه مبتدأ. وقرأ قتادة «أ بحكم» بالباء الجارة بدل الفاء. وقرئ «فحكم» بفتح الفاء والكاف. أي أفيطلبون حاكما كحكام الجاهلية. وهي إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للمداهنة في الأحكام. وإما أهل الجاهلية.
قال مقاتل : كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد وكتابنا واحد فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر ، وإن قتلنا واحدا منهم أخذوا منا مائة وأربعين وسقا من تمر ، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جروحاتهم فاقص بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنا أحكم أن دم القرظي كدم النضيري ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة». فغضب بنو النضير وقالوا : لا نرضى بحكمك فإنك عدوّ لنا فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (٥٠) فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكما ولا أحسن منه بيانا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب.
روي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود ، فقال عبد الله بن أبي رئيس المنافقين : لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر. فنزلت هذه الآية. وقال السدي لما كانت واقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس وتخوفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين : أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن تدال علينا اليهود.
وقال رجل آخر : أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا فأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا : ماذا يصنع بنا إذا نزلنا؟ فجعل إصبعه في حلقه ، أي إنه يقتلكم (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي بعض كل فريق من ذينك الفريقين أولياء بعض آخر من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) يا معشر المؤمنين (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي فهو من أهل دينهم فإنه لا يوالي أحد أحدا إلا وهو عنه راض فإذا رضي عنه رضي دينه فصار من أهل دينه. وهذا على سبيل المبالغة في الزجر عن إظهار صور الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة ، أو لأن الموالين كانوا منافقين (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٥١) بموالاة الكفار.
روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب : إن لي كاتبا نصرانيا ، فقال مالك : قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا أما سمعت قول الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) قلت له دينه ولي كتابته. فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. قلت : لا يتم أمر البصرة إلا به ، فقال : مات النصراني والسلام. والمعنى اجعله في ظنك أنه قد مات فما تعمل بعد موته؟ أي فاعمله الآن ميتا واستغن عنه بغيره (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) بالنفاق ورخاوة العقل في الدين كعبد الله بن أبي وأصحابه (يُسارِعُونَ فِيهِمْ) أي في موادة يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة يقرضونهم ويعينونهم على مهماتهم (يَقُولُونَ) معتذرين عنها إلى المؤمنين (نَخْشى) أي نخاف خوفا شديدا (أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ) من دوائر الدهر كالهزيمة والحوادث المخوفة وتكون الدولة للكفار وتقال الدائرة في المكروه كالجدب والقحط. وتقال الدولة في المحبوب. وقال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) لرسول الله على أعدائه وللمسلمين على أعدائهم وبإظهار الدين (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) بقطع أصل اليهود وبإخراجهم عن بلادهم. و «عسى» بمنزلة الوعد وهو من الله تعالى واجب (فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ) (٥٢) أي فيصير هؤلاء المنافقون نادمين على ما حدّثوا به أنفسهم من أن الدولة أي الغلبة لأعداء رسول الله صلىاللهعليهوسلم فإنهم كانوا يشكّون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن أنه يتم له أمره (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا).
قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع مع إثبات الواو كما في مصاحف أهل العراق على الاستئناف. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالرفع مع حذف الواو كما في مصاحف أهل الحجاز والشام. على أن الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في جواب سؤال نشأ من قوله تعالى : (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) كأن القائل يقول : فما ذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل : (يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) إلخ.
وقرأ أبو عمرو بالنصب مع الواو عطفا على «يصبحوا» لا على «يأتي» لأن ذلك القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط. والمعنى يقول المؤمنون مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يولونهم ويرجون دولتهم عند مشاهدتهم لانعكاس رجائهم تعريضا بالمخاطبين (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) أي غاية أيمانهم (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) بالمعونة فإن المنافقين حلفوا لليهود بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) أو المعنى يقول المؤمنون بعضهم لبعض مشيرين للمنافقين متعجبين من حالهم متبجحين بما منّ الله عليهم من إخلاص الإيمان عند مشاهدتهم لإظهارهم الميل إلى موالاة اليهود والنصارى أنهم كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا في ديننا في السر ومن أنصارنا فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم ، وهذا أنسب لقراءة الرفع مع إثبات الواو على الاستئناف ، أما المعنى الأول فهو أنسب لقراءة النصب ولقراءة الرفع مع حذف الواو ، ولقراءة الرفع مع الواو بجعل عطف جملة على جملة والله أعلم. (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي بطل ما أظهروه من الإيمان وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى (فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ) (٥٣) في الدنيا والآخرة فاستحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
قرأ ابن عامر ونافع «يرتدد» بدالين من غير إدغام وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها. روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشر فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم :
الأولى : بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار ـ ويلقب بالأسود ـ كان له حمار يقول له : قف ، فيقف! وسر ، فيسير! وكانت نساء أصحابه يتعطرن بروث حماره وكان كاهنا ادعى النبوة. فكتب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن وأمرهم بالنهوض إلى حراب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه. والثانية : بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب ادّعى النبوة في حياة رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلما توفي بعث أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كبير وقتل على يد وحشي الذي قتل حمزة رضياللهعنه. والثالثة : بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد ادّعى النبوة فبعث أبو بكر خالدا فهزمهم وأفلت طليحة فهرب نحو الشام ، ثم أسلم أيام عمر وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر.
الأولى : فزارة قوم عيينة بن حصن.
والثانية : غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري.
والثالثة : بنو سليم قوم الفجأة بن عبد ياليل.
والرابعة : بنو يربوع قوم مالك بن نويرة.
والخامسة : بعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وهي ادّعت النبوة وزوجت نفسها لمسيلمة الكذاب.
والسادسة : كندة قوم الأشعث بن قيس :
والسابعة : بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد فكفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضياللهعنه. وفرقة واحدة في عهد عمر وهي : غسان قوم جبلة بن الأيهم وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر وكان يطوف ، فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فاشتكى الرجل إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه إلا أن يعفو عنه. فقال : أنا أشتريها بألف ، فأبى الرجل ، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرجل إلا القصاص فاستنظر عمر فأنظره ، فهرب جبلة إلى الروم وارتد ، والمراد (بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) كما قال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج : هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة. ومعنى (يُحِبُّهُمْ) أي يلهمهم الطاعة ويثيبهم عليها. ومعنى (وَيُحِبُّونَهُ) أي يطيعون لأوامره تعالى ونواهيه (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي عاطفين عليهم (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) أي شداد عليهم كما قال صلىاللهعليهوسلم : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» (١). وكان أبو بكر في أول الأمر حين كان رسول الله في مكة يذب عنه ويلازمه ويخدمه ، ولا يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي وقت خلافته كان يبعث العسكر إلى المرتدين وإلى مانعي الزكاة حتى انهزموا وجعل الله ذلك مبدأ لدولة الإسلام (يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لنصرة دين الله (وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) فالواو للحال أي بخلاف المنافقين فإنهم كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فمن كان قويا في الدين فلا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه ولومة لائم وهذا الجهاد مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، إلا أن حظ أبي بكر في الجهاد أتم ، لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار في أول البعث. وفي ذلك الوقت كان الإسلام في غاية الضعف والكفر في غاية القوة وكان يجاهد الكفار ويذب عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بغاية وسعه. وأما علي فإنه كان جهاده في بدر وأحد وفي ذلك الوقت كان الإسلام قويا وكانت العساكر مجتمعة فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي لوجهين : لتقدمه على جهاد علي في الزمان ولأنه كان وقت ضعف الإسلام (ذلِكَ) أي وصف القوم بالمحبة والشفقة والقوة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ) أي كامل القدرة فلا يعجز عن هذا
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٣ / ص ٢٨١) ، وابن ماجة في المقدمة ، باب : في فضائل أصحاب رسول الله.
الموعود (عَلِيمٌ) (٥٤) أي كامل العلم فيمتنع دخول الحق في أخباره ومواعيده (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ) أي إنما ناصركم ومؤنسكم الله (وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٥٥) أي منقادون لجميع أوامر الله ونواهيه.
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود ، وقال : أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين. وقال جابر بن عبد الله : نزلت في عبد الله بن سلام وذلك أنه جاء إلى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل. فنزلت هذه الآية فقرأها النّبيّ عليه فقال : رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. والمراد بالمؤمنين المذكورين عامة المؤمنين. والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين. وقيل : المراد أبو بكر. وقيل : علي لما روي أن عبد الله بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت : يا رسول الله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (٥٦) أي ومن يتخذهم أولياء في النصرة فإنهم جند الله وجند الله هم الغالبون على أعدائهم بالحجة فإنها مستمرة أبدا ، أما بالصولة والدولة فقد يغلبون (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً) أي سخرية (وَلَعِباً) أي ضحكة (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي اليهود والنصارى (وَالْكُفَّارَ) أي المشركين كعبدة الأوثان (أَوْلِياءَ) في العون. والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أحبابا وأنصارا فإن ذلك كالأمر الخارج عن العقل والمروءة.
روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإيمان ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقرأ أبو عمرو والكسائي «والكفار» بالجر ويعضده قراءة أبي «ومن الكفار». وقراءة عبد الله «ومن الّذين أشركوا» فهم من جملة المستهزئين أيضا بخلاف قراءة الباقين بالنصب فلا يفيد أنهم منهم وإنما يستفاد ذلك من آية أخرى (وَاتَّقُوا اللهَ) في موالاتهم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٥٧) أي حقا فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء بلا شك (وَ) أولئك الذين اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا هم الذين (إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) بالآذان والإقامة (اتَّخَذُوها) أي الصلاة والمناداة (هُزُواً وَلَعِباً) أي لما اعتدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا : إنها لعب.
روى الطبراني أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول الله قال : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله. وقيل : كان المنافقون من اليهود يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها.
وقيل : إن الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا الآذان دخلوا على النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وقالوا : يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى! فإن كنت نبيا فقد خالفت الأنبياء قبلك فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح هذا الصوت وهذا الأمر فأنزل الله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ) [فصلت : ٣٣] الآية. وأنزل : (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) الآية وقد دلّت هذه الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب العزيز لا بمنام الصحابة وحده وجملة وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها من الشرط ، والجواب : صلة ثانية للموصول المجرور بمن البيانية وفي الحقيقة إن قوله : (اتَّخَذُوها) معطوف على (أُوتُوا) وإن قوله : (إِذا نادَيْتُمْ) ظرف له كأنه قيل : ومن الذين اتخذوها هزوا ولعبا وقت أذانكم والله أعلم. (ذلِكَ) أي الاستهزاء المذكور (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (٥٨) أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن خدمة الخالق المنعم بغاية التعظيم لا تكون مهزوءا بها فإنه أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام. (قُلْ) بل أشرف الخلق لليهود : (يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ) أي ما تكرهون من أحوالنا إلا الإيمان بالله (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) أي بالقرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) أي بما أنزل من قبل إنزال القرآن من التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) (٥٩).
وقرأ الجمهور «أن» بفتح الهمزة أي وما تكرهون من أوصافنا إلا إيماننا بما ذكر واعتقادنا بأن أكثركم خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن مستلزم للكفر بما يصدقه بلا شك. وقرأ نعيم بن ميسرة «إن» بالكسر على الاستئناف (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ) أي مما قلتم لمحمد وأصحابه.
روي أنه أتى نفر من اليهود رسول الله صلىاللهعليهوسلم فسألوه عن دينه فقال صلىاللهعليهوسلم : «نؤمن بالله وما أنزل إلينا ـ إلى قوله ـ ونحن مسلمون» فحين سمعوا منه صلىاللهعليهوسلم ذكر عيسى عليهالسلام قالوا : لا نعلم شرا من دينكم. فنزلت هذه الآية أي هل أخبركم بما هو شر مما تعتقدونه شرا. (مَثُوبَةً) أي عقوبة (عِنْدَ اللهِ) فـ «مثوبة» تمييز لـ «شر» بمعنى عقوبة للتهكم (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) فـ «من» موصولة بدل من «شر» أي من أبعده الله من رحمته (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) أي سخط عليهم بانهماكهم بعد سنوح البينات (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ) في زمن داود عليهالسلام وهم أصحاب السبت (وَالْخَنازِيرَ) في زمن عيسى عليهالسلام بعد أكلهم من المائدة فكفروا.
وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) أي من أطاع أحدا في معصية الله كالكهنة وهو معطوف على صلة من كقراءة أبي و «عبدوا الطاغوت» كما أفصح عن ذلك قراءة ابن مسعود «ومن عبدوا الطاغوت» ، وكقراءة الأعمش والنخعي وعبد مبنيا للمفعول. وكذا على قراءة عبد بفتح العين
وضم الباء على وزن كرم أي صار الطاغوت معبودا من دون الله تعالى ورفع الطاغوت على هاتين القراءتين فالراجع إلى الموصول محذوف فيها أي عبد الطاغوت فيهم أو بينهم.
وقرأ حمزة وعبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال ، وجر الطاغوت وهو مفرد يراد به الكثرة أي بالغ الغاية في طاعة الشيطان وهو معطوف على القردة كقراءة عابد الطاغوت ، وعابدي ، وعبادة ، وعبيد ، وعبد بضمتين ، وعبدة بوزن كفرة وعبد بفتحتين جمع عابد كخدم جمع خادم وقرئ وعبد الطاغوت بجر عبد عطفا على من بناء على أنه مجرور على أنه بدل من شر والسبعية اثنتان.
أولاهما : عبد الطاغوت على أن عبد فعل ماض مبني للفاعل وفيه ضمير عائد على من وهذه قراءة غير حمزة.
وثانيهما : قراءته وغيرهما قراءات شاذة (أُولئِكَ) الملعونون الممسوخون (شَرٌّ مَكاناً) من المؤمنين لأن مكانهم سقر ولا مكان أشد شرا منه. أو المعنى أولئك الملعونون المغضوب عليهم المجعول منهم القردة والخنازير العابدون الطاغوت شر مكانا من غيرهم من الكفرة الذين لم يجمعوا بين هذه الخصال الذميمة (وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (٦٠) أي أكثرهم ضلالا عن الطريق المستقيم.
قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية عيّر المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم (وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره الله تعالى بشأنهم أنهم يخرجون من مجلسك ملتبسين بالكفر كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء مما سمعوا منك من نصائحك (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ) (٦١) من الكفر وغرضهم من هذا النفاق المبالغة فيما في قلوبهم من الجلد في المكر بالمسلمين والعداوة لهم (وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ) أي اليهود (يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ) أي الكذب وكلمة الشرك (وَالْعُدْوانِ) أي الظلم على الناس (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي الحرام كالرشا (لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٦٢) أي لبئس شيئا كانوا يعملونه عملهم هذا (لَوْ لا) أي هلا (يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ) أي العباد (وَالْأَحْبارُ) أي العلماء (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) (٦٣) أي لبئس شيئا كانوا يصنعونه تركهم للنهي عن ذلك ، والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا. فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأن ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة المعصية ، لأن النفس تلتذ بها لأنها مرض الروح وهو صعب شديد لا يكاد يزول ولا كذلك ترك الإنكار عليها
فيدخل في هذا الذم كل من كان قادرا على النهي عن المنكر من العلماء وغيرهم وتركه ، ولذلك قال ابن عباس رضياللهعنهما : هذه الآية أشد آية في القرآن. وقال الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها والله أعلم (وَقالَتِ الْيَهُودُ).
قال ابن عباس وعكرمة والضحاك : إن الله تعالى قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا فلما بعث الله محمدا وكذبوا به ضيّق الله عليهم المعيشة ، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء وأخرج الطبراني عن ابن عباس : أنه قال النباش بن قيس : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) وهذه الكلمات دعاء عليهم. والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله تعالى : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) [الفتح : ٢٧] ، وكما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله تعالى : (فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) [البقرة : ١٠] وعلى أبي لهب في قوله تعالى (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) [المسد : ١] فحينئذ يكون المعنى دعاء عليهم بالبخل ، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله تعالى وبغل الأيدي حقيقة بأن يغلوا في الدنيا أسارى وتشد أيديهم إلى أعناقهم في نار جهنم ، ويسحبوا إلى النار بأغلالها وقوله : ولعنوا بما قالوا أي عذبوا في الدنيا بالجزية ، وفي الآخرة بالنار بسبب قولهم ذلك (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) عطف على مقدر ، أي ليس الأمر على ما وصفتموه تعالى به من البخل بل هو تعالى جواد كريم على سبيل الكمال فإن من أعطى بيديه من الإنسان فقد أعطى على أكمل الوجوه ، فتثنية اليد مبالغة في الوصف بالجود ، وأيضا إن المراد بالتثنية المبالغة في وصف النعمة ، فالمعنى أن نعمة الله متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة.
وقيل : التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة. وقيل : على إعطائه إكراما وعلى إعطائه استدراجا. فقيل : نعمتاه تعالى : نعمة الدين ، ونعمة الدنيا. أو نعمة الباطن ونعمة الظاهر. أو نعمة النفع ، ونعمة الدفع. أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) أي يرزق خلقه كائنا على أي حال يشاء إن شاء قتر وإن شاء وسع (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) أي والله ليزيدن القرآن علماء اليهود غلوا في الإنكار وشدة في الكفر إذ كلما نزلت آية كفروا بها كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرضى مرضا (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) فكل فرقة من اليهود تخالف الأخرى فلا يكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم فإن اليهود فرق فإن بعضهم جبرية وبعضهم قدرية ، وبعضهم مرجئة ، وبعضهم مشبهة ، وكذا النصارى فرق كالملكانية ، والنسطورية ، واليعقوبية ، والماردانية (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) أي كلما هموا بمحاربة أحد رجعوا خائبين مقهورين وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلّط الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم
فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين وكلما أرادوا محاربة النبي صلىاللهعليهوسلم ورتبوا أسبابها وركبوا في ذلك متن كل صعب ردهم الله تعالى وقهرهم وذلك لعدم ائتلافهم (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) أي ويجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وإثارة الفتنة بينهم وفي تعويق الناس عن محمد صلىاللهعليهوسلم (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٦٤) أي والله يعاقب المفسدين في الأرض كاليهود وغيرهم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) أي أن اليهود والنصارى (آمَنُوا) بمحمد صلىاللهعليهوسلم بما جاء به (وَاتَّقَوْا) مخالفة كتابهم (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (٦٥) فالكتابي لا يدخل الجنة ولا يرفع عنه العقاب ما لم يسلم والإسلام يجب ما قبله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي أقاموا أحكامهما وحدودهما (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) من الكتب ككتاب شعياء وكتاب حيقوق ، وكتاب دانيال ، وكتاب أرمياء ، وزبور داود لأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وأيضا في هذه الكتب ذكر محمد صلىاللهعليهوسلم فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم.
وقيل : المراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن لأنهم مأمورون بالإيمان به فكأنه نزل إليهم من ربهم (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) وهذه مبالغة في السعة والخصب لا أن هناك فوقا وتحتا. والمعنى لأكلوا أكلا متصلا كثيرا. وقيل : من نزول القطر ومن حصول النبات. وقيل : من الأشجار المثمرة ومن الزروع المغلة. وقيل : المراد أن يرزقهم الله الجنان اليانعة الثمار فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم هذا في القائلين : يد الله مغلولة الذين ضيق عليهم عقوبة لهم (مِنْهُمْ) أي من أهل الكتاب (أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) أي طائفة معتدلة. وهم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، وبحيرا الراهب وأصحابه ، والنجاشي وأصحابه ، وسلمان الفارسي وأصحابه (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) (٦٦) من العناد وتحريف الحق والإفراط في العداوة وكتمان صفة محمد ككعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وسعيد بن عمرو ، وأبي ياسر ، وجدي بن أخطب (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) أي يا محمد (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) من غير مبالاة باليهود والنصارى ومن غير خوف من أن ينالك مكروه أبدا (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ما أمرت به من تبليغ جميع ما أنزل إليك من الأحكام وما يتعلق بها (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) أي رسالة ربك.
وقرأ ابن عامر ونافع وشعبة رسالاته بجمع تأنيث سالم. وقرئ فما بلغت رسالاتي وهذا تنبيه على غاية التهديد (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي الكفار أي يؤمنك من مكر اليهود والنصارى من قتلهم. وعن أنس رضياللهعنه : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية فأخرج رأسه من قبة آدم وقال : «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من
الناس» (١). (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٦٧) أي إنه تعالى لا يمكّنهم مما يريدون بك من القتل. روي أنه صلىاللهعليهوسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلّق سيفه عليها فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد من يمنعك مني؟ فقال : «الله» (٢) فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه.(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) من الدين ولا في أيديكم من الصواب (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي تحافظوا على ما فيهما من دلائل رسالة الرسول وشواهد نبوته فإن إقامتهما إنما تكون بذلك. وأما مراعاة أحكامهما المنسوخة فليست من إقامتهما في شيء (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي حتى تراعوا على ما في القرآن بالإيمان به فإن إقامة الجميع لا تحصل بغير ذلك (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وهو القرآن (طُغْياناً) أي تماديا في الجحود (وَكُفْراً) أي ثباتا على الكفر (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٦٨) أي لا تتأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم ولا بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إيمانا حقا بموسى وبجملة الأنبياء والكتب وماتوا على ذلك فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (وَالَّذِينَ هادُوا) أي دخلوا في اليهودية (وَالصَّابِئُونَ) هم قوم من النصارى وهم ألين قولا من النصارى (وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ) من هؤلاء الثلاثة (بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً) أي خالصا فيما بينه وبين ربه وتاب اليهودي من اليهودية ، والصابئ من الصابئة ، والنصارى من النصرانية (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) إذا ذبح الموت (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٦٩) إذا أطبقت النار ، فقوله : (وَالَّذِينَ هادُوا) مبتدأ «قالوا» ولعطف الجمل أو للاستئناف. وقوله : (وَالصَّابِئُونَ) عطف على هذا المبتدأ كقوله : (وَالنَّصارى) وقوله : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) إلخ خبر عن هذه المبتدءات الثلاثة. وقوله : (مَنْ آمَنَ) بدل بعض من هذه الثلاثة فهو مخصص. فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر بشرط الإيمان بما ذكر وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ) خبر إن محذوف دل عليه المذكور من خبر هذه الثلاثة.
وقرئ «والصابئين» ، وقرئ «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» ؛ «وهم من صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم (لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي بالله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الأحكام المكتوبة عليهم في التوراة (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً) ذوى عدد كثير ليقرروهم على مراعاة حقوق الميثاق (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ) أي كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي من الشرائع ، ومشاق التكليف عصوه وعادوه (فَرِيقاً كَذَّبُوا) أي فريقا من الرسل كذبوهم كعيسى وموسى ومحمد
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٥.
(٢) رواه أحمد في (م ٣ / ص ٣٦٥).
صلوات الله عليهم (وَفَرِيقاً) منهم (يَقْتُلُونَ) (٧٠) كزكريا ويحيى عليهماالسلام وقصدوا أيضا قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، فذكر التكذيب بلفظ الماضي إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليهالسلام فإنهم كذبوه في كل مقام ، وتمردوا على أوامره لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهمالسلام لكون ذلك الزمان قريبا فكان كالحاضر ومحافظة للفاصلة (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي ظن بنو إسرائيل أن لا يوحّد بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم لأنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله لأنهم اعتقدوا أن النسخ ممتنع على شرع موسى وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب (فَعَمُوا) عن الهدى (وَصَمُّوا) عن الحق فخالفوا أحكام التوراة فقتلوا شعياء وحبسوا أرمياء عليهماالسلام فسلط الله تعالى عليهم بختنصر عامل لهراسب على بابل ، فاستولى على بيت المقدس ، فقتل من أهله أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة ، وذهب بالبقية إلى أرضه ، فبقوا هناك دهرا طويلا على أقصى الذل إلى أن أحدثوا توبة صحيحة (ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) حين تابوا فوجه الله تعالى ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس ليعمره ، ونجّى بقايا بني إسرائيل من أسر بختنصر وردّهم إلى وطنهم ، وتراجع من تفرّق منهم في الأكناف فعمره ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه.
وقيل : لما ورث بهمن الملك من جده ألقى الله تعالى في قلبه شفقة عليهم فردّهم إلى الشام ، وملّك عليهم دانيال عليهالسلام ، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر ، فقامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) فعادوا إلى الفساد واجترءوا على قتل زكريا ويحيى ، وقصدوا قتل عيسى فبعث الله تعالى عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه خيدرود ففعل بهم ما فعل. قيل : دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي ، فسألهم فقالوا : دم قربان لم يقبل منا ، فقال : ما صدقوني فقتل عليه ألوفا منهم ، ثم قال : إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا. فقالوا : إنه دم يحيى عليهالسلام ، فقال : بمثل هذا ينتقم الله تعالى منكم. ثم قال : يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقى أحدا منهم فهدأ (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (٧١) أي وإن دق فيجازيهم به وفق أعمالهم (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).
قيل : هم الملكانية والمار يعقوبية منهم القائلون بالاتحاد. وقيل : هم اليعقوبية خاصة لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله تعالى حلّ في
ذات عيسى واتحد بذات عيسى. (وَقالَ الْمَسِيحُ) أي والحال قد قال المسيح مخاطبا لهم (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) أي وحدوا الله في العبادة خالقي وخالقكم (إِنَّهُ) أي الشأن (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ) شيئا في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية (فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) أي فقد منعه الله من دخولها (وَمَأْواهُ النَّارُ) فإنها هي المعدة للمشركين (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) (٧٢) أي وما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار إما بطريق المبالغة أو بطريق الشفاعة. فقوله تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ) إلى آخر الآية وارد من جهته تعالى لتأكيد مقالة عيسى عليهالسلام ولتقرير مضمونها (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) وهم النسطورية والمرقوسية.
وفي تفسير قولهم طريقان :
الأولى : قال بعض المفسرين : إنهم أرادوا بذلك إن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. فمعنى ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة ، فكل واحد من هؤلاء إله لأنهم يقولون : إن الآلهة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة. قال الواحدي : ولا يكفر من يقول : إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم اه. كما قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لأبي بكر : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»(١).
والثانية : حكى المتكلمون عن النصارى أنهم يقولون : إن الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم أب وابن وروح قدس. فهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب : الذات. وبالابن : الكلمة. وبالروح : الحياة ، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن واختلاط الماء بالخمر وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد. (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) أي وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد ، أو المعنى وما من إله لأهل السموات والأرض إلا إله لا ولد له ولا شريك له فهو إله واحد بالذات منزه عن شائبة التعدد بوجه من الوجوه (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) أي من هاتين المقالتين وما قرب منهما (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي ليصيبن الذين أقاموا على هذا الدين (عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٣) أي شديد الألم (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقاويل الباطلة فلا يتوبون إلى الله عن تلك المقالة والعقيدة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول. أو المعنى أيسمعون هذه الشهادات المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقب سماع تلك القوارع الهائلة؟ (وَاللهُ غَفُورٌ)
__________________
(١) رواه مسلم في فضائل الصحابة ، باب : ١ ، وأحمد في (م ١ / ص ٤).
لمن تاب وآمن (رَحِيمٌ) (٧٤) لمن مات على التوبة (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين مضوا من قبله ، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها فليس بإله كالرسل الخالية قبله فإنهم لم يكونوا آلهة فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يد عيسى عليهالسلام ، فقد فلق البحر وأحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى عليهالسلام وهو أعجب منه ، وإن كان الله خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب منه (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي وما أمه إلا صديقة أي تلازم الصدق وتصدق الأنبياء وتبالغ في بعدها عن المعاصي وفي إقامة مراسم العبودية كسائر النساء اللاتي يلازمن الاتصاف بذلك فما رتبة عيسى إلا رتبة نبي ، وما رتبة أمه إلا رتبة صحابي فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواص الناس؟ فإن أعظم صفات عيسى عليهالسلام الرسالة ، وأكمل صفات أمه الصديقية وذلك لا يستلزم لهما الألوهية (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) كسائر أفراد البشر. (انْظُرْ) يا أشرف الخلق (كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ) أي العلامات بأن عيسى ومريم لم يكونا بإلهين وببطلان ما تقولوا عليهما (ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٧٥) أي كيف يصرفون عن استماع الآيات وعن التأمل فيها فالله بيّن لهم الآيات بيانا عجبا وإعراضهم عنها أعجب منها (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي غيره (ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) وهو عيسى عليهالسلام فإن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها؟ فلو كان كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة الله تعالى! ومن كان كذلك كان محتاجا إليه في تحصيل المنافع ودفع المضار ومن كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم؟ وإذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد (وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٧٦). والمراد من هذه الجملة التهديد أي سميع بكفرهم ولمقالتهم في عيسى وأمه عليم بضمائرهم وبعقوبتهم (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي يا معشر اليهود والنصارى (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ) أي لا تتجاوزوا الحد في دينكم تجاوزا باطلا فإن الغلو في الدين نوعان : غلو حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه وتقريرها كما يفعله المتكلمون وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه ويتجاوز الحق ويعرض عن الأدلة وذلك الغلو هو رفع النصارى لعيسى فقالوا : إنه إله وخفص اليهود له فقالوا : إنه ابن زنا وإنه كذاب (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) أي لا تتبعوا مذاهب قوم قد ضلوا من قبلكم عن التوراة والإنجيل (وَأَضَلُّوا كَثِيراً) من الناس بتماديهم في الباطل (وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (٧٧) أي عن الدين الحق وعن القرآن بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي لعن الله تعالى اليهود في الزبور والنصارى في الإنجيل (عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فاليهود لعنوا على لسان
داود ، والنصارى لعنوا على لسان عيسى ، والفريقان من بني إسرائيل وهم أصحاب السبت وأصحاب المائدة. أما أصحاب السبت فهم قوم داود وذلك أن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان دعا عليهم داود عليهالسلام وقال : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخهم الله قردة. وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة وادخروا ولم يؤمنوا ، قال عيسى عليهالسلام : اللهم عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فمسخوا قردة وخنازير وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) (٧٨) أي ذلك اللعن الفظيع بسبب عصيانهم ومبالغتهم في العصيان (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) أي كانوا لا يمتنعون عن معاودة منكر فعلوه ولا يتركونه ولا يصدر من بعضهم نهي لبعض عن منكر أرادوا فعله.
روى ابن مسعود عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثّر سواد قوم فهو منهم» (١). (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) (٧٩) أي أقسم لبئس ما كانوا يفعلونه فعلهم هذا وهو ترك الإصرار على منكر فعلوه وترك النهي عنه (تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ) أي تبصر كثيرا من أهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأصحابه (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي يصادقون كفار أهل مكة أبا سفيان وأصحابه بغضا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم وللمؤمنين ، أي فإن كعبا وأضرابه خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النّبيّ صلىاللهعليهوسلم (لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي لبئس شيئا قدموا من موالاتهم لعبدة الأوثان لزاد معادهم موجب سخطه تعالى عليهم (وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ) (٨٠) أي وخلودهم أبد الآبدين في عذاب جهنم ، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم (وَلَوْ كانُوا) أي أهل الكتاب الذين يوالون المشركين (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِ) أي نبيهم وهو موسى (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ) من التوراة كما يدعون (مَا اتَّخَذُوهُمْ) أي ما اتخذ اليهود المشركين (أَوْلِياءَ) لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة في شرع موسى عليهالسلام فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى بل مرادهم الرياسة فيسعون في تحصيله بأيّ طريق قدروا عليه فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق فقال : (وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٨١) أي خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أما البعض منهم فقد آمن وفي هذه الآية وجه آخر ذكره القفال وهو أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلىاللهعليهوسلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء وهذا الوجه حسن ليس في
__________________
(١) رواه ابن حجر في المطالب العالية (١٦٠٥) ، والزيلعي في نصب الراية (٤ : ٣٤٦) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٦ : ١٢٨) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٤٧٣٥) ، والعجلوني في كشف الخفاء (٢ : ٣٧٨).
الكلام ما يدفعه (لَتَجِدَنَ) يا أكرم الخلق (أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) من أهل مكة لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما خلا يهوديان بمسلم إلا همّا بقتله» (١).
وقد قال بعضهم : مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان فإن قدروا على القتل فذاك وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من الحيلة. وأما النصارى فليس مذهبهم ذلك بل الإيذاء حرام في دينهم فهذا وجه التفاوت وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم (وَلَتَجِدَنَ) يا أشرف الخلق (أَقْرَبَهُمْ) أي الناس (مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود للأشعار بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله وأوداء أهل الحق ، وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهودا فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهود بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل أو لتحركهم في دراستهم (ذلِكَ) أي كونهم أقرب مودة للمؤمنين (بِأَنَّ مِنْهُمْ) أي بسبب أن منهم (قِسِّيسِينَ) أي علماء (وَرُهْباناً) أي عبادا أصحاب الصوامع (وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٨٢) عن قبول الحق إذا فهموه كما استكبر اليهود والمشركون من أهل مكة (وَ) أنهم (إِذا سَمِعُوا) أي القسيسون والرهبان الذين آمنوا منهم (ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) محمد صلىاللهعليهوسلم وهو القرآن (تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض أي تسيل (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ) أي من نعت محمد صلىاللهعليهوسلم في كتابهم أو مما عرفوا بعض الحق الذي هو القرآن.
روي أن قريشا تشاورت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من آمن منهم ، فآذوهم وعذبوهم ، ومنع الله تعالى رسوله محمدا صلىاللهعليهوسلم بعمه أبي طالب ، فلما رأى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما نزل بأصحابه أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال : «إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا». فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، والزبير بن العوام ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة ، ومصعب بن عمير ، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى ، وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار ، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب
__________________
(١) رواه العجلوني في كشف الخفاء (٢ : ٢٦٦).
وتتابع المسلمون فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان ، فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار. قال كفار قريش : إن ثاركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي واسمه أصحمة وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر ، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فدخلا إليه فقالا له : أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل زعم أنه نبي وهو قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نخبرك خبرهم وأن قومنا يسألونك أن تردهم إليهم فقال : حتى نسألهم ، فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا : يستأذن أولياء الله. فقال : ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلموا ، فقال الرهط من المشركين : أيها الملك ألا ترى أنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم الملك : ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشي : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب : يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء ، ويقول في مريم إنها العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال : والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذه العود. فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. فقال : هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا : نعم. قال : اقرءوا. فقرأ جعفر سورة مريم وهناك قسيسون ورهابين وسائر النصارى ، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر الطيار من القراءة ، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه : اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون. فرجع عمرو ومن معه خائبين وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن علا أمر رسول الله وقهر أعداءه في سنة ست من الهجرة وكتب رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها ومات عنها ، فأرسل النجاشي إليها جارية اسمها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلىاللهعليهوسلم فسرت أم حبيبة بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوجها فأنفذ النجاشي إليها أربعمائة دينار صداقها على يد أبرهة ، وقالت أبرهة : قد صدقت بمحمد وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام ، قالت : نعم وقالت : فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلىاللهعليهوسلم بخيبر وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم فدخلت عليه فقرأت عليهالسلام من أبرهة جارية الملك فرد الرسول عليهاالسلام ووافى جعفر رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو بخيبر ومع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف ، منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة ، وثمانية نفر من رهبان الشام : بحيرا الراهب وأصحابه أبرهة وأشرف وإدريس ، وتميم وتمام ودريد وأيمن وكلهم من أصحاب النجاشي ، فقرأ عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا وأسلموا. وقالوا : ما أشبه هذا بما
كان ينزل على عيسى عليهالسلام (يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا) بما سمعنا مما أنزل على رسولك وشهدنا أنه حق (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (٨٣) أي فاجعلنا من أمة محمد صلىاللهعليهوسلم الذين آمنوا فلما لامهم قومهم بالإسلام فقالوا تحقيقا لإيمانهم (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (٨٤) من أمة محمد صلىاللهعليهوسلم وجملة قوله تعالى : (لا نُؤْمِنُ) حال من الضمير في «لنا» وجملة «لا نطمع» حال ثانية منه بتقدير مبتدأ. أي أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله وبما جاءنا من القرآن والرسول ونحن نطمع في صحبة الصالحين ويجوز أن يكون قوله : (وَنَطْمَعُ) حالا من الضمير في (لا نُؤْمِنُ) على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) أي جعل الله ثوابهم على قولهم : ربنا آمنا مع إخلاص النية ومعرفة الحق ، أو بسبب ما سألوا بقولهم : فاكتبنا مع الشاهدين كما رواه عطاء عن ابن عباس.
وقرئ فآتاهم الله (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ) أي الجنات (جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) (٨٥) بالإيمان. أو المعنى جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور.
روي أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (٨٦) أي ملازمون لها لا ينفكون عنها دون غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) أي لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم ، ولا تظهروا باللسان تحريمه ، ولا تجتنبوا الطيبات اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرمات ، ولا تلتزموا تحريم الطيبات بنذر أو يمين (وَلا تَعْتَدُوا) أي لا تسرفوا في تناول الطيبات ولا تتجاوزوا أمر الله بقطع المذاكير (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٨٧) من الحلال إلى الحرام كالمثلة فمن اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر ، أما ترك لذات الدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير ففضيلة مأمور بها. نزلت هذه الآية في عشرة نفر من أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وهم : أبو بكر الصديق ، وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود ، وعثمان بن مظعون الجمحي ، ومقداد بن الأسود الكندي ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر وذلك لما وصف رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم القيامة لأصحابه يوما فبالغ الكلام في الإنذار فبكوا واجتمع هؤلاء العشرة في بيت عثمان بن مظعون وتشاوروا واتفقوا على عزمهم أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، وأن لا يناموا على الفرش ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض ، فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لهم : «إني لم أومر بذلك» ثم قال صلىاللهعليهوسلم : «إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم
والدسم وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
وروي أن عثمان بن مظعون أتى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : ائذن لي في الاختصاء. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ليس منا من خصي ولا من اختصي. إن خصاء أمتي الصيام». فقال يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال : «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» قال : يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال : «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» (٢) (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً) أي كلوا بعض رزقكم من الله الذي يكون حلالا مستلذا واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (٨٨) في تحريم ما أحل الله لكم وفي المثلة (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) قد تقدم أن قوما من الصحابة حرموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك على ظن أنه قربة ، فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا : يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) أي بتعقيدكم الأيمان بالقصد إذا حنثتم.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم «عقّدتم» بتشديد القاف. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «عقدتم» بتخفيف القاف. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «عاقدتم» بالألف والتخفيف (فَكَفَّارَتُهُ) أي فكفارة نكث الأيمان التي ليست بلغو (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) في قدر الطعام وهو ثلثا منّ لكل مسكين فإن الإنسان قد يكون قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد ، وقد يكون كثير الأكل فلا يكفيه المنوان والمتوسط الغالب يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقا أو خبزا فإنه يصير قريبا من المنّ وذلك كاف في قوت اليوم الواحد (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) بأقل ما يطلق عليه اسم الكسوة كإزار أو رداء ، وقميص أو سراويل أو عمامة لكل مسكين ثوب واحد (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) وتقديم الإطعام على العتق لأن المقصود تنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير بين هذه الثلاثة ، ولأن الإطعام أسهل لكون الطعام أعم وجودا ولأن الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) واحدا من هذه الثلاثة (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) ولو متفرقة لما روي أن رجلا قال للنبي صلىاللهعليهوسلم على أيام من رمضان : أفأقضيها متفرقات فقال صلىاللهعليهوسلم : «أ رأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟» قال : بلى :
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب النكاح ، باب : الترغيب في النكاح ، ومسلم في كتاب النكاح باب : ٥ ، والنسائي في كتاب النكاح ، باب : النهي عن التبتل ، والدارمي في كتاب النكاح باب : النهي عن التبتل ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٥٨).
(٢) رواه أحمد في (م ٢ / ص ١٧٣).
قال : «فالله أحق أن يعفو ويصفح» (١) والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (ذلِكَ) المذكور (كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) وحنثتم (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) أي قللوا الأيمان وضنوا بها (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التبيين لحكم الأيمان (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) أي أعلام شريعته (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٨٩) نعمته فيما يعلمكم. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ) أي المسكر (وَالْمَيْسِرُ) أي القمار (وَالْأَنْصابُ) أي الأصنام التي نصبها المشركون ويعبدونها (وَالْأَزْلامُ) سهام مكتوب عليها خير وشر (رِجْسٌ) أي قذر تعاف عنه العقول عنه العقول (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) أي من الأمور التي يزينها للنفس (فَاجْتَنِبُوهُ) أي الرجس (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٩٠) أي لكي تنجوا من العذاب (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ) إذا صرتم نشاوى كما فعل الأنصاري الذي شجّ رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل (وَالْمَيْسِرِ) إذا ذهب مالكم (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ) لأن شرب الخمر يورث اللذة الجسمانية والنفس إذا استغرقت فيها غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولأن الشخص إذا كان غالبا في القمار صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (٩١) أي قد بينت لكم مفاسد الخمر والميسر فهل تنتهون عنهما أم أنتم مقيمون عليهما كأنكم لم توعظوا بهذه المواعظ؟ (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) في أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر (وَاحْذَرُوا) عن مخالفتهما في التكاليف (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن طاعتهما وعن الاحتراز عن مخالفتهما (فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٩٢) أي فالحجة قامت عليكم والعلل انقطعت لأن الرسول قد خرج عن عهدة التبليغ كمال الخروج ، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب وهذا تهديد شديد (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ) أي إثم (فِيما طَعِمُوا) من الخمر ومن مال اللعب بالملاهي (إِذا مَا اتَّقَوْا) أن يكون في ذلك الشيء من المحرمات أي إذا عملوا الاتقاء (وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة (ثُمَّ اتَّقَوْا) ما حرم عليهم بعد ذلك (وَآمَنُوا) بتحريمه (ثُمَّ اتَّقَوْا) أي استمروا على اتقاء المعاصي (وَأَحْسَنُوا) أي اتجروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٩٣).
روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة : إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم؟ فنزلت هذه الآية.
وروى أبو بكر الأصم : أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله هذه الآيات. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ) أي ليختبرن الله طاعتكم من معصيتكم (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) أي من صيد البر (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ).
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٢١٢).
قال مقاتل بن حبان : ابتلاهم الله بصيد البر وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذ الطير بالأيدي ، والوحش بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط فنهاهم الله عنها ابتلاء (لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) أي ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم من يخافه حال كون الله تعالى غير مرئي له غائبا عن رؤيته أو يخافه بإخلاص القلب فيترك الصيد (فَمَنِ اعْتَدى) بالتعرض للصيد (بَعْدَ ذلِكَ) أي بعد بيان أن ما وقع من الصيد ابتلاء من عند الله تعالى لتمييز المطيع من العاصي (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٩٤) وهو العذاب في الآخرة والتعزير في الدنيا.
قال ابن عباس : هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه. ولما قتل أبو اليسر بن عمرو صيدا متعمدا بقتله ناسيا لإحرامه أنزل الله تعالى قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي محرمون أو داخلون في الحرم (وَمَنْ قَتَلَهُ) أي الصيد (مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) أي بقتله مع نسيان الإحرام كما قاله مجاهد والحسن (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) أي شبهه في الخلقة والتقييد بالتعمد ، لأن الآية نزلت في المتعمد حيث قتل أبو اليسر حمار وحش وهو محرم عمدا ولأن الأصل فعل المتعمد ، والخطأ ملحق بالعمد فيستوي في محظورات الإحرام العمد والخطأ في جزاء الإتلافات (يَحْكُمُ بِهِ) أي بمثل ما قتل (ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي رجلان صالحان من أهل دينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من النعم فيحكمان به.
قال ميمون بن مهران : جاء أعرابي إلى أبي بكر رضياللهعنه فقال : إني أصبت من الصيد كذا وكذا. فسأل أبو بكر رضياللهعنه أبي ابن كعب فقال الأعرابي : أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر رضياللهعنه : وما أنكرت من ذلك ، قال الله تعالى : (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به. وعن قبيصة بن جابر أنه حين كان محرما ضرب ظبيا فمات ، فسأل عمر بن الخطاب وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف فقال عمر لعبد الرحمن : ما ترى؟ قال : عليه شاة ، قال : وأنا أرى ذلك ، فقال : اذهب فاهد شاة ، قال قبيصة : فخرجت إلى صاحبي وقلت له : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره قال : ففاجأني عمر وعلاني بالدرة وقال : أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟ قال الله تعالى : (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فأنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف وقد حكم ابن عباس وعمر وغيرهما بشاة في الحمام وهو كل ما عب وهدر من الطير كالقمري والدبسي (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) فهديا منصوب على التمييز والمعنى يحكمان بالمثل هديا يساق إلى الكعبة أي إلى أرض الحرم فينحر هناك (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) فقوله كفارة عطف على قوله فجزاء أي فعليه جزاء أو كفارة إلخ أو عطف على محل قوله من النعم وقوله : طعام مساكين عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ) أي أو مثل ذلك الطعام (صِياماً) فقوله : أو عدل عطف على طعام إلخ كأنه قيل : فعليه جزاء
مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين ، أو صيام أيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدي والطعام والصيام. أما الأولان فبلا واسطة ، وأما الثالث فبواسطة الثالث فيختار الجاني كلا من هذه الثلاثة (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) أي جزاء ذنبه. والوبال في اللغة الثقل ، وإنما سمى الله ذلك وبالا لأن أحد هذه الثلاثة ثقيل على الطبع لأن في الجزاء بالمثل والإطعام تنقيص المال ، وفي الصوم إنهاك البدن. والمعنى أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) أي لم يؤاخذ بقتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم لأن قتله إذ ذاك مباح (وَمَنْ عادَ) إلى قتل الصيد بعد النهي عنه (فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ) أي فهو ينتقم الله منه في الآخرة مع لزوم الكفارة (وَاللهُ عَزِيزٌ) أي غالب لا يغالب (ذُو انْتِقامٍ) (٩٥) أي ذو عقوبة شديدة (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ) أي أحل لكم أيها الناس صيد جميع المياه العذبة والملحة بحرا كان أو نهرا ، أو غديرا أي اصطياد صيد الماء والانتفاع به بأكله ولأجل عظامه وأسنانه ، وأحل لكم طعام البحر أي أكله. فالصيد كما قاله أبو بكر الصديق رضياللهعنه ما صيد بالحيلة حال حياته ، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
قال الشافعي رحمهالله : السمكة الطافية في البحر محللة والسمك عنده ما لا يعيش في الماء ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير ، فهذا كله حلال عنده بخلاف ما يعيش في الماء والبر كالسرطان والضفدع والتمساح ، والسلحفاة وطير الماء.
وحجة الشافعي القرآن والخبر : أما القرآن : فهو قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ) فما يمكن أكله يكون طعاما فيحل. وأما الخبر : فقوله صلىاللهعليهوسلم في حق البحر : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١) نزلت هذه الآية في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر سألوا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم عن طعام البحر وعمّا حسر البحر عنه ومعنى قوله : (وَطَعامُهُ) أي ما حسر عنه البحر وألقاه (مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) أي أحل لكم ذلك لأجل انتفاعكم وللمسافرين منكم يتزودونه قديدا ، فالطري للمقيم والمالح للمسافر (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) أي محرمين أو في الحرم فمذهب أبي حنيفة يحل للمحرم أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يشر إليه ولم يدل عليه ، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل : وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه مصيد غيرهم.
وعند مالك والشافعي وأحمد : لا يباح ما صيد له فإن لحم الصيد عندهم مباح للمحرم
__________________
(١) رواه الدارمي في كتاب الوضوء ، باب : الوضوء في ماء البحر.
بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له والحجة فيه ما روى أبو داود في سننه عن جابر قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصطد لكم» (١) (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٩٦) لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إلى غيره فاخشوه تعالى في جميع المعاصي (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) أي صيّر الله الكعبة سببا لحصول الخيرات في الدنيا والآخرة ، وخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمها حتى صار أهل الدنيا يأتون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة فصار ذلك لإسباغ النعم على أهل مكة ، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم وجعل الله في الكعبة الطاعات الشريفة والمناسك العظيمة وهي سبب لحط الخطيئات ورفع الدرجات ، وكثرة الكرامات ، وصار أهل مكة بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يعظمهم (وَالشَّهْرَ الْحَرامَ) أي وجعل الله الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم فإن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض فإذا دخل الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم (وَالْهَدْيَ) أي وجعل الهدي سببا لقيام الناس ، وهو ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء. (وَالْقَلائِدَ) أي وجعل الله الأشخاص الذين يتقلدون بلحاء شجر الحرم سببا لأمنهم من العدو فإنهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا أنه راجع من الحرم فلا يتعرضون له (ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي ذلك التدبير اللطيف من الجعل المذكور لأجل أن تتفكروا فيه أنه تدبير لطيف فتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، فإن جعل ذلك لأجل جلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل الوقوع دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن ، ثم إذا عرفتم أن علمه تعالى صفة قديمة واجبة الوجود فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات فلذلك قال تعالى : (وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٩٧) فلا يخرج شيء عن علمه المحيط (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لما ذكر الله تعالى أنواع الرحمة ذكر بعده شدة عذابه تعالى لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال صلىاللهعليهوسلم : «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» (٢) ثم ذكر عقبه ما يدل على الرحمة دلالة على أنها أغلب فقال
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب المناسك ، باب : لحم الصيد للمحرم ، والترمذي في كتاب الحج ، باب : ٢٥ ، والنسائي في كتاب المناسك ، باب : إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال ، وأحمد في (م ٣ / ص ٣٦٢).
(٢) رواه السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (١٣٣).
(وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩٨) وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الإيجاد كان لأجل الرحمة والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) (٩٩) أي إن الرسول كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن عهدة التكليف وبقي الأمر من جانبكم وقد قامت عليكم الحجة فلا عذر لكم من بعد في التفريط ، وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فإن المحمود القليل من الأعمال والأموال خير من المذموم الكثير منهما والخطاب لكل معتبر.
قيل : نزلت هذه الآية في رجل قال لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : إن الخمر كانت تجارتي وإني اعتنقت من بيعها مالا فهل ينفعني من ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل جناح بعوضة. إن الله لا يقبل إلا الطيب» (١) (فَاتَّقُوا اللهَ) بأن تتحروا ترك الخبيث من الأعمال والأموال ظاهرا وباطنا ولا تحتالوا في تركه بالتأويل (يا أُولِي الْأَلْبابِ) أي أصحاب العقول السليمة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٠٠) أي لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي إن تظهر لكم تلك الأشياء تحزنكم والمعنى اتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وما بلغه الرسول إليكم فكونوا منقادين له وما لم يبلغه إليكم فلا تسألوا عنه فإن خضتم فيما لا يكلف عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض ما يشق عليكم.
روى أنس أنهم سألوا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال : «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال : يا نبي الله من أبي؟ فقال : «أبوك حذافة بن قيس!». وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي؟ فقال : «في النار» وقال سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن : يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الزكاة ، باب : الصدقة من كسب طيب ، ومسلم في كتاب الزكاة ، باب : ٦٣ ، والترمذي في كتاب الزكاة ، باب : ٢٨ ، والنسائي في كتاب الزكاة ، باب : الصدقة من غلول ، وابن ماجة في كتاب الزكاة ، باب : فضل الصدقة ، والدارمي في كتاب الرقاق ، باب : في أكل الطيب ، وأحمد في (م ٢ / ص ٣٢٨).
استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١) ولما اشتد غضب الرسول الله صلىاللهعليهوسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ، نعوذ بالله من الفتن. أنا حديث عهد بجاهلية فاعف عنا يا رسول الله ، فسكن غضبه صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي وإن تسألوا عن أشياء مست حاجتكم إلى التفسير في زمن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ينزل جبريل بالقرآن ويظهرها حينئذ ، فالسؤال عن قسمين سؤال عن شيء لم يجرد ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه فهذا السؤال منهي عنه بقوله تعالى : (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وسؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي. فههنا السؤال واجب وهو المراد بقوله تعالى : (وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) فالضمير في عنها يرجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) [المؤمنون : ١٢ ، ١٣] فالمراد بالإنسان آدم عليهالسلام ، والمراد بالضمير ابن آدم ، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين (عَفَا اللهُ عَنْها) أي أمسك الله عن أشياء أي عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء وهذا كقوله صلىاللهعليهوسلم : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» (٢) أي خففت عنكم بإسقاطها أو المعنى عفا الله عما سلف من مسائلكم التي تغضب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلا تعودوا لمثلها (وَاللهُ غَفُورٌ) لمن تاب (حَلِيمٌ) (١٠١) عن جهلكم (قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) (١٠٢) أي قد سأل أشياء قوم من قبلكم ثم صاروا كافرين بها فإن قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها. وقوم موسى قالوا : أرنا الله جهرة فصار ذلك وبالا عليهم. وبني إسرائيل قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ثم كفروا. وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها.
والمعنى أن قوم محمد صلىاللهعليهوسلم في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال ذوات تلك الأشياء في كون كل واحد من السؤالين فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه ، فإن المتقدمين إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة وإنزال المائدة من السماء فهم سألوا نفس الشيء ، وأما أصحاب محمد فهم سألوا عن صفات الأشياء فلما اختلف السؤالان في النوع اختلفت العبارة لكن يشتركان في وصف واحد وهو خوض في الفضول وشروع فيما لا حاجة إليه وفي ذلك خطر المفسدة (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ) أي ما أمر الله بذلك فالبحيرة هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر فتشق أذنها ولا تذبح ولا تركب ، ولا
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٢ / ص ٥٠٣).
(٢) رواه ابن ماجة في كتاب الزكاة ، باب : زكاة الورق والذهب ، وأبو داود في كتاب الزكاة ، باب : صدقة الرقيق ، والموطأ في كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في صدقة الخيل والرقيق والعسل ، وأحمد في (م ١ / ص ١٨).
تحلب ولا تطرد عن ماء ومرعى ولا يجزّ لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها بل تسيب لآلهتهم. والسائبة : هي البعير المسيبة وكان الرجل إذا شفي من مرض ، أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيّب بعيرا وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها والوصيلة هي الشاة الموصلة وذلك أن الشاة إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى البطن السابع فإذا كان ذكرا ذبحوه فأكله الرجال والنساء جميعا ، وإن كان أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء حتى تموت فإذا ماتت كان الرجال والنساء يأكلونها جميعا وإن كان ذكرا وأنثى قيل : وصلت أخاها فيتركان مع إخوتها فلا يذبحان ، وكان للرجال دون النساء حتى يموتا فإذا ماتا اشترك في أكلهما الرجال والنساء والحام (هو الفحل) إذا ركب ولد ولده قيل : حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء (وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) أي إن رؤساءهم عمرو بن لحي وأصحابه يختلقون على الله الكذب ويقولون : أمرنا الله بهذا (وَأَكْثَرُهُمْ) أي الأتباع (لا يَعْقِلُونَ) (١٠٣) أن ذلك افتراء باطل.
قال المفسرون : إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه» (١) أي معاه (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) أي للأكثر الذي هم الأتباع (تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ) من الكتاب المبين للحلال والحرام (وَإِلَى الرَّسُولِ) الذي أنزل الكتاب عليه لتميزوا الحرام من الحلال (قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) من الدين (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (١٠٤) والواو واو الحال دخلت عليها همزة الإنكار والتقدير أكافيهم دين آبائهم وقد كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب ولسنة النبي فكيف يقتدون بهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أي لا يضركم ضلالة من ضل إذا اهتديتم إلى الإيمان وبينتم ضلالتهم كما قاله ابن عباس. وقال عبد الله بن المبارك : والمعنى عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار وهذا كقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي أهل دينكم فقوله تعالى : (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي أقبلوا على أهل دينكم وذلك بأن يعظ بعضكم بعضا ، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ، وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوله : (لا يَضُرُّكُمْ) إما مجزوم على أنه جواب للأمر وهو «عليكم» أو نهي مؤكد له وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة فإن
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب ، باب : ذكر أسلم وغفار إلخ ، ومسلم في كتاب الكسوف ، باب : ٩ ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٧٥).
الأصل لا يضرركم ويؤيده قراءة «يضركم» بفتح الراء وهو مجزوم وإنما فتحت الراء لأجل الخفة. وقراءة من قرأ «لا يضركم» بسكون الراء مع كسر الضاد وضمها من ضار يضير ويضورا ما مرفوع على أنه كلام مستأنف في موضع التعليل لما قبله ويعضده قراءة من قرأ «لا يضيركم» بالرفع وبالياء بعد الضاد أي ليس يضركم ضلال من ضل إذا كنتم ثابتين في دينكم (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) أي رجوعكم ورجوع من خالفكم يوم القيامة (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٠٥) في الدنيا من الخير والشر فيجازيكم عليه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) أي شهادة ما بينكم من التنازع (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي إذا ظهر لأحدكم أمارات وقوع الموت (حِينَ الْوَصِيَّةِ) وهذا بدل من قوله «إذا حضر» لأن حضور الموت هو زمان حضور الوصية فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه أي الشهادة المحتاج إليها عند مشارفة الموت (اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي من أهل دينكم يا معشر المؤمنين (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي غير عادلين من غير أهل دينكم (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ) أي سافرتم (فِي الْأَرْضِ) فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر وشهادة غير المسلمين لا تجوز إلا في السفر (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) أي فحضرت عندكم علامات نزول الموت وهذا بيان محل جواز الاستشهاد بغير المسلمين (تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) أي تقفونهما للتحليف من بعد صلاة العصر كما استحلف رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعدها وجميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب (فَيُقْسِمانِ) أي يحلفان (بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي إن شككتم في شأن آخرين بقولهما والله (لا نَشْتَرِي بِهِ) أي بالقسم بالله (ثَمَناً) أي عوضا يسيرا من الدنيا أي لا تأخذ لأنفسنا بدلا من القسم بالله عوضا من الدنيا (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) أي ولو كان ذلك العوض اليسير حياة ذي قربى منا أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال (وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ) أي لا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها وإظهارها (إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) (١٠٦) أي إنا إن كتمناها حينئذ كنا من العاصين (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) أي فإن حصل الاطلاع بعد ما حلف الوصيان عن أنهما استحقا حنثا في اليمين بكذب في قول وخيانة في مال (فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما) أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ) أي باليمين وبالمال أو الأقربان إلى الميت الوارثان له والأوليان إما بدل من آخران ، أو من الضمير الذي في يقومان أو صفة لآخران عند الأخفش ، لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة أو خبر لمبتدأ محذوف وهذا على القراءة المشهورة للجمهور وهو استحق بضم التاء وكسر الحاء بالبناء للمجهول وإنما وصف الورثة بكونهم استحق عليهم ، لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم ، أو لكونهم جني عليهم.
أما على قراءة حفص وحده وهي استحق بفتح التاء والحاء بالبناء للفاعل فقوله : الأوليان فاعل له. والمعنى أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت
عينهما للوصاية ، ولما خاناه في مال الورثة صح أن يقال : إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان بالوصية (فَيُقْسِمانِ) أي هذان الآخران (بِاللهِ) بقولهما (لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما) أي والله ليمين المسلمين أصدق وأحق بالقبول من يمين النصرانيين (وَمَا اعْتَدَيْنا) أي ما تجاوزنا الحق فيما ادعينا وفي طلب المال وفي نسبتهما إلى الخيانة (إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (١٠٧) أي إنا إن اعتدينا في ذلك كنا من الظالمين أنفسهم بإقبالها لسخط الله تعالى وعذابه واتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآيات أن تميم بن أوس الداري وعدي بن نداء وكانا نصرانيين ومعهما بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص ، وكان مسلما مهاجرا خرجوا إلى الشام للتجارة ، فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه ، وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك. ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات بديل ، فأخذا من متاعه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب ، ولما رجعا دفعا باقي المتاع إلى أهله ففتشوا فوجدوا الصحيفة وفيها ذكر الإناء. فقالوا لتميم وعدي : أين الإناء؟فقالا : لا ندري والذي دفع إلينا دفعناه إليكم فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية. ولما نزلت هذه الآية صلّى رسول الله صلىاللهعليهوسلم العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر ولما حلفا خلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم سبيلهما ، ولما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا : كنا قد اشتريناه منه. فقالوا : ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا!؟ فقالا : لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوا القصة إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنزل الله تعالى قوله : (فَإِنْ عُثِرَ) الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب أبو رفيعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر ، فدفع الرسول صلىاللهعليهوسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها) أي ذلك الطريق الذي بيناه أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على طريقها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الأخروي (أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) أي أو أقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم بعد أيمان المدعيين لانقلاب الدعوى بأن صار المدعى عليه مدعيا للملك ، وصار المدعى مدّعى عليه فلذا لزمته اليمين.
والمعنى أولم يخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة؟ بل يأتوا الشهادة على غير وجهها ولكنهم يخافون الافتضاح على رؤوس الإشهاد بإبطال أيمانهم والعمل بأيمان الورثة ، فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه فأي الخوفين وقع ، حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها (وَاتَّقُوا اللهَ) في أن تخونوا في الأمانات (وَاسْمَعُوا) مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (١٠٨) أي الخارجين عن الطاعة إلى ما ينفعهم في الآخرة (يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ) وهو يوم القيامة فيوم بدل اشتمال من مفعول «اتقوا» أو ظرف لـ «يهدي».
والمعنى لا يهديهم إلى الجنة (فَيَقُولُ) لهم مشيرا إلى خروجهم عن عهدة الرسالة (ما ذا أُجِبْتُمْ) أي أيّ إجابة أجابكم بها أممكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي أهي إجابة قبول أو إجابة رد؟ (قالُوا) تفويضا للأمر إلى العدل الحكيم العالم وعلما منهم أن الأدب في السكوت والتفويض وأن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا : (لا عِلْمَ لَنا) أي لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا لنا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا ولأن الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن وهو معتبر في الدنيا لأن الأحكام في الدنيا مبنية على الظن ، وأما الأحكام في الآخرة فهي مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور ولا عبرة بالظن في القيامة فلهذا السبب قالوا : «لا علم لنا» (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١٠٩) أي فإنك تعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم.
وقرئ «شاذا علّام الغيوب» بالنصب إما على الاختصاص أو على النداء ، أو على أنه بدل من اسم «إن». والكلام قد تم بقوله تعالى : (إِنَّكَ أَنْتَ) أي أنت متصف بصفاتك السنية (قالَ اللهُ) بدل من يوم يجمع الله ويجوز أن يكون موضع إذ رفعا بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) أي اذكر إنعامي عليكما إذ طهرت أمك واصطفيتها على نساء العالمين وقويتك بجبريل لتثبت الحجة (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي طفلا بقولك : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) [مريم : ٣٠] الآية (وَكَهْلاً) أي إذا أنزله الله تعالى إلى الأرض أنزله وهو في صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم : إني عبد الله كما قال في المهد (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ) أي الكتابة وهي الخط (وَالْحِكْمَةَ) أي العلوم النظرية والعلوم العملية (وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) وذكر الكتابين إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهمالسلام فإن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية يحصل إلا لمن صار ربانيا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير (بِإِذْنِي) أي بأمري (فَتَنْفُخُ فِيها) أي في الهيئة المصورة فالضمير راجع للكاف وهي دالة على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير (فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي) أي فتصير تلك الصورة خفاشا تطير بين السماء والأرض بإرادتي (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) أي الأعمى المطموس البصر (وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي) أي بأمري وإرادتي وقدرتي (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى) من قبورهم أحياء (بِإِذْنِي) أي بفعلي ذلك عند دعائك وعند قولك للميت : اخرج بإذن الله من قبرك (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) أي منعت اليهود الذين أرادوا قتلك عن مطلوبهم بك (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ) بما ذكر وما لم يذكر كالإخبار بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم ونحو ذلك فأل للجنس (فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (١١٠).
قرأ حمزة والكسائي هنا وفي هود والصف ويونس «ساحر» بالألف أي ما هذا الرجل وهو عيسى إلا ساحر ظاهر.
وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس فقط بالألف. والباقون «سحر» بكسر السين وسكون الحاء أي ما هذا الذي جاء به عيسى من الخوارق أو ما هذا أي عيسى (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) وهذا على سبيل المبالغة أو على حذف مضاف.
روي أن عيسى عليهالسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) أي الأنصار أي ألهمت القصارين وهم اثنا عشر رجلا في قلوبهم وأمرتهم في الإنجيل على لسانك (أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي). والمعنى أي آمنوا بوحدانيتي في الألوهية وبرسالة رسولي عيسى (قالُوا آمَنَّا) بوحدانيته تعالى وبرسالة رسوله (وَاشْهَدْ) أنت يا عيسى (بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) (١١١) أي مخلصون في إيماننا (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ).
قرأ الجمهور بالياء على الغيبة أي هل يفعل ربك. والمقصود من هذا السؤال تقرير أن ذلك المطلوب في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول : هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟ ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي لا يجوز لعاقل أن يشك فيه ، فكذا هاهنا.
وقرأ الكسائي «تستطيع» بتاء الخطاب لعيسى و «ربك» بالنصب على التعظيم وبإدغام اللام في التاء وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس ، وعن عائشة. أي هل تستطيع أن تسأل ربك (أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ) عيسى لشمعون قل لهم : (اتَّقُوا اللهَ) في اقتراح معجزة لم يسبق لها مثال بعد تقدم معجزات كثيرة (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١١٢) بكونه تعالى قادرا على إنزال المائدة فلعلكم تتركون شكرها فيعذبكم فقال لهم ذلك شمعون (قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها) أكل تبرك أو أكل حاجة وتمتع (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا) بكمال قدرته تعالى لحصول علم المشاهدة مع علم الاستدلال (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا) أي ونعلم علما يقينيا أنه صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يجيب دعوتنا وفي قولك : إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى إلا أعطانا (وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) (١١٣) لله بكمال القدرة ولك بالنبوة وهذه المعجزة سماوية وهي أعظم وأعجب فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم (قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) أي لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك فقام واغتسل ولبس المسح وصلّى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره وقال : (اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً) أي طعاما (مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) أي نتخذ
اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا وإنما أسند العيد إلى المائدة لأن شرف اليوم مستعار من شرفها.
والمعنى يكون يوم نزولها لها عيدا لأهل زماننا ولمن بعدهم لكي نعبدك فيه (وَآيَةً مِنْكَ) أي دلالة على وحدانيتك وكمال قدرتك وصحة نبوة رسولك (وَارْزُقْنا) أي أعطنا ما سألناك (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١٤) (قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها) أي المائدة (عَلَيْكُمْ).
وقرأ ابن عامر وعاصم ونافع «منزلها» بالتشديد. والباقون بالتخفيف (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ) أي بعد نزولها (مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ) أي إني أعذب من يكفر تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب (أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) (١١٥).
روي أن عيسى عليهالسلام لما أراد الدعاء لبس صوفا ثم قال : اللهم أنزل علينا إلخ. فنزلت سفرة حمراء بين غما متين غمامة فوقها وأخرى تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليهالسلام وقال : «اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة وقال لهم : ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها» فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال : «باسم الله خير الرازقين» فإذا سمك ة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من الألوان ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون : يا روح الله من طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال : «ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله» فقال الحواريون : لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى. فقال : «يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت» ثم قال لها : «عودي كما كنت فعادت مشوية» ثم طارت المائدة ثم عصوا وقالوا بعد النزول والأكل : هذا سحر مبين فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم ، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة في الحشوش ، ولما أبصرت الخنازير عيسى عليهالسلام بكت وجعلت تطيف به وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا (وَإِذْ قالَ اللهُ) يوم القيامة (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) في الدنيا (اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) أي غيره أراد الله تعالى بهذا السؤال أن يقر عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك فذكر هذا السؤال مع علمه تعالى أن عيسى لم يقل ذلك إنما لتوبيخ قومه. (قالَ) أي عيسى وهو يرعد : (سُبْحانَكَ) أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن أقول ذلك (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي
بِحَقٍ) أي ما كان ينبغي أن أقول ما ليس بجائز لي (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ) لهم (فَقَدْ عَلِمْتَهُ) وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل في حضرة ذي الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الكبير المتعالي. (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) أي تعلم ما عندي ومعلومي ولا أعلم ما عندك ومعلومك (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١١٦) عن العباد (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) و «أن» مفسرة للهاء الراجع للقول المأمور به. والمعنى ما قلت لهم في الدنيا إلا قولا أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم : اعبدوا الله ربي وربكم (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) على ما يفعلون (ما دُمْتُ فِيهِمْ) أي مدة دوامي فيما بينهم (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) أي رفعتني من بينهم إلى السماء (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) أي الحافظ لأعمالهم المراقب لأحوالهم (وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١١٧) وعالم بصير (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي القادر على ما تريد (الْحَكِيمُ) (١١٨) في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك فإن عذبت فعدل ، وإن غفرت ففضل ، وعدم غفران الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته.
ومقصود عيسى عليهالسلام من هذا الكلام تفويض الأمور كلها إلى الله وترك الاعتراض عليه بالكلية لأنه يجوز في مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل العباد النار ، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه (قالَ اللهُ هذا) أي يوم القيامة (يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) في الدنيا في أمور الدين.
قرأ الجمهور «يوم» بالرفع. وقرأ نافع «يوم» بالنصب. أي هذا القول واقع يوم إلخ (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) أي عن الصادقين بطاعتهم له (وَرَضُوا عَنْهُ) بالثواب والكرامة (ذلِكَ) الرضوان (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١٩) فالجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود وكيف لا والجنة مرغوب الشهوة والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٢٠) أي إن كل ما سوى الله تعالى من الكائنات والأجساد والأرواح ممكن لذاته موجود بإيجاده وإذا كان الله موجدا كان مالكا له ، وإذا كان مالكا له كان له تعالى أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف أراد فصح التكليف على أيّ وجه أراده الله تعالى ، ولما كان الله مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع موضعه شرع محمد فبطل قول اليهود بعدم نسخ شرع موسى ، ثم إن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله فهو كائن بتكوين الله تعالى فثبت كونهما عبدين لله مخلوقين له فظهر بهذا التقرير أن هذه الآية برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها.
سورة الأنعام
مكية ، إلا ست آيات فإنها مدنيات ، وهي قوله : (قُلْ تَعالَوْا) إلى آخر الآيات الثلاث وهو : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وقوله تعالى : (وَما قَدَرُوا اللهَ) إلى قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) ، مائة وخمس وستون آية ، ثلاثة آلاف وخمس وخمسون كلمة ، اثنا عشر ألفا وسبعمائة وسبعة وعشرون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) والمدح أعم من الحمد لأن المدح للعاقل ولغير العاقل ، فكما يمدح العاقل على أنواع فضائله كذلك يمدح اللؤلؤ لحسن شكله والياقوت على نهاية صفائه وصقالته ، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان.
والحمد أعمّ من الشكر لأن الحمد تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك والشكر تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك. والمقصود من هذه الآية ذكر الدلالة وعلى وجود الصانع والفرق بين الجعل والخلق أن كلا منهما هو الإنشاء والإبداع إلا أن الخلق : مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية ، والجعل : عام له كما في هذه الآية الكريمة ، وللتشريعي أيضا كما في قوله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) [المائدة : ١٠٣] الآية وجمع الظلمات دون النور لكثرة محالها إذ ما من جرم إلا وله ظل ، والظل : (هو الظلمة) بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار ، وهذا إذا حملا على الكيفيتين المحسوستين بحس البصر وإن حمل النور على نور الإسلام والإيمان واليقين والنبوة ، والظلمات على ظلمة الشرك والكفر والنفاق فنقول : لأن الحق واحد والباطل كثير وتقديم الظلمات على النور لأن الظلمة عدم النور عن الجسم الذي يقبله وعدم المحدثات متقدم على وجودها (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (١) أي يشركون به غيره وهذه الجملة إما معطوفة على قوله الحمد لله والباء متعلقة بكفروا فيكون يعدلون من العدول ولا مفعول له. والمعنى أن الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه لأنه تعالى ما خلقه إلا نعمة ، ثم الذين كفروا بربهم يميلون عنه فيكفرون نعمته أو متعلقة
بيعدلون وهو من العدول ويوضع الرب موضع الضمير العائد إليه تعالى. والمعنى أنه مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار شؤونه العظيمة الخاصة به ثم هؤلاء الكفرة يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد ، وإما معطوف على قوله : (خَلَقَ السَّماواتِ) والباء متعلقة بيعدلون وقدمت لأجل الفاصلة وهي إما بمعنى عن ويعدلون من العدول. والمعنى أن الله تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين كفروا يعدلون عن ربهم إلى غيره أو للتعدية ويعدلون من العدل وهو التسوية. والمعنى أنه تعالى خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ثم إنهم يعدلون به جمادا لا يقدر على شيء أصلا فيكون المفعول محذوفا ، وكلمة «ثم» لاستبعاد الشرك بعد وضوح آيات قدرته تعالى. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي إن الله خلق جميع الإنسان من آدم وآدم كان مخلوقا من طين فلهذا السبب قال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي من جميع أنواعه فلذلك اختلفت ألوان بني آدم وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم وأيضا إن الإنسان مخلوق من المني ، والمني إنما يتولّد من الأغذية وهي إما حيوانية أو نباتية ، فحال الحيوانية كالحال في كيفية تولّد الإنسان فبقي أن تكون الأغذية نباتية فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين فثبت أن كل إنسان متولد من الطين.
وقال المهدوي : إن الإنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر : «ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من تراب حفرته وأيا ما كان الإنسان» (١) ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث ما لا يخفى فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة (ثُمَّ قَضى أَجَلاً) أي خصص الله موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص تعلق مشيئته تعالى بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) أي حد معين لبعثكم جميعا من البرزخ (عِنْدَهُ).
روي عن ابن عباس رضياللهعنهما : أن الله تعالى قضى لكل أحد أجلين ، أجلا من مولده إلى موته ، وأجلا من موته إلى مبعثه فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر ، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث. وقال حكماء الإسلام : إن لكل إنسان أجلين.
أحدهما : الآجال الطبيعية.
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (١١ : ٢١٠) ، وأبي نعيم في حلية الأولياء (٢ : ٢٨٠) ، والسيوطي في اللئالئ المصنوعة (١ : ١٦٠).
والثاني : الآجال الاختزامية : فالآجال الطبيعية : هي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن الأعراض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني. والآجال الاختزامية : هي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (٢) أي ثم بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم أيها الكفار تنكرون صحة التوحيد للصانع ، أو ثم بعد مشاهدتكم في أنفسكم من الشواهد ما يقطع الشك بالكلية أنتم أيها الكفار تستبعدون وقوع البعث ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث (وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ) أي وهو الذي اتصف بالخلق هو المعبود في السموات والأرض والمتصرف فيهما (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ) في القلوب من الدواعي والصوارف (وَجَهْرَكُمْ) في الجوارح من الأعمال (وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) (٣) أي مكتسبكم أي تستحقون على فعلكم من الثواب والعقاب (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) (٤) أي ما يظهر للكفار من آية من الآيات التكوينية التي يجب فيها النظر التي من جملتها جلائل شؤونه الدالة على وحدانيته تعالى إلا كانوا معرضين عن تأمل تلك الدلائل تاركين النظر المؤدي إلى الإيمان بمكونها ، وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل والتأمل في الدلائل واجب ، ولو لا ذلك لما ذم الله المعرضين عن التفكّر في الدلائل. أو المعنى ما ينزل إلى أهل مكة آية من الآيات القرآنية إلا كانوا مكذبين بتلك الآية. ومن الأولى مزيدة لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي ، والثانية للتبعيض وهي مع مجرورها صفة لآية (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) أي فقد كذب أهل مكة بالمعجزات كانشقاق القمر بمكة وانفلاقه فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة ، أو بالقرآن أو بمحمد صلىاللهعليهوسلم (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٥) أي سوف يأتيهم أخبار كونهم مستهزئين بذلك الحق يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) أي ألم يعرف أهل مكة بمعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء ، وبسماع الأخباركم أمة أهلكنا من قبل زمان أهل مكة كقوم نوح وعاد وثمود ، وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم. (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) أي أعطينا أولئك الجماعة من البسطة في الأجساد والامتداد في الأعمار ، عليهم مدرارا والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا ما لم نعطكم يا أهل مكة (وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ) أي المطر (عَلَيْهِمْ مِدْراراً) أي متتابعا كلما احتاجوا إليه (وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) أي من تحت بساتينهم وزروعهم وشجرهم (فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) بتكذيبهم الأنبياء وبكونهم باعوا الدين بالدنيا (وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (٦) أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قرنا آخرين بدلا من الهالكين ، وهذا تنبيه على أن إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا ولا يتعاظم على الله هلاكهم وخلو بلاده منهم فإنه تعالى قادر على أن ينشئ مكانهم قوما آخرين يعمر بهم بلاده (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (٧) أي
ولو نزل الكتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا أشرف الخلق كما سألك عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأصحابه في صحيفة واحدة فرأوه عيانا ولمسوه لطعنوا فيه وحملوه على أنه مخرفة وقالوا : إنه سحر.
وقال ابن إسحاق : والقائلون بالأقوال الآتية ، زمعة بن الأسود والنضر بن الحرث بن كلدة ، وعبدة بن عبد يغوث وأبي بن خلف ، والعاص بن وائل كما أخرجه ابن أبي حاتم.(وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) أي هلا أنزل على محمد ملك يخبرنا بصدقه في دعوى النبوة ويشهد بما يقول. والمعنى أن منكري النبوات يقولون : لو بعث الله إلى الخلق رسولا لوجب أن يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة ، لأن علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، ووقوع الشبهات في نبوتهم أقل. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجهين :
الأول : قوله تعالى : (وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي لفرغ من هلاكهم أي لو أنزل الملك على هؤلاء الكفار فربما لم يؤمنوا ، وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال فحينئذ ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب ، وأيضا إنهم إذا شاهدوا الملك زهقت روحهم من هول ما يشاهدون وذلك أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر. فإن رآه على صورته الأصلية لم يبقى الآدمي حيا فإن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما رأى جبريل على صورته الأصلية غشي عليه وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط ، وخصم داود وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك وهم مؤيدون بالقوى القدسية فما ظنك بمن عداهم من العوام ، وأيضا إذا رآه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف فيجب إهلاكهم وذلك مخل بصحة التكليف ، وإن رآه على صورة البشر فلا يتفاوت الحال سواء كان هو في نفسه ملكا أو بشرا ، وأيضا إن إنزال الملك يقوي الشبهات لأن كل معجزة ظهرت عليه ردوها وقالوا : هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته. (ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) (٨) أي لا يمهلون بعد نزول الملك طرفة عين وكلمة ، «ثم» للتنبيه على أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة وأشق.
والثاني : قوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً) أي ولو جعلنا الرسول ملكا لجعلنا الملك على صورة الرجل ، لأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ولو نظر إلى الملك ناظر من الآدميين لصعق عند رؤيته (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) (٩) أي ولو صورنا الملك رجلا لصار فعلنا نظيرا لفعلهم في التلبيس وإنما كان ذلك تلبيسا لأن الناس لا يظنون أنه بشر مع أنه ليس بشرا ، وإنما كان فعلهم تلبيسا لأنهم يقولون
لقومهم : إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولا من عند الله تعالى ، وإذا كان الأمر كذلك فلم يفدهم طلب نزول الملك ، لأنه لو نزل لهم الملك لنزل على صورة رجل لعدم استطاعتهم لمعاينة هيكله ولأن الجنس إلى الجنس أميل فيقولون له : ما أنت إلا بشر مثلنا ويقولون : إنا لا نرضى برسالة هذا الشخص فيعود سؤالهم ويستمرون يطلبون الملك فلا تنقطع شبهتهم فنزول الملك لا يفيدهم شيئا يزدادون في الحيرة والاشتباه ، وأيضا إن طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر وربما لا يعذرونهم في الإقدام على المعاصي (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي وبالله لقد استهزئ برسل أولي شأن خطير وذوى عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك. وهذه الآية تسلية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم أي تخفيف لضيق قلب رسول الله صلىاللهعليهوسلم عند سماعه من القوم الذين قالوا : إن رسول الله يجب أن يكون ملكا من الملائكة ووعيد أيضا لأهل مكة (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (١٠) أي فدار وأحاط بالذين سخروا من أولئك الرسل عليهمالسلام العذاب الذي يستهزئون به وينكرونه ، فإن الكفار كانوا يستهزئون بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله. أو المعنى فأحاط بمن استهزأ بالشرائع من الرسل عقوبة استهزائهم بالرسول المندرج في جملة الرسل (قُلْ) يا أكرم الرسل لأهل مكة : (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي قل لهم : لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة. (ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (١١) أي ثم تكفروا في أنهم كيف أهلكوا بعذاب الاستئصال فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار فيكمل الاعتبار ويقوى الاستبصار. (قُلْ) يا أشرف الخلق لأهل مكة : (لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لمن الكائنات جميعا خلقا وملكا وتصرفا فإن أجابوك فذاك ، وإلا (قُلْ لِلَّهِ) لأنه لا جواب غيره (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي أوجب على نفسه إيجاب الفضل والكرم والرحمة لأمة محمد صلىاللهعليهوسلم بتأخير العذاب وقبول التوبة (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي والله ليجمعنكم في القبور محشورين إلى يوم القيامة. فيجازيكم على شرككم وسائر معاصيكم ، أو ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان (لا رَيْبَ فِيهِ) أي في الجمع (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (١٢) أي إن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وترك النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان ، وأن سبق قضاء الله بالخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه أصلا (وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أي له تعالى كل ما حصل في الزمان سواء كان متحركا أو ساكنا (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٣) فيسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) أي قل يا أشرف الخلق أغير الله أجعله معبودا (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ).
وعن ابن عباس قال : ما عرفت فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : إني فطرتها أي ابتدأتها.
وقرئ «فاطر السّموات» بالجر صفة لله أو بدل منه بدل المطابق. وبالرفع على إضمار هو ، والنصب على المدح. وقرأ الزهري «فطر السموات» (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. ويقال ولا يعان على الترزيق. (قُلْ) يا أكرم الخلق لكفار مكة : (إِنِّي أُمِرْتُ) أي من حضرة الله تعالى (أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) فإنه صلىاللهعليهوسلم سابق أمته في الإسلام. وقيل لي يا محمد (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٤) أي في أمر من أمور الدين (قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (١٥) أي عذابا عظيما في يوم عظيم وهو يوم القيامة (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ).
قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي «يصرف» بفتح الياء وكسر الراء ، والمفعول محذوف والتقدير من يصرف ربي عنه يومئذ العذاب فقد أنعم عليه.
والباقون «يصرف» بالبناء للمفعول. والمعنى أيّ شخص يصرف العذاب عنه ذلك اليوم العظيم فقد أدخله الله الجنة (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) (١٦) أي وذلك الرحمة هو الفوز الظاهر وهو الظفر بالمطلوب (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) أي وإن يصبك الله ببلية أيها الإنسان كمرض وفقر ونحو ذلك فلا رافع له إلا هو وحده (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) أي وإن ينزل الله بك خيرا من صحة وغنى ونحو ذلك فلا راد له غيره (فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٧).
روي عن ابن عباس أنه قال : أهدي للنبي صلىاللهعليهوسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بجبل من شعر ، ثم أردفني خلفه ثم سار بي ميلا ، ثم التفت إليّ فقال : «يا غلام» فقلت : لبيك يا رسول الله فقال : «احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فاصبر ، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. واعلم أن النصر مع الصبر وإن مع الكرب فرجا وإن مع العسر يسرا» (١). (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) بالقدرة والقوة وهذا إشارة إلى كمال القدرة (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (١٨) فإن أفعاله تعالى محكمة آمنة من وجوه الخلل والفساد وإنه تعالى عالم بما يصح أن يخبر به. وهذا إشارة إلى كمال العلم اهـ.
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٣٠٧).
روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا : يا محمد ما وجد الله غيرك رسولا وما ترى أحدا يصدقك ، وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل الله تعالى قوله هذا : (قُلْ) يا أشرف الخلق لهم : (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) من الله كي يقروا بالنبوة وإن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى فإن اعترفوا بذلك فذاك وإلا (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) بأني رسوله وهذا القرآن كلامه وهو معجز لأنكم فصحاء بلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أي أنزل الله إلى جبريل بهذا القرآن لأخوفكم يا أهل مكة بالقرآن ولأخوف به من بلغ إليه القرآن من الثقلين ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة (أَإِنَّكُمْ) يا أهل مكة (لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى) وهي الأصنام التي كنتم تعبدونها وتقولون : إنها بنات الله فإن شهدوا على ذلك (قُلْ) لهم : (لا أَشْهَدُ) أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء (قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) أي بل إنما أشهد أن لا إله إلا هو (وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (١٩) أي من إشراككم بالله تعالى في العبادة الأصنام.
قال العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام ، ونصّ الشافعي على استحباب ضم التبرؤ إلى الشهادة لأن الله تعالى لما صرح بالتوحيد قال : (إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ). (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم (يَعْرِفُونَهُ) أي يعرفون محمدا من جهة الكتابين بصفته المذكورة فيهما (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) بصفاتهم فإنهم كذبوا في قولهم إنا لا نعرف محمدا لما روي أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر : إن الله أنزل على نبيه بمكة هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، قال عبد الله بن سلام : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني ، فقال عمر : كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما تصنع النساء (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٠) ومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار. فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) أي لا أحد أجرأ ممن اختلق على الله كذبا كقول كفار مكة هذه الأصنام شركاء لله والله تعالى أمرنا بعبادتها. وقولهم : إن الملائكة بنات الله ، ثم قولهم أمرنا الله بتحريم البحائر والسوائب وكقول اليهود والنصارى حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ ولا يجيء بعدهما نبي (أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) أي قدح في معجزات محمد صلىاللهعليهوسلم وأنكر كون القرآن معجزة قاهرة بينة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٢١) أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) أي كافة الناس وهو يوم القيامة (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا)
خاصة على رؤوس الأشهاد للتوبيخ (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى (الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (٢٢) أي تزعمونها شركاء وإنها شفعاء لكم عند الله.
قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) أي افتتانهم بالأوثان (إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٢٣) أي لم تكن عاقبة افتتانهم بشركهم إلا براءتهم منه فحلفهم أنهم ما كانوا مشركين. ومثاله أن ترى إنسانا يحب صاحبا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه. قرأ ابن عامر وابن كثير وحفص عن عاصم «ثم لم تكن» بالتاء الفوقية و «فتنتهم» بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي «لم يكن» بالياء التحتية و «فتنتهم» بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي «ربنا» بنصبه على النداء أو المدح. والباقون بالكسر (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) بإنكار صدور الإشراك عنهم في الدنيا (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٢٤) أي وكيف زال عنهم افتراؤهم بعبادة الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) أي وبعض من أهل مكة من يستمع إلى كلامك حين تتلو القرآن (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) أي وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة كراهة أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن وفي آذانهم صمما وثقلا مانعا من سماعه ، فمحل «أن يفقهوه» مفعول معه بحذف المضاف أو مفعول لفعل مقدر أي منعناهم أن يفقهوه مجموع القدرة على الإيمان مع الداعي إليه يوجب الفعل. فالكفر من الله تعالى وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) أي وأن يشاهدوا كل آية من الآيات القرآنية بسماعها كفروا بكل واحدة منها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة (حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بلغوا بتكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاءوا إليك يجادلونك (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٢٥) أي ما هذا الذي يقول محمد إلا خرافات الأولين وكذبهم أي إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة للأولين وإذا كان هذا كذلك فلا يكون معجزا خارقا للعادة وجملة قوله تعالى : (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) تفسير لقوله : (يُجادِلُونَكَ) أي يناكرونك.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : حضر عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية وأبيّ ابنا خلف والحرث بن عامر ، وأبو جهل واستمعوا إلى القرآن فقالوا للنضر وكان كثير الأخبار للقرون الماضية : يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال : ما أدري ما يقول ، لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى. فقال أبو سفيان : إني أرى بعض ما يقول حقا ، فقال أبو جهل : كلا أي لا تقرّ بشيء من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) وأولئك الكفار ينهون الناس عن استماع القرآن لئلا يقفوا على حقيته فيؤمنوا به (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي ويتباعدون عنه
بأنفسهم تأكيدا لنهيهم (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي وما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي إلا أنفسهم بإقبالها لأشد العذاب (وَما يَشْعُرُونَ) (٢٦) أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يفعلون من الكفر والمعصية (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) أي ولو تبصر حالهم حين يوقفون على النار وهم يعاينونها لرأيت سوء حالهم. أو المعنى ولو تبصرهم حين يحسبون فوق النار على الصراط وهي تحتهم لرأيت سوء منقلبهم. أو المعنى ولو صرفت فكرك الصحيح لأن تتدبر حالهم حين يدخلونها لازددت يقينا.
وقرئ «إذ وقفوا» بالبناء للفاعل أي لو تراهم حين يكونون في جوف النار وتكون النار محيطة بهم ويكونون غائصين فيها لعرفوا مقدار عذابها ، وإنما صح على هذا التقدير أن يقال : وقفوا على النار لأنها دركات وطبقات بعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء (فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ) إلى الدنيا لنؤمن (وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا) أي بآياته الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٧) بها كي لا نرى هذا الموقف.
قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «نكذب» ونصب «نكون» أي ولا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم بنصبهما والتقدير يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب بآيات ربنا ، وكون من المؤمنين فهذه الأشياء الثلاثة متمناة بقيد الاجتماع. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير والكسائي برفعهما واتفقوا على الرفع في قوله «نرد». والمعنى أنهم تمنوا الرد إلى دار الدنيا وعدم تكذيبهم بآيات ربهم وكونهم من المؤمنين. أو المعنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيدا بهاتين الحالتين (بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) أي ليس التمني الواقع منهم لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأنه ظهر لهم في موقفهم ما كانوا يخفونه في الدنيا من تكذيبهم بالنار فإن التكذيب بالشيء إخفاء له بلا شك أي فلخوفهم منها ومن العقاب الذي عاينوه قالوا ما قالوا (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) أي ولو ردهم الله تعالى من موقفهم ذلك إلى الدنيا كما سألوا وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال لم يحصل منهم فعل الإيمان وترك التكذيب بل كانوا يستمرون على الكفر والتكذيب (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (٢٨) في تمنيهم ووعدهم بفعل الإيمان وترك التكذيب فإن دينهم الكذب ، لأنه قد جرى عليهم قضاء الله تعالى في الأزل بالشرك (وَقالُوا) أي كفار مكة (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) أي ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها (وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (٢٩) بعد أن فارقنا هذه الحياة وليس لنا بعد هذه الحياة ثواب وعقاب (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) أي حبسوا عند ربهم لأجل السؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب لرأيت أمرا عظيما ، والمعنى وقفوا على جزاء ربهم أي على ما وعدهم ربهم من عذاب الكافرين وثواب المؤمنين ، وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخرة (قالَ أَلَيْسَ هذا) أي البعث بعد الموت
والثواب والعقاب (بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا) إنه لحق. وذلك إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء وهم يطمعون في نفع ذلك الإقرار وينكرون الإشراك فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين (قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٠) أي بسبب كفركم وجحدكم في الدنيا بالبعث بعد الموت (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ) أي أنكروا البعث والقيامة (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أي أنهم كذبوا ذلك إلى أن ظهرت القيامة باغتة فلا يعلم أحد متى يكون مجيئها وفي أي وقت يكون حصولها (قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها) أي يا ندامتنا على تفريطنا في تحصيل الزاد للساعة في الدنيا (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) أي والحال أنهم يحملون ثقل ذنوبهم عليهم أي إنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل عليهم فلا تفارقهم ذنوبهم.
وقال قتادة والسدي : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحا ويقول : أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني فذلك قوله تعالى : (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) [مريم : ٨٥] أي ركبانا. وأن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحا فيقول : أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم ، فذلك قوله تعالى : (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ). (أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) (٣١) أي بئس شيئا يحملونه آثامهم (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي وما اللذات والمستحسنات الحاصلة في هذه الدنيا إلا فرح يشغل النفس عمّا تنتفع به ، وباطل يصرف النفس عن الجد في الأمور إلى الهزل (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ) أي الجنة أو التمسك بعمل الآخرة أو نعيم الآخرة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) من المعاصي والكبائر.
وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة» بإضافة دار إلى الآخرة. (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٣٢). وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب أي قل لهم ألا تتفكرون أيها المخاطبون فلا تعقلون أن الدنيا فانية والآخرة باقية. وقرأ الباقون بالباء على الغيبة أي أيغفل الذين يتقون فلا يعقلون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) إنهم لا يؤمنون بك ولا يقبلون دينك وشريعتك أو يقولون إنك ساحر وشاعر وكاهن ومجنون. قرأ نافع «ليحزنك» بضم الياء وكسر الزاي. والباقون بفتح الياء وضم الزاي (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) قرأ نافع والكسائي بسكون الكاف. والباقون بفتحها وتشديد الذال أي لا يجدونك كاذبا لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة ولا ينسبونك إلى الكذب بالاعتقاد واللسان (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (٣٣) أي ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك أو المعنى أنهم يقولون في كل معجزة أنها سحر وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق. أو المعنى إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني لأنك رسولي
كقول السيد لعبده وقد أهانه بعض الناس أيها العبد إنه ما أهانك وإنما أهانني. والمقصود تعظيم الشأن لا نفي الإهانة عن العبد ونظيره قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) [الفتح : ١٠].
روي أن الحرث بن عامر من قريش قال : يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب.
وروي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟ فقال له : والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا لسائر قريش ، فنزلت هذه الآية. وعن علي بن أبي طالب أن أبا جهل قال للنبي صلىاللهعليهوسلم : إنا لا نكذبك فإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به ، فنزلت هذه الآية : (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) أي ولقد كذب الرسل قومهم كما كذبك قومك فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم لهم حتى أتاهم النصر بهلاك قومهم ، فاصبر يا أشرف الخلق كما صبروا تظفر كما ظفروا ، بل أنت أولى بالتزام الصبر لأنك مبعوث إلى جميع العالمين (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ) بالنصرة فإن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (٣٤) أي خبرهم في القرآن كيف كذبهم قومهم وكيف أنجيناهم ودمرنا قومهم (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) أي وإن كان شق عليك إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن ، وأحببت أن تجيبهم إلى ما سألوه فإن قدرت أن تتخذ منفذا فيه إلى جوف الأرض ، أو مصعدا ترتقي فيه إلى السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوه عليك من تحت الأرض أو من فوق السماء فلتفعل.
وعن ابن عباس رضياللهعنهما أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في نفر من قريش فقالوا : يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك. فأبى الله أن يأتيهم بآية مما اقترحوه فأعرضوا عنه صلىاللهعليهوسلم فشق ذلك عليه لشدة حرصه على إيمان قومه ، فنزلت هذه الآية. والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر وهذا دليل على مبالغة حرصه صلىاللهعليهوسلم على إسلام قومه إلى حيث لو قدر على أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاء لإيمانهم (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) أي ولو شاء الله تعالى جمعهم على الهدى لجمعهم عليه بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى مع تمكنهم التام منه في مشاهدتهم للآيات الداعية إليه (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٣٥) أي فلا تكونن
بالميل إلى إتيان اقتراحاتهم من الجاهلين بعدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم لعدم توجههم إليه لخروج الإيمان عن الحكمة المؤسسة على الاختيار. أو المعنى ولا تجزع على إعراضهم عنك ولا يشتد تحزنك على تكذيبهم بك فإن فعلت ذلك فتقارب حالك من حال الجاهلين الذين لا صبر لهم (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) أي إنما يقبل دعوتك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع تفهم ، وإنما يطيعك من يعقلون الموعظة دون الموتى الذين هؤلاء منهم. (وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) أي والموتى يبعثهم الله بعد الموت ثم يوقفون بين يديه للحساب والجزاء. فالله تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر عليه (وَقالُوا) أي كفار مكة الحرث بن عامر وأصحابه وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأمية وأبي ابنا خلف والنضر بن الحرث (لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أي هلا أنزل على محمد من ربه معجزة دالة على نبوته مثل فلق البحر وإظلال الجبل وإحياء الموتى ، وإنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفا. (قُلْ) لهم يا أكرم الرسل : (إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) أي أن يوجد خوارق للعادة كما طلبوا (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٣٧) أي لا يدرون أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار ، وأن الله تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة فإن لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال ولم يبق لهم عذر ولا علة كما هو سنة الله فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة. (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) أي وما من دابة تمشي في الأرض أو تسبح في الماء ولا طائر من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو إلا طوائف أمثالكم في ابتغاء الرزق وتوقي المهالك ، وفي أنها تعرف ربها وتوحده وفي أنها يفهم بعضها عن بعض ، وفي أنها تبعث بعد الموت للحساب.
روي عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول : يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض» (١) وروي عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «يقتص للجماء من القرناء»(٢). والمقصود من هذه الآية الدلالة على كمال قدرته تعالى وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه تعالى قادر على أن ينزل آية (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة أي أن القرآن واف ببيان جميع الأحكام فليس لله على الخلق بعد ذلك تكليف آخر وأن القرآن دل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الضحايا ، باب : من قتل عصفورا بغير حقها ، والدارمي في كتاب الأضاحي ، باب : من قتل شيئا من الدواب عبثا ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٦٦).
(٢) رواه أحمد في (م ٢ / ص ٢٣٥).
وحجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن.
روي أن ابن مسعود كان يقول : ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه! فقرأت امرأة جميع القرآن فأتته فقالت : يا ابن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر : ٧] وإن مما أتانا به رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «لعن الله الواشمة والمستوشمة» (١). وذكر أن الشافعي كان جالسا في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى ، فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال : لا شيء عليه ، فقال : أين هذا من كتاب الله؟ فقال : قال الله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر : ٧] وقال صلىاللهعليهوسلم : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٢). وقال عمر رضياللهعنه : للمحرم وقتل الزنبور.
وروي أن أبا العسيف قال للنبيّ صلىاللهعليهوسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال صلىاللهعليهوسلم : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله» (٣) ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف وبالرجم على المرأة ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النّبيّ صلىاللهعليهوسلم هو عين كتاب الله لأنه ليس في نص الكتاب ذكر الجلد والتغريب (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (٣٨) فإن الله تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة بمجرد الإرادة ومقتضى الإلهية. وروي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب اللباس ، باب : الواشمة ، ومسلم في كتاب اللباس ، باب : ١١٩ ، وأبو داود في كتاب الترجّل ، باب : في صلة الشعر ، والترمذي في كتاب اللباس ، باب : ٢٥ ، والنسائي في كتاب الطلاق ، باب : إحلال المطلقة ثلاثا وما فيه من التغليظ ، وابن ماجة في كتاب النكاح ، باب : الواصلة والواشمة ، والدارمي في كتاب الاستئذان ، باب : الواصلة والمستوصلة ، وأحمد في (م ١ / ص ٨٣).
(٢) رواه ابن ماجة في المقدمة ، باب : اتباع سنّة الخلفاء الراشدين المهديين ، والدارمي في المقدمة ، باب : اتباع السنّة ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في لزوم السنّة ، والترمذي في كتاب العلم ، باب : ١٦ ، وأحمد في (م ٤ / ص ١٢٦).
(٣) رواه البخاري في كتاب الصلح ، باب : إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ، ومسلم في كتاب الحدود ، باب : ٢٥ ، وأبو داود في كتاب الأقضية ، باب : اجتهاد الرأي في القضاء ، والترمذي في كتاب الأحكام ، باب : ٣ ، والنسائي في كتاب القضاة ، باب : صون النساء عن مجلس الحكم ، وابن ماجة في كتاب الحدود ، باب : حدّ الزنا ، والدارمي في المقدمة ، باب : الفتية وما فيه من الشدة ، والموطأ في كتاب الحدود ، باب : ما جاء في الرجم ، وأحمد في (م ٤ / ص ١١٥).
حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء» (١). قال المفسرون : إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا وعند هذا (يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) [النبأ : ٤٠]. (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) التي هي من القرآن (صُمٌ) لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمونها أساطير الأولين (وَبُكْمٌ) لا يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوة الرسول بها (فِي الظُّلُماتِ) أي في ضلالات الكفر والجهل والعناد فلا يهتدون سبيلا (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ) أي من يشاء الله إضلاله يخلق الله الضلال فيه ويمته على الكفر فيضل يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب (وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٣٩) أي ومن يشأ أن يجعله على طريق يرضاه وهو الإسلام يجعله عليه ويهده إليه ويمته عليه فلا يضل من مشى إليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٤٠) أي قل يا أكرم الرسل لكفار مكة : يا أهل مكة أخبروني إن أتاكم عذاب الله في الدنيا كالغرق أو الخسف أو المسخ ، أو نحو ذلك أو أتاكم العذاب عند قيام الساعة أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء؟ أو ترجعون فيه إلى الله تعالى إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة فأجيبوا سؤالي؟ أو المعنى إن كنتم قوما صادقين فأخبروني أإلها غير الله تدعون إلخ (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ) أي إنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية إلا إلى الله تعالى فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم بمحض مشيئته (وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) (٤١) أي وتتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) أي وبالله لقد أرسلنا إلى أمم كثيرة كائنة من زمان قبل زمانك رسلا فخالفوهم فعاقبناهم بشدة الفقر والخوف من بعضهم والأمراض والأوجاع (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (٤٢) أي لكي يدعوا الله تعالى في كشفها بالتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم (فَلَوْ لا) أي فهلا (إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٤٣) من الكفر والمعاصي أي فلم يؤمنوا حين جاءهم عذابنا ولكن ظهر منهم الكفر ووسوس لهم الشيطان إن حال الدنيا هكذا تكون شدة ثم نعمة فلم يخطروا ببالهم أن ما أصابهم من الشدائد ما أصابهم إلا لأجل عملهم الفاسد (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) أي فلما انهمكوا في المعاصي وتركوا ما وعظوا به من الشدائد فتحنا عليهم فنون النعماء على منهاج الاستدراج (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً) أي حتى إذا اطمأنوا بما فتح لهم وبطروا بأن ظنوا أن الذي نزل بهم من الشدائد ليس على سبيل الانتقام من الله وأن تلك الخيرات باستحقاقهم نزل بهم عذابنا فجأة ليكون عليهم أشد وقعا (فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) (٤٤) أي متحزنون غاية الحزن منقطع رجاؤهم من كل خير (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي قطع غابر المشركين أي
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٧٢).
استؤصلوا بالهلاك بسبب ظلمهم بإقامة المعاصي مقام الطاعات (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٥) على استئصالهم بالنكال فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة مستحقة للحمد (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) أي قل يا أكرم الخلق لأهل مكة : يا أهل مكة أخبروني إن أزال الله سمعكم وأبصاركم وعقولكم أي فرد من الآلهة الثابتة بزعمكم غير الله يأتيكم بذلك الذي أزيل؟ (انْظُرْ) يا أكرم الرسل (كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي كيف نكررها متغيرة من نوع إلى نوع آخر فتارة بترتيب المقدمات العقلية ، وتارة بطريق الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين فكل واحد يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) (٤٦) أي يعرضون عن تلك الآيات وثم لاستبعاد إعراضهم عنها بعد ذكرها على الوجوه المختلفة (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) أي أخبروني يا أهل مكة (إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ) أي عذابه الخاص بكم (بَغْتَةً) أي فجأة بأن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب (أَوْ جَهْرَةً) بأن يجيئهم مع سبق علامة تدل عليه فالعذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (٤٧) أي هل يهلك بذلك العذاب غيركم ممن لا يستحقه (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ) بالثواب على الطاعات (وَمُنْذِرِينَ) بالعقاب على المعاصي ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٤٨) أي فمن قبل قول المرسلين وأتى بعمل القلب الذي هو الإيمان وبعمل الجسد الذي هو الإصلاح فلا خوف عليهم من العذاب الذي أنذروه دنيويا كان أو أخرويا ولا هم يحزنون بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) وهي ما ينطق به الرسل عند التبشير والإنذار ويبلغونه إلى الأمم (يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ) أي يصيبهم العذاب الذي أنذروه (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (٤٩) أي بسبب فسقهم وخروجهم عن الطاعة (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ).
واعلم أن الكفار طلبوا من رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يوسع خيرات الدنيا وأن يخبر عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار ، وطعنوا فيه في أكل الطعام والمشي في السوق ، وفي تزوجه للنساء فأمر الله تعالى أن ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة تواضعا لله تعالى واعترافا له بالعبودية وأن يقول لهم : إنما بعثت مبشرا ومنذرا ولا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالله تعالى ، وأن خزائن الله مفوّضة إليّ أتصرف فيها كيفما أشاء ، وأعطيكم منها ما تريدون. ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى فأخبركم بما تريدون ، ولا أدعي أني ملك حتى تكلفوني من الخوارق للعادات ما لا يطيق به البشر وحتى تعدوا عدم اتصافي بصفات الملائكة قادحا في أمري فتنكرون قولي ، وتجحدون أمري ، وما أخبركم من غيب إلا بوحي من الله أنزله علي (قُلْ) لهم : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى
وَالْبَصِيرُ) أي هل يكونان سواء من غير مزية فإن قالوا : نعم ، كابروا الحس وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (٥٠) أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه ، نزلت هذه الآية من قوله : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ) في أبي جهل وأصحابه الحرث وعيينة (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٥١) أي وأنذر يا أشرف الرسل بما أوحي إليك من يجوزون الحشر ويرجى منهم التأثر بالتخويف غير منصورين بقريب ولا مشفوعا لهم من جهة أنصارهم على زعمهم من غير الله تعالى سواء كانوا جازمين بأصل الحشر كالمؤمنين العاصين وأهل الكتاب المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة الأصنام ، أو مترددين في أصل الحشر وفي شفاعة الآباء والأصنام معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا فيهلكوا لكي ينتهوا عن الكفر والمعاصي ، وأما المنكرون للحشر بالكلية والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) أي الذين يعبدون ربهم بالصلوات الخمس أو يذكرون ربهم طرفي النهار (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي يريدون بذلك محبة الله تعالى ورضاه أي مخلصين في ذلك.
روي أنه جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، وعباس بن مرداس وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين كعمار بن ياسر وصهيب ، وبلال وخباب وابن مسعود ، وسلمان الفارسي ومهجع ، وعامر بن فهيرة فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا : يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وأبعدت عنك هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك وأخذنا عنك ، فقال النبي : «ما أنا بطارد المؤمنين» ، قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال : «نعم» ، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، فنزل جبريل بهذه الآية فألقى رسول الله صلىاللهعليهوسلم الصحيفة ، وقال مجاهد : قالت قريش : لو لا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أن ناسا من الفقراء كانوا مع النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : ناس من الأشراف له صلىاللهعليهوسلم إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا؟ فنزلت هذه الآية : (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٥٢) أي ما عليك من حساب رزق هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي شيء فتملهم وتبعدهم ، ولا من حساب رزقك عليهم شيء وإنما الرازق لهم ولك
هو الله تعالى فدعهم يكونوا عندك ، ولا تطردهم فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد ولهم ، لأنهم استحقوا مزيد التقريب. وقيل : إن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا : يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك فقال الله تعالى : إن كان الأمر كما يقولون فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر ، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله فحسابهم عليه لازم لهم لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي ومثل ذلك الفتون المتقدم فتنا بعض هذه الأمة ببعض وكل أحد مبتلى بضده فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك ، واعترضوا على الله في جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين ، وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ، فكانوا يقولون : كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار وبالجملة؟ فصفات الكمال مختلفة متفاوتة محبوبة لذاتها موزعة على الخلق فلا تجتمع في إنسان واحد ألبتة فكل أحد بحسد صاحبه على ما آتاه من الله من صفات الكمال (لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) بالإيمان بالله ومتابعة الرسول وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا وهذه اللام لام كي والتقدير ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا : هذه المقالة امتحانا منا ، وقيل : إنها لام الصيرورة والمعنى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليصيروا أو ليشكروا فكان عاقبة أمرهم أن قالوا : أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ قال : تعالى ردا عليهم : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (٥٣) لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم. وفي هذا الاستفهام التقريري إشارة إلى أن الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن وفي التوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك وتعريض بأن القائلين بتلك المقالة بمعزل من ذلك كله (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) قيل : نزلت هذه الآية في أهل الصفة الذين سأل المشركون رسول الله عليهالسلام طردهم فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام فإن الله تعالى نهى رسوله أولا عن إبعادهم ، ثم أمره بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروه في الدنيا والرحمة في الآخرة (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي أوجب على ذاته المقدسة الرحمة بطريق الفضل والكرم تبشيرا لهم بسعة رحمته تعالى وبنيل المطالب (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً) أي ذنبا (بِجَهالَةٍ) بتعمد بسبب الشهوة وكان جاهلا بمقدار ما يستحقه من العقاب وما يفوته من الثواب (ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ) أي ندم من بعد عمل المعصية (وَأَصْلَحَ) عمله بالتوبة منه تداركا وعزما على أن لا يعود إليه أبدا (فَأَنَّهُ) أي الله (غَفُورٌ) بسبب إزالة العقاب (رَحِيمٌ) (٥٤) بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة (وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد
والنبوة والقضاء والقدر فكذلك نفصل لك حجتنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (٥٥).
قرأ نافع «لتستبين» بالتاء خطاب للنبي و «سبيل» بالنصب. أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيل المشركين فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ليستبين» بالياء و «سبيل» بالرفع. والباقون بالتاء و «سبيل» بالرفع. وقوله و «ليستبين» عطف على المعنى كأنه قيل : ليظهر الحق وليتضح سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. (قُلْ) يا أشرف الخلق للمصرّين على الشرك (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي إني نهيت في القرآن عن عبادة ما تعبدونه من دون الله وهو الأصنام (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) في عبادة الأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير فإنهم كانوا ينحتون تلك الأصنام وإنما يعبدونها بناء على محض الهوى لا على سبيل الحجة فإن اشتغال الأشرف بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل (قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً) أي إن اتبعت أهواءكم (وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (٥٦) أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عدادهم (قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ) أي حجة واضحة تفصل بين الحق والباطل وهي الوحي (مِنْ رَبِّي) في أنه لا معبود سواه (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أي بربي حيث أشركتم به غيره (ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي من العذاب أي ليس أمره بمفوض إلى فـ «ما» الأولى نافية ، و «ما» الثانية موصولة ، وسبب نزول هذه الآية أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك ، وكان النضر بن الحرث وأصحابه يستعجلونه بقولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم فقال تعالى : قل يا أشرف الخلق ليس ما تستحلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ما الحكم في نزول العذاب تعجيلا وتأخيرا إلا الله (يَقُصُّ الْحَقَ).
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقص» بالصاد المشددة ، وضم القاف ، أي ينبئ الحق ويقول الحق لأن كل ما أخبر الله به فهو حق. وقرأ الباقون «يقض» بسكون القاف وكسر الضاد بغير ياء لسقوطها في اللفظ. أي يقضي القضاء الحق أو يصنع الحق لأن كل شيء صنعه الله فهو حق (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (٥٧) أي أفضل القاضين (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي قل يا أكرم الرسل لو أن في قدرتي ما تطلبون به قبل وقته من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوضا إلي من الله تعالى لفصل ما بيني وبينكم بأن نزل عليكم ذلك عقب استعجالكم بقولكم : متى هذا الوعد واسترحت (وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) (٥٨) أي أعلم بحال المشركين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج فوقع بالنضر بن الحرث العذاب الذي سأل فقتل صبرا يوم بدر (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) أي علم الغيب لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل بها إلى ما فيها فهو عالم. أو المعنى وعنده
تعالى خاصة خزائن الغيب أي قدرة كاملة على كل الممكنات من المطر والنبات ، والثمار ونزول العذاب (لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) أي لا يعلم مفاتح الغيب بنزول العذاب الذي تستعجلون به إلا هو فالعذاب ليس مقدورا لي حتى أعجله لكم ولا معلوما لدي حتى أخبركم بوقت نزوله بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما (وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها ، وإنما قدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز ، والجبال والتلال ، والحيوان والنبات والمعادن ، وأما البحر فإنما أخر ذكره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل لكن الحس يدل على أن عجائب البحر أكثر ، وأجناس المخلوقات أعجب وأن طول البحر وعرضه أعظم (وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) من الشجر والنجم (إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (٥٩) أي وما حبة ملقاة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس من كل شيء إلا في علم الله تعالى ، فإذا سمع الإنسان أن الحبة الصغيرة الملقاة في مواضع متسعة يبقى أكبر الأجسام مخفيا فيها وأن الماء والنابت والحي وخلافها لا تخرج عن علم الله تعالى ، صارت هذه الأمثلة منبهة على معنى قوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ).
وقيل : المراد بالكتاب المبين هو اللوح المحفوظ إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ ، لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات فيكون في ذلك عبرة تامة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) أي ينيمكم في الليل وإنما صح إطلاق لفظ الوفاة على النوم لأن ظاهر الجسد صار معطلا عن بعض الأعمال عند النوم كما أن جملة البدن صارت معطلة عن كل الأعمال عند الموت فحصل بين النوم والموت مشابهة من هذا الاعتبار (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) أي يعلم ما كسبتم من أعمال الجوارح في النهار (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) أي يوقظكم في النهار (لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى) أي لكي يتم أجل معين عند الله لكل فرد فرد بحيث لا يكاد يتجاوز أحد ما لا عين له طرفة عين (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) أي رجوعكم بالموت (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٦٠) أي يخبركم بمجازاة أعمالكم التي كنتم تعملونها في الليل والنهار من الخير والشر (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) أي وهو الغالب المتصرف في أمور عباده يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا إلى غير ذلك فالممكنات كلها مقهورة تحت قهر الله تعالى مسخرة تحت تسخير الله تعالى (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) أي ملائكة يحفظون أعمالكم ويكتبونها في صحائف تقرأ عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) أي حتى إذا انتهت مدة أحدكم وانتهى حفظ الحفظة وجاءه أسباب الموت قبضه ملك الموت وأعوانه (وَهُمْ) أي هؤلاء الرسل (لا يُفَرِّطُونَ) (٦١) أي لا يؤخرون الميت طرفة عين.
وقرئ بسكون الفاء أي لا يجاوزون ما حدّ لهم بزيادة أو نقصان (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ) أي ثم رد جميع البشر بعد البعث بالحشر إلى حكم الله وجزائه في موقف الحساب. وقيل : المعنى ثم يرد أولئك الملائكة فإنهم يموتون كما يموت بنو آدم (مَوْلاهُمُ الْحَقِ) أي مالكهم الذي لا يقضي إلا بالعدل (أَلا لَهُ الْحُكْمُ) يومئذ صورة ومعنى (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ) (٦٢) يحاسب جميع الخلائق في أقصر زمان لا يشغله كلام عن كلام ولا حساب عن حساب وفي الحديث : «إن الله تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة» (١) أي وذلك لأنه تعالى لا يحتاج إلى فكر وعد. (قُلْ) يا أكرم الخلق لكفار مكة : (مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي من شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول (تَدْعُونَهُ) والضمير عائد لمن وهذه الجملة في محل نصب على الحال إما من مفعول ينجيكم أي من ينجيكم منها داعين إياه ، وإما من فاعله أي من ينجيكم منها مدعوا من جهتكم (تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) أي تدعونه دعاء إعلان وإخفاء ، أو تدعونه متضرعين ومخلصين بقلوبكم قائلين (لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ) أي الأهوال والشدائد (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (٦٣) أي من المؤمنين المداومين على الشكر لأجل هذه النعمة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «خفية» بكسر الخاء. والباقون بالضم وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف. وقرأ الأعمش و «خيفة» بكسر الخاء فبعده الياء الساكنة من الخوف أي مستكينا أو دعاء خوف والآية تدل على أن الإنسان يأتي عند حصول الشدائد بأمور.
أحدها : الدعاء.
وثانيها : التضرع.
وثالثها : الإخلاص بالقلب وهو المراد من قوله وخفية.
ورابعها : التزام الشدائد بالشكر وهو المراد من قوله : (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «لئن أنجانا» على المغايبة وينجيكم بالتشديد في الموضعين. والباقون «لئن أنجيتنا» على الخطاب و «ينجيكم» بالتشديد والتخفيف وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل لفظ أنجانا وهو «تدعونه» وما بعده وهو «قل الله ينجيكم منها» مذكور بلفظ المغايبة ولا يحتاج في هذه القراءة إلى إضمار نحو تقولون ، فالإضمار خلاف الأصل وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها)
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (٢ : ٤٣٥).
أي الله وحده ينجيكم من شدائد البر والبحر (وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) أي غم سوى ذلك (ثُمَّ أَنْتُمْ) يا أهل مكة بعد ما تشاهدون هذه النعم الجليلة (تُشْرِكُونَ) (٦٤) بعبادته تعالى غيره الذي عرفتم أنه لا يضر ولا ينفع ولا تفون بعهدكم (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) كالمطر كما فعل بقوم نوح ، والحجارة كما رمى أصحاب الفيل وقوم لوط ، والصيحة أي صرخة جبريل التي صرخها على ثمود قوم صالح والريح كما في قوم هود (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) كالرجفة وغرق فرعون وخسف قارون (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) أي يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة متابعة لإمام فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي نكررها متغيرة من حال إلى حال (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (٦٥) أي كي يقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عمّا هم عليه من العناد (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ) أي وكذبوا بالعذاب والحال أنه لواقع لا بدّ وأن ينزل بهم. أو المعنى وكذب قريش بالقرآن وهو الكتاب الصادق في كل ما نطق به وفي كونه منزلا من عند الله (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (٦٦) أي قل يا أكرم الرسل لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) أي لكل خبر يخبره الله تعالى وقت يحصل فيه من غير تأخير. أو المعنى لكل قول من الله من الوعد والوعيد استقرار وحقيقة منه ما يكون في الدنيا ومنه ما يكون في الآخرة (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٦٧) أي ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي وإذا رأيت أيها السامع الذين يستهزئون بآياتنا فاترك مجالسهم كي يشرعوا في حديثهم في غير آياتنا أي في غير الاستهزاء بالقرآن. ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلىاللهعليهوسلم والقرآن فشتموا واستهزءوا فأمرهم الله بترك مجالسة المشركين (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٦٨) أي وإن يشغلك الشيطان فتنسى النهي فتجالسهم فلا تقعد معهم بعد تذكر النهى (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٦٩).
قال ابن عباس : قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت ، فنزلت هذه الآية. أي ما على الذين يتقون قبائح الخائضين مما يحاسبون عليه من آثامهم شيء ولكن تذكرة لهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من التذكير لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو نحوه. وقوله تعالى : (ذِكْرى) معطوف على محل (شَيْءٍ) وهو رفع على أنه مبتدأ مؤخر أو اسم «ما» ومن مزيدة للاستغراق ومن حسابهم حال (مِنْ شَيْءٍ). (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) أي أعرض عن الذين نصروا الدين ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة ، وغلبة الخصم وجمع الأموال ولا
تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا وإنما نصروا الدين للدنيا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا أي اطمأنوا بها فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر يتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ، وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة والله أعلم والمحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه صواب (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ) أي ذكرهم بمقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون (لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) أي ليس للنفس من غير الله ناصر ولا شفيع يمنع عنها العذاب (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها) أي وإن تفد تلك النفس بكل فداء لا يقبل منها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع (أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) (٧٠) أي أولئك المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة الدنيا هم الذين حبسوا في جهنم بما كسبوا في الدنيا لهم شراب من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم وعذاب أليم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر في الدنيا (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ) أي قل يا أكرم الرسل لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم كعيينة وأصحابه أنعبد متجاوزين عبادة الله الجامع لجميع صفات الألوهية ما لا يقدر على نفعنا في الدنيا والآخرة إن عبدناه ، ولا على ضرنا فيهما إذا تركناه ونرد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك ، وإنما يقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل : إنه رجع إلى خلف ورجع على عقبيه لأن الأصل في الإنسان هو الجهل ثم إذا تكامل حصل له العلم فإذا يرجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا) أي فيكون مثلنا كالذي استنزلته الشياطين من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض تائها عن الجادة لا يدري ما يصنع وللنازل إلى الوهدة المظلمة عينية وأصحابه رفقة وهم أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوسلم يدعونه إلى الطريق المستقيم يقولون : ائتنا إلى الجادة والغيلان ينزلونه إلى السافلة المظلمة فبقي متحيرا أين يذهب. وهذا المثل في غاية الحسن وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كما أن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة ، وذلك يدل على كمال التردد والتحير فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يكثر بلاؤه بسبب سقوطه أو يقل فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ) الذي هدانا إليه هو الإسلام (هُوَ الْهُدى) الكامل النافع الشريف وما عداه ضلال محض ، وغي بحت (وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٧١) (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ) أي قل وأمرنا بأن نخلص العبادة لرب العالمين لأنه
المستحق للعبادة وقل أقيموا الصلاة واتقوا الله تعالى في مخالفة أمره المقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب تنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان. فإن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر ، فيخاطب الكافر بخطاب الغائبين لأنه كالأجنبي الغائب ، فيقال له : وأمرنا لنسلم لرب العالمين وإذا أسلم وآمن صار كالقريب الحاضر فيخاطب بخطاب الحاضرين ويقال له : (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٧٢) أي تجمعون يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) وما فيهما (بِالْحَقِ) أي قائما بالحق لا عابثا (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ) أي وأمره المتعلق بكل شيء يريد خلقه حين تعلقه به هو المعروف بالحقية. والمراد من هذا الأمر التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وهذا بيان أن خلقه تعالى للسموات والأرض ليس مما يتوقف على مادة ولا مدة بل يتم بمحض الأمر التكويني من غير توقف على شيء آخر أصلا. والمراد بالقول كلمة «كن» تمثيل لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمنا من زمن النطق بكن (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) إنما أخبر الله عن ملكه يومئذ لأنه لا منازع له يومئذ فإن الملوك اعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار ، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين نفخة الصعق أي الموت ، ونفخة البعث للحساب (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أي عالم ما غاب عن العباد وما عمله العباد وقوله تعالى : (وَلَهُ الْمُلْكُ) يدل على كمال القدرة وقوله : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) يدل على كمال العلم (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (٧٣) فالحكيم هو المصيب في أفعاله والخبير هو العالم بحقائق الأشياء من غير اشتباه (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) وهو في التوراة تارح فلأبي إبراهيم اسمان آزر وتارح بن ناحور.
واعلم أن جميع نسب رسول الله صلىاللهعليهوسلم مطهر من عبادة الأصنام ما دام النور المحمدي في أصلابهم أما بعد انتقاله منهم فتجوز عليهم عبادة الأصنام وغيرها من سائر أنواع الكفر (أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً) أي أتجعل لنفسك أصناما آلهة فتعبد أصناما شتى صغيرا وكبيرا ذكرا وأنثى (إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٧٤) أي إني أراك يا أبت وقومك في ضلال عن الحق بين في الاتفاق على عبادة الأصنام (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (٧٥) أي كما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق في خلاف ما كان قومه عليه من عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض من وقت طفوليته ليراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه ، وعلوه وعظمته وليصير زمان بلوغه من البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى ، لأن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات والصفات فهي غير متناهية من جهات دلالتها على الذوات والصفات كما نقل عن إمام الحرمين أنه يقول معلومات الله تعالى غير متناهية ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات غير متناهية أيضا وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل ، وكل تلك
الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله وقدرته ، وإذا كان الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ كذلك فكيف القول في ملكوت الله تعالى فثبت أن دلالة ملك الله تعالى على سمات عظمته وعزته غير متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال فحينئذ لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقب بعض وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية ، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم (فَلَمَّا جَنَ) أي أظلم (عَلَيْهِ اللَّيْلُ) في السرب (رَأى كَوْكَباً) وهي الزهرة وهي في السماء الثالثة (قالَ هذا رَبِّي) مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكوكب (فَلَمَّا أَفَلَ) أي غرب (قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (٧٦) أي لا أحب الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال المحتجبين بالأستار (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً) أي مبتدئا في الطلوع إثر غروب الكواكب (قالَ هذا رَبِّي) هذا أكبر من الأول حكاية لقول الخصم الذين يعبدون الكواكب (فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) إلى حضرة الحق (لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (٧٧) فإن شيئا مما رأيته لا يليق بالربوبية (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً) أي مبتدئه في الطلوع (قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ) من الأول والثاني (فَلَمَّا أَفَلَتْ) أي هي (قالَ) مخاطبا للكل صادعا بالحق بينهم (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (٧٨) بالله من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث.
اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان وهو نمروذ بن كنعان رأى رؤيا كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ، وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد في هذه السنة فحبلت أم إبراهيم به وما أظهرت حبلها للناس فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليهالسلام ووضع إصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه ، وكان يتعهده جبريل عليهالسلام فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربا فسأل الأم فقال لها : من ربي؟ فقالت : أنا ، فقال : ومن ربك؟ قالت : أبوك ، فلما أتاه أبوه آزر فقال : يا أبتا من ربي؟ قال : أمك ، قال : فمن رب أمي؟ قال : أنا ، قال : فمن ربك؟ قال : ملك البلد نمروذ ، فعرف إبراهيم جهلهما بربهما فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب تعالى فرأى النجم الذي هو أضوء النجوم في السماء فقال : هذا ربي إلى آخر القصة. ولما تبرأ إبراهيم من المشركين توجه إلى منشئ هذه المصنوعات فقال : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي إني وجهت طاعتي وصرفت وجه قلبي للذي أخرج السموات والأرض إلى الوجود (حَنِيفاً) أي مائلا عن كل معبود دون الله تعالى (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٧٩) في شيء من الأفعال والأقوال (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ) أي خاصموه في آلهتهم وخوفوه بها.
روي أنه لما شبّ إبراهيم جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها له ليبيعها فيذهب بها وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد ، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها : اشربي. استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه بها فقالوا له : احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فذلك قوله تعالى : (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ). (قالَ) أي إبراهيم لهم : (أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ) أي أتخاصمونني في وحدانية الله (وَقَدْ هَدانِ) لدينه فكيف ألتفت إلى حجتكم العليلة وكلماتكم الباطلة (وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ) من الأصنام لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر والأصنام جمادات لا قدرة لها على النفع والضر فكيف يحصل الخوف منها (إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً) أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا أن يشاء ربي شيئا من المكروه يصيبني من جهتها كأن يحييها ويمكنها من إيصال المنفعة والمضرة إلي ، أو من نزع المعرفة من قلبي فأخاف ممن تخافون (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) فإنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والحكمة فبتقدير أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (٨٠) أن نفي الشركاء عن الله تعالى لا يوجب نزول العذاب وإثبات التوحيد له تعالى لا يوجب استحقاق العقاب. أو المعنى أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضر ولا تنفع فلا تتذكرون أنها غير قادرة ولا تتعظون فيما أقول لكم من النهي (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً) أي وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر وأنتم لا تخافون من الله إشراككم بالله ما يمتنع حصول الحجة فيه ، أو ما لم يرد الأمر به أي وكيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلا ، وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوّفات وهو إشراككم بالله الذي لا يماثل ذاته وصفاته شيء في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ) أي ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف فأي الفريقين من الموحدين والمشركين أحق بالأمن من معبود أحد الفريقين (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٨١) من أحق بذلك فأخبروني فلم يجيبوا فأجاب الله ما سأل عنهم فقال (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) أي الفريق الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك بأن لم يثبتوا لله شريكا في المعبودية أولئك لهم الأمن من العذاب (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٨٢) إلى الصواب ومن عداهم في ضلال ظاهر والله تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم أي عدم النفاق بالإيمان. وأما الفاسق فهو مؤمن فوعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله وأن يعفو عنه فالأمن زائل والخوف حاصل فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب والله أعلم (وَتِلْكَ) أي ما احتج به إبراهيم على قومه (حُجَّتُنا آتَيْناها) أي ألهمناها (إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) متعلق بحجتنا (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بغير إضافة أي نرفع من نشاء رفعه في رتب عظيمة عالية من العلم والحكمة والمنزلة. وقرأ الباقون بالإضافة (إِنَّ رَبَّكَ) يا أكرم الرسل (حَكِيمٌ) في كل ما فعل من رفع وخفض. (عَلِيمٌ) (٨٣) بحال من يرفعه أي إن الله يرفع درجات من يشاء بمقتضى حكمته وعلمه فإن أفعاله تعالى منزهة عن العبث (وَوَهَبْنا لَهُ) أي لإبراهيم لصلبه (إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) من إسحاق (كُلًّا هَدَيْنا) أي كل واحد من إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرشدنا إلى النبوة والرسالة (وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ) أي من قبل إبراهيم (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) أي وهدينا من ذرية نوح (داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ) هو ابن أموص من أسباط عيص بن إسحاق (وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٨٤) أي ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء على إحسانهم وهو الإتيان بالأعمال الحسنة على حسنها الوصفي المقارن لحسنها الذاتي ، وقد فسره النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بقوله : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(١). (وَزَكَرِيَّا) ابن أذن (وَيَحْيى) ابنه (وَعِيسى) ابن مريم بنت عمران (وَإِلْياسَ) بن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران (كُلٌ) أي كل واحد من أولئك المذكورين (مِنَ الصَّالِحِينَ) (٨٥) أي من الكاملين في الصلاح. وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز عمّا لا ينبغي (وَإِسْماعِيلَ) بن إبراهيم (وَالْيَسَعَ) بن أخطوب بن العجوز.
قرأ حمزة والكسائي واليسع بتشديد اللام وسكون الياء. والباقون واليسع بلام واحدة ساكنة وبفتح الياء (وَيُونُسَ) بن متى (وَلُوطاً) بن هاران أخي إبراهيم (وَكلًّا) من هؤلاء الأنبياء (فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (٨٦) فهم يفضلون على الملائكة والأولياء.
واعلم أن الله تعالى خصّ كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل فمنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعا وهم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ثم المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق بعد النبوة الملك والسلطان والقدرة ، وقد أعطى الله داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما ، ثم المرتبة الثالثة البلاء الشديد ، والمحنة العظيمة ، وقد خصّ الله أيوب بهذه الخاصية ، والمرتبة الرابعة من كان مستجمعا لهاتين الحالتين وهو يوسف فإنه نال البلاء الكثير في أول الأمر ، ثم أعطاه الله النبوة مع ملك مصر ، والمرتبة الخامسة من فضائل الأنبياء : قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وذلك في حق موسى وهارون.
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٣١ ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٥٧ ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في القدر ، والترمذي في كتاب الإيمان ، باب : ٤ ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : في الإيمان ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٧).
والمرتبة السادسة : الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا وترك مخالطة الخلق وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين ، ثم ذكر الله بعد هؤلاء من لم يبق له فيما بين الخلق أتباع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط والله أعلم. (وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ) وهذا إما عطف على «كلا» فالعامل فيه «فضلنا» ومن تبعيضية أو على «نوحا» فالعامل فيه «هدينا» و «من» ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدينا بالنبوة والإسلام من آبائهم جماعات كثيرة آدم وشيث وإدريس وهود وصالح ومن ذرياتهم جماعات كثيرة أولاد يعقوب ومن إخوانهم جماعات إخوة يوسف (وَاجْتَبَيْناهُمْ) أي اصطفيناهم بالنبوة والرسالة (وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٨٧) أي إلى معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك (ذلِكَ) أي معرفة الله بوحدانيته (هُدَى اللهِ) أي دين الله فان الايمان لا يحصل الا بخلق الله تعالى (يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) وهم المستعدون للهداية في الإرشاد (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٨٨) أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء لحبط عنهم مع فضلهم وعلو درجاتهم أعمالهم المرضية وعبادتهم الصالحة فكيف بمن عداهم. والمقصود من هذا الكلام تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك (أُولئِكَ) أي الأنبياء الثمانية عشر (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي أعطيناهم فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بأسراره (وَالْحُكْمَ) فإن الله تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر (وَالنُّبُوَّةَ) فيقدرون بها على التصوف في ظواهر الخلق كالسلاطين ، وفي بواطنهم وأرواحهم كالعلماء (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها) أي بهذه الثلاثة (هؤُلاءِ) أي كفار قريش (فَقَدْ وَكَّلْنا بِها) أي وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها (قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) (٨٩) أي بجاحدين في وقت من الأوقات وهم الأنصار وأهل المدينة (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) أي أولئك الذين قصصناهم من النبيين هداهم الله بالأخلاق الحسنى فبأخلاقهم الشريفة اقتده ، واستدل بهذه الآية بعض العلماء على أن محمدا صلىاللهعليهوسلم أفضل من جميع الأنبياء ، وذلك لأن جميع الصفات الحميدة كانت متفرقة فيهم فأمر الله تعالى رسوله سيدنا محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يقتدي بهم بأسرهم في جميع صفات الكمال التي كانت متفرقة فيهم فيلزم أنه صلىاللهعليهوسلم حصّلها ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال : إنه صلىاللهعليهوسلم أفضل منهم بكليتهم. فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه. وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في الله تعالى ، وكان إسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء والمحن. وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة ، وكان أيوب صاحب صبر على البلاء وكان يوسف جامعا بين الصبر والشكر ، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة ، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا ، وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع. (قُلْ) يا أشرف الخلق لأهل مكة : (لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي القرآن (أَجْراً) من جهتكم (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ) (٩٠) أي ما القرآن إلا عظة للجن والإنس من جهته تعالى
(وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي ما عرفوه تعالى حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك (إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).
روي أن مالك بن الصيف ـ وهو من أحبار اليهود ـ ورؤسائهم جاء في مكة يخاصم النبيّ صلىاللهعليهوسلم وكان رجلا سمينا ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين» فقال : نعم ـ وكان يحب إخفاء ذلك لكن أقر لإقسام النبي عليه ـ فقال له النبي : «أنت حبر سمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود» (١). فضحك القوم ، فغضب مالك بن الصيف ثم التفت إلى عمر فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه : ويحك ، ولا على موسى. فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء ، فلما سمع قومه تلك المقالة قالوا : ويلك. ما هذا الذي بلغنا عنك أليس الله أنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا قال؟! : أغضبني محمد فقلته ، فقالوا : وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق. فعزلوه من الحبرية وعن رئاستهم لأجل هذا الكلام وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. (قُلْ) لهم : (مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) أي حال كون الكتاب ظاهرا جليا في نفسه وهاديا للناس من الضلالة (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً) أي تضعون الكتاب في ورقات مفرقة فجعلوه أجزاء نحو نيف وثمانين جزءا ، وفعلوا ذلك ليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه ، فيجعلون ما يريدون إخفاءه على حدى ليتمكنوا من إخفائه.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة في الأفعال الثلاثة. والباقون بتاء الخطاب (وَعُلِّمْتُمْ) أيها اليهود من الأحكام وغيرها (ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) من قبل نزول التوراة. وقيل : المراد من قوله تعالى : (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدمه صلىاللهعليهوسلم كانوا يقرءون تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها فلما بعث محمدا ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه صلىاللهعليهوسلم (قُلِ اللهُ) أي قل يا أكرم الرسل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (٩١) أي ثم اتركهم في باطلهم الذين يخوضون فيه يسخرون فإنك إذا أقمت الحجة لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ) أي وهذا القرآن كتاب أنزلناه بالوحي على لسان جبريل (مُبارَكٌ) أي كثير خيره دائم منفعته يبشر بالمغفرة يزجر عن المعصية (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي موافق للكتب التي قبله في التوحيد وتنزيه الله ، والدلالة على البشارة والنذارة (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى).
__________________
(١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٦٢) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٧ : ٣٨٨) ، والواحدي في أسباب النزول (١٤٧).
قرأ شعبة «لينذر» على الغيبة أي لينذر الكتاب والباقون و «لتنذر» بالخطاب. أي ولتنذر يا أكرم الرسل أهل مكة سميت أم القرى لأنها قبلة أهل الدنيا ولأنها موضع الحج وهي من أصول عبادات أهل الدنيا فيجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم ، فلما اجتمع أهل الدنيا فيها بسبب الحج فيلزم أن يحصل فيها أنواع التجارات وهي من أصول المعيشة فلهذا السبب سميت مكة أم القرى (وَمَنْ حَوْلَها) أي من أهل جميع بلاد العالم (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي بالوعد والوعيد والثواب والعقاب (يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي بالكتاب (وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) (٩٢) فإن الإيمان بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم وذلك يحمل على المحافظة على الصلاة وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف العبادات بعد الإيمان بالله فلم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة. قال تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقرة : ١٤٣] أي صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال صلىاللهعليهوسلم : «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» (١) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء فإنهما كانا يدّعيان النبوة والرسالة من عند الله تعالى على سبيل الكذب (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ).
روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فلما نزل قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون : ١٢] أملاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلما بلغ قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) [المؤمنون : ١٤] عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هكذا نزلت الآية اكتبها كذلك» (٢) فشك عبد الله وقال : إن كان محمدا صادقا فقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله صلىاللهعليهوسلم بمر الظهران (وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ) كما ادعى النضر بن الحرث معارضة القرآن فإنه قال في شأن القرآن : إنه من أساطير الأولين وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله ، وقال : لو نشاء لقلنا مثل هذا.
قال العلماء : وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذبا في ذلك الزمان وبعده لأن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (٩٣) أي ولو ترى يا أشرف الخلق الظالمين وقت كونهم في شدائد الموت
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٦ / ص ٤٢١) ، «بما معناه».
(٢) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٦٢).
في الدنيا والملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم قائلين لهم : أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد ، وخلّصوها من هذه الآلام ، هذا الوقت تجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد بسبب الافتراء على الله والتكبر على آيات الله ، لرأيت أمرا فظيعا. أو المعنى ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى أنواع الشدائد والتعذيبات في الآخرة فأدخلوا جهنم والملائكة باسطوا أيديهم عليهم بالعذاب مبكتين لهم قائلين : أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد هذا الوقت تجزون العذاب المشتمل على الإهانة بسبب كونكم قائلين قولا غير الحق ، وكونكم مستكبرين عن الإيمان بآيات الله لرأيت أمرا عظيما. (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا) للحساب (فُرادى) عن الأهل والمال والجاه (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي مشبهين ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلا بهما أي ليس معهم شيء (وَتَرَكْتُمْ) بغير اختياركم (ما خَوَّلْناكُمْ) أي أعطيناكم من الأموال (وَراءَ ظُهُورِكُمْ) في الدنيا أما إذا صرف الأموال إلى الجهات الموجبة لتعظيم أمر الله وللشفقة على خلق الله فما تركها وراء ظهره بل قدمها تلقاء وجهه (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) أي وما نرى معكم أصنامكم التي زعمتم أنها شركاء لله في استحقاق عبادتكم (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ).
قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي بالنصب. أي لقد تقطعت الشركة بينكم. والباقون بالرفع أي لقد تقطع وصلكم فـ «البين» اسم يستعمل للوصل والفراق فهو مشترك بينهما كالجون للأسود والأبيض (وَضَلَ) أي ضاع (عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (٩٤) إن الأصنام شفعاؤكم (إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِ) أي شاق جميع الحبوب من الحنطة وغيرها (وَالنَّوى) وهي التي في داخل الثمار أي فإذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مرّ عليها مدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة أو النواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر فيخرج من الحبة ورق أخضر ومن النواة شجرة صاعدة في الهواء ويخرج منها عروق هابطة في الأرض (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ) أي يخرج من النطفة بشرا حيا ، ومن البيضة فروخا حية ، ومن الحب اليابس نباتا غضا ، ومن الكافر مؤمنا ، ومن العاصي مطيعا وبالعكس (ذلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (٩٥) أي ذلكم الله المدبر الخالق ، النافع الضار ، المحيي المميت فمن أين تكذبون في إثبات القول بعبادة الأصنام؟ وقيل : المراد الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر. فالمعنى إنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي ، من الميت ومخرج الميت من الحي ثم شاهدتم أنه تعالى أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى (فالِقُ الْإِصْباحِ) أي فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح وذلك لأن الأفق من الجانب الغربي والشمالي والجنوبي مملوء من الظلمة ، وإنما ظهر النور في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحرا مملوءا من الظلمة ، ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) أي يستريح فيه الخلق من التعب الحاصل في النهار.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي على صيغة الماضي. والباقون على صيغة اسم الفاعل (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) أي قدّر الله تعالى حركة بمقدار معين من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدّر حركة القمر بحيث تتم الدورة في شهر وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي حصول هذه الأحوال لا يمكن إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وبعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات فليس حصول حركات أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة بالطبع وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي وهو الذي خلق لكم النجوم لاهتدائكم بها في مشتبهات الطرق إذا سافرتم في بر أو بحر ، ولاستدلالكم بها على معرفة القبلة وعلى معرفة أوقات الصلاة (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٩٧) أي قد بينّا العلامات الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لقوم يتأملون فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب ، أي فإن هذه النجوم كما يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر فكذلك يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) أي الذي خلقكم مع كثرتكم من نفس آدم عليهالسلام (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فمستقر» بكسر القاف. والباقون بفتحها وأما مستودع فهو بفتح الدال لا غير بالمعنى على الأول فمنكم مستقر ومنكم شيء مودع في الصلب وهو النطفة وعلى الثاني فلكم مكان استقرار وهو الأرحام ، ومكان استيداع وهو نفس الأصلاب. والفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر ما لم يكن على قرب الزوال والمستودع ما كان على قرب الزوال فإن النطفة تبقى في صلب الأب زمانا قصيرا والجنين يبقى في رحم الأم زمانا طويلا ولما كان المكث في بطن الأم أكثر من المكث في صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب.
وقيل : إن المستقر صلب الأب والمستودع : رحم الأم ، لأن النطفة حصلت في صلب الأب قبل حصولها في رحم الأم. فحصول النطفة في الرحم من فعل الرجل مشبه بالوديعة وحصولها في الصلب لا من جهة الغير.
وقال أبو مسلم الأصبهاني : إن تقدير الآية هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمنكم ذكر ومنكم أنثى ، وإنما عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تنشأ في صلبه وتستقر فيه. وإنما عبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ) أي قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا من تفاصيل خلق البشر (لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (٩٨) أي يدققون النظر فإن
إنشاء الأنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف صنعة وإن الاستدلال بالأنفس أدق من الاستدلال بالنجوم في الآفاق لظهورها (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) أي وهو الله الذي خلق هذه الأجسام في السماء ثم ينزلها إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض (فَأَخْرَجْنا بِهِ) أي بسبب الماء (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء التي تنمو من أنواع النجم والشجر (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ) أي النبات (خَضِراً) أي زرعا. والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولا في القمح والشعير والذرة والأرز ويكون السنبل في أعلاه (نُخْرِجُ مِنْهُ) أي من ذلك الخضر (حَبًّا مُتَراكِباً) بعضه على بعض في سنبله واحدة (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها) أي كيزانها قبل أن ينشق عن الإغريض (قِنْوانٌ) أي عراجين تدلت من الطلع (دانِيَةٌ) أي قريبة من القاطف يناله القائم والقاعد (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ).
قرأ عاصم بالرفع وهي قراءة علي ، أي ومن الكرم جنات من أعناب. والباقون بالنصب والتقدير وأخرجنا بالماء بساتين من أعناب (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) أي شجرهما والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم (مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) أي إن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة ، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، وأيضا بعض حبات العنقود من العنب متشابهة وبعضها غير متشابه فإنك إذا أخذت العنقود ترى حباته نضجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة. (انْظُرُوا) أيها المخاطبون. نظر اعتبار (إِلى ثَمَرِهِ) أي ثمر كل واحد مما ذكر.
قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم. وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم. والباقون بفتح الثاء والميم (إِذا أَثْمَرَ) أي إذا خرج ثمره فتجدوه ضئيلا لا يكاد ينتفع به. (وَيَنْعِهِ) أي وانظروا إلى حال نضجه وكماله فتجدوه قد صار قويا جامعا لمنافع جمة (إِنَّ فِي ذلِكُمْ) أي في اختلاف الألوان وهو ما أمر بالنظر إليه (لَآياتٍ) أي عظيمة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٩٩) أي لمن سبق في حقه قضاء الله بالإيمان ، فأما من سبق له قضاء الله بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة ألبتة أصلا. (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ) أي قال المجوس : إن الله تعالى وإبليس أخوان شريكان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب ، وقالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا. (وَخَلَقَهُمْ) أي وقد علموا أن الله خلقهم فإن أكثر المجوس معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو حادث ، وإنما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح وقد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل
الشرور والقبائح والمفاسد ، ثم إن في المجوس من يقول : إنه تعالى تفكّر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب فنشأ الشيطان عن ذلك العجب ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فنشأ من شكه الشيطان فهؤلاء معترفون بأن أهرمن محدث وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى : (وَخَلَقَهُمْ) إشارة إلى هذا المعنى والضمير عائد إلى الجن (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قرأ نافع و «خرقوا» بتشديد الراء والجمهور بتخفيفها ، وقرأه ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء ، وابن عمر كذلك إلا أنه شدد الراء أي كذبوا في الله حيث وصفوه تعالى بثبوت البنين والبنات مصاحبين لجهل حقيقة ما وصفوه فالذين أثبتوا لبنين النصارى وقوم من اليهود حيث قال النصارى : المسيح ابن الله ، واليهود : عزير ابن الله والذين أثبتوا البنات العرب الذين يقولون : الملائكة بنات الله ، فلو عرفوا أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته لامتنعوا أن يثبتوا له تعالى البنين والبنات ، فإن الولد دال على كونه منفصلا من جزء من أجزاء الوالد وذلك إنما يكون في مركب يمكن انفصال بعض أجزائه وذلك في حق الفرد الواجب لذاته محال فمن عرف حقيقة الإله استحال أن يقول له تعالى ولد (سُبْحانَهُ) نزه الله ذاته بنفسه عمّا لا يليق به (وَتَعالى) أي تقدس (عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) بأن له تعالى شريكا وولدا. فالتسبيح يرجع إلى ذات المسبح والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له تعالى سواء سبحه تعالى مسبح أم لا؟ (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ). والمعنى أن الله تعالى أخرج عيسى إلى الوجود من غير سبق الأب والنطفة كما أنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سبق مادة ومدة ، فلو لزم من مجرد كونه تعالى مبدعا لإحداث عيسى كونه تعالى والدا له عليهالسلام لزم من كونه تعالى مبدعا للسموات والأرض كونه تعالى والدا لهما وذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن مجرد كونه تعالى مبدعا لعيسى لا يقتضي كونه والدا له (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ) أي من أين يكون له تعالى ولد والحال ليس له زوجة؟ أي لأن الولد لا يصح إلا ممن كانت له زوجة وشهوة وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الزوجة ، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والشهوة واللذة وكل ذلك محال على خالق العالم (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) أي من أين يكون له ولد والحال أنه تعالى خلق جميع الأشياء؟ فإن تحصيل الولد بطريق الولادة إنما يصح في حق من لا يقدر على التكوين دفعة واحدة فمن كان قادرا على تكوين المحدثات فإذا أراد إحداث شيء قال له : كن ، فيكون. ومن كان صفته هكذا امتنع إحداث شخص منه بطريق الولادة (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٠١) أي فإن علم الله أن في تحصيل الولد نفعا له تعالى وكمالا وجب حصول الولد قبل ذلك ، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا وهو محال. وإن علم أنه ليس له تعالى في تحصيل الولد ازدياد مرتبة في الإلهية ولا كمال حال فيها
وجب أن لا يحدثه ألبتة في وقت من الأوقات ، وأيضا الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة وهو يوجب اللذة وهي مطلوبة لذاتها فوجب أن يعلم الله أن تحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت فوجب أن تحصل تلك اللذة في الأزل فلزم كون الولد أزليا ، وذلك محال فثبت عدم صحة الولد عليه تعالى (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) واسم الإشارة راجع إلى الإله الموصوف بما تقدم من الصفات. واسم الجلالة خبر أول و (رَبُّكُمْ) خبر ثان و (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) خبر ثالث ، و (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) خبر رابع والفاء في قوله (فَاعْبُدُوهُ) لمجرد السببية من غير عطف ، أي ثبت أن إله العالم فرد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والأولاد وذلك الجامع لهذه الصفات العظيمة هو الله المستحق للعبادة مالك أمركم لا شريك له في ذلك خالق ما كان وما يكون فاعبدوه ولا تعبدوا أحدا غيره ، وللعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ومن جملتها هذه الطريقة وتقريرها من وجوه :
الأول : أن يقال الصانع الواحد كاف في كونه إلها للعالم ومدبرا له ، وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافئ لأنه لم يدل الدليل على ثبوته لأنه يلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد وهو محال أيضا ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد.
والثاني : أن يقال إن الإله القادر على كل الممكنات ، العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم. فلو قدرنا إلها ثانيا فإما أن يكون فاعلا أو لا ، فإن كان فاعلا صار مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر وهو محال ، وإن لم يكن فاعلا كان ناقصا معطلا وذلك لا يصلح للإلهية.
والثالث : أن يقال أن الإله الواحد لا بدّ وأن يكون كاملا في صفات الإلهية فلو فرضنا إلها ثانيا فإما أن يكون مشاركا للأول في جميع صفات الكمال أو لا فإن كان مشاركا في ذلك فإما أن يكون متميزا عن الأول أو لا ، فإن لم يكن متميزا عنه بأمر من الأمور لم تحصل الإثنينية ، وإن امتاز بصفات الكمال لم تكن جميع صفاته مشتركة بينهما وإن امتاز بغير صفات الكمال ، فلذلك نقصان. فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم وإيجاده وأن الزائد يجب نفيه (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٠٢) أي حافظ فيجب أن يعلم كل مكلف أنه لا حافظ إلا الله ولا مصلح للمهمات إلا الله فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه ويقال : أي كفيل بأرزاق خلقه (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) أي لا تراه الأبصار في الدنيا وهو تعالى يراه المؤمنون في الآخرة لقوله صلىاللهعليهوسلم : «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في
رؤيته» (١) فالتشبيه واقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، واتفق الجمهور أنه صلىاللهعليهوسلم قرأ قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فقال : «الحسنى هي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله».
وروي أن الصحابة اختلفوا في أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم هل رأى الله تعالى ليلة المعراج أو لا ، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب وما نسبه إلى الضلالة وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في رؤية الله تعالى. وقيل : المعنى لا تحيط به تعالى الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة لعدم انحصاره (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) أي والله تعالى مدرك لحقيقة الأبصار (وَهُوَ اللَّطِيفُ) فيلطف عن أن تدركه الأبصار (الْخَبِيرُ) (١٠٣) أي العالم بكل لطيف فلا يلطف شيء عن إدراكه. وقيل : إنه تعالى لطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ويأمرهم بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم كثرة رحمته سواء كانوا مطيعين أو عصاة. وقيل : إنه تعالى لطيف بهم بحيث لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) أي جاءكم آيات القرآن كائنة من ربكم وسميت تلك الآيات بصائر لأنها أسباب لحصول الأنوار للقلوب. وقوله تعالى : (قَدْ جاءَكُمْ) الآية استئناف وارد على لسان النّبيّ صلىاللهعليهوسلم (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) أي فمن اهتدى بآيات القرآن فآمن فنفع إهدائه لنفسه (وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) أي ومن ضل عنها بأن كفر بها فمضرة ضلالته وكفره على نفسه (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (١٠٤) أي لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها (وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي مثل ذلك الإتيان البديع نأتي بالآيات متواترة حالا بعد حال لتلزمهم الحجة (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالألف وفتح التاء. أي ليقول بعضهم ذاكرت يا محمد أهل الأخبار الماضية فيزداد كفرا على كفر وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان. وذلك لأن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم كان يظهر آيات القرآن نجما نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض يتفكر فيها ويصلحها آية فآية ، ثم يظهرها ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء فلم لم يأت بهذا القرآن دفعة واحدة. كما أن موسى عليهالسلام أتى بالتوراة دفعة واحدة أي فإن تكرير هذه الآيات حالا بعد حال هي التي أوقعت الشك للقوم في أن محمدا صلىاللهعليهوسلم إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين.
وقرأ ابن عامر «درست» بفتح السين وسكون التاء أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد انمحت وتكررت على الأسماع ، كقولهم : أساطير الأولين. وقرأ الباقون «درست» بدون
__________________
(١) رواه أبو عوانة في المسند (١ : ٣٧٦) ، وأبي حنيفة في المسند (١٩).
الألف وسكون السين وفتح التاء أي حفظت وأتقنت بالدرس أخبار الأولين كقولهم : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (وَلِنُبَيِّنَهُ) أي الآيات (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١٠٥) وهم أولياء الله الذين هداهم إلى سبيل الرشاد (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي لزم العمل بما أنزل إليك من ربك ولا يصر ذلك القول سببا لفتورك في تبليغ الرسالة والدعوة (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (١٠٦) أي اترك في الحال مقابلتهم فيما يأتونه من سفه واعدل إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التغليظ والتنفير (وَلَوْ شاءَ اللهُ) عدم إشراكهم (ما أَشْرَكُوا) أي لا تلتفت يا أشرف الخلق إلى سفاهات هؤلاء الكفار الذين قالوا لك : إنما جمعت هذا القرآن من مذاكرة الناس ولا يثقلن عليك كفرهم ، فإنا لو أردنا إزالة الكفر عنهم لقدرنا ولكنا تركناهم مع كفرهم فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم (وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) أي رقيبا من جهتنا تحفظ أعمالهم عليهم (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٧) أي وما أنت يا أكرم الرسل حافظ عليهم من جهتهم فتدبر مصالحهم وتقوم بأمورهم وتكفل أرزاقهم. (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي ولا تسبوا أيها المؤمنون من يعبدون الأصنام من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا : تبا لكم ولما تعبدون من الأصنام مثلا فيسبوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم تجاوزا عن الحق إلى الباطل بجهالة منهم بما يجب عليهم ، فإن الصحابة متى شتموهم كانوا يشتمون رسول الله صلىاللهعليهوسلم فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى الله تعالى ، لأن الكفار كانوا مقربين بالله تعالى وكانوا يقولون : إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى. أو المعنى ولا تسبوا الأصنام الذين كان المشركون يعبدونهم فيسبوا الله للظلم بغير علم لأنهم جهلة بالله تعالى لأن بعضهم كان قائلا بالدهر ونفي الصانع.
قال قتادة : كان المؤمنون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله عزوجل اه. وإنما نهوا عن سب الأصنام ، وإن كان مباحا لما ينشأ عن ذلك من المفاسد وهو سب الله وسب رسوله. فظاهر الآية كان نهيا عن سب الأصنام وحقيقتها النهي عن سب الله تعالى لأنه سبب لذلك وفي ذلك دلالة على أن الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شرّ (كَذلِكَ) أي مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ) أي لأمم الكفرة (عَمَلَهُمْ) أي شرّهم وفسادهم بإحداث ما يحملهم عليه فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة ، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة ولذلك قال صلىاللهعليهوسلم : «حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات» (١) وفي هذه الآية دلالة على تكذيب القدرية
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنّة ، باب : ١ ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في خلق الجنّة
والمعتزلة حيث قالوا : لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ) بالبعث بعد الموت (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٠٨) في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزينة لهم فأعمال الكفرة قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ويستحبها الطغاة ، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا.فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) أي قسم كفار مكة بالله غاية أيمانهم (لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ) أي معجزة كما طلبوا (لَيُؤْمِنُنَّ بِها) أي قالوا لسيدنا رسول الله : إن هذا القرآن كان أمره فليس من جنس المعجزات ألبتة ، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة لآمنا بك وحلفوا على ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي : قالت قريش : يا محمد إنك تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء وأن عيسى أحيا الميت وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل فأتنا بآية لنصدقك ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما الذي تحبون؟» فقالوا : أن تجعل لنا الصفا ذهبا ، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون فقام صلىاللهعليهوسلم يدعو فجاءه جبريل فقال : إن شئت كان ذلك ولئن كان فلم يصدقوك ليعذبهم الله ، وإن تركتهم تاب الله على بعضهم فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بل يتوب على بعضهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية (قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ) أي إنه تعالى هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره (وَما يُشْعِرُكُمْ) أي أيّ شيء يعلمكم أيها المؤمنون بإيمانهم أي لا تعلمون ذلك (أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠٩).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «إنها» بكسر الهمزة على الاستئناف. والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل ويقوي هذا الوجه قراءة أبي لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ) أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفهمونه ونقلب أبصارهم عن اجتلاء الحق فلا يبصرونه (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ) أي بما جاء صلىاللهعليهوسلم من الآيات (أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي فلا يؤمنون عند نزول مقترحهم لو نزل كما لم يؤمنوا عند نزول الآيات السابقة على اقتراحهم كانشقاق القمر (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١٠) أي نتركهم في ضلالهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) كما طلبوا فشهدوا على ما أنكروا (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) من القبور كما طلبوا بأن محمدا رسول الله والقرآن كلام الله (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً). قرأ عاصم وحمزة الكسائي بضمتين أي وجمعنا على المستهزئين زيادة على ما اقترحوه كل شيء من أصناف المخلوقات
__________________
والنار ، والترمذي في كتاب الجنّة ، باب : ٢١ ، والنسائي في كتاب الأيمان ، باب : الحلف بعزة الله تعالى ، والدارمي في كتاب الرقاق ، باب : في نفس جهنم ، وأحمد في (م ٢ / ص ٢٦٠).
كالسباع والطيور كفلاء بصدق محمد صلىاللهعليهوسلم. أو المعنى وحشرنا عليهم كل شيء نوعا من سائر المخلوقات.
وقرأ نافع وابن عامر «قبلا» بكسر القاف وفتح الباء أي حال كون الكفار معاينين للأصناف (ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) بمحمد والقرآن (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) إيمانهم. أي ولو أظهر الله جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون في حال من الأحوال الداعية إلى الإيمان إلا في حال مشيئته تعالى لإيمانهم. (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (١١١) أي إن الكفار لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون.
قال ابن عباس : المستهزؤون بالقرآن كانوا خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة ، ثم إنهم أتوا الرسول صلىاللهعليهوسلم في رهط من أهل مكة وقالوا له : أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا أي كفيلا على صحة ما تدعيه فنزلت هذه الآية (وَكَذلِكَ) أي كما جعلنا المستهزئين عدوا لك (جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ) أي جعلنا لكل نبي تقدمك عدوا مردة من الإنس والجن. فشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن ، لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه ، وإضافة شياطين بمعنى من البيانية وهي بدل من «عدوا» وهو مفعول أول قدم على الثاني مسارعة إلى بيان العداوة (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) أي يلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس تزيين القول بالباطل لكي يغروا به الإنس (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ) عدم تزيين القوم لأجل الغرور (ما فَعَلُوهُ) أي تزيين القول المتعلق بأمرك خاصة (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) (١١٢) أي اترك الكفرة المستهزئين وافتراءهم بأنواع المكايد فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي ولكي تميل إلى هذا الزخرف قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث بعد الموت (وَلِيَرْضَوْهُ) أي هذا الزخرف لأنفسهم (وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (١١٣) أي وليكتسبوا بسبب ارتضائهم له ما هم مكتسبون من الأيام فيعاقبوا عليها (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً) أي قل لهم أأميل إلى زخارف الشياطين فأطلب حكما غير الله يحكم بيننا. والحال أنه تعالى هو الذي أنزل إليكم القرآن وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون مبينا فيه الحق والباطل فلم يبق في أمور الدين شيء من الإبهام ، فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم وهو والحاكم عند أهل اللغة واحد لكن بعض أهل التأويل قال : الحكم أكمل من الحاكم لأن
الحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم قد يجوز ، ولأن الحكم من تكرر منه الحكم والحاكم يصدق بمرة (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي التوراة والإنجيل والزبور (يَعْلَمُونَ أَنَّهُ) أي القرآن (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ) ملتبسا (بِالْحَقِ).
قرأ ابن عامر وحفص «منزل» بتشديد الزاي. والباقون بسكون النون (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (١١٤) أي من الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يلعمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) أي كفى القرآن من جهة صدقه في أخباره ومن جهة عدله في أحكامه ، وكفى في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة علما وعملا وفي كونها معجزة دالة على صدق محمد صلىاللهعليهوسلم.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «كلمت» على التوحيد دون ألف. والباقون بألف على الجمع و «ترسم» بالتاء المجرورة على كل من قراءة الجمع وقراءة الإفراد ، وكذا كل موضع اختلف فيه القراء جمعا وإفرادا (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) أي لا أحد يبدل شيئا من القرآن بما هو أصدق وأعدل ولا بما هو مثله (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١١٥) بالمقال والأعمال (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) أي وإن تطع يا أشرف الخلق كفار الناس فيما يعتقدونه من إحقاق الباطل وإبطال الحق (يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي عن الطريق الموصل إلى الله (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) أي ما يتبعون في إثبات مذهبهم إلا رجوعهم إلى تقليد أسلافهم وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم على آثارهم مقتدون (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (١١٦) أي يكذبون فإن رؤساء أهل مكة ـ منهم أبو الأحوص مالك بن عوف الجشمي ، وبديل بن ورقاء الخزاعي وجليس بن ورقاء الخزاعي ـ قالوا للمؤمنين : إن ما ذبح الله خير مما تذبحون أنتم بسكاكينكم.
وروي أن المشركين قالوا للنبيّ : أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال : «الله قتلها» (١). قالوا : أنت تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتلها الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١١٧) أي فإن هؤلاء الكفار كاذبون في ادعاء اليقين والله عالم بكونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل ، أي فإنك إذا عرفت ذلك ففوّض أمرهم إلى خالقهم لأنه عالم بالمهتدى والضلال فيجازي كل واحد بما يليق بعمله (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) (١١٨) وهذا أمر متفرع من النهي عن اتباع المضلين ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم. فقال الله للمسلمين : إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٣ : ٤٢) ، والطبري في التفسير (٨ : ١٣).
ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله خاصة لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه. (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) أي وأيّ سبب حاصل لكم في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأن تأكلوا من غيره. والحال أنه قد بيّن لكم ما حرم عليكم بقوله تعالى : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) [الأنعام : ١٤٥] فهذا وإن كان متأخرا في التلاوة فلا يمنع أن يكون هو المراد لأن التأخر في هذا قليل. وأيضا التأخر في التلاوة لا يوجب التأخر في النزول ، أو بقوله تعالى في أول سورة المائدة : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة : ٣] الآية. لأن الله تعالى علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول. (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) أي إلا ما دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة مما حرم عليكم فهو حلال لكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ببناء «فصل» و «حرم» للمفعول. ونافع وحفص عن عاصم ببنائهما للفاعل. وحمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ببناء الفعل الأول للفاعل وبناء الثاني للمفعول (وَإِنَّ كَثِيراً) من الذين يناظرونكم في إحلال الميتة ويقولون لما حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى وهم أبو الأحوص وأصحابه ، أو ممن اتخذ البحائر والسوائب وهو عمرو بن لحي فمن دونه من أضرابه فإنه أول من غير دين إسماعيل (لَيُضِلُّونَ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء. والباقون بفتحها (بِأَهْوائِهِمْ) أي بسبب اتباعهم شهواتهم (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي ملتبسين بغير علم مأخوذ من الشريعة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (١١٩) أي الذين تجاوزوا الحق إلى الباطل (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) أي اتركوا الإعلان بالزنا والاستسرار به وأهل الجاهلية يعتقدون حل السر منه.
وقال ابن الأنباري أي وذروا الإثم من جميع جهاته (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ) في الدنيا (سَيُجْزَوْنَ) في الآخرة (بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ) (١٢٠) أي يكسبون إن لم يتوبوا وأراد الله عقابهم. أما إذا تاب المذنب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وإذا لم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله. (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) وهو الميتة وما ذبح على ذكر الأصنام (وَإِنَّهُ) أي الأكل مما لم يذكر اسم الله بغير ضرورة أو إن ما ذكر عليه اسم غير الله (لَفِسْقٌ) أي خروج عما يحل وأجمع العلماء على أن أكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق.
وروي عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : أنه قال : «ذكر الله مع المسلم سواء قال : أو لم يقل ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب». (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ) أي إن إبليس وجنوده وسوسوا إلى المشركين. أو المعنى أن مردة المجوس من أهل فارس كتبوا إلى مشركي قريش ، وذلك لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس فكتبوا إلى قريش أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله
ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (لِيُجادِلُوكُمْ) في أكل الميتة (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) في استحلال الميتة (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (١٢١).
قال الزجاج : وهذا دليل على أن كل من أجل شيئا مما حرم الله تعالى أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى فهو مشرك وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى وهذا هو الشرك (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) أي أو من كان كافرا فهديناه إلى الإيمان (وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً) عظيما وهو نور الوحي الإلهي (يَمْشِي بِهِ) أي بسببه (فِي النَّاسِ) أي فيما بين الناس آمنا من جهتهم (كَمَنْ مَثَلُهُ) أي صفته (فِي الظُّلُماتِ) أي ظلمات الكفر والطغيان وعمى البصيرة (لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) أي من تلك الظلمات. فإذا دام الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية يعسر إزالتها عنه ، وإنما جعل الكفر موتا لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، والكافر ميتا لأنه لا يهتدي إلى شيء كالجاهل (كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٢) أي مثل تزيين المؤمنين بالإيمان والنور زين من جهة الله بطريق الخلق ومن جهة الشياطين بطريق الزخرفة للكافرين ما استمروا على عمله.
قال زيد ابن أسلم والضحاك : نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. وقال ابن عباس : إن أبا جهل رمى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بفرث فأخبر بذلك حمزة عند قدومه من صيد والقوس بيده وهو لم يؤمن يومئذ فعمد إلى أبي جهل وجعل يضرب رأسه بالقوس ، فقال له أبو جهل وقد تضرع إليه : يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا! فقال حمزة : أنتم أسفه الناس تعبدون الحجارة من دون الله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم حمزة يومئذ فنزلت هذه الآية (وَكَذلِكَ) أي وكما جعلنا في مكة صناديدها رؤساء ليمكروا فيها (جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) من سائر القرى (أَكابِرَ مُجْرِمِيها) و «أكابر» مفعول ثان و «مجرميها» مفعول أول والظرف لغو وهو متعلق بنفس الفعل قبله أي جعلنا في كل بدة فساقها عظماء (لِيَمْكُرُوا فِيها) أي ليفعلوا المكر فيها وهذا دليل على أن الخير والشر بإرادة الله ، وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الباطل على الناس من غيرهم ، وإنما حصل ذلك لأجل رئاستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم.
وقال مجاهد : جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر يصرفون الناس عن الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم ويقولون لكل من يقدم : هو كذاب ساحر كاهن ، فكان هذا مكرهم (وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ) أي وما يحيق شر مكرهم إلا بهم (وَما يَشْعُرُونَ) (١٢٣) بذلك أصلا بل يزعمون أنهم
يمكرون بغيرهم. (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ) أي وإذا جاءت مشركي العرب ـ الوليد بن المغيرة وعبد يا ليل ، وأبا مسعود الثقفي ـ آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلىاللهعليهوسلم وتخبرهم بصنيعهم قالوا : لن نصدقك حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فيخبرنا أنك رسول الله صادق. قال تعالى ردا عليهم : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) أي الله أعلم من يليق بإرسال جبريل إليه لأمر من الأمور ، وهذا إعلام بأنهم لا يستحقون ذلك التشريف. وهذا المعنى قول الحسن ومنقول عن ابن عباس. وقيل : معنى الآية وإذا جاءتهم آية على صدق النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قالوا : لن نؤمن برسالته أصلا حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل إيتاء رسل الله. قال تعالى : إنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ، ويعلم من لا يستحقها وأنتم لستم أهلا لها ، ولأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها خصوصا لمن عنده حسد ومكر وغدر.
وقرأ حفص وابن كثير رسالته على التوحيد. والباقون على الجمع ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين ، وهذا دعاء عظيم يدعى به بينهما وهو : «اللهم من الذي دعاك فلم تجبه ، ومن الذي استجارك فلم تجره ومن الذي استعان بك فلم تعنه ومن الذي توكل عليك فلم تكفه ، يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه ، بك أستغيث أغثني يا مغيث ، واهدني هداية من عندك ، واقض حوائجنا واشف مرضانا ، واقض ديوننا ، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا بحق القرآن العظيم والرسول الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين» (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) أي أشركوا. وليدا أو أصحابه بقولهم : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله (صَغارٌ) أي حقارة (عِنْدَ اللهِ) أي في الآخرة فلا حاكم فيها ينفذ حكمه سواه (وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ) (١٢٤) أي بسبب مكرهم بقولهم ذلك وحسدهم للنبي وتكذيبهم له (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) أي يرشده لدينه (يَشْرَحْ صَدْرَهُ) أي قلبه (لِلْإِسْلامِ) أي لقبول الإسلام (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ) أي يتركه كافرا (يَجْعَلْ صَدْرَهُ) أي قلبه (ضَيِّقاً) كضيق الزج في الرمح.
قرأه ابن كثير ساكنة الياء. والباقون مشددة الياء مكسورة (حَرَجاً). قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بكسر الراء أي شديد الضيق. والباقون بفتحها أي مثل المواضع الكثيرة الأشجار المشتبكة التي لا طريق فيها فلا يصل إليها راعية ولا وحشية (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) أي كأنه يكلف الصعود إلى السماء. قرأه ابن كثير ساكنة الصاد ، وقرأه أبو بكر عن عاصم بتشديد الصاد وبالألف. والباقون بتشديد الصاد والعين بغير ألف ومعنى الآية فمن يرد الله أن يهديه قوّى قلبه في ما يدعوه إلى الإيمان ، بأن اعتقد أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر ، فمال طبعه إليه وقويت رغبته في حصوله ، وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر ، بأن اعتقد أن شر الإيمان زائد وضرره راجح فعظمت النفرة
عنه فإن الكافر إذا دعي إلى الإسلام شق عليه جدا كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر على ذلك. أو المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء تكبرا عن قبول الإسلام (كَذلِكَ) أي مثل جعل الله صدرهم ضيقا (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ) أي يسلط الله الشيطان (عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (١٢٥) أي في قلوبهم (وَهذا) أي كون الفعل متوقفا على الداعي الحاصل من الله تعالى (صِراطُ رَبِّكَ) أي لأن العلم بذلك يؤدي إلى العلم بتوحيد الله (مُسْتَقِيماً) فكل فعل العباد بقضاء الله تعالى وقدره (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ) أي قد ذكرناها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر (لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (١٢٦) فيعلمون أن كل ما يحدث من الحوادث خيرا كان أو شرا بقضاء الله تعالى لأنه لا يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا المرجح وهو الله تعالى (لَهُمْ دارُ السَّلامِ) أي للمتذكرين دار الله المنزه عن النقائص وهي الجنة (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي أنها معدة عنده تعالى موصوفة بالشرف إلى حيث لا يعرف كنهها غيره تعالى (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) أي متكفل لهم بجميع مصالحهم في الدين والدنيا (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٧) أي بسبب أعمالهم الصالحة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) قلنا (يا مَعْشَرَ الْجِنِ).
وقرأ حفص بالياء أي يوم يحشر الله الخلق جميعا يقول : يا جماعة الشياطين (قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) أي قد أكثرتم من إغواء الإنس (وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ) أي وقال الذين أطاعوا الشياطين الذين هم الإنس : (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) فاستمتاع الإنس بالشياطين هو أن الشياطين كانوا يدلون الإنس على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ، ويسهّلون تلك الأمور عليهم واستمتاع الشياطين بالإنس هو أن الإنس كانوا يطيعون الشياطين فيما يأمرونهم به وينقادون لحكمهم (وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) أي أدركنا وقت موتنا الذي عينته لنا (قالَ) تعالى : (النَّارُ مَثْواكُمْ) أي منزلكم يا جماعة الجن والإنس (خالِدِينَ فِيها) أي في النار منذ تبعثون (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) من مقدار حشرهم من قبورهم ومن مقدار محاسبتهم (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (١٢٨) أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة (وَكَذلِكَ) أي مثل تمكين الشياطين من إضلال الإنس (نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ) من الإنس (بَعْضاً) آخر منهم (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٢٩) أي بسبب كون ذلك البعض مكتسبا للظلم.
قال علي رضياللهعنه : لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر فأنكروا قوله : أو جائز. فقال : نعم ، يؤمن السبيل ويمكن من إقامة الصلوات وحج البيت.
وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شر ولّى أمرهم شرارهم. وروي أن أبا ذر سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم الإمارة فقال له : إنك ضعيف وإنها لأمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها. (يا مَعْشَرَ
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) والصحيح أن الرسل إنما كانت من الإنس خاصة وقد قام الإجماع على أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم مرسل للإنس والجن. والمراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين. فالمراد بالرسل ما يعم رسل الرسل ، فالله تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين ، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) أي يتلونها عليكم مع التوضيح (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) أي ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم الحشر الذي عاينوا فيه ما أعد لهم من أفانين العقوبات الهائلة (قالُوا) عند ذلك التوبيخ الشديد (شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) أن الرسل أتونا قد بلغوا الرسالة وأنذرونا عذاب يومنا هذا (وَ) إنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) أي اغتروا من الدنيا بما في الزهرة والنعيم (وَشَهِدُوا) في الآخرة (عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا) في الدنيا (كافِرِينَ) (١٣٠) فيهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم أقروا على أنفسهم بالكفر في عاقبة أمرهم (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ) (١٣١) أي شهادتهم على أنفسهم بالكفر ثابت لانتفاء كون ربك مهلك القرى بسبب ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه برسول وكتاب. أو المعنى إرسال الرسل ثابت لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى ملتبسين بظلم وهم غافلون عن تبليغ الرسل وعن أمرهم ونهيهم (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أي ولكل عامل من الجن والإنس مراتب من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٣٢) أي فلا يترك شيئا مما يستحق كل عامل من الفريقين من الجزاء فيجزي كلا بما يليق به من ثواب أو عقاب.
وقرأ ابن عامر وحده «تعملون» على الخطاب (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) أي إن تخصيص الله المطيعين بالثواب والمذنبين بالعذاب ليس لأجل أنه تعالى محتاج إلى طاعة المطيعين أو ناقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ومع كونه تعالى غنيا فإن رحمته عامة كاملة. ومن رحمته تعالى على الخلق ترتيب الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. ومن رحمته تعالى إرسال الرسل وعدم استئصالهم بالهلاك بذنوبهم في وقت واحد (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أيها العصاة (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) أي ويوجد من بعد إذهابكم خلقا آخر مخالفا للجن والإنس فتخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) (١٣٣) أي وينشئ الله إنشاء كائنا كإنشائكم من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم في العصيان. أي فكما أن الله تعالى قادر على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة كذلك قادر على تصويرهم بصورة مخالفة لها (إِنَّ ما تُوعَدُونَ) من مجيء الساعة (لَآتٍ) أي لواقع لا بد لأنهم كانوا ينكرون القيامة
وكل ما تعلق بالوعد من الثواب والعقاب فهو آت لا محالة (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (١٣٤) أي لستم بخارجين عن قدرتنا وحكمنا. (قُلْ) يا أشرف الخلق لكفار قريش : (يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) أي على أقصى إمكانكم واستطاعتكم واثبتوا على حالتكم من الكفر والعداوة (إِنِّي عامِلٌ) بما أمرت به من الثبات على حالتي من الإسلام والمصابرة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) أي فسوف تعرفون أي أحد الفريقين له العاقبة المحمودة وهي الاستراحة واطمئنان الخاطر أنحن أم أنتم وذلك حاصلة في الجنة.
وقرأ حمزة والكسائي «من يكون» بالياء (إِنَّهُ) أي الشأن (لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (١٣٥) أي لا يفوز الكافرون بمطالبهم ألبتة فلا ينجون من عذاب الله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ) أي عين كفار مكة لله مما خلقه من الحرث والأنعام ، وكذا من الثمار وسائر أموالهم نصيبا يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ونصيبا من ذلك لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحون ذبائح عندها فقالوا : هذا لله بكذبهم في جهة أنه تعالى يستحق ذلك من جهتهم لا في وجه التقرب به إليه وهذا لآلهتنا ، ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم فأعطوا نصيب الله لسدنة الأصنام ، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها فلم يصرفوه للمساكين بل يصرفونه للسدنة وكان إذا أصابهم قحط استعانوا بما جعلوه وأكلوا منه ووفروا ما جعلوه لآلهتهم ولم يأكلوا منه فإذا هلك ما جعلوه لها أخذوا بدله مما جعلوه لله ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها وإن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم وقالوا : إنه فقير (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (١٣٦) أي بئس الذي يحكمون حكمهم من أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب الله ومن أنهم جعلوا شيئا لغير الله تعالى مع أن الله تعالى الخالق للجميع ومن أنهم أحدثوا الحكم من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع (وَكَذلِكَ) أي مثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة الأموال بين الله والآلهة (زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ) بوأد إناثهم ونحر ذكورهم (شُرَكاؤُهُمْ) أي أولياؤهم من الشياطين ومن السدنة.
قرأ العامة زين مبنيا للفاعل. وقتل نصبا على المفعولية وأولادهم خفضا بالإضافة وشركاؤهم رفعا على الفاعل. أي وهكذا زين لهم شياطينهم قتل أولادهم فأمروا بأن يئدوا بناتهم خشية الفقر والسبي وبأن ينحروا ذكورهم لآلهتهم ، فكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم. كما حلف عبد المطلب لينحرن عبد الله. وقرأ ابن
عامر وحده «زين» مبنيا للمفعول و «قتل» رفعا على الفاعلية ، وأولادهم نصبا على المفعولية وشركائهم خفضا على إضافة المصدر إلى فاعله أي زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم وهذه القراءة متواترة صحيحة ، فقد قرأ ابن عامر على أبي الدرداء ، وواثلة بن الأسقع ، وفضالة بن عبيد ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة المخزومي. وقرأ أيضا على عثمان وولد هو في حياة رسول الله صلىاللهعليهوسلم (لِيُرْدُوهُمْ) أي يهلكوهم بالإغواء (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ) أي وليخلطوا عليهم من دين إسماعيل عليهالسلام أي ليدخلوا عليهم الشك في (دِينَهُمْ) لأنهم كانوا على دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق ، واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ) أي ما فعل كثير من المشركين قتل الأولاد بدفن البنات في حياتها وبنحر الأولاد الذكور للأصنام (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) (١٣٧) أي فاتركهم وكذبهم في قولهم : إن الله يأمرهم بقتل أولادهم فإن في ما شاء الله تعالى حكما بالغة وذلك دليل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى (وَقالُوا) أي المشركون الذين قسموا نصيب آلهتهم أقساما ثلاثة (هذِهِ) أي التي جعلناها للآلهة (أَنْعامٌ وَحَرْثٌ) أي زروع (حِجْرٌ) أي محرمة (لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ) أي لا يأكل هذه الأنعام والحرث إلا خدمة الأوثان والرجال دون النساء (بِزَعْمِهِمْ) أي قالوا : ما ذكر ملتبسين بكذبهم ومن غير حجة (وَ) هذه (أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها) وهي البحائر والسوائب والحوامي والوصائل (وَ) هذه (أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا) إذا ركبت وإذا حملت ، وإذا ذبحت ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله تعالى (افْتِراءً عَلَيْهِ) وهذا إما مفعول له وعامله قالوا أو حال من ضميره أو مصدر مؤكد له لأن قولهم ذلك هو الافتراء (سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ) (١٣٨) أي إن الله سيكافئهم بسبب تقولهم عليه (وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ) أي ما ولد من البحائر والسوائب حيا حلال للذكور خاصة ومحرم على جنس أزواجنا وهي الإناث وما ولد منها ميتا أكله الرجال والنساء جميعا (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أي سيوصل الله لهم جزاء ذنوبهم وهو وصفهم بالتحليل والتحريم. فالواصف بذلك عمرو بن لحي وقدر رآه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في جهنم يجر قصبه من دبره وكان يعلمهم تحريم الأنعام (إِنَّهُ حَكِيمٌ) في التحليل والتحريم (عَلِيمٌ) (١٣٩) في وصفهم بذلك (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ) بالوأد للبنات وبالنحر للذكور (سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ) وهم ربيعة ومضر وأمثالهم من العرب وبنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب هذا الخسران لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد فإذا سعى في إبطاله استحق الذم العظيم في الدنيا ، لأن الناس يقولون : قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه والعقاب العظيم في الآخرة وسببه خفة العقل لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر والقتل أعظم ضررا منه ، والقتل ناجز والفقر موهوم وهذه السفاهة إنما نشأت من الجهل الذي هو أعظم المنكرات.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد التاء (وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) (١٤٠) فإن تحريم الحلال من أعظم أنواع الحماقة لأنه يمنع نفسه تلك المنافع ويستحق ذلك المنع أعظم أنواع العقاب أو أن الجراءة على الله أعظم الذنوب وهم قد ضلوا عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا ولم يحصل لهم الاهتداء قط (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) أي وهو الذي خلق بساتين مرفوعات على ما يحملها من العروش والساق وملقيات على وجه الأرض ويقال : معروشات أي وهو ما غرسه الناس في البساتين وغير معروشات وهو ما أنبته الله في الجبال والبراري (وَ) أنشأ (النَّخْلَ وَالزَّرْعَ) أي جميع الحبوب التي يقتات بها (مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) أي مختلف المأكول من كل منهما في الهيئة والطعم (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) أي أنشأ شجرهما (مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) في اللون أو الطعم (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) أي ثمر كل واحد من ذلك (إِذا أَثْمَرَ) ولو قبل النضج.
وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم من ثمره (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء أي اعزموا على إيتاء الزكاة لكل من الزروع والثمار يوم الحصاد ، ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء وإنما يجب إخراج الزكاة بعد التصفية والجفاف والأمر بإيتائها يوم الحصاد لئلا يؤخر عن وقت إمكان الأداء وليعلم أن وجوبها بالإدراك ولو في البعض لا بالتصفية. والمعنى آتوا حق كل ما وجب يوم الحصاد بعد التصفية وفائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وإدراكه وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كما قاله أبو حنيفة ويقتضي ثبوت حق في القليل والكثير فالعشر واجب في القليل والكثير كما قاله أبو حنيفة (وَلا تُسْرِفُوا) أي لا تجاوزوا الحد في الإعطاء والبخل حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وتعطوا كله.
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله هذه الآية ولا تسرفوا وقد جاء في الخبر : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» (١) (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (١٤١) فكل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار (وَ) أنشأ (مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً) أي ما يحمل الأثقال (وَفَرْشاً) أي ما يفرش للذبح أو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي كلوا بعض ما رزقكم الله وهو
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الزكاة ، باب : أيّ الصدقة أفضل ، ومسلم في كتاب الزكاة ، باب : ٤١.
ما أحل الله لكم من الحرث والأنعام (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) أي ولا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان بتحريم الحرث والأنعام (إِنَّهُ) أي الشيطان (لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (١٤٢) أي ظاهر العداوة فقد أخرج آدم من الجنة. وقال : لأحتنكن ذريته إلا قليلا (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) أي أصناف أربعة ذكور من كل من الإبل والبقر والغنم ، وأربعة إناث كذلك وهذا بدل من حمولة وفرشا (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ) بدل من ثمانية أزواج أي أنشأ من الضأن زوجين الكبش والنعجة (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) أي من المعز زوجين التيس والعنز (قُلْ) لهم إظهارا لانقطاعهم عن الجواب (آلذَّكَرَيْنِ) من ذينك النوعين وهما الكبش والتيس (حَرَّمَ) أي الله تعالى كما تزعمون أنه هو المحرم (أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) وهما النعجة والعنز (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ) أي أم ما حملت به إناث النوعين حرم الله تعالى ذكرا كان أو أنثى (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) أي أخبروني بعلم ناشئ عن طريق الإخبار من الله بأنه حرم ما ذكر (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٤٣) في دعواكم إن الله حرم بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ) أي وأنشأ من الإبل اثنين الجمل والناقة (وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) ذكرا وأنثى (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ) من ذينك النوعين (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهذا) أي بل أكنتم حاضرين حين أمركم الله بهذا التحريم. والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) أي لا أحد أظلم ممن تعمد على الله كذبا بنسبة التحريم إليه.
قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحقّ هذا الوعيد الشديد فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق (لِيُضِلَّ النَّاسَ) عن دين الله (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من فاعل يضل أي ملتبسا بغير علم بما يؤدي بهم إليه أو حال من فاعل افترى. أي افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى. أي فمن افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى مع احتمال الصدور عنه كان أظلم ظالم فما ظنك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدر عنه (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٤٤) أي لا يهدي أولئك المشركين أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) أي قل يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يحكمون بالحلال والحرام من عند أنفسهم لا أجد في القرآن طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها على آكل بأكله من ذكر أو أنثى (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً).
قرأ ابن كثير وحمزة «تكون» بالتأنيث «ميتة» بالنصب على تقدير إلا أن تكون المحرمة ميتة. وقرأ ابن عامر «تكون» بالتأنيث «ميتة» بالرفع على معنى إلا أن توجد ميتة أو إلا أن تكون
هناك ميتة. وقرأ الباقون «يكون» بالتذكير «ميتة» بالنصب أي إلا أن يكون ذلك المحرم ميتة. وعلى قراءة ابن عامر يكون ما بعد هذا معطوفا على أن يكون الواقعة مستثناة أي إلا حدوث ميتة (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) أي جاريا كالدماء التي في العروق لا كالطحال والكبد (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ) أي الخنزير (رِجْسٌ) أي نجس فكل نجس يحرم أكله (أَوْ فِسْقاً) أي ذبيحة خارجة عن الحلال (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) أي ذبح على اسم الأصنام (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي فمن أصابه الضرورة الداعية إلى أكل الميتة (غَيْرَ باغٍ) في ذلك على مضطر مثله (وَلا عادٍ) أي متجاوز قدر الضرورة وهو الذي يسد الرمق (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤٥) أي فلا يؤاخذه ربك بالأكل من ذلك لأنه مبالغ في المغفرة والرحمة (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) أي وحرمنا على اليهود كل ذي مخلب وبرثن (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) وهو شحم الكرش والكلى (إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما) أي إلا الشحم الذي حملته ظهورهما (أَوِ الْحَوايا) أي أو إلا الشحم الذي حملته المباعر (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) أي أو إلا شحما مختلطا بعظم مثل شحم الألية فإنه متصل بالعصعص فتلخص أن الذي حرم عليهم من الشحوم هو شحم الكرش والكلى وأن ما عدا ذلك حلال لهم (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ) أي ذلك التحريم عاقبناهم بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (١٤٦) في الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم وهم كاذبون في قولهم حرم ذلك إسرائيل على نفسه بلا ذنب منا فنحن مقتدون به (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) أي فإن كذبك اليهود في الحكم المذكور ، أو كذبك المشركون في ادعاء النبوة والرسالة وفي تبليغ هذه الأحكام (فَقُلْ) لهم : (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ) أي عقابه إذا جاء وقته (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (١٤٧) الذين كذبوك فيما تقول. وقيل : المعنى ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) عنادا لا اعتذارا عن ارتكاب هذه القبائح (لَوْ شاءَ اللهُ) عدم إشراكنا وعدم تحريمنا (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ) ففعلنا حق مرضى عند الله تعالى ولولا أنه تعالى رضي ما نحن فيه لحال بيننا وبينه (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي مثل ما كذبك هؤلاء في أن الله منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كذب كفار الأمم الماضية أنبياءهم ، فكل من كذب نبيا قال الكل بمشيئة الله تعالى فهذا الذي أنا فيه من الكفر إنما حصل بمشيئة الله تعالى فلم يمنعني منه ، وفي قراءة بتخفيف كذب أي مثل كذبهم في قولهم : إن ما فعلوه حق مرضي عند الله تعالى كذب من قبلهم في ذلك (حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا) أي عذابنا الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم الرسل وبكذبهم في قولهم إن الله أمرنا بالشرك (قُلْ) لهؤلاء المشركين : (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ) أي بيان على ما تقولون من تحريم ما حرمتم ومن أن الله راض بشرككم (فَتُخْرِجُوهُ) أي فتظهروه (لَنا) كما بينا لكم خطأ قولكم وفعلكم
(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) أي ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (١٤٨) أي وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على الله تعالى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) أي قل لهم إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة الواضحة التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل (فَلَوْ شاءَ) هدايتكم جميعا إلى الحجة البالغة (لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (١٤٩) ولكن لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض. (قُلْ) يا أكرم الرسل لهم : (هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا) أي أحضروا قدوتكم الذين ينصرون قولكم إن الله حرم الذي حرمتموه (فَإِنْ شَهِدُوا) بعد حضوهم بأن الله حرم ذلك (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي فلا تصدقهم فيما يقولون بل بيّن لهم فساده لأن السكوت قد يشعر بالرضا (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (١٥٠) أي إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت أهواءهم فهم كذبوا بالقرآن ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت ويجعلون لله تعالى عديلا. (قُلْ) يا أكرم الرسل لمن سألك أي شيء حرم الله وهم مالك بن عوف وأصحابه : (تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) في الكتاب الذي أنزل ، «على» مفسرة لفعل التلاوة (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ) أي بربكم (شَيْئاً) من الإشراك (وَبِالْوالِدَيْنِ) أي وأحسنوا بهما (إِحْساناً) ولم يقل الله ولا تسيئوا الوالدين لأن مجرد عدم تلك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) أي من خوف الفقر وكانوا يدفنون البنات أحياء فبعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الفقر وهذا هو السبب الغالب فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله : (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي أولادكم (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) أي الزنا (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم ، وجمع الفواحش للنهي عن أنواعها ولذلك ذكر ما أبدل عنها بدل اشتمال ، وتوسيط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقا ، لأنه في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات. وقد قال صلىاللهعليهوسلم في حق العزل : «ذاك وأد خفي» (١). (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) قتلها بكونها معصومة بالإسلام أو بالعهد (إِلَّا بِالْحَقِ) أي إلا قتلا ملتبسا بالحق وهو أن يكون القتل للقصاص أو للردة أو للزنا بشرطه (ذلِكُمْ) أي التكاليف الخمسة (وَصَّاكُمْ بِهِ) أي أمركم به ربكم أمرا مؤكدا (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (١٥١) أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي إلا بالخصلة التي هي أحسن لليتيم كحفظه وتحصيل الربح به (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي قوته مع الرشد
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب النكاح ، باب : ١٤١ ، وابن ماجة في كتاب النكاح ، باب : الغيل ، وأحمد في (م ٦ / ص ٣٦١).
ومبدؤه من البلوغ وانتهاؤه إلى الثلاثة والثلاثين (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أي أتموا الكيل بالمكيال والوزن بالميزان بالعدل من غير نقصان من المعطي ومن غير طلب الزيادة من صاحب الحق (لا نُكَلِّفُ نَفْساً) عند الكيل والوزن (إِلَّا وُسْعَها) أي إلا طاقتها في الإيفاء والعدل فإن الواجب في إيفاء الكيل والوزن هو القدر الممكن في إيفائهما أما التحقيق فغير واجب (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) أي ولو كان القول على ذي قرابة منكم فإذا دعا شخص إلى الدين وأقام الدليل عليه ذكر الدليل ملخصا عن الزيادة بألفاظ معتادة ، وإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلا ينقص عن القدر الواجب ولا يزيد في الإيذاء والإيحاش ، وإذا حكى الحكايات فلا يزيد فيها ولا ينقص عنها ، وإذا بلغ الرسالات عن الناس فيجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان ، وإذا حكم فيجب أن يحكم بالعدل وأن يسوى في القول بين القريب والبعيد وذلك لطلب رضا الله تعالى (وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا) أي أتموا ما عاهدتم الله عليه من الأيمان والنذور وغيرهما (ذلِكُمْ) أي التكاليف الأربعة (وَصَّاكُمْ بِهِ) أي أمركم به أمرا مؤكدا (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (١٥٢) ولما كانت التكاليف الخمسة في الآية الأولى أمورا ظاهرة مما يجب تفهمها ختمت بقوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ولما كانت هذه التكاليف الأربعة غامضة لا بدّ فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وحصل ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء خمسة بصيغ النهي وأربعة بصيغ الأمر وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار (وَأَنَّ هذا) أي الذي بيّنه الرسول صلىاللهعليهوسلم من دين الإسلام (صِراطِي) أي ديني (مُسْتَقِيماً) أي لا اعوجاج فيه.
قرأ ابن عامر و «أن هذا» بفتح الهمزة وسكون النون ، فأصلها وأنه هذا فالهاء ضمير الشأن والحديث وهو اسم إن والجملة التي بعده خبره. وقرأ حمزة والكسائي و «إن» بكسر الهمزة وتشديد النون فالتقدير اتل ما حرم واتل إن هذا بمعنى قل. وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون والتقدير واتل عليهم إن هذا صراطي مستقيما (فَاتَّبِعُوهُ) أي هذا الصراط (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) المخالفة لدين الإسلام (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) أي فتميل بكم هذه السبل عن سبيل الله الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام. وعن ابن مسعود قال : خط لنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوما خطا ثم قال : «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : «هذه سبل على كل منها شيطان يدعو إليها» (١) (ذلِكُمْ) أي اتباع دين الله (وَصَّاكُمْ بِهِ) في الكتاب (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٥٣) اتباع الكفر والضلالات (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) أي ثم بعد تعديد المحرمات وغيرها من
__________________
(١) رواه الدارمي في المقدمة ، باب : في كراهية أخذ الرأي ، وأحمد في (م ١ / ص ٤٣٥).
الأحكام إني أخبركم أنا أعطينا موسى التوراة (تَماماً) أي لأجل تمام نعمتنا (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي على من أحسن العمل بأحكامه كما يدل عليه قراءة عبد الله على الذين أحسنوا. وقرأ يحيى بن يعمر بالرفع بحذف المبتدأ أي على الذي هو أحسن دينا كقراءة من قرأ مثلا ما بعوضة بالرفع (وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) أي ولبيان كل ما يحتاج إليه في الدين فيدخل في ذلك بيان نبوة سيدنا محمد ودينه (وَهُدىً) من الضلالة (وَرَحْمَةً) من العذاب (لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (١٥٤) أي لكي يؤمن بنو إسرائيل بلقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب (وَهذا) أي الذي تلوت عليكم (كِتابٌ) أي قرآن (أَنْزَلْناهُ) إليكم بلسانكم (مُبارَكٌ) أي كثير المنافع دينا ودنيا لا يتطرق إليه النسخ (فَاتَّبِعُوهُ) أي فاتبعوا يا أهل مكة ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام (وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١٥٥) أي اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة (أَنْ تَقُولُوا) أي أنزلناه كراهة أن تقولوا يوم القيامة (إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ) وهو التوراة والإنجيل (عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا) وهم اليهود والنصارى (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ) (١٥٦) أي وإنه كنا عن قراءتهم لجاهلين فلا ندري ما في كتابهم إذا لم يكن بلغتنا. والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة على أهل مكة بإنزال القرآن على سيدنا محمد كي لا يقولوا يوم القيامة : إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى ولا نعلم ما فيهما ، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم (أَوْ تَقُولُوا) أي لا عذر لكم في القيامة بقولكم (لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ) كما أنزل على اليهود والنصارى (لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) أي أصوب دينا منهم وأسرع إجابة للرسول منهم (فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ) أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم قرآن من ربكم فإنه بيان فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا وهو نعمة في الدين (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها) أي لا أحد أجرأ على الله ممن كذب بالقرآن ومحمد صلىاللهعليهوسلم ومال عن (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ) أي شدته (بِما كانُوا يَصْدِفُونَ) (١٥٧) أي بسبب إعراضهم (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي ما ينتظر أهل مكة إلا أحد هذه الأمور الثلاثة أي فلا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور.
وقرأ حمزة والكسائي على التذكير (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) أي بحسب ما اقترحوا بقولهم لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا. وهم كانوا كفارا ، واعتقاد الكافر ليس بحجة. وقيل : المراد بالملائكة ملائكة الموت لقبض أرواحهم وبإتيان الله تعالى إتيان كل آياته بمعنى آيات القيامة كلها. وقيل : أو يأتي ربك يوم القيامة بلا كيف (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) أي بعض علامات ربك الدالة على قرب الساعة وهي عشرة وهي العلامات الكبرى وهي الدجّال ، والدابة ، وخسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، والدخان ، وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى ، ونار تخرج مني عدن تسوق إلى المحشر (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) وهو طلوع الشمس من مغربها (لا يَنْفَعُ نَفْساً) كافرة (إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) أي قبل
إتيان بعض الآيات (أَوْ) نفسا مؤمنة عاصية توبتها لم تكن (كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) فحكم الإيمان والعمل الصالح حين طلوع الشمس من المغرب حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا ، أما من كان يومئذ مذنبا فتاب ، أو صغيرا أو مولودا بعد ذلك فإنه ينفع توبتهم وإيمانهم وعملهم كما قاله ابن عباس.
روي عن ابن عباس أنه قال : لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله غاية لتوبة عباده ، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع ، فلا يؤذن لهما ، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس ، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن فينادي بعضهم بعضا فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة ، فبينما الناس كذلك إذ نادى مناد ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما ويتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها ، وتضع كل ذات حمل حملها ، فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة.
قال عمر بن الخطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم : وما باب التوبة يا رسول الله؟ فقال : «يا عمر خلق الله بابا للتوبة جهة المغرب فهو من أبواب الجنة له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والجواهر ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلقه الله تعالى إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب». قال أبي بن كعب : يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا؟ فقال : «يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النار ، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك ، وأما الناس بعد ذلك فيحلون على الدنيا ويعمرونها ويجرون فيها الأنهار ويغرسون فيها الأشجار ، ويبنون فيها البنيان ، ثم تمكث الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة السنة منها بقدر شهر ، والشهر بقدر جمعة ، والجمعة بقدر يوم واليوم بقدر ساعة. ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئا إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة ، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد وأفضلهم من يقول لو تنحيتم عن الطريق لكان أحسن» (١).
وروي عن أنس أنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في
__________________
(١) رواه الطبري في التاريخ (١ : ٧٣).
هذه الأمة قردة وخنازير وتطوى الدواوين وتجف الأقلام لا يزاد في حسنة ولا ينقص من حسنة ، ولا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (١) (قُلِ انْتَظِرُوا) ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (١٥٨) لذلك لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة. والمراد بهذا إن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلّت بهم العقوبة اللازمة أبدا (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) أي أحزابا في الضلالة (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي لست من البحث في تفريقهم فأنت منهم بريء وهم منك برآء ، ولست من قتالهم في هذا الوقت في شيء (إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ) أي يدبره كيف يشاء يؤاخذهم في الدنيا متى شاء ويأمركم بقتالهم إذا أراد (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) (١٥٩) أي ثم يظهر الله لهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أيّ شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا ، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء. والمراد بهؤلاء المفرقين الخوارج كما أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة : «أو هم أصحاب البدع والأهواء» كما أخرجه الطبراني من حديث عائشة.
وقال قتادة : هم اليهود والنصارى كما أخرجه عبد الرزاق وكما أخرج ابن أبي حاتم عن السدي وقال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة ، وافترقت النصارى اثنين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة واستثناء الواحدة من فرق أهل الكتابين إنما هو باعتبار ما قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة» (٢). رواه أبو داود والترمذي والحاكم.
وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بالألف أي باينوا بأن تركوا بعض دين آبائهم. والباقون فرقوا بالتشديد أي اختلفوا في دينهم كما اختلف المشركون بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم يعبدون الكواكب (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ) أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) أي فله جزاء عشر أمثالها وهذا أقل ما وعد من الأضعاف فالمراد بالعشرة الأضعاف. مطلقا لا بالتحديد وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل : المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) أي بالأعمال السيئة (فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) أي الأجزاء السيئة الواحدة إن جوزي (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١٦٠) أي لا ينقصون من ثواب
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٣ : ٥٩).
(٢) رواه أبو داود في كتاب السنّة ، باب : شرح السنّة ، والترمذي في كتاب الإيمان ، باب : ١٨ ، وابن ماجة في كتاب الفتن ، باب : افتراق الأمم ، وأحمد في (م ٢ / ص ٣٣٢).
طاعتهم ولا يزادون في عقاب سيئاتهم (قُلْ) يا أشرف الخلق للمشركين الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم من أهل مكة واليهود والنصارى : (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي أرشدني ربي بالوحي وبما نصب من الآيات التكوينية في الأنفس وفي السموات والأرض إلى طريق حق (دِيناً قِيَماً) أي لا عوج فيه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر الياء مشددة. والباقون بكسر القاف وفتح الياء مخففة ، وهو مصدر كالصغر والكبر والحول والشبع أي دينا ذا قيم أي صدق (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) أي مائلا عن الضلالة إلى الاستقامة (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٦١) وقوله تعالى : (دِيناً) بدل من محل صراط لأن محله النصب على أنه مفعول ثان أو مفعول لفعل مقدر والتقدير ألزموا دينا وقوله تعالى : (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) عطف بيان لـ «دينا» و (حَنِيفاً) حال من «إبراهيم» وكذا «وما كان» فهو عطف حال على أخرى (قُلْ إِنَّ صَلاتِي) أي الصلوات الخمس (وَنُسُكِي) أي ذبيحتي وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر : ٢]. أو المعنى وكل ما تقربت به إلى الله تعالى فإن معنى الناسك من صفّا نفسه من دنس الآثام (وَمَحْيايَ وَمَماتِي) أي وما أنا عليه في حياتي وما أكون عليه عند موتي من الإيمان والطاعة (لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٦٢) أي إن صلاتي وسائر عبادتي وحياتي ومماتي كلها واقعة بخلق الله تعالى وتقديره وقضائه وحكمه (لا شَرِيكَ لَهُ) في الخلق والتقدير (وَبِذلِكَ) أي وبهذا التوحيد (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) أي المستسلمين لقضاء الله وقدره فإنه صلىاللهعليهوسلم أول من أجاب ببلى يوم العهد لسؤال الله تعالى ألست بربكم ، أو المعنى وأنا أول المنقادين لله من أهل ملتي وهذا بيان لمسارعته صلىاللهعليهوسلم إلى الامتثال بأمر الله. (قُلْ) يا أشرف الرسل للكفار الذين قالوا لك ارجع إلى ديننا (أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا) أي أأعبد ربا غير الله (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) أي والحال أن الله رب كل شيء مع أن الذين اتخذوا ربا غير الله أقروا بأن الله خالق الأشياء كما قال تعالى : (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) [الزمر : ٦٤] وأصناف المشركين أربعة عبدة الأصنام فهم معترفون بأن الله هو الخالق للسموات والأرض وللأصنام بأسرها وعبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها ، والقائلون بيزدان وأهرمن فهم معترفون بأن الشيطان محدث وأن محدثه هو الله والقائلون : بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته فهم معترفون بأن الله خالق الكل ، وإذا ثبت هذا فنقول : العقل الخالص يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب وجعل المخلوق شريكا للخالق (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) ذنبا (إِلَّا عَلَيْها) أي الإحالة كونه مستعليا عليها بالمضرة أو حالة كونه مكتوبا عليها لا على غيرها (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي ولا تحمل نفس آثمة ولا غير آثمة إثم نفس أخرى ، فلا تحمل نفس طائعة أو عاصية ذنب غيرها ، وإنما قيد في الآيات بالوازرة موافقة لسبب النزول وهو أن الوليد بن المغيرة كان يقول للمؤمنين : اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ) أي إلى مالك أموركم
(مَرْجِعُكُمْ) أي رجوعكم يوم القيامة (فَيُنَبِّئُكُمْ) يومئذ (بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (١٦٤) من الأديان في الدنيا (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) أي جعلكم يخلف بعضكم بعضا في الأرض (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ) في الشرف والرزق (فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) كثرة متفاوتة فجعل الله منهم الحسن والقبيح ، والغني والفقير ، والشريف والوضيع ، والعالم والجاهل ، والقوي والضعيف ، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى منزه عن ذلك وإنما هو لأجل الامتحان وهو المراد من قوله (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) أي ليعاملكم معاملة المختبر فيما أعطاكم من الجاه والمال والفقر أيكم يشكر وأيكم يصبر وهو أعلم بأحوال عباده منهم. والمراد من الابتلاء هو التكليف ، ثم إن المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به أو موفرا فيه فإن كان مقصرا كان نصيبه من التخويف قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ) لمن كفر به ولا يشكره ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب ، وإن كان المكلف موفرا في الطاعات كان نصيبه من الترغيب قوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٦٥) لمن راعى حقوق ما أعطاه الله تعالى كما ينبغي.
عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة يتبعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلّى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوما وليلة» (١).
__________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الصغير (١ : ٨١) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧ : ١٩) ، والسيوطي في الدر المنثور (٣ : ٢).
سورة الأعراف
مكية ، مائتان وست آيات ، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وأربعون
كلمة ، أربعة عشر ألفا وأربعمائة وستة وثلاثون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(المص) (١) قيل : هي حروف مقطعة استأثر الله بعلمها وهي سره تعالى. في كتابه العزيز (كِتابٌ) أي هذا قرآن (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي إن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي فلا يكن فيك شك من هذا الكتاب في كونه كتابا منزلا إليك من عنده تعالى. أو المعنى لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغ هذا الكتاب. مخافة أن تقصر في القيام بحقه أو مخافة أن يكذبوك (لِتُنْذِرَ بِهِ) أي بهذا الكتاب الكافرين (وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (٢) فإن النفوس البشرية على قسمين نفوس جاهلة غريقة في طلب اللذات والشهوات ، ونفوس شريفة مشرفة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في حق القسم الأول تخويف ، وفي حق القسم الثاني تنبيه (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي من كتابه وسنة رسوله (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ) أي من غير ربكم (أَوْلِياءَ) من الشياطين والكهان فيحملوكم على البدع والأهواء.
وقيل : الضمير للموصول مع حذف المضاف في أولياء أي ولا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء.
وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا (قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) (٣) أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تذكرون وما مزيدة للتوكيد. قرأ ابن عامر يتذكرون بالياء والتاء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال. والباقون بالتاء وتشديد الذال (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) أي كثير من أهل قرية أردنا إهلاكها (فَجاءَها) أي فجاء أهلها (بَأْسُنا) أي عذابنا (بَياتاً) أي نائمين في الليل كما في قوم لوط (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) (٤) أي نائمون في نصف النهار أو مستريحون فيه من غير نوم كما في قوم شعيب. والمعنى جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب فكأنه قيل للكفار : لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فإن عذاب الله إذا وقع وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم (فَما كانَ دَعْواهُمْ) أي استغاثتهم بربهم
واعترافهم بالجناية (إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا) أي عذابنا في الدنيا (إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) (٥) فأقروا على أنفسهم بالشرك والإساءة حيث لم يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم وذلك حين لم ينفعهم الاعتراف والندامة ، والمختار عند النحويين أن يكون محل أن قالوا رفعا بـ «كان» و «دعواهم» نصبا بدليل تذكير كان كقوله تعالى فما كان جواب قومه (إِلَّا أَنْ قالُوا) وقوله تعالى فكان عاقبتهما أنهما في النار وقوله تعالى وما كان حجتهم إلا أن قالوا (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) أي فلنسألن في موقف الحساب الأمم قاطبة قائلين ماذا أجبتم المرسلين (وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (٦) قائلين ماذا أجبتم وذلك للرد على الكفار إذا أنكروا التبليغ بقولهم ما جاءنا من بشير ولا نذير. فإذا أثبت الرسل أنهم لم يصدر منهم تقصير ألبتة فيتضاعف إكرام الله تعالى في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير وتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار لما ثبت أن جميع التقصير كان منهم. (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ) أي المرسلين والأمم لما سكتوا عن الجواب (بِعِلْمٍ) أي فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا (وَما كُنَّا غائِبِينَ) (٧) عنهم في حال من الأحوال فيخفى علينا شيء من أحوالهم (وَالْوَزْنُ) أي وزن الأعمال (يَوْمَئِذٍ) أي كائن يوم إذ يسأل الله الأمم والرسل (الْحَقُ) أي العدل. أو المعنى والوزن يوم إذ يكون السؤال والقص هو الحق فـ «الحق» إما صفة للوزن أو خبر له ، و «يومئذ» إما ظرف له أو خبر له (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) بسبب ثقل الحسنات في الميزان (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٨) أي الفائزون بالنجاة والثواب (وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) بسبب خفة الحسنات في الميزان أو بسبب الأعمال التي لا اعتداد بها في الوزن (فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) (٩) أي فأولئك الموصوفون بخفة الموازين الذين خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم بآياتنا والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة ، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد سروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة ، وإن كان بالضد فيزداد حزنه وخوفه في موقف القيامة ، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان فبعضهم قال : يظهر هناك نور في رجحان الحسنات ، وظلمة في رجحان السيئات. وآخرون قالوا : بل يظهر رجحان في الكفة.
قال العلماء : الناس في الآخرة ثلاث طبقات : متقون لا كبائر لهم ، وكفار ومخلطون وهم الذين يأتون الكبائر. فأما المتقون : فإن حسناتهم توضع في الكفة النيّرة ، وصغائرهم لا يجعل الله لها وزنا بل تكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر وتثقل الكفة النيرة ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته ، وأما الكافر : فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى فتبقى فارغة ، فبأمر الله تعالى بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره ، وأما الذين خلطوا فحسناتهم توضع في الكفة النيرة وسيئاتهم في الكفة المظلمة فيكون لكبائرهم ثقل فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة وإن كانت السيئات أثقل ولو
بصؤابة دخل النار إلا أن يعفو الله ، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله وأما إن كان عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة جدا فإنه يؤخذ من حسناته فيرد على المظلوم ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فيحمل على الظالم من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي جعلنا لكم يا بني آدم فيها مكانا وأقدرناكم على التصرف فيها (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) أي وجوه المنافع وهي على قسمين ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثمار وغيرها ، وما يحصل بالاكتساب وكلاهما بفضل الله وتمكينه فيكون الكل إنعاما من الله تعالى وكثرة الأنعام توجب الطاعة (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) (١٠) تلك النعمة ونعم الله على الإنسان كثيرة فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، وإنما التفاوت في أن بعضهم يكون كثير الشكر وبعضهم يكون قليل الشكر(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصوّر ثم صورناه أحسن تصوير وتحسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر (ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) سجود تعظيم (فَسَجَدُوا) أي الملائكة بعد الأمر (إِلَّا إِبْلِيسَ) فإنه أبو الجن كان مفردا مستورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في قوله تعالى للملائكة إلخ (لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (١١) لآدم (قالَ) تعالى لإبليس (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) أي ما صرفك إلى أن لا تسجد كما قال القاضي : ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه تعالى قال : ما رعاك إلى أن لا تسجد لآدم لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل على الداعي إليها (إِذْ أَمَرْتُكَ) والمشهور أن كلمة لا لتأكيد معنى النفي في منعك والاستفهام للتوبيخ ولإظهار كفر إبليس و «إذ» منصوب بـ «تسجد» أي ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به؟ (قالَ) إبليس : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) أي إنما لم أسجد لآدم لأني خير منه (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ) فهي أغلب أجزائي (وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (١٢) أي وهو أغلب أجزائه فالنار أفضل من الطين لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة مجاورة لجواهر السموات والطين مظلم سفلى كثيف بعيد عن مجاورة السموات والمخلوق من الأفضل أفضل وقد أخطأ إبليس طريق الصواب لأن النار فيها الخفة والارتفاع والاضطراب ، وأما الطين فشأنه الرزانة والحلم والتثبت ، وأيضا فالطين سبب للحياة من إنبات النبات والنار سبب لهلاك الأشياء والطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها. (قالَ) تعالى : (فَاهْبِطْ مِنْها) أي من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم أو اخرج من زمرة الملائكة المعززين (فَما يَكُونُ لَكَ) أي فما ينبغي لك (أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) أي في الجنة أو في زمرة الملائكة (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (١٣) أي من الأذلاء (قالَ أَنْظِرْنِي) أي لا تمتني (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١٤) أي آدم وذريته وهو وقت النفخة الثانية وأراد إبليس أن يأخذ ثأره منهم بإغوائهم وأن ينجو من الموت لاستحالته بعد البعث ولأنه قد تمّ عند النفخة الأولى. (قالَ) تعالى : (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) (١٥) أي من المؤجلين إلى النفخة الأولى فيموت كغيره. (قالَ) إبليس : (فَبِما أَغْوَيْتَنِي
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (١٦) أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك لأقعدن لآدم وذريته دينك الموصل إلى الجنة وهو دين الإسلام (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي فأشككهم في صحة البعث والقيامة والحساب وألقي إليهم أن الدنيا قديمة لا تفنى (وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أي أفترهم عن الحسنات وأقوي دواعيهم في السيئات. ونقل عن شقيق أنه قال : ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع فيقول من قدامي : لا تخف فإن الله غفور رحيم. فأقرأ : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) [طه : ٨٢] ، ومن خلفي يخوفني من وقوع أولادي في الفقر. فأقرأ : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) [هود : ٦] ويأتيني بالثناء من قبل يميني. فأقرأ : (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف : ١٢٨] ويأتيني بالترغيب في الشهوات من قبل شمالي. فأقرأ : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) [سبأ : ٥٤]. والحاصل أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب.
ويروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا : يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع ، فأوحى الله تعالى إليهم : إنه بقي للإنسان جهتان الفوق والتحت ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع ، غفرت له ذنب سبعين سنة (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) (١٧) أي مطيعين. وإنما قال هذا لأنه رأى منهم أن مبدأ الشر متعدد ومبدأ الخير واحد ، وذلك أنه حصل للنفس قوة واحدة تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية وهي العقل ، وتسع عشرة قوة تدعوها إلى اللذات الجسمانية والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة ، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة ، واثنان الشهوة والغضب ، وسبعة هي القوى الكامنة وهي : الجاذبة ، والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ، والنامية ، والمولدة. ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة ، فيلزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات البدنية معرضين عن معرفة الحق ومحبته (قالَ اخْرُجْ مِنْها) أي من الجنة ومن صورة الملائكة (مَذْؤُماً) أي محقورا (مَدْحُوراً) أي مبعدا من كل خير (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) أي ولد آدم (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ) أي منك ومنهم (أَجْمَعِينَ) (١٨) ففي اللام ومن في قوله تعالى : (لَمَنْ تَبِعَكَ) وجهان فالأظهر أن «اللام» لام التوطئة لقسم محذوف و «من» شرطية في محل رفع مبتدأ و «لأملأنّ» جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة ، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده. والوجه الثاني أن اللام لام الابتداء ومن موصولة وتبعك صلتها وهي في محل رفع مبتدأ و «لأملأن» جواب قسم محذوف وذلك القسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ ، والتقدير للذي تبعك منهم والله لأملأن جهنم منكم والعائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ متضمن في قوله منكم لأنه لما اجتمع ضمير غيبة وخطاب غلب الخطاب.
وروى عصمة عن عاصم «لمن تبعك» بكسر اللام على أنه حبر لأملأن. والمعنى لمن تبعك هذا الوعيد. وهذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس والله أعلم. (وَيا آدَمُ اسْكُنْ) هذه القصة معطوفة على قوله تعالى : للملائكة : (اسْجُدُوا) أي وقلنا لآدم : (يا آدَمُ اسْكُنْ) أو معطوفة على «أخرج» أي وقال : (يا آدَمُ اسْكُنْ) بعد أن أهبط إبليس وأخرجه من الجنة (أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ).
قال ابن إسحاق : خلقت حواء قبل دخول آدم الجنة. والمعنى أي ادخل فيها ، وقال ابن عباس وغيره : خلقت في الجنة بعد دخول آدم فيها لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليأنس بها والمعنى انزل في الجنة (فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) أي فكلا من ثمار الجنة في أي مكان شئتما الأكل فيه وفي أي وقت شئتما (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١٩) أي فتصيرا من الضارين لأنفسكما (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ) أي ففعل إبليس الوسوسة لأجلهما (لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) أي ليظهر لهما ما ستر عنهما بلباس النور أو بثياب الجنة من عورتهما. فـ «اللام» إما للعاقبة لأن إبليس لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط أو للعلة ، فظهور العورة كناية عن زوال الجاه فإن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم ذهاب منصبه.
وروي أن إبليس بعد ما صار ملعونا مطرودا من الجنة رأى آدم وحواء في طيب عيش ونعمة ، ورأى نفسه في مذلة ونقمة فحسدهما ـ فهو أول حاسد ـ ثم أراد أن يدخل الجنة ليوسوس لهما فمنعه الخزنة فجلس على باب الجنة ثلاثمائة سنة من سني الدنيا وهي بقدر ثلاث ساعات من ساعات الآخرة فلقي آدم مرارا كثيرة ورغّبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليهالسلام (وَقالَ) أي إبليس لآدم وحواء (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ) أي عن الأكل منها (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) أي إلا كراهة أن تكونا كملكين في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وفي قراءة شاذة «ملكين» بكسر اللام (أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) (٢٠) أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا (وَقاسَمَهُما) أي حلف لهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (٢١) في حلفي لكما (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) أي فخدعهما بزخرف من القول الباطل حتى أكلا قليلا قصدا إلى معرفة طعم ذلك الثمر لغلبة الشهوة لا لكونهما صدقا قول إبليس (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي فلما تناولا من ثمر تلك الشجرة يسيرا لمعرفة طعمه ظهر لكل منهما قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وزال عنهما ثوبهما وزال النور عنهما (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أي وجعلا يلزقان على عورتهما من ورق التين للاستحياء (وَناداهُما رَبُّهُما) يا آدم ويا حواء (أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) أي عن الأكل من ثمر هذه الشجرة (وَ) ألم (أَقُلْ لَكُما إِنَ
الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٢٢) أي ظاهر العداوة حيث أبى السجود ، كما حكى الله تعالى هذا القول في سورة طه بقوله : (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) [طه : ١١٧].
روي أنه تعالى قال لآدم : ألم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال : بلى وعزتك ، ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا. فاهبط وعلّم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث ، وسقى وحصد ، ودرس وذرى ، وعجن وخبز. (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) أي ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك من أكل الشجرة التي نهيتنا عن الأكل منها وإنما اعترف آدم بكونه ظالما لأنه ترك الأولى فإن هذا الذنب صدر عنه قبل النبوة بطريق النسيان ، ولأن القصد بذلك القول هضم النفس ونهج الطاعة على الوجه الأكمل (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٢٣) أي من المغبونين بالعقوبة. (قالَ) تعالى : (اهْبِطُوا) يا آدم وحواء وإبليس إلى الأرض فهبط آدم بسرنديب جبل في الهند وحواء بجدة وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة وبتشديد اللام (جبل بقرب البصرة) (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس وذرية كل منهما (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي مكان عيش وقبر (وَمَتاعٌ) أي انتفاع (إِلى حِينٍ) (٢٤) أي إلى انقضاء آجالكم (قالَ) تعالى : (فِيها) أي الأرض (تَحْيَوْنَ) أي تعيشون مدة حياتكم (وَفِيها تَمُوتُونَ) وتدفنون (وَمِنْها تُخْرَجُونَ) (٢٥) إلى البعث للجزاء.
قرأ حمزة والكسائي تخرجون بفتح التاء وضم الراء وكذلك في الروم والزخرف والجاثية. وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف كذلك وفي الروم والجاثية بضم التاء وفتح الراء. والباقون بضم التاء في الجميع (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) أي قد خلقنا لكم بأسباب نازلة من السماء لباسين من قطن وغيره لباسا يغطي عوراتكم من العري ولباسا يزينكم فإن الزينة غرض صحيح.
وروي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ، الرجال في النهار والنساء في الليل ويقولون : لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها. فنزلت هذه الآية تذكيرا ببعض النعم لأجل امتثال أمر الله تعالى بالحذر من قبول وسوسة الشيطان في قوله تعالى : (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ) [الأعراف : ٢٧].
والمقصود من ذكر قصص الأنبياء حصول العبرة لمن يسمعها (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ).
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب «لباس» عطفا على «لباسا» أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى وهو الإيمان كما قاله قتادة والسدي وابن جريج ، أو العمل الصالح كما قاله ابن عباس أو السمت الحسن كما قاله عثمان بن عفان أو خشية الله كما قاله ابن الزبير ، أو الحياء كما قاله معبد
والحسن ذلك أي اللباس الثالث خير لصاحبه من اللباسين الأولين لأنه يستر من فضائح الآخرة.
وقرأ الباقون و «لباس التقوى» بالرفع على الابتداء وخبره «ذلك خير». والمعنى واللباس الناشئ عن التقوى وهو اللباس الأول ، أو هو الملبوسات المعدة لأجل إقامة نحو الصلاة ذلك خير لأنه لبس المتواضع (ذلِكَ) أي إنزال اللباس (مِنْ آياتِ اللهِ) الدالة على قدرته وعظيم فضله وعميم رحمته على عباده (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٢٦) أي فيعرفون عظيم النعمة في ذلك اللباس (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) أي لا يخرجنكم الشيطان عن طاعتي بفتنته فتمنعوا من دخول الجنة إخراجا مثل إخراجه أبويكم من الجنة بفتنته بأمره لهما بمخالفة أمري فمنعا من سكنى الجنة (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) بغروره وكان اللباس من ثياب الجنة أو من نور (لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) أي ليرى آدم سوأة حواء وترى هي سوءة آدم (إِنَّهُ) أي الشيطان (يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) أي أصحابه أو من كان من نسله (مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) إذا كانوا على صورهم الأصلية لكن قد يكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض.
وقال مجاهد : قال إبليس : جعل لنا أربع : نرى ولا نرى ، نخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى. (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٧) أي إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون بمحمد والقرآن مسلطين عليهم (وَإِذا فَعَلُوا) أي العرب (فاحِشَةً) كعبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف (قالُوا) جوابا للناهي عنها معللين فعل الفاحشة بأمرين (وَجَدْنا عَلَيْها) أي على هذه الأشياء (آباءَنا) فاعتقدنا أنها طاعات واقتدينا بهم فيها (وَاللهُ أَمَرَنا بِها) فإن أجدادنا إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها (قُلْ) لهم يا أكرم الرسل (إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) فإن عادته تعالى جارية على الأمر بمحاسن الأعمال والحث على نفائس الخصال (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٢٨) أي إنكم ما سمعتم كلام الله مشافهة ولا أخذتموه عن الأنبياء لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي بالتوحيد بلا إله إلا الله (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أي واستقبلوا بوجوهكم القبلة عند كل صلاة (وَادْعُوهُ) أي اعبدوا الله بإتيان أعمال الصلاة (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (٢٩) أي كما أوجدكم الله بعد العدم يعيدكم بعده أحياء يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم (فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) أي ثبت الضلالة عليهم في الأزل والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من فاعل «بدأكم» ، و «فريقا» الثاني منصوب بفعل مقدر موافق في المعنى للمذكور المفسر أي «بدأكم» حال كونه تعالى هاديا فريقا للإيمان ومضلا فريقا. ويجوز أن تكون الجملتان الفعليتان في محل نصب على النعت «لفريقا وفريقا» ، وهذان على الحال من فاعل «تعودون» ، والعائد على المنعوت محذوف أي فريقا هداهم الله ، وفريقا حق
عليهم الضلالة ويؤيد هذا الإعراب قراءة أبي بن كعب «تعودون» فريقين فريقا هدى ، وفريقا حق عليهم الضلالة (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ) فقبلوا ما دعوهم إليه ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل (وَيَحْسَبُونَ) أي يظن أهل الضلالة (أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٣٠) بدين الله ودلت هذه الآية على أن كل من شرع في باطل فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى أو لم يحسب ذلك (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) أي البسوا ثيابكم التي تستر عوراتكم (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أي عند كل وقت طواف وصلاة (وَكُلُوا) من اللحم والدسم (وَاشْرَبُوا) من اللبن (وَلا تُسْرِفُوا) بالتعدي إلى الحرام أو بتحريم الحلال أو بالإفراط في الطعام (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) أي إنه تعالى لا يرتضي فعلهم.
قال ابن عباس : إن أهل الجاهلية من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال ، بالنهار والنساء بالليل ، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة. وقالوا : لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب ، ومنهم من يقول نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب ، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها لتستتر به عن قريش فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك ، وكانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون : يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية : (قُلْ) يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم : (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) من الثياب (الَّتِي أَخْرَجَ) الزينة (لِعِبادِهِ) من النبات كالقطن والكتان ، ومن الحيوان كالحرير والصوف ومن المعادن كالدروع (وَ) من حرم (الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) أي المستلذات من المآكل والمشارب (قُلْ هِيَ) أي الزينة والطيبات ثابتة (لِلَّذِينَ آمَنُوا) بطريق الأصالة (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) غير خالصة لهم لأنه يشركهم فيها المشركون (خالِصَةً) لهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي لا يشاركهم فيها غيرهم.
قرأ نافع خالصة بالرفع على أنه خبر بعد خبر ، أو خبر لمبتدأ محذوف أي وهي خالصة. والباقون بالنصب حال من الضمير المستكن في الخبر (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي مثل هذا التبيين نبين سائر الأحكام (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣٢) أن الله واحد لا شريك له فأحلوا حلاله وحرموا حرامه (قُلْ) للمشركين الذين يتجردون من ثيابهم في الطواف والذين يحرمون أكل الطيبات (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ) أي الزنا (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) أي جهرها وسرها (وَالْإِثْمَ) أي شرب الخمر (وَالْبَغْيَ) أي الظلم على الناس (بِغَيْرِ الْحَقِ) فالقتل والقهر بالحق ليس بغيا (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) أي وأن تسووا بالله في العبادة معبودا ليس على ثبوته حجة (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٣٣) بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه من التحريم والتحليل ، فالجنايات محصورة في خمسة أنواع :
أحدها : الجنايات على الأنساب وهي المرادة بالفواحش.
وثانيها : الجنايات على العقول وهي المشار إليها بالإثم.
وثالثها : الجنايات على النفوس ، والأموال والأعراض وإليها الإشارة بالبغي.
ورابعها : الجنايات على الأديان وهي من وجهين : إما الطعن في توحيد الله تعالى وإليه الإشارة بقوله تعالى : (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ) وإما القول في دين الله من غير معرفة وإليه الإشارة بقوله تعالى : (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) وهذه الأشياء الخمسة أصول الجنايات وأما غيرها فهي كالفروع (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) كذبت رسولها (أَجَلٌ) أي وقت معين لهلاكها (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٣٤) أي فإذا جاء وقت هلاكهم لا يتركون بعد الأجل طرفة عين ، ولا يهلكون قبل الأجل طرفة عين فالجزاء مجموع الأمرين لا كل واحد على حدته. والمعنى إن الوقت المحدود لا يتغير (يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٣٥) أي يا بني آدم إن يأتكم رسول من جنسكم ـ بني آدم ـ يبين لكم أحكامي وشرائعي فمن اتقى كل منهي واتقى تكذيبه وأصلح عمله بأن يأتي كل أمره فلا يخاف في الآخرة من العذاب ولا يحزن على ما فاته في الدنيا أما حزنه على عقاب الآخرة فيرتفع بما حصل له من زوال الخوف (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) التي يجيء بها رسولنا (وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها) أي امتنعوا من قبولها (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٣٦) لا يموتون ولا يخرجون أما الفاسق من أهل الصلاة فلا يبقى مخلدا في النار لأنه ليس موصوفا بذلك التكذيب والاستكبار (فَمَنْ أَظْلَمُ) أي أعظم ظلما (مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) أي كإثبات الشريك والولد إليه تعالى وإضافة الأحكام الباطلة إليه تعالى (أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) كإنكار كون القرآن كتابا نازلا من عند الله تعالى وإنكار نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم (أُولئِكَ يَنالُهُمْ) في الدنيا (نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا) أي ملك الموت وأعوانه (يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أي حال كونهم قابضين أرواحهم (قالُوا) لهم : (أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا ادعوها لتدفع عنكم ما نزل بكم (قالُوا ضَلُّوا) أي غابوا (عَنَّا) أي لا ندري مكانهم (وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) (٣٧) أي وأقروا عند الموت بأنهم كانوا في الدنيا عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى : (وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام : ٢٨]. لأنه من طوائف مختلفة أو في أوقات مختلفة. (قالَ) تعالى يوم القيامة : (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أي ادخلوا في النار فيما بين الأمم الكافرين الذين تقدم زمانهم زمانكم من هذين النوعين (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ) أي أهل دين في النار (لَعَنَتْ أُخْتَها) في الدين وهي التي تلبست بذلك الدين قبلها فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود ،
والنصارى النصارى ، والصابئون الصابئين ، والمجوس المجوس (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا) أي اجتمعوا (فِيها) أي النار (جَمِيعاً) وأدرك بعضهم بعضا واستقر معه (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ) أي قال آخر كل أمة لأولها (رَبَّنا هؤُلاءِ) أي الأولون (أَضَلُّونا) عن دينك بإخفاء الدلائل (فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) أي عذبهم مثل عذابنا مرتين (قالَ) تعالى لهم (لِكُلٍ) منهم ومنكم (ضِعْفٌ) فكل ألم يحصل له يعقبه ألم آخر ، إلى غير نهاية فالآلام متزايدة من غير نهاية أما القادة فلكفرهم وإضلالهم وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم (وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (٣٨).
قرأه أبو بكر عن عاصم بالغيبة أي ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر. والباقون بالتاء على الخطاب ولكن لا تعلمون أيها السائلون ما لكل فريق منكم من العذاب. أو المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك (وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ) مخاطبة لها حين سمعوا جواب الله تعالى لهم (فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) في الدنيا أي إنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب لأنكم كفرتم اختيارا لا أنا حملناكم على الكفر إجبارا فلا يكون عذابنا ضعفا (فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) (٣٩) أي تقولون وتعملون في الدنيا وهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة للأتباع وأن يكون من قول الله تعالى للجميع (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي بالدلائل الدالة على أصول الدين (وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها) أي ترفعوا عن الإيمان بها (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله ولا لأرواحهم (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) أي كما يستحيل دخول الذكر من الإبل في خرق الإبرة يستحيل دخول الكفار الجنة ويقال : حتى يدخل القلس الغليظ وهو الجبل الذي تشد به السفينة في خرق الإبرة وكل ثقب ضيق فهو سم (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) (٤٠) أي ونجزي المشركين جزاء مثل جزاء المكذبين المستكبرين من عدم فتح أبواب السماء وعدم دخولهم الجنة وإنما يدخلون النار بهذه الصفات (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) أي للذين كذبوا واستكبروا من جهنم فراش من تحتهم ومن فوقهم أغطية وهذه الآية إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.
تنبيه : تنوين غواش عوض من الياء المحذوفة على الصحيح فإن الإعلال بالحذف مقدم على منع الصرف فأصله غواشي بتنوين الصرف فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فاجتمع ساكنان الياء والتنوين ، فحذفت الياء ، ثم لوحظ كونه على صيغة مفاعل في الأصل فحذف تنوين الصرف فخيف من رجوع الياء فيحصل الثقل فأتي بالتنوين عوضا عنها ، فغواش المنون ممنوع من الصرف لأن تنوينه تنوين عوض كما علمت ، وتنوين الصرف قد حذف وإنما كان الراجح تقديم الإعلال لأن سببه ظاهر وهو الثقل وسبب منع الصرف خفي وهو مشابهة الفعل (وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (٤١) أي كالجزاء المذكور للمكذبين المستكبرين نجزي الكافرين (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٤٢) أي
والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه لا نكلف نفسا إلا ما يسهل عليها من الأعمال وما يدخل في قدرتها ولا ضيق فيه عليها وقوله تعالى : (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [الأنعام : ١٥٢]. اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس ما قبله فإنه بيان أن ذلك العمل غير خارج عن قدرتهم وتنبيه على أن الجنة مع عظم قدرها يتوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ) أي صفينا طباعهم من الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ودرجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) أي تجري في الآخرة من تحت سررهم أنهار الخمر والماء والعسل واللبن زيادة في لذتهم وسرورهم. (وَقالُوا) إذا بلغوا إلى منازلهم أو إلى عين الحيوان : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) أي للعمل الذي ثوابه هذا المنزل وهذه العين التي تجري من تحتنا (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ) أي لو لا هداية الله لنا موجودة ما اهتدينا إلى الإيمان والعمل الصالح.
قرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو كما في مصاحف أهل الشام وذلك ، لأنه جار مجرى التفسير لقوله : (هَدانا لِهذا) فلما كان أحدهما عين الآخر وجب حذف الحرف العاطف (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) هذا إقسام من أهل الجنة ، قالوا ذلك حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا تبجحا بما نالوه. أي والله لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق أي ما أخبرونا به في الدنيا من الثواب صدق فقد حصل لنا عيانا (وَنُودُوا) أي نادتهم الملائكة عند رؤيتهم الجنة من مكان بعيد (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) أي تلك الجنة التي وعدتكم الرسل بها في الدنيا فـ «أن» مفسرة لما في النداء وكذا في سائر المواضع الخمسة (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٤٣) أي أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمة الله تعالى فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل منه عليهم (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ) ـ تبجحا بحالهم وتنديما لأصحاب النار وذلك بعد استقرارهم في محالهم ـ : (أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا) على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به وبرسله وعلى طاعته (حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ) يا أهل النار (ما وَعَدَ رَبُّكُمْ) من العذاب على الكفر (حَقًّا قالُوا) أي أهل النار مجيبين لأهل الجنة (نَعَمْ).
قرأ الكسائي «نعم» بكسر العين في كل القرآن (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) قيل : هو إسرافيل. وقيل : جبريل (بَيْنَهُمْ) أي نادى مناد أسمع الفريقين (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (٤٤) (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي يمنعون الناس من قبول الدين الحق تارة بالزجر والقهر وأخرى بسائر الحيل.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم «أن لعنة» بتخفيف «أن» ورفع «لعنة». والباقون بالتشديد وبالنصب (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي يطلبون السبيل معوجة بإلقاء الشكوك في دلائل الدين الحق (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ) أي بالبعث بعد الموت (كافِرُونَ) (٤٥) أي جاحدون (وَبَيْنَهُما) أي بين الجنة والنار أو بين أهلهما (حِجابٌ) أي سور (وَعَلَى الْأَعْرافِ) أي أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار (رِجالٌ). قيل : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقيل : هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم. وقيل : هم قوم كان فيهم عجب ، وقيل : هم قوم كان عليهم دين فهذه الأقوال تدل على أن أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب. وقيل : إنهم الأشراف من أهل الثواب. وقيل : إنهم الأنبياء وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان العالي تمييزا لهم على سائر أهل القيامة. وقيل : إنهم الشهداء وهم شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية فهم يعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات وأهل العقاب وصلوا إلى الدركات كما قال تعالى : (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من أهل الجنة وأهل النار زيادة على معرفتهم بكونهم في الجنة وكونهم في النار (بِسِيماهُمْ) أي بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجه وسواده.
وقيل : إن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ، ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميّزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا (وَنادَوْا) أي رجال الأعراف (أَصْحابَ الْجَنَّةِ) أي حين رأوهم (أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) يا أهل الجنة وهذا بطريق التحية والدعاء أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره (لَمْ يَدْخُلُوها) حال من فاعل نادوا (وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (٤٦) حال من فاعل يدخلوها أي لم يدخل رجال الأعراف الجنة وهم في وقت عدم الدخول طامعون. وقيل : قوله : (لَمْ يَدْخُلُوها) مستأنف لأنه جواب سؤال سائل عن رجال الأعراف فقال : ما صنع بهم؟ فقيل : لم يدخلوها ولكنهم يطمعون في دخولها.
وقال مجاهد : أصحاب الأعراف قوم صالحون ، فقهاء علماء ، فعلى هذا القول : إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم شرفهم وفضلهم. والمراد من هذا الطمع طمع يقين أي وهم يعلمون أنهم سيدخلون الجنة (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ) أي رجال الأعراف بغير قصد (تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) أي إلى جهتهم (قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٤٧) أي كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم. والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف عن التقليد الرديء (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً) كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار (يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا) أي أصحاب الأعراف لهم وهم
في النار يا وليد بن المغيرة ، ويا أبا جهل بن هشام ، ويا أمية بن خلف ، ويا ابن خلف الجمحي ، ويا أسود بن عبد المطلب ، ويا سائر الرؤساء (ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) أي أيّ شيء دفع عنكم جمعكم في الدنيا من المال والخدم والأتباع (وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (٤٨) عن قبول الحق وعلى الناس المحقين.
وقرئ «تستكثرون» أي من الأموال والجند ، ثم زادوا على هذا التبكيت بقولهم : (أَهؤُلاءِ) الضعفاء الذين عذبتموهم في الدنيا كصهيب وبلال وسلمان وخباب وعمار وأشباههم (الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ) أي حلفتم في الدنيا يا معشر الكفار (لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ) أي لا يدخلهم الله الجنة وقد دخلوا الجنة على رغم أنوفكم. وقد قيل للذين أقسمتم على عدم دخولهم الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) بفضل الله فهذا من بقية كلام أصحاب الأعراف فهو خبر ثان عن اسم الإشارة أي أهؤلاء قد قيل لهم : ادخلوا الجنة ، فظهر كذبكم في إقسامكم ويدل على ذلك قراءتان شاذتان «ادخلوا» بالبناء للمفعول و «دخلوا». وعلى هاتين القراءتين تقع هذه الجملة خبرا ، والتقدير دخلوا الجنة مقولا في حقهم (لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ) من العذاب (وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (٤٩). وقيل : إن أصحاب الأعراف لما قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار : إن دخل هؤلاء فأنتم لم تدخلوا الجنة ، فلما عيّروهم بذلك قيل لأهل الأعراف : ادخلوا الجنة ، وقيل : يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة إلخ ، بعد أن حبسوا وشاهدوا أحوال الفريقين وقالوا لهم ما قالوا ، وعلى هذا فالمراد بأصحاب الأعراف المقصرون في العمل (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا) أي ألقوا (عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) من ثمار الجنة وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد والجوع الشديد لهم ، وعن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد فيقطع ما في بطونهم ، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية ويقولون لمالك : ليقض علينا ربك فيجيبهم بعد ألف عام ويقولون : ربنا أخرجنا منها فيجيبهم بقوله تعالى اخسئوا فيها ولا تكلمون فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في الزفير والشهيق (قالُوا) أي أهل الجنة (إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) (٥٠) أي منعهم من طعام الجنة وشرابها.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بالفرج بعد اليأس فقالوا : يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فيأذن لهم فينظرون إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم ، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار فلم يعرفوهم لسواد وجوههم فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة
بأسمائهم فينادي الرجل أباه وأخاه فيقول : يا أبي ويا أخي قد احترقت بشدة حر جهنم أفض عليّ من الماء فيقال لهم : أجيبوهم فيقولون : إن الله حرمهما على الكافرين (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً) أي باطلا (وَلَعِباً) أي فرحا فاللهو صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) أي شغلتهم بالطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه ونيل الشهوات (فَالْيَوْمَ) أي يوم القيامة (نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) أي نتركهم في عذابهم تركا مثل تركهم العمل للقاء يومهم هذا. أو المعنى نعاملهم معاملة من نسي فنتركهم في النار لأنهم أعرضوا بآياتنا. والمراد من هذا النسيان أنه تعالى لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) (٥١) أي ولكونهم منكرين بآياتنا أنها من عندنا وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة ، وقد يؤدي إلى الضلال والكفر (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ) أي هؤلاء الكفار (بِكِتابٍ) أي بقرآن أنزلناه عليك يا أكرم الرسل (فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ) أي ميزناه مشتملا على علم كثير وفصل كثير مختلف. وقد نظم بعضهم الأنواع التسعة في قوله :
|
حلال حرام محكم متشابه |
|
بشير نذير قصة عظة مثل |
وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضاد المعجمة أي «فضلناه» على غيره من الكتب السماوية عالمين بفضله (هُدىً وَرَحْمَةً) أي هاديا من الضلالة إلى الرشد وذا رحمة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٥٢) به (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي ما ينتظر أهل مكة إذ لا يؤمنون إلا عاقبة ما وعدوا به في القرآن من حلول العذاب بهم يوم القيامة (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي يوم يأتي عاقبة ما وعد لهم في القرآن وهو يوم القيامة (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ) أي أعرضوا عنه (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل إتيان ما يؤول إليه أمره وهو صدقه بما أخبر به. والمعنى أن هؤلاء الذين تركوا الإيمان بالقرآن في الدنيا يقولون يوم القيامة (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) وكذبناهم أي إنهم أقروا يوم القيامة بأن ما جاءت به الرسل من ثبوت البعث والنشر والحشر والقيامة ، والثواب والعقاب كل ذلك كان حقا (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) من العذاب اليوم (أَوْ نُرَدُّ) إلى الدنيا (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) أي لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين وهو أن يشفع لنا شفيع ، فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو أن يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية.
وقرئ شاذا بنصب «نرد» إما عطفا على «يشفعوا» فالمسؤول أن يكون لهم شفعاء لأحد الأمرين إما لدفع العذاب ، أو للرد إلى الدنيا ، وإما الدنيا ، وإما بناء على أن أو بمعنى إلى أي فالمطلوب أن يكون لهم شفعا للرد إلى الدنيا فقط. وقرئ شاذة برفع «فنعمل» أي فنحن نعمل في الدنيا غير ما كنا نعمل فيها (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بذهاب الجنة ولزوم النار (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما
كانُوا يَفْتَرُونَ) (٥٣) أي وذهب عنهم دعوى نفع الشريك فإنهم كانوا يدعون أن الأصنام التي كانوا يعبدونها شركاء الله تعالى وشفعاؤهم عنده يوم القيامة (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ). والمقصود من هذا الكلام أنه تعالى وإن كان قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا مقدرا فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه ، فهو تعالى وإن كان قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر. فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل العباد ، بل لأنه تعالى خصّ كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته وهذا معنى قول المفسرين من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على ترك العمل (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي حصل له تعالى تدبير المخلوقات على ما أراد أي بعد أن خلق السموات والأرض استوى على عرش الملك والجلال وصحّ أن يقال : إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض. بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره له بعد خلق السموات والأرض وذلك لأن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك ، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك يقال : ثل عرش السلطان أي انتقض ملكه وفسد وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا : استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه هذا ما قاله القفال ، ونظير هذا قولهم للرجل الطويل : فلان طويل النجاد. وللرجل الذي يكثر الضيافة : فلان كثير الرماد. وللرجل الشيخ : فلان اشتعل رأسه شيبا ، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ظواهرها وإنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا هنا فالمراد بذكر الاستواء على العرش هو نفاذ القدرة وجريان المشيئة.
والواجب علينا أن نقطع بكونه تعالى منزها عن المكان والجهة ، ولا نخوض في تأويل هذه الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) أي يأتي بالليل على النهار فيغطيه. واللفظ يحتمل العكس أيضا.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص «يغشى» بتخفيف الشين وهكذا في الرعد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر بالتشديد وكذا في الرعد. وقرأ حميد بن قيس «يغشى الليل النهار» بفتح ياء «يغشى» ونصب «الليل» ورفع «النهار» أي يدرك النهار الليل. (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) أي يطلب كل من الليل والنهار الآخر طلبا سريعا فأخبر الله تعالى بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة فإن بتعاقبهما يتم أمر الحياة وتكمل المنفعة والمصلحة (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) أي مذللات لطلوع وغروب ومسير
ورجوع بإذنه. وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر. والباقون بنصب الثلاثة عطفا على «السموات» ، ونصب «مسخرات» على الحال من هذه الثلاثة (أَلا لَهُ الْخَلْقُ) أي المخلوقات (وَالْأَمْرُ) أي التصرف في الكائنات وفي هذه الآية رد على من يقول من أهل الضلال إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم (تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٥٤) أي كثر خير الله مالك العالمين وتعالى بالوحدانية في الألوهية (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) أي متذللين ومسرين والتضرع إظهار ذل النفس. قال الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي : إن كان خائفا على نفسه من الرياء فالأولى إخفاء العمل صونا لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٥٥) أي المجاوزين بترك هذين الأمرين التضرع والإخفاء أي إنه تعالى لا يثيبه ألبتة ولا يحسن إليه وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل»(١). ثم قرأ (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) أي كإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء وإفساد الأموال بنحو الغصب ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على نحو الزنا وبسبب القذف ، وإفساد العقول بنحو تناول المسكرات (بَعْدَ إِصْلاحِها) بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب. وقيل بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب فإن الله تعالى يمسك المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) أي ذوى خوف نظرا إلى قصور أعمالكم وعدم استحقاقكم مطلوبكم ، وذوى طمع نظرا إلى سعة رحمته ووفور فضله وإحسانه ، وهذه الآية بيان فائدة الدعاء ومنفعته ففائدة الدعاء أحد هذين الأمرين أما الآية الأولى فهي بيان شرط صحة الدعاء وهي لا بد أن يكون الدعاء مقرونا بالتضرع وبالإخفاء والداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان خائفا من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء وطامعا في حصول تلك الشرائط بأسرها ، ومعنى قوله تعالى : (خَوْفاً وَطَمَعاً) أي حال كونكم جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم فلا تقطعوا أنكم أديتم حق ربكم وإن اجتهدتم (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٥٦) بالقول والفعل ومن الإحسان أن يكون الدعاء مقرونا بالخوف والطمع وكل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين كالصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر وكصاحب الكبيرة من أهل الصلاة (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي قدام المطر.
__________________
(١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٦٤) ، والقرطبي في التفسير (٧ : ٢٢٦) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٢٩٥).
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على لفظ الواحد. والباقون «الرياح» على الجمع.قرأ عاصم «بشرا» بضم الباء الموحدة وسكون الشين جمع بشير أي مبشرات. وقرئ بفتح الباء بمعنى باشرات. وقرأ حمزة والكسائي «نشرا» بالنون المفتوحة وسكون الشين بمعنى ناشرة للسحاب. أو بمعنى منشورة فكأن الرياح كانت مطوية فأرسلها الله منشورة بعد انطوائها ـ وهي كناية عن اتساعها ـ وقرأ ابن عامر بضم النون وإسكان الشين. وقرأ الباقون بضم النون والشين جمع نشور مثل رسل ورسول أي مفرقة من كل جانب أو طيبة لينة تنشر السحاب ، والريح هواء متحرك يمنة ويسرة وهي أربعة :
الصبا : وهي الشرقية فتحرك السحاب. والدبور : وهي الغربية تفرقه. والشمال : التي تهب من تحت القطب الشمالي تجمعه. والجنوب : وهي التي تكثر إرسال المطر. وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة»(١). (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً) أي حتى إذا رفعت هذه الرياح سحابا ثقيلا بالماء (سُقْناهُ) أي السحاب (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إلى مكان لا نبات فيه لعدم الماء (فَأَنْزَلْنا بِهِ) أي في ذلك البلد (الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ) أي بذلك الماء أو في ذلك البلد (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء. وقال أكثر المتكلمين : إن الثمار غير متولدة من الماء بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقب اختلاط الماء بالتراب (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) أي كما يخلق الله تعالى النبات بواسطة الأمطار فكذلك يحيي الله الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة.
وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطرا كالمني أربعين يوما ، وأنهم يصيرون عند ذلك أحياء. وقيل : المعنى إنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر فكذلك يحيي الموتى ويخرجهم من الأجداث بعد أن كانوا أمواتا. والمقصود من هذا الكلام إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٥٧) أي لكي تعتبروا أيها المنكرون للبعث وتتذكروا أن القادر على إحياء هذه الأرض بالأشجار المزينة بالأزهار والثمار بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ) أي المكان الذي ليس بسبخة (يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) أي بإرادة ربه وتيسيره كذلك المؤمن يؤدي ما أمر الله طوعا بطيبة النفس (وَالَّذِي خَبُثَ) أي المكان السبخة (لا يَخْرُجُ) أي نباته (إِلَّا نَكِداً) أي بتعب. وكذلك المنافق لا يؤدي ما أمر الله إلا كرها بغير طيبة النفس. وقيل : المراد أن الأرض
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاستسقاء ، باب : قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «نصرت بالصبا» ، ومسلم في كتاب الاستسقاء ، باب : ١٧ ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٢٣).
السبخة يقل نفعها ومع ذلك أن صاحبها لا يتركها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة فالطلب للنفع العظيم في الدار الآخرة بالمشقة في أداء الطاعات أولى من طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التصريف (نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي نكررها (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) (٥٨) نعمة الله تعالى فيتفكرون فيها (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) واسم نوح عبد الغفار وهو ابن لمكا بن متوشلخ بن أخنوخ وسمي نوحا إما لدعوته على قومه بالهلاك أو لمراجعته ربه في شأن ولده كنعان ، أو لأنه مر بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح ، فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ فكثر نوحه على نفسه لذلك. (فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) أي اعبدوه وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ) أي من مستحق للعبادة (غَيْرُهُ).
قرأ الكسائي بالجر على أنه نعت لـ «إله» باعتبار لفظه. والباقون بالرفع صفة له باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرئ بالنصب على الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (٥٩) أي إني أعلم أن العذاب ينزل بكم إما في الدنيا أو في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ) أي قال الكبراء الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء : (إِنَّا لَنَراكَ) يا نوح (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٦٠) في المسائل الأربع وهي : التكليف ، والتوحيد ، والنبوة ، والمعاد.(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة (وَلكِنِّي رَسُولٌ) إليكم (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٦١) (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي).
قرأ أبو عمرو بسكون الباء (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) فتبليغ الرسالة هو أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه والنصيحة هي أن يرغبهم في الطاعات ويحذرهم عن المعاصي بأبلغ الوجوه (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٦٢) أي إنكم إن عصيتم أمره عاقبكم في الدنيا بالطوفان ، وفي الآخرة بعقاب شديد خارج عما تتصوره عقولهم (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي استبعدتم وعجبتم من أن جاءكم وحي من مالك أموركم على لسان رجل من جنسكم أي فإنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليهالسلام ويقولون : ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة (لِيُنْذِرَكُمْ) أي لأجل أن يخوفكم عاقبة الكفر والمعاصي (وَلِتَتَّقُوا) عبادة غير الله (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٦٣) أي ولكي ترحموا فلا تعذبوا وهذا الترتيب في غاية الحسن فإن المقصود من البعثة الإنذار. والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة (فَكَذَّبُوهُ) أي نوحا في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب تلك المدة المتطاولة (فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) من الغرق والعذاب وكان من صحبوه في الفلك أربعين رجلا وأربعين امرأة.
روي أن نوحا عليهالسلام صنع السفينة بنفسه في عامين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها
خمسين وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاث بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحوش ، وفي وسطها الإنس ، وفي أعلاها الطير ، وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر المحرم (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي برسولنا نوح بالطوفان (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) (٦٤) عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ) أي وأرسلنا إلى عاد الأولى واحدا منهم في النسب لا في الدين (هُوداً) أما عاد الثانية وهم ثمود فقوم صالح وبينهما مائة سنة (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (٦٥) أي أتغفلون فلا تتقون عذاب الله تعالى فإنكم تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا (قالَ الْمَلَأُ) أي الرؤساء (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) وإنما قال هنا الذين كفروا من قومه لأن الملأ من قوم هود كان فيهم من آمن ومن كفر ، فممن آمن منهم مرثد بن أسعد أسلم وكان يكتم إيمانه بخلاف الملأ من قوم نوح فكلهم أجمعوا على ذلك الجواب فلم يكن أحد منهم مؤمنا في أول دعائهم إلى الإيمان (إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) أي إنا نتيقنك يا هود متمكنا في خفة عقل حيث فارقت دين آبائك فإن هودا نهاهم عن عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (٦٦) في ادعاء الرسالة (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ) أي ليس بي شيء مما تنسبونني إليه (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٦٧) أي فإنه غاية من الرشد والصدق (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) بالأمر والنهي (وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ) أي أحذركم من عذاب الله وأدعوكم إلى الإيمان والتوبة (أَمِينٌ) (٦٨) أي موثوق على رسالة ربي وهذا رد لقولهم وإنا لنظنك من الكاذبين. فكأن هودا قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ما وجدتم مني عذرا ، ولا مكرا ، ولا كذبا. واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟! (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ) أي أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم نبوة (مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي على لسان آدمي مثلكم (لِيُنْذِرَكُمْ) أي ليحذركم عاقبة ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) بأن أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح أو جعلكم ملوكا في الأرض فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان (وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ) أي في الناس (بَصْطَةً) وهي مقدار ما تبلغه يد الإنسان ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر. أو المراد أنهم متشاركون في القوة والشدة ، ولأن بعضهم يكون ناصرا للبعض الآخر وأزال العداوة والخصومة من بينهم فلما خصّهم الله تعالى بهذه الأنواع فصح أن يقال : إنهم زادوا في الخلق بسطة.
قرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد. وأبو عمرو ، وهشام ، وقنبل ، وحفص وخلف بالسين. وابن ذكوان وخلاد بهما (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) أي نعماء الله عليكم واعملوا عملا يليق بتلك الإنعامات (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٦٩) أي لكي تنجوا من الكروب وتفوزوا بالمطلوب. (قالُوا)
مجيبين عن تلك النصائح العظيمة (أَجِئْتَنا) يا هود (لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ) أي لنخصه بالعبادة (وَنَذَرَ) أي نترك (ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) من الأصنام (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) أي بما تهددنا من العذاب بقولك أفلا تتقون (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٧٠) في إخبارك بنزول العذاب وغرضهم بذلك القول إذا لم يأتهم هود بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا (قالَ) أي هود : (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ) أي رين على قلوبهم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر (وَغَضَبٌ) أي عذاب (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ) عارية عن المسمى (سَمَّيْتُمُوها) أي سميتم بها (أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) أصناما فإنهم سموا الأصنام بالآلهة مع إن معنى الألوهية فيها معدوم (ما نَزَّلَ اللهُ بِها) أي بعبادتها (مِنْ سُلْطانٍ) أي برهان لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وأن الأصنام لو استحقت العبادة كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب دليل وقوله تعالى : (ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة (فَانْتَظِرُوا) ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام وهو ما تطلبونه بقولكم فأتنا بما تعدنا (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (٧١) لما يحل بكم (فَأَنْجَيْناهُ) أي هودا (وَالَّذِينَ مَعَهُ) في الدين (بِرَحْمَةٍ) عظيمة (مِنَّا) أي من جهتنا (وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي استأصلنا الذين كذبوا برسولنا هود (وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) (٧٢) أي ما أبقينا أحدا من الذين لا يؤمنون فلو علم الله أنهم سيؤمنون لأبقاهم. وقصتهم أن عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف ، وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان إلى حضرموت ، وكانت لهم أصنام ثلاثة يعبدونها سموا أحدها صمودا ، والآخر صداء. والآخر هباء ، فبعث الله تعالى إليهم هودا وكان من أفضلهم حسبا فكذبوه فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس إذ نزل بهم بلاء طلبوا من الله الفرج عند البيت الحرام ، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليهالسلام ، وسيدهم معاوية بن بكر ، فلما توجهوا إلى البيت الحرام وهم سبعون رجلا من أماثلهم منهم : قيل بن عنز ، ومرثد بن سعد نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم قينتا معاوية اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة ، فلما رأى معاوية ذهولهم باللهو عمّا قدموا له أحزنه ذلك وقال : قد هلك أخوالي وأصهاري ، واستحى أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله وهو قول هؤلاء الثلاثة :
|
ألا يا قيل ويحك قم فهينم |
|
لعل الله يسقينا غماما |
|
فيسقي أرض عاد إن عادا |
|
قد أمسوا لا يبينون الكلاما |
|
من العطش الشديد فليس نرجو |
|
به الشيخ الكبير ولا الغلاما |
ومعنى فهينم أي أخف الدعاء والغمام هنا المطر فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا : إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم. فقال لهم مرثد بن سعد : والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية : احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا. ثم دخلوا مكة فقال قيل : اللهم أسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل اختر لنفسك ولقومك ، فقال : اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء ، فخرجت على عاد من واد لهم يسمى وادي المغيث ، فاستبشروا بها وقالوا : هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم وهي باردة ذات صوت شديد لا مطر فيها ، وكان ابتداء مجيئها في صبيحة الأربعاء في الحادي والعشرين من شوال في آخر الشتاء وسخرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها إلى أن ماتوا.
وروي عن علي رضياللهعنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر.(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ) أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين (صالِحاً) وثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن غابر بن ارم بن سام بن نوح. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى واد القرى (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ) أي شاهدة بنبوتي وهي الناقة (مِنْ رَبِّكُمْ) خلقها بلا واسطة (هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) أي علامة على رسالة الله وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها وتخصيصها كما يقال : بيت الله أو لأنها لا مالك لها غير الله ، أو لأنها حجة الله على القوم. ووجه كونها آية لخروجها من الجبل لا من ذكر وأنثى ولكمال خلقتها من غير تدريج «وناقة الله» عطف بيان لهذه أو مبتدأ ثان و «لكم» خبر عامل في آية في نصبها على الحال. ويجوز أن يكون عامل الحال معنى التنبيه ، أو معنى الإشارة. وجملة قوله : (هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ) آية في محل رفع بدل من قوله بينة لأنها مفسرة له وجاز إبدال جملة من مفرد لأنها في معناه (فَذَرُوها) أي فاتركوها (تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ) في الحجر أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فاتركوها تأكل من إنباتكم (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) أي ولا تضربوها ولا تقربوا منها شيئا من أنواع الأذى إكراما لآية الله تعالى (فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٣) أي بسبب أذاها (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ) أي فلما أهلك الله عادا عمر ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا أطوالا (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي أنزلكم في أرض الحجر بين الحجاز والشام (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أي تبنون من سهولة الأرض قصورا بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر للصيف وسميت
القصور بذلك لقصور الفقراء عن تحصيلها وحبسهم عن نيلها (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) أي وتنقبون في الجبال بيوتا للشتاء وذلك لطول أعمارهم فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم فكان عمر واحد منهم ثلاثمائة سنة إلى سنة كقوم هود (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) أي نعمة الله عليكم بعقولكم فإنكم متنعمون مترفهون (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٧٤) أي ولا تعملوا في الأرض شيئا من أنواع الفساد (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) أي قال الجماعة الذين تكبروا عن الإيمان بصالح للمساكين الذين آمنوا به. فقوله تعالى : (لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل وضمير «منهم» راجع «لقومه». أي قالوا للمؤمنين الذين استرذلوهم بطريق الاستهزاء بهم. (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) إليكم (قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (٧٥) أي نحن مصدقون بما جاء به صالح (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) عن امتثال أمر ربهم وهو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح بقوله فذروها تأكل في أرض الله (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (٧٦) (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أي قتلها قدار بن سالف بأمرهم في يوم الأربعاء فقال لهم صالح : إن آية العذاب أن تصبحوا غدا صفرا ، ثم أن تصبحوا في يوم الجمعة حمرا ، ثم أن تصبحوا يوم السبت سودا ، ثم يصبحكم العذاب يوم الأحد (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي ارتفعوا فأبوا عن قبول أمر ربهم الذي أمرهم صالح (وَقالُوا) استهزاء (يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا) أي من العذاب (إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٧٧) فإنهم كذبوا صالحا في قوله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء (فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) (٧٨) أي فصاروا في بلدهم خامدين موتى لا يتحركون. والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب من غير اضطراب ولا حركة.
روي أنه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم وطال عمرهم ، وكثر تنعمهم ، ثم عصوا الله وعبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم صالحا ـ وكان منهم ـ فطالبوه بالمعجزة فقال : ما تريدون؟ فقالوا : تخرج معنا في عيدنا ، ونخرج أصناما فتسأل إلهك ونسأل أصنامنا فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك ، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا فخرج معهم ودعوا أوثانهم فلم تجبهم ، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو لصالح عليهالسلام وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لتلك الصخرة كائبة : أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة كبيرة جوفاء وبراء فإن فعلت ذلك صدقناك ، فأخذ صالح عليهم المواثيق أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا ، فصلى ركعتين ودعا الله تعالى ، فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل ، ثم انفرجت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء ، وكانت في غاية الكبر ، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به فنهاهم ذؤاب بن عمرو والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم فمكثت الناقة مع
ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ، وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها ، ثم تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدخرون ، وكانت إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامهم ، وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم ، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان : عنيزة وصدقة ، لما أضرت به من مواشيهم ، فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فرقى ولدها جبلا مسمى بقارة فرغا ثلاثا ، وقال صالح عليهالسلام لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه وانفتحت الصخرة بعد رغائه ، فدخلها ، فقال لهم صالح : تصبحون غدا وجوهكم مصفرة ، وبعد غد وجوهكم محمرة ، واليوم الثالث وجوهكم مسودة ، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه ، فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين ، ولما كان اليوم الرابع واشتد الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع ، فأتتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض فتقطعت قلوبهم وهلكوا (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي خرج صالح من بينهم قبل موتهم (وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي بالترغيب والترهيب وبذلت فيكم وسعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك كما قال (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (٧٩) أي لم تطيعوا الناصحين بل تستمروا على عداوتهم.
وروي أن صالحا خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعا ، فعلم أنهم قد هلكوا ، وكانوا ألفا وخمسمائة دار (وَلُوطاً) أي وأرسلنا لوطا ابن هاران إلى قومه. أي فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي بلد بحمص (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) أي وقت قوله لهم فإرساله إليهم لم يكن في أول وصوله إليهم (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) أي أتفعلون اللواطة (ما سَبَقَكُمْ بِها) أي بهذه الفاحشة (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (٨٠)
قال محمد بن إسحاق : كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم ، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ : إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم ، فأبوا ، فألح عليهم فقصدوهم فأصابوا غلمانا حسانا فاستحكم فيهم ذلك (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) أي إنكم لتأتون أدبار الرجال لمجرد الشهوة لا للولد ولا للألفة متجاوزين فروج النساء اللاتي هن محال الاشتهاء.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم «إنكم» بهمزة واحدة مكسورة على الخبر المستأنف ، وهو بيان لتلك الفاحشة.
وقرأ ابن كثير بهمزتين بدون ألف بينهما. وبتسهيل الثانية ، وأبو عمرو كذلك لكنه أدخل الألف بينهما. وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مد. والباقون بتحقيقهما من غير مدّ بينهما على
الأصل ، وهذا الاستفهام معناه الإنكار (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (٨١) أي مجاوزين الحلال إلى الحرام ، وأنتم قوم عادتكم الزيادة في كل عمل (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا) أي ما كان جوابا من جهة قومه شيء من الأشياء في المرة الأخيرة من مرات المحاورة بينه وبينهم إلا قولهم لبعضهم الآخرين المباشرين لتلك الأمور معرضين عن مخاطبة لوط عليهالسلام (أَخْرِجُوهُمْ) أي لوطا وابنتيه زعورا وريثا (مِنْ قَرْيَتِكُمْ) سذوم (إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (٨٢) أي يتنزهون عن أدبار الرجال قالوا ذلك على سبيل السخرية بلوط وأهله ، وعلى سبيل الافتخار بما هم فيه (فَأَنْجَيْناهُ) أي لوطا (وَأَهْلَهُ) وهم بنتاه (إِلَّا امْرَأَتَهُ) الكافرة واسمها واهلة (كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) (٨٣) أي الباقين في ديارهم فهلكت في العذاب مع الهالكين فيها لأنها تسر الكفر موالية لأهل سذوم ، وأما لوط فخرج مع بنتيه من أرضهم ، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم وهو في فلسطين (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً) أي وأرسلنا عليهم إرسال المطر آجرا محروقا معجونا بالكبريت والنار.
قال مجاهد : نزل جبريل عليهالسلام وأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط ، فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ، ثم أتبعوا بالحجارة. وقيل : المعنى وأنزلنا على الخارجين من المداين الخمسة حجارة من السماء معلّمة عليها اسم من يرمى بها.
وروي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف الحجر له أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (٨٤) أي فانظر يا من يتأتى منه النظر كيف أمطر الله حجارة من طين مطبوخ بالنار متتابع في النزول على من يعمل ذلك العمل المخصوص ، وكيف أسقط مدائنها مقلوبة إلى الأرض (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ) أي وأرسلنا إلى أولاد مدين بن إبراهيم عليهالسلام أخاهم في النسب لا في الدين (شُعَيْباً) بن ميكيل. وقيل : شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم (قالَ) لقومه وهم أهل كفر وبخس للمكيال والميزان : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ) أي معجزة (مِنْ رَبِّكُمْ) دالة على رسالة الله وعلى صدق ما جئت به ومن معجزات شعيب أنه دفع عصاه إلى موسى ، وتلك العصا حاربت التنين وأنه قال لموسى : إن هذه الأغنام تلد أولادا فيها سواد في أوائلها وبياض في أواخرها ، وقد وهبتها منك ، فكان الأمر كما أخبر عنه ، وأنه وقع على يده عصا آدم عليهالسلام فإن جميع ذلك كان قبل استنباء موسى عليهالسلام.
وقيل : إن المراد بالبينة نفس شعيب عليهالسلام (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ) أي أتموا كيل المكيال ووزن الميزان (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أي ولا تنقصوا حقوق الناس بجميع الوجوه كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق ، وانتزاع الأموال بطريق الحيل. وقيل :
كانوا مكّاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوة كما يفعل أمراء الجور (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالمعاصي (بَعْدَ إِصْلاحِها) بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيها. قال ابن عباس : كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا ، تعمل فيها المعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء فذلك فسادها ، فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكان كل نبي يبعث إلى قومه فهو صلاحهم ، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين :
أحدهما : التعظيم لأمر الله ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة.
وثانيهما : الشفقة على خلق الله ويدخل فيه ترك البخس وترك الإفساد (ذلِكُمْ) أي هذه الأمور الخمسة (خَيْرٌ لَكُمْ) مما أنتم فيه في طلب المال ، لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة رغبوا في المعاملات معكم فكثرت أموالكم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٨٥) أي مصدّقين لي في قولي هذا (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ) أي ولا تجلسوا على كل طريق فيه ممر الناس تهددون من مرّ بكم من الغرباء ، فكانوا قطّاع طريق وكانوا مكّاسين (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي وتصرفون عن دين الله من آمن بالله (وَتَبْغُونَها عِوَجاً) أي وتطلبون سبيل الله معوجة بإلقاء الشكوك والشبهات فكانوا يجلسون على الطرق ويقولون لمن يريد شعيبا : إنه كذاب ارجع لا يفتنك عن دينك فإن آمنت به قتلناك.
وجملة الأفعال الثلاثة التي هي توعدون ، وتصدون ، وتبغون أحوال ، أي لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين (وَاذْكُرُوا) نعمة الله عليكم (إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً) بالعدد. (فَكَثَّرَكُمْ) بالعدد قيل : إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت ، فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة فكثروا (وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (٨٦) أي كيف صار آخر أمر المشركين قبلكم بالهلاك بتكذيبهم رسلهم (وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) من الشرائع والأحكام (وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا) أي فانتظروا أيها المؤمنون والكافرون (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا) جميعا من مؤمن وكافر بإعلاء درجات المؤمنين وبإظهار هوان الكافرين (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (٨٧) أي إنه تعالى حاكم عادل منزّه عن الجور (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي قال الجماعة الذين أنفوا من قبول قوله وبالغوا في العتو : (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا) والظرف متعلق بالإخراج لا بالإيمان. أي والله لنخرجنك وأتباعك من مدين (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أي أو لتصيرن إلى ملتنا (قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) (٨٨) أي قال شعيب : أتصيروننا في ملتكم وإن كنا كارهين للدخول فيها (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً) عظيما حيث نزعم أن لله تعالى ندا (إِنْ عُدْنا) أي إن دخلنا (فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها) أي من ملتكم (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا) أي وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يأمر الله بالدخول فيها
وهيهات ذلك (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) أي ربما كان في علمه تعالى حصول بقائنا في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل الله يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) أي في أن يثبتنا على ما نحن عليه من الإيمان (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) أي يا ربنا احكم بيننا بالعدل (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) (٨٩) أي الحاكمين. أو المعنى أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبينهم بأن تنزل عليهم عذابا يتميز به المحق من المبطل (وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي وقال الرؤساء من قوم شعيب للسفلة (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً) في دينه (إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) (٩٠) في الدين وفي الدنيا لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال والإضلال فاستحقوا الإهلاك (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الزلزلة الشديدة المهلكة (فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) (٩١) أي فصاروا في مساكنهم خامدين ساكنين بلا حياة (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي الذين كذبوا شعيبا استؤصلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم يقيموا في قريتهم أصلا ، أي عوقبوا بقولهم : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) (٩٢) دينا ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم الرابحون في الدارين (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي خرج شعيب من بينهم قبل الهلاك.
وقال الكلبي : ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم (وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) بالأمر والنهي (وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي حذرتكم من عذاب الله ودعوتكم إلى الإيمان والتوبة ، وإنما اشتد حزنه على قومه لأنهم كانوا كثيرين ، وكان يتوقع منهم الاستجابة للإيمان فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم بوجود علاماته كحبس الريح عنهم سبعة أيام حصل في قلبه الحزن من جهة القرابة والمجاورة وطول الألفة ، ثم عزى نفسه وقال : (فَكَيْفَ آسى) أي أحزن حزنا شديدا (عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) (٩٣) لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر. وقيل : قال شعيب ذلك اعتذارا من عدم شدة حزنه عليهم. والمعنى لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم ، والمراد أنهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم ، وقرأ يحيى بن وثاب فكيف آسى ، بإمالتين (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ) فكذبه أهلها (إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها) أي عاقبناهم (بِالْبَأْساءِ) أي الشدة في أحوالهم كالخوف وضيق العيش (وَالضَّرَّاءِ) أي الأمراض والأوجاع (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (٩٤) أي كي يتذللوا وينقادوا لله تعالى (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي ثم أعطيناهم السعة والصحة بدل ما كانوا فيه من البلاء والمرض لأن ورود النعمة في المال والبدن يدعو إلى الاشتغال بالشكر (حَتَّى عَفَوْا) أي كثروا في أنفسهم وأموالهم (وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) كما أصابنا وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة
فصبروا على دينهم ، فنحن مثلهم نقتدي بهم وليست عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل فلما لم ينقادوا بالشدة وبالرخاء لم ينتفعوا بذلك الإمهال أخذهم الله بغتة أينما كانوا قال تعالى : (فَأَخَذْناهُمْ) بعد ذلك (بَغْتَةً) أي فجأة بالعذاب (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (٩٥) أي وقت نزول العذاب ولا يخطرون ببالهم شيئا من المكاره (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى) الذين أهلكناهم (آمَنُوا) بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (وَاتَّقَوْا) ما نهى الله عنه (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ) بالمطر (وَالْأَرْضِ) بالنبات والثمار والمواشي وحصول الأمن والسلامة. وقرأ ابن عامر «لفتحنا» بتشديد التاء للتكثير (وَلكِنْ كَذَّبُوا) ذلك ولم يتقوا ما حرمه الله (فَأَخَذْناهُمْ) بالجدوبة والعذاب (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٩٦) من الكفر والمعاصي (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) أي أبعد ذلك أمن أهل القرى (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا) أي عذابنا (بَياتاً) أي ليلا (وَهُمْ نائِمُونَ) (٩٧) أي غافلون عن ذلك (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى) أي نهارا (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (٩٨) أي يشتغلون بما ينفعهم ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ) أي عذاب الله (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) (٩٩) وهم الذين لا يعرفون ربهم لغفلتهم فلا يخافونه. وسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ).
قرأ الجمهور «يهد» بالياء من تحت ، أي أولم يتبين للذين يرثون أرض مكة من المتقدمين بسكونها من بعد هلاك أهلها تعذيبنا إياهم بسبب ذنوبهم لو شئنا ذلك كما عذبنا من قبلهم ، وفاعل «يهد» مصدر مؤول من «أن» وما في حيزها أن نزل «يهد» منزلة اللازم وإلا فمفعوله له محذوف والتقدير أولم يوضح للوارثين أرض مكة من بعد هلاك أهلها عاقبة أمرهم أن الشأن لو نشاء الإصابة أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (١٠٠) أي لا يقبلون موعظة من أخبار الأمم المهلكة. والمراد إما الإهلاك وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب فإذا أهلك شخص يستحيل أن يطبع على قلبه وإنما يحصل الطبع حال استمراره على الكفر فهو يكفر أولا ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر ، ولم يكن هذا التقرير منافيا لصحة عطف قوله : و «نطبع» على «أصبناهم» (تِلْكَ الْقُرى) وهي قرى قوم نوح ، وعاد وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب (نَقُصُّ عَلَيْكَ) يا أكرم الرسل (مِنْ أَنْبائِها) كيف أهلكت وإنما خصّ الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد صلىاللهعليهوسلم ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي وبالله لقد جاء كل أمة من تلك الأمم المهلكة أنبياؤهم الذين أرسلوا إليهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صحة رسالتهم الموجبة للإيمان (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما
كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) أي فبعد رؤية المعجزات ما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بالشرائع التي كذبوها قبل رؤية تلك المعجزات. والمعنى كانت كل أمة من أولئك الأمم في زمن الجاهلية يتسامعون بكلمة التوحيد من بقايا من قبلهم فيكذبونها ، ثم كانت حالهم بعد مجيء نبيهم الذي أرسل إليهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) (١٠١) أي مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) أي وما وجدنا أكثر الناس على إيمان كما قاله ابن مسعود أو على عهد أول وهو الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم حيث قال : ألست بربكم؟ قالوا : بلى ، فلما أقروا بربوبية الله تعالى في عالم الذر ثم خالفوا ذلك في هذا العالم صار كأنه ما كان لهم عهد (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) (١٠٢) أي وإن الشأن. والحديث : «وجدنا أكثر الأمم في عالم الشهادة خارجين عن الطاعة صارفين عن الدين» (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد انقضاء الرسل المذكورين أو من بعد هلاك الأمم المحكية (مُوسى بِآياتِنا) التسع الدالة على صدقه (إِلى فِرْعَوْنَ) واسمه قابوس.
وقيل : اسمه الوليد بن مصعب بن ريان ، وكان ملكه أربعمائة سنة ، وعاش ستمائة وعشرين سنة ولم ير في تلك المدة مكروها قط من وجع ، أو حمى ، أو جوع ، ولو حصل له ذلك لما ادعى الربوبية (وَمَلَائِهِ) أي عظماء قومه (فَظَلَمُوا بِها) أي بتلك الآيات أي وضعوا الإنكار في موضع الإقرار ووضعوا الكفر في موضع الإيمان وذلك ظلم منهم على تلك الآيات الظاهرة (فَانْظُرْ) أيها المخاطب بعين عقلك (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (١٠٣) وكيف فعلنا بهم (وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ) إليك وإلى قومك (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٠٤) (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ).
وقرأ نافع «على» بتشديد الياء ، فـ «حقيق» فحقيق مبتدأ وخبره ما دخلت عليه «أن» ، أي واجب على ترك القول على الله إلا بالحق. والباقون بمد اللام ، والمعنى أنا ثابت بأن لا أقول على الله إلا الصدق. وقرأ أبي «بأن لا أقول بالباء». وقرأ عبد الله والأعمش «أن لا أقول» بدون حرف جر (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ) أي معجزة شاهدة على رسالتي (مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) (١٠٥) أي فخلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم مع أموالهم فكان فرعون عاملهم معاملة العبيد في الاستخدام. (قالَ) أي فرعون (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها) أي إن كنت جئت بآية من عند من أرسلك فأحضرها عندي ليثبت صدقك (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (١٠٦) في دعواك أنك رسول (فَأَلْقى) موسى (عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ) أي حية ضخمة صفراء ذكر (مُبِينٌ) (١٠٧) أي ظاهر لا يشك في كونه ثعبانا.
روي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر ، فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا ، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر ، ثم توجه نحو فرعون ليبتلعه فوثب فرعون عن سريره هاربا ، وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، فصاح فرعون : يا موسى ، أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذه فعاد عصا (وَنَزَعَ يَدَهُ) أي أخرجها من طوق قميصه (فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ) بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس (لِلنَّاظِرِينَ) (١٠٨) (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ) أي الرؤساء منهم وهم أصحاب مشورته (إِنَّ هذا) أي موسى (لَساحِرٌ عَلِيمٌ) (١٠٩) أي حاذق بالسحر ، فإنهم قالوا ذلك مع فرعون على سبيل التشاور (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) أي من أرض مصر (فَما ذا تَأْمُرُونَ) (١١٠) قاله لفرعون خدمه والأكابر فإن الأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة بقولهم : أرجه وأخاه. قال تعالى : (قالُوا أَرْجِهْ) فيه ست قراءات. ثلاثة بإثبات الهمزة التي بعد الجيم وهي كسر الهاء من غير إشباع لابن ذكوان عن ابن عامر ، وضمها كذلك لأبي عمرو وبإشباع حتى يتولد من الضمة واو على الأصل لابن كثير ، وهشام عن ابن عامر. وثلاثة بحذف الهمزة وهي سكون الهاء وصلا ووقفا لعاصم وحمزة ، وكسر الهاء من غير إشباع لقالون وبه حتى يتولد منها ياء لنافع والكسائي. وورش أي أخر أمر موسى ولا تعجل في أمره بحكم. والمراد أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى (وَأَخاهُ) هارون (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) (١١١) أي وأرسل في مدائن صعيد مصر شرطا يحشرون إليك ما فيها من السحرة وكان رؤساء السحرة ومهرتهم في أقصى مدائن الصعيد (يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) (١١٢) أي ماهر في السحر.
وقرأ حمزة والكسائي «سحار» كما اتفقوا عليه في سورة الشعراء (وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ) بعد ما أرسل الشرط في طلبهم (قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً) على الغلبة. قرأ نافع وابن كثير وحفص عن عاصم «أن» بهمزة واحدة. والباقون بهمزتين وأدخل أبو عمرو الألف بينهما (إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ) (١١٣) لموسى (قالَ نَعَمْ). وقرأ الكسائي بكسر العين (وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (١١٤) أي نعم لكم الأجر ولكم المنزلة الرفيعة عندي زيادة على الأجر ، أي فإني لا أقتصر بكم على الثواب بل أزيدكم عليه ، وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين إليّ بالمنزلة. (قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عصاك أولا (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) (١١٥) ما معناه من الحبال والعصي أولا ، فلما راعوا حسن الأدب حيث قدموا ذكر موسى عليهالسلام رزقهم الإيمان ببركة رعاية هذا الأدب (قالَ) موسى مريدا الإبطال ما أتوا به من السحر وإزراء شأنهم : (أَلْقُوا) ما تلقون (فَلَمَّا أَلْقَوْا) عصيا وحبالا (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) أي صرفوها عن إدراك حقيقتها فتخيلوا أحوالا
عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان وفق ما تخيلوه. قيل : إنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق ، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدا ، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) أي بالغوا في تخويف عظيم للعوام من حركات تلك الحبال والعصي وخاف موسى أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته فكان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات ، وليس خوفه لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة من الله تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم (وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (١١٦) في باب السحر وعند السحرة وإن كان حقيرا في نفسه قيل : كانت الحبال والعصي حمل ثلاثمائة بعير وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وأخشابا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الحبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا وكانت سعة الأرض ميلا في ميل فصارت كلها حيات (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ) ولما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا ، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم أصلا كما قال تعالى (فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ) أي تلقم (ما يَأْفِكُونَ) (١١٧) أي الذي يقبلونه عن الحق إلى الباطل (فَوَقَعَ الْحَقُ) أي فظهر الحق مع موسى (وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١١٨) أي واضمحل ما عملوه من السحر وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا : لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت ثبت أن ذلك حصل بخلق الله تعالى لا لأجل السحر (فَغُلِبُوا) أي فرعون وقومه (هُنالِكَ) أي في المكان الذي وقع فيه سحرهم (وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ) (١١٩) أي صاروا ذليلين مبهوتين (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) (١٢٠) أي خروا سجدا لله تعالى أي فمن سرعة سجودهم كأنهم ألقوا.
قال ابن زيد : كان اجتماعهم بالإسكندرية وبلغ ذنب الحية وراء البحر ، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فكان تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل ، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، ثم أخذها موسى فصارت في يده عصا كما كانت ، فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه ليس بسحر فعند ذلك خروا ساجدين (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ) (١٢١) قال فرعون : إياي تعنون؟ قالوا : لا بل (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) (١٢٢) ولما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله تعالى في الحال وجعلوا ذلك السجود شكرا لله تعالى على الفوز بالإيمان والمعرفة ، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان ، وإظهارا للخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع وأولئك القوم كانوا عالمين بحقيقة السحر ، فلما وجدوا معجزة موسى خارجة عن حدّ السحر علموا أنها أمر إلهي فاستدلوا بها على أن موسى نبي صادق من عند الله تعالى فلأجل كمالهم في علم السحر انتقلوا من الكفر إلى الإيمان ، فإذا كان حال علم السحر كذلك فما ظنك
بكمال حال الإنسان في علم التوحيد (قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ) أي برب موسى وهارون واختلف القراء في هذا الحرف هنا ، وفي طه وفي الشعراء فإن القراء في ذلك على أربع مراتب.
الأولى : قراءة الأخوين وأبي بكر عن عاصم ، وهي تحقيق الهمزتين في السور الثلاث من غير إدخال ألف بينهما ، وهو استفهام إنكار ، وأما الألف الثالثة فالكل يقرءونها كذلك وهي فاء الكلمة يجب قلبها ألفا لكونها بعد همزة مفتوحة ، وأما الأولى فمحققة ليس إلا.
والثانية : قراءة حفص وهي «آمنتم» بهمزة واحدة بعدها ألف.
والثالثة : قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير ، وهي تحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين.
والرابعة : قراءة قنبل عن ابن كثير ، فقرأ في هذه السورة حال الابتداء «أ آمنتم» بهمزتين أولاهما محققة والثانية مسهلة بين بين وألف بعدها ، كقراءة البزي وحال الوصل يقرأ «قال فرعون» و «آمنتم» بإبدال الأولى واوا وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها. وقرأ في سورة طه كقراءة حفص وفي سورة الشعراء كقراءة البزي (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) أي بغير أن آذن لكم (إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) أي إن إيمان هؤلاء حيلة احتلتموها مع مواطأة موسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد ، وأن غرضهم بذلك إخراج القوم من مصر وإبطال ملكهم ، وهاتان شبهتان ألقاهما فرعون إلى أسماع عوام القبط ليمنعهم بها عن الإيمان بنبوة موسى عليهالسلام (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (١٢٣) ما أفعل بكم (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) أي من كل شق طرفا (ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ) أي أعلقكم ممدودة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم (أَجْمَعِينَ) (١٢٤) (قالُوا) أي السحرة : (إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) (١٢٥) أي راجعون بالموت بلا شك سواء كان بقتلك أو لا فيحكم بيننا وبينك وإنا إلى رحمة ربنا راغبون (وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا) أي ما تعب علينا إلا إيماننا آيات ربنا ، أو ما لنا عندك ذنب تعذبنا عليه إلا لإيماننا بآيات ربنا حين جاءتنا (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً) أي صبّ علينا صبرا كاملا تاما عند القطع والصلب لكيلا نرجع كفارا (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ) (١٢٦) أي مخلصين على دين موسى. قيل : فعل فرعون ما توعدهم به ، وقيل : لم يقع من فرعون ذلك بل استجاب الله تعالى الدعاء في قولهم وتوفنا مسلمين لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته تعالى لا بقتل فرعون (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ) له لما خلى سبيل موسى (أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ) من بني إسرائيل (لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) أي ليفسدوا على الناس في أرض مصر بتغيير دينهم. واعلم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف فلهذا السبب لم يتعرض له ، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) أي معبوداتك بكسر اللام جمع إله.
وقرأ ابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب «وآلاهتك» بفتح اللام ومدة أي وعبادتك. وقرأ العامة بنصب «يذرك» عطف على «يفسدوا» أو جواب الاستفهام بالواو. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة بالرفع عطفا على «أنذر» أو استئنافا أو حالا. وقرئ بالسكون (قالَ) فرعون لما لم يقدر على موسى أن يفعل معه مكروها لخوفه منه (سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ) أي أبناء بني إسرائيل ومن آمن موسى صغارا كما قتلناهم أول مرة ، وقرأ نافع وابن كثير «سنقتل» بفتح النون وسكون القاف. والباقون بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء (وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ) أي ونتركهن أحياء للخدمة (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) (١٢٧) كما كنا وهم مقهورون تحت أيدينا وإنما نترك موسى وقومه من غير حبس لعدم التفاتنا إليهم لا لعجز ولا لخوف ، واختلف المفسرون ، فمنهم من قال : كان فرعون يفعل ذلك ، ومنهم من قال : لم يفعل ذلك لعدم قدرته لقوله تعالى : (أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ) [القصص : ٣٥] (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) بني إسرائيل حين تضجروا من قول فرعون على سبيل التسلية لهم (اسْتَعِينُوا بِاللهِ) على فرعون وقومه (وَاصْبِرُوا) على ما سمعتم من أقاويله الباطلة (إِنَّ الْأَرْضَ) أي أرض مصر (لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ).
وقرأ الحسن «يورثها» بفتح الواو وتشديد الراء المكسورة للتكثير. وقرئ «يورثها» بفتح الراء مبنيا للمفعول (وَالْعاقِبَةُ) أي الجنة أو فتح البلاد والنصر على الأعداء (لِلْمُتَّقِينَ) (١٢٨) أي الذين أنتم منهم فمن اتقى الله تعالى فالله يعينه في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن مسعود بنصب العاقبة عطفا على الأرض ، فالاسم معطوف على الاسم والخبر على الخبر فهو من عطف المفردات.(قالُوا) أي بنو إسرائيل لموسى لما سمعوا تهديد فرعون بالقتل للأبناء مرة ثانية : (أُوذِينا) من جهة فرعون (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا) بالرسالة (وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا) رسولا. قالوا ذلك استكشافا لكيفية وعد موسى إياهم بزوال تلك المضار هل هو في الحال أو لا؟ لا كراهة لمجيء موسى بالرسالة. (قالَ) أي موسى مسليا لهم حين رأى شدة جزعهم مما شاهدوه من فعل فرعون : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ) الذي توعدكم بإعادة فعله (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي يجعلكم خلفاء في الأرض مصر بعد هلاك أهلها (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (١٢٩) أي فيرى سبحانه وتعالى كيف تعملون في طاعته وهذا حث لهم على التمسك بطاعة الله تعالى ، فالله تعالى يرى وقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازي عباده على ما يعلمه منهم في الأزل وإنما يجازيهم على ما يقع منهم (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) أي باحتباس المطر وبالجوع (وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ) أي ذهاب الثمرات بإصابة العاهات (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (١٣٠) أي كي يقفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجوا عمّا هم عليه من العتو والعناد (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) أي الخصب والسعة في الرزق والسلامة (قالُوا لَنا هذِهِ) أي نحن مستحقون من كثرة نعمنا على العادة التي جرت (وَإِنْ
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي جدوبة وشدة وبلاء (يَطَّيَّرُوا) أي يتشاءموا (بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) من المؤمنين ، أي يقولوا : إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ) أي حظهم (عِنْدَ اللهِ) أي كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره.
وقيل : المعنى إنما جاءهم الشر بقضاء الله تعالى وحكمه. وكان النّبيّ صلىاللهعليهوسلم يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل : الكلمة الحسنة. كانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد فأثبت النّبيّ صلىاللهعليهوسلم الفأل وأبطل الطيرة (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٣١) أن ما يصيبهم من الله تعالى (وَقالُوا) أي آل فرعون وهم القبط لموسى عليهالسلام (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (١٣٢) أي أيّ شيء تظهره لدينا من علامة من عند ربك لتصرفنا عمّا نحن عليه من الدين بذلك الشيء فما نحن لك بمصدقين بالرسالة وكان موسى رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له فقال تعالى : (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ) أي الماء من السماء فدخل بيوت القبط وقاموا في الماء إلى تراقيهم ودام ذلك عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت ، ولم يدخل ذلك الماء بيوت بني إسرائيل مع أنها كانت في خلال بيوت القبط فاستغاثوا بفرعون ، فأرسل إلى موسى فقال : اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا ، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك. فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط. فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد (وَ) أقاموا شهر في عافية فأرسل الله تعالى عليهم (الْجَرادَ) فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم ففزعوا إلى موسى ، فدعا موسى عليهالسلام فأرسل الله تعالى ريحا ، فألقته في البحر بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت ، فنظر أهل مصر إلى ما بقي من زرعهم فقالوا : هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك (وَ) أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم (الْقُمَّلَ) أي الجراد الصغير بلا أجنحة من سبت ، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكله ، فصاحوا ودعا موسى فأرسل الله عليه ريحا حارة فأحرقته وألقته في البحر.
وقرأ الحسن «والقمل» بفتح القاف وسكون الميم ـ وهو المعروف ـ وعن سعد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى بعصاه فصار قملا ، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، فصرخوا وفزعوا إلى موسى ، فدعا ، فرفع الله عنهم القمل وقالوا : قد تيقّنا اليوم أنك ساحر حيث جعلت الرمل دواب ، وعزة فرعون لا نؤمن بك أبدا (وَ) أقاموا شهرا في عافية ، فأرسل الله تعالى عليهم (الضَّفادِعَ) فخرج من البحر مثل الليل الدامس ، ووقع في الثياب والأطعمة فكان الرجل منهم يستيقظ وعلى رأسه ذراع من الضفادع ، فصرخوا إلى موسى وحلفوا لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمن بك ، فدعا الله تعالى ، فأمات الضفادع ، وأرسل
عليها المطر فاحتملها إلى البحر بعد ما أقامت عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت ، ثم أظهروا الكفر (وَ) أقاموا شهرا في عافية ، فأرسل الله عليهم (الدَّمَ) فصارت مياه قلبهم وأنهارهم دما ، فلم يقدروا على الماء العذب حتى بلغ منهم الجهد ، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب ، وكان فرعون وأشراف قومه يركبون إلى أنهار بني إسرائيل ، فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف الماء صار في يده دما ، ومكثوا سبعة أيام في ذلك لا يشربون إلا الدم. فقال فرعون لموسى عليهالسلام : لئن رفعت عنا العذاب لنصدقن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل مع أموالهم (آياتٍ مُفَصَّلاتٍ) أي مبينات لا يخفى على كل عاقل أن هذه الخمسة من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره ، ومفرقات بعضها من بعض بزمان لامتحان أحوالهم : أيقبلون الحجة أو يستمرون على التقليد. وكان كل عذاب يبقى عليهم أسبوعا من سبت إلى سبت وبين كل عذابين شهر (فَاسْتَكْبَرُوا) عن الإيمان بها وعن عبادة الله (وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (١٣٣) مصرين على الذنب (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) أي كلما نزل عليهم العذاب من الأنواع الخمسة (قالُوا) في كل مرة : (يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) أي بما أعلمك به وهو كشف العذاب عنا إن آمنا. أو المعنى أقسمنا بعهد الله عندك وهو النبوة (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أي لئن رفعت عنا العذاب الذي نزل علينا (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ) (١٣٤) أي مع أموالهم (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ) أي حدّ معين (هُمْ بالِغُوهُ) لا بدّ وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) (١٣٥) أي فلما رفعنا عنهم العذاب فاجأوا نكث العهد من غير تأمل وتوقف ، ثم عند حلول ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ) أي فلما بلغوا الأجل الموقت أهلكناهم (فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ) أي البحر الملح. والفاء تفسيرية (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا) التسع الدالة على صدق رسولنا (وَكانُوا عَنْها) أي تلك الآيات (غافِلِينَ) (١٣٦) أي معرضين غير ملتفتين إليها (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) بقتل أبنائهم وأخذ الجزية منهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل (مَشارِقَ الْأَرْضِ) أي أرض الشام ومصر (وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها) بالخصب وسعة الأرزاق ، وبالنيل (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) أي ومضى وعده تعالى عليهم (بِما صَبَرُوا) أي بسبب صبرهم على الشدائد. فمن قابل البلاء بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج ، ومن قابله بالجزع وكله الله إليه. (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) فـ «فرعون» اسم «كان» و «يصنع» خبر لـ «كان» مقدم. أي وخربنا الذي كان فرعون يصنعه من المدائن والقصور (وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) (١٣٧) أي يرفعون من الشجر والكروم أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان.
وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء. والباقون بكسرها (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) مع السلامة بأن فلق الله البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا. روي أن موسى عبر بهم يوم عاشوراء
بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وصامه شكرا لله تعالى (فَأَتَوْا) أي فمروا (عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) أي يواظبون على عبادة أصنام لهم وكانت تماثيل على صور البقر ، وهم من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف. والباقون بالضم (قالُوا) عند ما شاهدوا أحوالهم (يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً) أي عين لنا تماثيل نتقرب بعبادتها إلى الله تعالى (كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) يعبدونها. (قالَ) موسى : (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (١٣٨) فلا جهل أعظم مما ظهر منهم فإنهم قالوا ذلك بعد ما شاهدوا المعجزة العظمى (إِنَّ هؤُلاءِ) أي القوم الذين يعبدون تلك التماثيل (مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ) أي مهلك ما هم فيه من الدين. أي إن الله يهدم دينهم عن قريب ويحطم أصنامهم (وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٣٩) من عبادتها أي فلا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر. (قالَ) موسى : (أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) (١٤٠) أي أأطلب لكم غير الله معبودا والحال أنه تعالى وحده فضّلكم على عالمي زمانكم بالإسلام. أو فضلكم على العالمين بتخصيصكم بنعم لم يعطها غيركم ، كالتخصيص بتلك الآيات القاهرات فإنه لم يحصل مثلها لأحد من العالمين ، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله رجل تعلّم علما واحدا وآخر تعلّم علوما كثيرة سوى ذلك العلم ، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد. وفي الحقيقة إن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد والمعنى أآمركم أن تعبدوا ربا يتخذ ويطلب بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم (وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أي واذكروا وقت إنجائنا إياكم من فرعون وقومه بإهلاكهم بالكلية.
وقرأ ابن عامر «أنجاكم» بحذف الياء والنون (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) أي يعطونكم أشد العذاب (يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ) صغارا (وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) أي يستخدمون نساءكم كبارا (وَفِي ذلِكُمْ) أي الإنجاء (بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (١٤١) أي نعمة عظيمة من ربكم ويقال : وفي ذلكم العذاب بلية عظيمة من ربكم (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).
روي أن موسى وهو بمصر وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها وهي شهر ذي القعدة ، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب. فقالت الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له : أما علمت أن
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام. (وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ) عند ذهابه إلى الجبل للمناداة : (اخْلُفْنِي) أي كن خليفتي (فِي قَوْمِي) وراقبهم فيما يأتون وما يذرون (وَأَصْلِحْ) أمور بني إسرائيل وأمرهم بعبادة الله تعالى وهي صلاحهم (وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (١٤٢) أي ومن دعاك منهم إلى طريق المفسدين بالمعاصي فلا توافقه (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) أي لميعادنا في مدن في يوم الخميس يوم عرفة فكلمه الله تعالى فيه من غير واسطة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) أي أزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه من كل جهة. (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) أي أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك فأراك. (قالَ) تعالى له : (لَنْ تَرانِي) أي لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) في مدين (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) أي فإن استقر الجبل مكانه لرؤيتي فلعلك تراني. والرؤية متأخرة عن النظر ، لأنه تقليب الحدقة السليمة جهة المرئي التماسا لرؤيته ، والرؤية الإدراك بالباصرة بعد النظر (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) أي فلما ظهرت عظمته تعالى لجبل زبير جعله مكسورا. قيل : إن جبل زبير أعظم جبل في مدين فإنه صار ستة أجبل ، فوقع ثلاثة منها بالمدينة وهي : أحد ، وورقان ، ورضوى. وقع ثلاثة بمكة وهي : ثور وثبير وحراء ، أي أمر الله تعالى ملائكة السماء السابعة بحمل عرشه ، فلما بدا نور العرش انصدع الجبل من عظمة الله تعالى.
وقرأ حمزة الكسائي «دكاء» بالمد أي مستويا بالأرض. وقرأ ابن وثاب «دكا» بضم الدال وبالقصر جمع دكاء أي قطعا (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) أي مغشيا عليه من هول ما رآه من النور (فَلَمَّا أَفاقَ) من غشيته (قالَ سُبْحانَكَ) أي تنزيها لك عن أن ترى في الدنيا (تُبْتُ إِلَيْكَ) من الجراءة على السؤال بغير إذن منك (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (١٤٣) أي المقرين بأنك لا ترى في الدنيا لكل الأنبياء ، وقد ثبتت الرؤية لنبينا محمد صلىاللهعليهوسلم ليلة الإسراء على الصحيح أو يقال : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك (قالَ) تعالى له : (قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ) أي فضلتك (عَلَى النَّاسِ) أي بني إسرائيل (بِرِسالاتِي) أي بكتب التوراة. وقرأ نافع وابن كثير «برسالتي» بالإفراد أي تبليغ رسالتي (وَبِكَلامِي) أي وبتكلمي معك بغير واسطة (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) أي فاعمل ما أعطيتك من الرسالة أي الوحي (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (١٤٤) أي واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة وهو القيام بلوازمها علما وعملا ، ولا يضق قلبك بسبب منعك الرؤية (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ) أي وكتبنا لموسى في ألواح التوراة (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) بدل من قوله تعالى «من كل شيء» باعتبار محله وهو النصب. أي كتبنا له كل شيء من المواعظ التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ، ومن شرح أقسام الأحكام (فَخُذْها) أي فقلنا
اعمل بهذه الأشياء (بِقُوَّةٍ) أي بجد ونية صادقة (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي التوراة. أي يعملوا بمحكمها ويؤمنوا بمتشابهها وقال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) (١٤٥) أي سأدخلكم الشام بطريق الإيراث ، وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها فلا تفسقوا مثل فسقهم. وقرئ «سأورثكم» بالثاء المثلثة (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) أي سأزيل الذين يتكبرون في الأرض بالدين الباطل عن إبطال آياتي بإهلاكهم على يد موسى ، وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون في إبطال ما رآه من الآيات فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها ، أي وإنما يرى بنو إسرائيل دار الفاسقين بعد هلاكهم (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) أي وأن يشاهدوا كل معجزة كفروا بكل واحدة منها (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ) أي الدين الحق والخير (لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أي لا يسلكوا سبيله.
وقرأ حمزة والكسائي «الرشد» بفتح الراء والشين. والباقون بضم الراء وسكون الشين.
وروي عن ابن عامر بضمتين ، وقال أبو عمرو بن العلاء : «الرشد» بضم وسكون : الصلاح في النظر. وبفتحتين : الاستقامة في الدين (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِ) أي الضلال (يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أي يختارونه مسلكا لأنفسهم (ذلِكَ) أي تكبرهم وعدم إيمانهم بشتى من الآيات وإعراضهم عن سبيل الرشد وإقبالهم التام إلى سبيل الغي (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي حاصل بسبب أنهم كذبوا بكتابنا الدال على بطلان اتصافهم بالقبائح (وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) (١٤٦) أي وكانوا جاحدين بها (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي بكتابنا (وَلِقاءِ الْآخِرَةِ) أي وبلقائهم الآخرة التي هي موعد الجزاء (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي حسناتهم التي لا تتوقف على نية ، كصلة الأرحام وإغاثة الملهوفين وإن نفعتهم في تخفيف العذاب ، لكن التخفيف لا يقال له : ثواب. (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٤٧) أي ما يجزون في الآخرة إلا على ما كانوا يعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً) أي صاغ موسى السامري المنافق وهو من بني إسرائيل من بعد انطلاق سيدنا موسى عليهالسلام إلى الجبل عجلا من ذهب (جَسَداً) أتى بهذا البدل لدفع توهم أنه صورة عجل منقوشة على حائط مثلا (لَهُ خُوارٌ) أي صوت.
وقرأ علي رضياللهعنه «جؤار» بالجيم والهمزة أي صياح. قيل : إن بني إسرائيل كان لهم ، عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي ، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل وصارت ملكا لهم ، فجمع السامري تلك الحلي. وكان رجلا مطاطا فيهم صائغا ، فصاغ السامري عجلا وأخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليهالسلام فألقاه في جوف ذلك العجل ،
فانقلب لحما ودما ، وظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامري : هذا إلهكم وإله موسى (أَلَمْ يَرَوْا) أي ألم يعلم قوم موسى (أَنَّهُ) أي العجل (لا يُكَلِّمُهُمْ) بشيء (وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) بوجه من الوجوه (اتَّخَذُوهُ) أي عبدوه (وَكانُوا ظالِمِينَ) (١٤٨) لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي لما اشتد ندمهم على عبادة العجل. و «سقط» مبني للمجهول ، وأصل الكلام : سقطت أفواههم على أيديهم فـ «في» بمعنى على وذلك من شدة الندم ، فإن العادة أن الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عضّ بفمه على أصابعه ، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم على سبيل الكناية (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) أي تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم أبصروه بعيونهم بحيث تيقنوا ضلالهم بعبادة العجل. (قالُوا) أي قال بعضهم لبعض : (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا) فيعذبنا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) (١٤٩) بالعقوبة.
وقرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب في الفعلين حكاية لدعائهم وبنصب «ربنا» على النداء (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ) من مناجاته (غَضْبانَ) على قومه لأجل عبادتهم العجل (أَسِفاً) أي حزينا لأن الله تعالى فتنهم (قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) أي بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعد انطلاقي إلى الجبل. وهذا الخطاب إما لعبدة العجل من السامري وأشياعه ، أي بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله تعالى ، وإما لهارون والمؤمنين معه أي بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم هذه (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) أي أعجلتم وعد ربكم من الأربعين فلم تصبروا له وذلك أنهم قدروا أن موسى لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات فإنهم عدوا عشرين يوما بلياليها أربعين (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) أي وضع ألواح التوراة في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه فلما فرغ عاد إليها فأخذها بعينها (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ) أي بشعر رأس هارون (يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) أي إلى نفسه لا على سبيل الإهانة بل ليستكشف منه كيفية تلك الواقعة (قالَ) هارون (ابْنَ أُمَ).
قراه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الميم هنا وفي طه. والباقون بفتحها في السورتين (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) أي وجدوني ضعيفا (وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي) لأني نهيتهم عن عبادة العجل (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ) أي فلا تسر الأعداء أصحاب العجل بما تفعل بي من المكروه (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (١٥٠) أي ولا تظن أني واحد من الذين عبدوا العجل مع براءتي منهم وإنما قال هارون تلك المقالة لأنه يخاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليهالسلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل. (قالَ) موسى : (رَبِّ اغْفِرْ لِي) فيما
أقدمت على أخي هارون من هذا الغضب (وَلِأَخِي) في تركه التشديد على عبدة العجل (وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ) أي جنتك بمزيد الأنعام بعد غفران ما سلف منا (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (١٥١) فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) أي عبدوه واستمروا على عبادته كالسامري وأشياعه (سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ) عظيم كائن (مِنْ رَبِّهِمْ) في الآخرة (وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وهي الاغتراب والمسكنة المنتظرة لهم ولأولادهم جميعا والذلة التي اختص بها السامري هو الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس ، ويروى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإذا مس أحدهم أحدا غيرهم حما جميعا في الوقت (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (١٥٢) أي الكاذبين على الله.
والمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا.
قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة لأن المبتدع مفتر في دين الله (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) أي التي من جملتها عبادة العجل (ثُمَّ تابُوا) عن تلك السيئات (مِنْ بَعْدِها) أي من بعد عملها (وَآمَنُوا) إيمانا صحيحا بالله تعالى بأن صدقوا بأنه تعالى لا إله غيره ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى (إِنَّ رَبَّكَ) أي يا أفضل الخلق (مِنْ بَعْدِها) أي من بعد تلك التوبة المقرونة بالإيمان (لَغَفُورٌ) للذنوب وإن عظمت وكثرت (رَحِيمٌ) (١٥٣) أي مبالغ في إفاضة فنون الرحمة الدنيوية والأخروية أي من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له وهذا من أعظم ما يفيد البشارة للمذنبين (وَلَمَّا سَكَتَ) أي زال (عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) باعتذار أخيه وتوبة القوم. وقرئ «سكن» بالنون ، و «أسكت» بالتاء مع الهمزة على أن الفاعل هو الله تعالى أو أخوه (أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها) أي وفي المكتوب فيها من اللوح المحفوظ (هُدىً) أي بيان للحق (وَرَحْمَةٌ) للخلق بإرشادهم إلى ما فيه الخير والصلاح (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (١٥٤) اللام الأولى متعلق بمحذوف وهو صفة لرحمة والثانية لتقوية عمل الفعل المؤخر (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا).
روي أن موسى اختار من اثني عشر سبطا ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال : ليتخلف منكم رجلان. فتشاجروا ، فقال : إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ، فخرج بهم إلى طور سيناء فلما دنوا من الجبل غشية غمام فدخل موسى بهم الغمام ، وخروا سجدا فسمعوه تعالى يكلم موسى بأمره وينهاه ، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إلى موسى وقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. أي لن نصدقك في أن الآمر بما سمعنا من الأمر بقتل أنفسهم هو الله تعالى حتى نراه فأخذتهم رجفة الجبل يوما وليلة.
تنبيه : «اختار» يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بـ «من» ثم يحذف حرف الجر ويوصل الفعل إلى المجرور وسبعين مفعول أول (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الزلزلة الشديدة. (قالَ)
موسى : (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ) أي من قبل خروجهم إلى الميقات (وَإِيَّايَ) معهم. قاله تسليما لقضاء الله تعالى. أي إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدم مشيئتك إياه (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) أي ظن موسى إنما أهلكهم الله بعبادة قومهم العجل وقال هذا على طريق السؤال ، وقال المبرد : «هو استفهام استعطاف ، أي لا تهلكنا بسبب فعل عباد العجل (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي ما الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا محنتك بأن أوجدت في العجل خوارا فزاغوا به وأسمعتهم كلامك فافتتنوا بذلك حتى طمعوا فيما فوق ذلك (تُضِلُّ بِها) أي بتلك الفتنة (مَنْ تَشاءُ) إضلالة فلا يهتدي إلى التثبت (وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) هدايته إلى الحق فلا يتزلزل في أمثالها فيقوى بها إيمانه (أَنْتَ وَلِيُّنا) أي أنت القائم بأمورنا الدنيوية والأخروية (فَاغْفِرْ لَنا) ما قارفناه من المعاصي (وَارْحَمْنا) بإفاضة آثار الرحمة الدنيوية والأخروية علينا (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) (١٥٥) لأنك تغفر ذنوب عبادك لا لغرض بل لمحض الفضل والكرم أما غيرك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثواب الجزيل أو للثناء الجميل أو دفعا للربقة الخسيسة عن القلب (وَاكْتُبْ لَنا) أي أثبت لنا (فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) أي نعمة وطاعة (وَفِي الْآخِرَةِ) أي واكتب لنا في الآخرة حسنة وهي الجنة (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) أي رجعنا عمّا صنعنا من المعصية التي جئناك للاعتذار عنها (قالَ) تعالى : (عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) وليس لأحد على اعتراض لأن الكل ملكي.
وقرأ الحسن «من أساء» فعل ماض من الإساءة. واختار الشافعي هذه القراءة (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) أي إن رحمته في الدنيا عمّت الكل ، وأما في الآخرة فرحمته مختصة بالمؤمنين كما أشار تعالى إليه بقوله تعالى : (فَسَأَكْتُبُها) أي فسأثبتها في الآخرة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) أي الكفر والمعاصي (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) أي يعطون زكاة أموالهم (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا) أي دلائل وحدانيتنا وقدرتنا (يُؤْمِنُونَ) (١٥٦) (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ) أي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ومع ذلك قد جمع علوم الأولين والآخرين (الَّذِي يَجِدُونَهُ) يلقون اسمه ونعته (مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) اللذين تعبّد بهما بنو إسرائيل (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أي بالتوحيد وبمكارم الأخلاق وبر الوالدين ، وصلة الأرحام. (وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي عبادة الأوثان والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين وقطع الرحم وعقوق الوالدين (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ) أي الأشياء المستطابة بحسب الطبع ، فكل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع فهو حلال إلا لدليل منفصل (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) أي كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس. فكل ما يستخبثه الطبع حرام إلا لدليل منفصل وعلى هذا فرع الشافعي تحريم بيع الكلب لأنه روي عن ابن عباس عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «الكلب خبيث وخبيث ثمنه وإذا ثبت أن ثمنه ، خبيث ثبت أن يكون حراما ، والخمر محرّمة لأنها رجس والرجس خبيث بإطباق أهل اللغة عليه
والخبيث حرام» (١). (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) أي يخفف عنهم ثقلهم ، والشدائد التي كانت في عباداتهم : كقطع أثر البول من الجلد والثوب ، وإحراق الغنائم وتحريم السبي ، وقتل النفس في التوبة ، وتعيين القصاص في العمد والخطأ ، وقطع الأعضاء الخاطئة. وعن عطاء : كانت بنو إسرائيل إذا قاموا إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعا لله تعالى. فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة ، أي وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليهالسلام فلما جاء محمد صلىاللهعليهوسلم نسخ ذلك كله ، ويدل عليه قوله صلىاللهعليهوسلم : «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (٢). وقرأ ابن عامر وحده آصارهم على الجمع (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) أي بنبوة محمد صلىاللهعليهوسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَعَزَّرُوهُ) أي أعانوه بمنع أعدائه منه (وَنَصَرُوهُ) أي على أعدائه في الدين بالسيف (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي واتبعوا القرآن الذي أنزل مع نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم فإن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن وعبر عنه بالنور الدال على كونه مظهرا للحقائق (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٥٧) أي الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة والناجون من السخط والعذاب لا غيرهم من الأمم (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الذي (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ).
واعلم أن هذه الدعوى ـ وهي دعوى رسول الله ـ لا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول ثلاثة :
أولها : إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا ، والذي يدل عليه ما في قوله تعالى : (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [البروج : ٩] لأنه بتقدير عدم حصول مؤثر للعالم في وجوده ، أو بتقدير كون المؤثر موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار لم يصح القول ببعثة الأنبياء عليهمالسلام.
وثانيها : إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند وإليه الإشارة بقوله تعالى (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ، لأنه إذا لم يثبت كون الإله تعالى واحدا لم يكن إرسال الرسل ، وإنزال الكتب جائزا لأنه بتقدير كون إلهين للعالم يجوز أن يكون الإنسان الذي يدعوه رسول أحدهما مخلوقا للإله الثاني ، فإيجاب الطاعة للإله الذي لم يخلقه ظلم وباطل.
وثالثها : إثبات أنه تعالى قادرا على الحشر والنشر والبعث والقيامة وإليه الإشارة بقوله تعالى : (يُحيِي وَيُمِيتُ) لأنه تعالى لما أحيا أولا ثبت كونه تعالى قادرا على الإحياء ثانيا ، ويكون
__________________
(١) رواه مسلم في كتاب المساقاة ، باب : ٤١ ، وأبو داود في كتاب البيوع ، باب : في كسب الحجام ، والترمذي في كتاب البيوع ، باب : ٤٦ ، والدارمي في كتاب البيوع ، باب : في النهي عن كسب الحجام ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٧٨).
(٢) رواه أحمد في (م ٥ / ص ٢٦٦).
قادرا على إيصال الجزاء لأنه بتقدير عدم ثبوت الإعادة كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثا ولغوا ، ولما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن الخلق كلهم عبيده تعالى ولذلك قال تعالى : (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ).
واعلم أن هذا إشارة إلى المعجزات الدالة على كون محمد نبيا حقا ، ومعجزات رسول الله كانت على نوعين
الأول : المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة وأجلها أنه صلىاللهعليهوسلم كان رجلا أمّيا لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتابا ، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ومع ذلك فتح الله عليه باب العلم وأظهر عليه القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فظهور هذه العلوم العظيمة على من كان صفته أميا أعظم المعجزات.
والثاني : المعجزات التي ظهرت من خارج ذاته مثل انشقاق القمر ونبوع الماء من بين أصابعه وهي تسمى بكلمات الله تعالى ، لأنها لما كانت أمورا غريبة خارقة للعادة تسمى بكلمات الله ، كما أن عيسى عليهالسلام لما كان حدوثه أمرا غريبا مخالفا للمعتاد سماه الله تعالى كلمة.
وقال ابن عباس : ومعنى كلماته بالجمع كتابه ـ وهو القرآن ـ وإن قرئ «وكلمته» بالإفراد كان معناه عيسى ، وهذا تنبيه على أن من لم يؤمن به لم يعتدّ بإيمانه وتعريض باليهود ، ولما ثبت بالدلائل نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ذكر الله الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه بالتفصيل وهو الرجوع إلى أقواله وأفعاله فقال : (وَاتَّبِعُوهُ) أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥٨) أي رجاء لاهتدائكم إلى المطلوب (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ) أي جماعة (يَهْدُونَ بِالْحَقِ) أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق (وَبِهِ) أي بالحق (يَعْدِلُونَ) (١٥٩) في الأحكام الجارية فيما بينهم ، فقيل : هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول وأسلموا مثل عبد الله بن سلام وابن صوريا. وقيل : إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف في زمن تفريق بني إسرائيل وإحداثهم البدع.
وقال السدي وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء بقي سبط من جملة الاثني عشر ، فما صنعوا وسألوا الله تعالى أن ينقذهم منهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين عند مطلع الشمس على نهر رمل يسمى أردن وهم اليوم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) أي فرقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلا من أولاد يعقوب ، وميزنا بعضهم من
بعض أسباطا قائم مقام قبيلة وهو تمييز أو بدل من اثنتي عشرة وأمما بدل من أسباطا أي وصيّرناهم أمما ، لأن كل سبط كان أمة عظيمة (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ) حين استولى عليهم العطش في التيه الذي وقعوا فيه بسوء صنيعهم واستسقاء موسى لهم (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) الذي معك (فَانْبَجَسَتْ) أي فضرب فانفجرت (مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) بعدد الأسباط (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ) أي كل سبط (مَشْرَبَهُمْ) أي عينهم الخاصة بهم (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ) في التيه من حر الشمس تسير الغمام بسيرهم وتسكن بإقامتهم ، وتضيء لهم في الليل مثل السراج (وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَ) وهو شيء حلو كان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس ويأخذ كل إنسان صاعا (وَالسَّلْوى) أي الطير السماني بتخفيف الميم وبالقصر ، وتسوقه الريح الجنوب عليهم فيذبح كل واحد منهم ما يكفيه وهو يموت إذا سمع صوت الرعد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوانهما ، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض ، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) أي وقلنا لهم : كلوا من مستلذاته من المن والسلوى ، والمعنى قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وعلى ترك غيره ، فامتنعوا من ذلك وسئموا وسألوا غير ذلك (وَما ظَلَمُونا) بمقابلة تلك النعم بالكفران (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١٦٠) بمخالفتهم ما أمروا به (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) أي اذكر يا أكرم الرسل لبني إسرائيل وقت قوله تعالى لأسلافهم : (اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ) أي قرية الجبارين قوم من بقية عاد رئيسهم عوج بن عنق أي قال الله تعالى على لسان موسى لهم : إذا خرجتم من التيه اسكنوا بيت المقدس أو قال لهم على لسان يوشع بعد خروجهم من التيه اسكنوا أريحاء (وَكُلُوا مِنْها) أي القرية (حَيْثُ شِئْتُمْ) ومتى شئتم (وَقُولُوا حِطَّةٌ) أي أمرك حطّة لذنوبنا (وَادْخُلُوا الْبابَ) أي باب القرية. وقيل : باب القبة التي كانوا يصلون إليها (سُجَّداً) شكرا على إخراجهم من التيه (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ).
وقرأ نافع وابن عامر «تغفر» بالتاء المضمومة. وقرأ نافع «خطيئاتكم» بجمع السلامة ، وابن عامر «خطيئتكم» على التوحيد ، والباقون «نغفر» بنون مفتوحة ، وأبو عمرو خطاياكم بجمع التكسير. والباقون خطيئاتكم بجمع السلام وفي قراءة «يغفر» بالياء فعلى هذا لا يقرأ خطابا بالإفراد وعلى التاء لا يقرأ خطابا (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (١٦١) بالطاعة في إحسانهم (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) وهم أصحاب الخطيئة (قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) أي غير الذي أمروا به من التوبة وقالوا مكان حطة حنطة.
وروي أنهم دخلوا زاحفين على أدبارهم استخفافا بأمر الله تعالى واستهزاء بموسى (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ) عقب ما فعلوا من غير تأخير (رِجْزاً مِنَ السَّماءِ) أي عذابا كائنا منها وهو الطاعون (بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) (١٦٢) أنفسهم لأنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى.
روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) أي واسأل يا أشرف الخلق ، اليهود المعاصرين لك ، سؤال تقريع عن خبر أهل المدينة التي كانت قريبة من بحر القلزم ، وهي أيلة قرية بين مدين والطور. وقيل : هي قرية يقال لها : مقنا بين مدين وعينونا ، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا : لم يصدر من بني إسرائيل كفر ولا مخالفة للرب فأمره الله تعالى أن يسألهم عن حال أهل هذه القرية في زمن داود عليهالسلام تقريعا ، فإنهم يعتقدون أنه لا يعلمه أحد غيرهم ، فذكر الله لهم قصة أهل تلك المدينة فبهتوا وظهر كذبهم (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) أي يجاوزون حد الله تعالى بأخذ الحيتان يوم السبت وقد نهوا عنه (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ) أي يوم تعظيمهم لأمر السبت بالتجرد للعبادة (شُرَّعاً) أي ظاهرة على وجه الماء قريبة من الساحل (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ).
وقرئ شاذا بضم الباء. وقرأ علي رضياللهعنه بضم الياء من الرباعي ، وعن الحسن بالبناء للمفعول أي لا يدخلون في السبت (لا تَأْتِيهِمْ).
قال ابن عباس ومجاهد : إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه ، وأمروا بتعظيمه فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل (كَذلِكَ) أي مثل ذلك البلاء (نَبْلُوهُمْ) أي نعاملهم معاملة من يختبرهم (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٣) أي بسبب فسقهم (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ) أي جماعة من أهل القرية ومن صلحائهم الذين ركبوا الصعب في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين لا يقلعون عن وعظهم رجاء للنفع وطمعا في فائدة الإنذار (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ) أي مخزيهم في الدينا (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) في الآخرة لعدم إقلاعهم عمّا كانوا عليه من الفسق (قالُوا) أي الواعظون : (مَعْذِرَةً).
قرأه حفص عن عاصم بالنصب أي وعظناهم لأجل المعذرة. والباقون بالرفع أي موعظتنا معذرة (إِلى رَبِّكُمْ) لئلا ننسب إلى نوع تفريط في النهي عن المنكر (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١٦٤) أي ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) أي فلمّا تركوا ما وعظوا به بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلا (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) أي عن أخذ الحيتان يوم السبت وهم الفريقان المذكوران (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) بأخذ الحيتان ذلك اليوم (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) أي شديد. وقرأ أبو بكر «بيئس» على وزن ضيغم وابن عامر «بئس» بوزن حذر (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٥) أي أخذناهم بالعذاب بسبب الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة وهو الظلم فالباءان متعلقان بأخذنا (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ) أي فلما أبوا عن ترك ما نهوا عنه (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا
قِرَدَةً خاسِئِينَ) (١٦٦) أذلاء بعداء عن الناس (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ) أي يذيقهم (سُوءَ الْعَذابِ) أي واذكر يا أكرم الرسل إذ أعلم الله أسلاف اليهود على ألسنة أنبيائهم إن لم يؤمنوا بأنبيائهم أن يسلط عليهم من يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية وهو محمد صلىاللهعليهوسلم وأمته (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ) إذا جاء وقته لمن عصاه فيعاقبهم في الدنيا أما قبل مجيء وقت العذاب فهو شديد الحلم (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٦٧) لمن تاب من الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) أي فرقنا اليهود الذين كانوا قبل زمن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في الأرض فرقا كثيرة حتى لا تكون لهم شوكة فلا يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) وهم الذين آمنوا بالمدينة ومن يسير بسيرتهم أو الذين وراء نهر الرمل (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) أي ومنهم من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ) أي بالنعم والخصب والعافية (وَالسَّيِّئاتِ) أي بالجدوبة والشدائد (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١٦٨) أي لكي يرجعوا عن معصيتهم إلى طاعة ربهم فإن كل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة بالترغيب والترهيب (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بدل سوء (وَرِثُوا الْكِتابَ) أي أخذوا التوراة من أسلافهم (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أي متاع الدنيا على تحريف الكلام في صفة محمد صلىاللهعليهوسلم وفي الأحكام وهم يستحقرون ذلك الذنب (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) أي ويقولون : لا يؤاخذنا الله تعالى وإن يأتهم متاع مثل ما أتاهم أمس يأخذوه لحرصهم على الدنيا ولا يستمتعون منه. أو المعنى أنهم يتمنون المغفرة من الله تعالى ، والحال أنهم مصرون على الذنب غير تائبين عنه (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) أي ألم يؤخذ عليهم ميثاق كائن في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا الصدق ، وقد منعوا فيها عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة وللتمني ففيه افتراء على الله تعالى ، ففيها من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة وأن لا يقولوا عطف بيان للميثاق (وَدَرَسُوا ما فِيهِ) أي ذكروا ما في الكتاب لأنهم قرءوه أو ذكروا ما أخذ عليهم لذلك وهذا عطف على ورثوا أو على ألم يؤخذ فإن المقصود من الاستفهام التقريري إثبات ما بعد النفي. والمعنى قد أخذ عليهم الميثاق ودرسوا ما في ذلك الميثاق (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ) أي الجنة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) عقاب الله من تلك الرشوة الخبيثة (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٦٩) أن الدنيا فانية والآخرة باقية.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب التفاتا لهم ويكون المراد إعلاما بتناهي الغضب وتشديد التوبيخ ، أو يكون خطابا لهذه الأمة أي أفلا تعقلون حالهم. والباقون بالياء على الغيبة مراعاة لها في الضمائر السابقة (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ) قرأه أبو بكر عن عاصم بسكون الميم. والباقون بفتحها وتشديد السين (بِالْكِتابِ) أي والذين يعملون بما في الكتاب (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) وإنما أفردت بالذكر لأنها أعظم العبادات بعد الإيمان (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (١٧٠) وهذه
الجملة خبر للموصول والربط حاصل بلفظ المصلحين لأنه قائم مقام الضمير لا سيما وهو فيه الألف واللام فإنها تكفي في الربط عند الكوفيين. وقيل : الخبر محذوف والتقدير مثابون وقوله تعالى : (إِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراض وهذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) أي واذكر يا أشرف الخلق إذا قلعنا الجبل الذي سمع موسى عليه كلام ربه وأعطي الألواح وجعلناه فوق رؤوسهم كأنه سقيفة (وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ) إن لم يقبلوا أحكام التوراة (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) أي وقلنا لهم : اعملوا بما أعطيناكم بجد على احتمال تكاليفه (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الثواب والعقاب ويقال : احفظوا ما فيه من الأمر والنهي ويقال : اعملوا بما فيه من الحلال والحرام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٧١) أي راجين أن تنتظموا في سلك المتقين (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وقرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر على الجمع. والباقون على التوحيد أي واذكر يا أكرم الخلق لليهود حين أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) قال : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا) وذكر هذه الآية يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين. والمقصود من ذكرها هنا الاحتجاج على اليهود بتذكير الميثاق العام المنتظم للناس كافة ومنعهم عن التقليد وحملهم على الاستدلال.
وفي تفسير هذه الآية طريقان : طريق السلف ، وطريق الخلف. فطريق السلف : أن الله تعالى لما خلق آدم أخرج أولا ذرية آدم كالذر من ظهره أي من مسام شعر ظهره إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال لها : سم مثل سم الخياط في النفوذ فتخرج الذرة الضعيفة منها كما يخرج الصئبان من العرق السائل ، ثم أخرج من هذه الذر الذي أخرجه من آدم ذريته ذرا ، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته ذرا ، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته ذرا ، وهكذا إلى آخر النوع الإنساني وانحصر الجميع قدام آدم ونظر لهم بعينه ، وخلق الله تعالى فيهم العقل والفهم والنطق ، وجعل الذر المسلم أبيض والكافر أسود ، وخاطب الجميع بقوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) فقال الجميع : بلى أي أنت ربنا ، ثم أعاد الجميع إلى ظهر آدم. ويجب اعتقاد إخراج الذرية من ظهر آدم كما شاء الله ومعنى قوله تعالى : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) إلخ أي استنطقهم بربوبيته تعالى فأقروا بذلك.
وقال الحكيم الترمذي : إن الله تعالى تجلى للكفار بالهيبة ، فقالوا : بلى مخافة منه تعالى ، فلم يك ينفعهم إيمانهم. وتجلى للمؤمنين بالرحمة ، فقالوا : بلى مطيعين مختارين ، فنفعهم إيمانهم ، وطريق الخلف أن الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم ، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه وغرائب صنعه ، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا : بلى وإن لم يكن هناك قول
باللسان فمحصل هذه الطريقة أنه لا إخراج ولا قول ، ولا شهادة بالفعل وإنما هذا كله على سبيل المجاز التمثيلي فشبه حال النوع الإنساني بعد وجوده بالفعل بصفات التكليف من حيث نصب الأدلة على ربوبية الله المقتضية ، لأن ينطق ويقر بمقتضاها بأخذ الميثاق عليه بالفعل بالإقرار بما ذكر وحينئذ فمعنى قوله تعالى : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أي ونصب الله لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل والله أعلم بحقيقة الحال (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ) (١٧٢) (أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ).
وقرأ أبو عمرو بالياء على الغيبة. والباقون بالتاء وفي قوله تعالى : (شَهِدْنا) قولان ، فقيل : إنه من كلام الملائكة وذلك لأنهم لما قالوا : بلى قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا ، فقالوا : شهدنا عليهم لئلا يقولوا ما أقررنا ، أو لئلا تقولوا أيها الكفرة ، أو شهدنا عليهم كراهة أن يقولوا.
وقيل : إنه من بقية كلام الذرية أي وأشهدهم على أنفسهم بكذا وكذا لئلا يقولوا يوم القيامة عند ظهور الأمر إنا كنا عن وحدانية الربوبية لا نعرفه ، أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير فلا يجوز الوقف عند قوله : (شَهِدْنا) ولا يحسن على بلى. وقوله : (أَوْ تَقُولُوا) معطوف على (أَنْ تَقُولُوا).
والمعنى أن المقصود من هذا الإشهاد لئلا يقول الكفار : إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا من قبل زماننا فقلدناهم في ذلك الشرك.
وقال الخلف : معنى هذه الآية أنا نصبنا هذه الدلائل وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فما نبهنا عليه منبه ، أو كراهة أن يقولوا : إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا ، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على الاقتداء بالآباء كما قالوا : (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) لا نقدر على الاستدلال بالدليل (أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (١٧٣) من آبائنا المضلين فالمؤاخذة إنما هي عليهم ، والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك ، لأنه قامت الحجة عليهم يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمتهم الحجة ولا تسقط الحجة بنسيانهم بعد إخبار الرسل (وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١٧٤) أي مثل ما بيّنا خبر الميثاق في هذه الآية نبين سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) (١٧٥) أي واتل يا أكرم الخلق على اليهود خبر
الذي آتيناه علوم الكتب القديمة والتصرف بالاسم الأعظم وهو أحد علماء بني إسرائيل فكان يدعو به حيث شاء فيجاب بعين ما طلب في الحال ، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش ، وكان في مجلسه اثنا عشر ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه ، ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا أن ليس للعلم صانع وهذا معنى فانسلخ منها أي انسلخ من تلك الآيات انسلاخ الحية من جلدها بأن كفر بها فأدركه الشيطان فصار من زمرة الضالين.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهمالله تعالى : نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء ، وذلك لأن موسى عليهالسلام قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفارا ، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليهالسلام وقومه وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم ، فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه فقال موسى : يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال : بدعاء بلعم ، فقال : كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان ، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) أي ولو شئنا رفعه لرفعناه للعمل بتلك الآيات ، فكان يرفع منزلته بواسطة تلك الأعمال الصالحة (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) أي مال إلى الدنيا فآثر الدنيا الدنية على المنازل السنية (وَاتَّبَعَ هَواهُ) في إيثار الدنيا معرضا عن تلك الآيات الجليلة (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) أي صفة بلعم كصفتي الكلب في حالتي التعب والراحة ، فهذا الكلب إن شد عليه لهث وإن ترك أيضا لهث لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال طبيعة ذاتية له واللهث إدلاع اللسان بالتنفس الشديد أي فالكلب دائم اللهث سواء أزعجته بالطرد العنيف ، أو تركته على حاله بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد إلا عند التعب (ذلِكَ) أي المثل السيئ (مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) وهم اليهود حيث أوتوا في التوراة ما أوتوا من نعوت النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وبشروا الناس باقتراب مبعثه فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) أي فاقصص يا أكرم الرسل على قومك قصص الذين كذبوا أنبياءهم (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (١٧٦) أي يتعظون (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) (١٧٧) معطوف على كذبوا داخل معه في حكم الصلة ، أي الذين جمعوا بين التكذيب في آيات الله وظلم أنفسهم خاصة.
وقرأ الجحدري ساء مثل القوم (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) أي من يخلق الله فيه الاهتداء فهو المهتدي لدينه بإثبات الياء وصلا ووقفا عند جميع القراء لثبوتها في الرسم بخلاف ما في
الكهف والإسراء (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي بأن لم يخلق فيه الاهتداء بل خلق فيه الضلالة لصرف اختياره جهتها (فَأُولئِكَ) الموصوفون بالضلالة (هُمُ الْخاسِرُونَ) (١٧٨) أي الكاملون في الخسران في الدنيا والآخرة ، فالهداية والضلالة من جهة الله تعالى وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء من غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره جهة تحصيله كسائر أفعال العباد (وَلَقَدْ ذَرَأْنا) أي خلقنا (لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) بسبب امتناعهم عن صرفها إلى تحصيل الفهم فلهم وصف أو حال من كثيرا وقلوب فاعل به (وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها) شيئا من المبصرات إبصار اعتبار (وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) أي شيئا من المسموعات سماع تأمل فلا يفهمون بقلوبهم ولا يبصرون بأعينهم ولا يسمعون بآذانهم ما يرجع إلى مصالح الدين (أُولئِكَ) أي الموصوفون بالأوصاف المذكورة (كَالْأَنْعامِ) في انتفاء الشعور (بَلْ هُمْ أَضَلُ) من الأنعام لأنها تعرف صاحبها وتطيعه ، وهؤلاء الكفار لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه ، وفي الخبر : «كل شيء أطوع لله من ابن آدم» (أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٧٩) عمّا أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) أي الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها لدلالتها على أحسن المعاني وأشرفها (فَادْعُوهُ بِها) أي فسموه بتلك الأسماء (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) أي واجتنبوا الذين يميلون في شأن أسماء الله تعالى عن الحق إلى الباطل إما بأن يسموه تعالى بما لا إذن فيه من كتاب وسنة ، أو بما يوهم معنى فاسدا فلا يجوز أن يقال لله تعالى : يا سخي ولا يا عاقل ، ولا يا طبيب ، ولا يا فقيه ، ولا يجوز أن يقال لله تعالى : يا نجي ، يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه ، لأن أسماء الله تعالى توقيفية أي تعليمية من الشرع لا اصطلاحية ، وقوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء ، وعرف بالدليل أن له إلها وربا خالقا موصوفا بتلك الصفات الشريفة فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إنّ لتلك الدعوة شرائط كثيرة منها أن يستحضر الأمرين عزة الربوبية ، وذلة العبودية فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر. وقرأ حمزة يلحدون بفتح الياء والحاء ووافقه عاصم والكسائي في النحل (سَيُجْزَوْنَ) في الآخرة (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٨٠) وهذا تهديد لمن ألحد في أسماء الله تعالى (وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ) أي طائفة كثيرة (يَهْدُونَ بِالْحَقِ) أي يهدون الناس ملتبسين بالحق ويدلونهم على الاستقامة (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (١٨١) أي وبالحق يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (١٨٢) أي والذين كذبوا بآياتنا التي هي معيار الحق وهو القرآن ، سنقربهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد به وذلك لأنهم كما أوتوا بجرم فتح الله عليهم بابا من أبواب النعمة والخير في الدنيا فيزدادون بطرا وانهماكا
في الفساد ويتدرجون في المعاصي بسبب ترادف تلك النعم ، ثم يأخذهم الله تعالى دفعة واحدة على غرتهم أغفل ما يكونون (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أمهلهم وأطيل مدة أعمارهم (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (١٨٣) أي إن استدراجي قوي لا يدافع بقوة ولا بحيلة. وسمى العذاب كيدا لأن ظاهره إحسان ولطف وباطنه خذلان وقهر (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) أي أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا ليس بنبيهم محمد صلىاللهعليهوسلم حالة قليلة من الجنون والتعبير عنه صلىاللهعليهوسلم بصاحبهم للإعلام بأن طول مصاحبتهم له صلىاللهعليهوسلم مما يطلعهم على نزاهته صلىاللهعليهوسلم عن شائبة جنون ، فـ «ما» نافية اسمها «جنة» وخبرها «بصاحبهم» والجملة في محل نصب معمولة لـ «يتفكروا» (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (١٨٤) أي ما هو إلا رسول مخوف مظهر لهم في التخويف بلغة يعلمونها (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) أي أكذبوا بها ولم ينظروا نظر تأمل فيما يدل عليه السموات والأرض من عظم الملك وكمال القدرة ، وفيما خلق فيهما من جليل ودقيق ليدلهم ذلك على العلم بوحدانية الله تعالى وبسائر شؤونه التي تنطق بها تلك الآيات فيؤمنوا بها فإن كل فرد من أفراد الأكوان دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل واضح إلى التوحيد (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) أي وفي أن الشأن عسى أن يكون أجلهم قد اقترب أي لعلهم يموتون عن قريب فما لهم لا يسارعون إلى التدبر في الآيات التكوينية الشاهدة بما كذبوه من الآيات القرآنية فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (١٨٥) أي فبأي كتاب بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به ، أي لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة فكيف يرجى منهم الإيمان بغيره (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ) فإن إعراضهم عن الإيمان لإضلال الله إياهم (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ) أي ضلالهم (يَعْمَهُونَ) (١٨٦) أي يتحيرون.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر و «نذرهم» بالنون والرفع على طريقة الالتفات. وأبو عمرو بالياء والرفع. وحمزة والكسائي بالياء والجزم. وقد روي الجزم بالنون عن نافع وأبي عمرو في الشواذ. (يَسْئَلُونَكَ) يا أشرف الخلق سؤال استهزاء (عَنِ السَّاعَةِ) أي عن وقت القيامة منهم ممل بن أبي قشير ، وشمويل بن زيد. والساعة : من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا ، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة على حين غفلة من الخلق ، أو لأن حساب الخلق يقضى فيها في ساعة واحدة ، أو لأنها مع طولها في نفسها كساعة واحدة عند الخلق (أَيَّانَ مُرْساها) أي متى حصولها (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) أي إنه تعالى قد انفرد به بحيث لم يخبر به أحدا من ملك مقرب أو نبي مرسل (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها) أي لا يظهر أمرها الذي تسألونني عنه في وقتها المعين (إِلَّا هُوَ) أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام إلا هو (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض فلم يعلم أحد من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين متى وقوعها (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) أي فجأة على غفلة.قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «إن الساعة تفجأ
الناس فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته. والرجل يقوم بسلعته في سوقه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه».(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) أي يسألونك عن كنه ثقل الساعة مشبها حالك عندهم بحال من هو بالغ في العلم بها ، وحقيقة الكلام كأنك مبالغ في السؤال عنها فإن ذلك في حكم المبالغة في العلم بها (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (١٨٧) أي لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ) أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير. ونظيره قوله تعالى في سورة يونس : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) [يونس : ٤٧ ، ٤٨]. وقيل : إن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا أخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل : لما رجع النّبيّ صلىاللهعليهوسلم من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها فأخبر النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «انظروا أين ناقتي؟» فقال عبد الله بن أبي مع قومه : ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت الرجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن ناسا من المنافقين قالوا : كيت وكيت ، وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة». فوجدوها على ما قال ، فأنزل الله تعالى : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ) أي أن يفعل بي من النفع والضر (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي جلب منافع الدنيا ودفع مضراتها (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أي لحصلت كثيرا من الخير بترتيب الأسباب (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) لاحترازي عنه باجتناب الأسباب (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ) من النار (وَبَشِيرٌ) بالجنة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١٨٨) بالجنة والنار (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) هو آدم عليهالسلام (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) حواء خلقها الله من ضلع آدم من غير أذى (لِيَسْكُنَ إِلَيْها) أي ليستأنس بها (فَلَمَّا تَغَشَّاها) أي جامعها (حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً) في مبادئ الأمر (فَمَرَّتْ بِهِ) أي فاستمرت بالحمل على سبيل الخفة وكانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) أي صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما) أي آدم وحواء (لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً) أي ولدا سويا مثلنا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (١٨٩) لنعمائك (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً) أي ولدا آدميا مستوى الأعضاء خاليا من العوج والعرج (جَعَلا لَهُ) تعالى (شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) أي في تسمية ما آتاهما من الولد.
وقيل : لما آتاهما ذلك الولد السوي الصالح عزما على أن يجعلاه وقفا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق ، ثم بدا لهما في ذلك فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل : لما ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل ، وقال : ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلبا أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك
فيقتلك ، أو ينشق بطنك. فخافت حواء وذكرت ذلك لآدم عليهالسلام فلم يزالا في همّ من ذلك ، ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله صالحا سويا مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحارث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث ، فآدم وحواء سميا ذلك الولد بعبد الحارث ، تنبيها على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعاء هذا الشخص المسمى بالحارث فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليهالسلام معاتبا في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد وهذا لا يقدح في كون الولد عبد الله من جهة كونه مملوكه ومخلوقه إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين (فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١٩٠). قيل : إن المشركين كانوا يقولون : إن آدم عليهالسلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها فذكر تعالى قصة آدم وحواء ، وذكر أنه تعالى لو آتاهما ولدا سويا صالحا لاستقلوا بشكر تلك النعمة ، ثم قال تعالى : (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) فقوله تعالى : (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد والتقدير فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما. ثم قال تعالى : (فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم (أَيُشْرِكُونَ) بالله تعالى في العبادة (ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً) ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده ، والعبد غير خالق لأفعاله لأن من كان خالقا كان إلها ، ولما كان ذلك باطلا علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه (وَهُمْ) أي الأصنام (يُخْلَقُونَ) (١٩١) فهي منحوتة ، أو المعنى والكافرون مخلوقون فلو تفكروا في ذلك لآمنوا ولا يشركون بالخالق شيئا (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) أي الأصنام (لَهُمْ) أي لعبدتهم (نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) (١٩٢) أي إن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تدفع عن أنفسها مكروها فإن من أراد كسرها لم تقدر على دفعه عنها ، والمعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل عبادتها (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) أي وإن تدعوا يا معشر الكفار الأصنام إلى أن يهدوكم إلى الحق لا يجيبوكم كما يجيبكم الله (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) (١٩٣) أي مستو عليكم في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم فلا يتغير حالكم في الحالين كما لا يتغير حالهم عن حكم الجمادية (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم آلهة مماثلة لكم من حيث إنها مملوكة لله تعالى مسخرة لأمره عاجزة عن النفع والضر (فَادْعُوهُمْ) في جلب نفع أو كشف ضر (فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٩٤) في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها) أي بل ألهم أيد يأخذون بها ما يرون أخذه (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها)؟ وقد قرئ إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم على إعمال إن النافية عمل ما الحجازية أي ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم بل
أدنى منكم فيكون قوله تعالى : (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) إلخ تقرير النفي المماثلة بإثبات النقصان (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ).
قال الحسن : إن مشركي أهل مكة كانوا يخوفون رسول الله صلىاللهعليهوسلم بآلهتهم فقال الله تعالى : قل يا أكرم الرسل لهم ادعوا آلهتكم واستعينوا بهم في عداوتي (ثُمَّ كِيدُونِ) أي اعملوا أنتم وآلهتكم في هلاكي وبالغوا في تهيئة ما تقدرون عليه من مكر (فَلا تُنْظِرُونِ) (١٩٥) أي اعجلوا أنتم وآلهتكم في كيدي ولا تؤجلون فإني لا أبالي بكم وبآلهتكم لاعتمادي على حفظ الله تعالى (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ) أي إن ناصري هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (١٩٦) أي ينصرهم فلا تضرهم عداوة من عاداهم.
وروي أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئا فقيل له في ذلك ، فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له وليا فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى : (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص : ١٧] ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي والذين تعبدونهم من دون الله تعالى من الأصنام (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ) في أمر من الأمور (وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) (١٩٧) أي يمنعون مما يراد بهم فكيف أبالي بهم (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا) أي وإن تدعوا أيها المشركون تلك الأوثان إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم لا يجيبوا دعاءكم فضلا عن المساعدة ، لأنهم أموات غير أحياء (وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) أي وترى يا أشرف الخلق الأصنام يشبهون الناظرين إليك لأنهم مصوّرون بالعين والأنف والأذن (وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (١٩٨) أي والحال أنهم غير قادرين على الإبصار لأنهم أموات غير أحياء (خُذِ الْعَفْوَ) أي اقبل الميسور من أخلاق الناس من غير تجسس لئلا تتولد العداوة ، أو المعنى خذ ما تيسر من المال فما أتوك به فخذه ولا تسأل عما وراء ذلك (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) أي بإظهار الدين الحق (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) من غير مماراة ولا مكافاة.
قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال صلىاللهعليهوسلم : «يا جبريل ما هذا؟». قال : «يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك». قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد أتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) أي إن يصيبنك وسوسة من الشيطان فالتجئ إليه تعالى في دفعه عنك (إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٠٠) أي إنه تعالى سميع باستعاذتك بلسانك عليم في ضميرك من استحضاره معاني الاستعاذة ، فالقول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر.
وروي أنه لما نزلت تلك الآية الكريمة قال صلىاللهعليهوسلم : «كيف يا رب والغضب متحقق» (١) فنزل قوله تعالى : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي اتصفوا بوقاية أنفسهم عمّا يضرها (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) أي إذا أصابهم وسوسة من الشيطان وغضب (تَذَكَّرُوا) ما أمرهم الله به من ترك إمضاء الغضب ومن أن الإنسان إذا أمضى الغضب كان شريكا للسباع المؤذية والحيات القاتلة ، وإن تركه واختار العفو كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء ومن أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قويا قادرا على الغضب فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه إلى ذلك الضعيف (فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) (٢٠١) أي إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ففي الحال يحصل الخلاص من وسوسة الشيطان ويحصل الانكشاف فينتهون عن المعصية (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِ) أي وإخوان الشياطين من الكفار يقوون الشياطين في الضلال ، وذلك لأن شياطين الإنس إخوان لشياطين الجن. فشياطين الإنس يضلون الناس فيكون ذلك تقوية منهم لشياطين الجن على الإضلال (ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) (٢٠٢) أي لا ينكف الغاوون عن الضلال والمغوون عن الإضلال (وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ) أي أهل مكة (بِآيَةٍ) كما طلبوا (قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها) أي هلا جمعتها من تلقاء نفسك تقولا فإنهم يزعمون أن سائر الآيات كذلك أو هلا اقترحتها على إلهك إن كنت صادقا في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر الله رسوله أن يذكر الجواب الشافي بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) أي ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح فعدم الإتيان بالمعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه صلىاللهعليهوسلم معجزة باهرة فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من باب التعنت فذكر الله تعالى في وصف القرآن ثلاثة بقوله تعالى : (هذا) أي القرآن (بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) أي بمنزلة البصائر للقلوب فيه تبصر الحق وتدرك الصواب (وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٢٠٣) بالقرآن في حق أصحاب عين اليقين وهم من بلغوا الغاية في معارف التوحيد بصائر وفي حق أصحاب علم اليقين وهم الذين وصلوا إلى درجات المستدلين هدى وفي حق عامة المؤمنين رحمة (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) وهذا خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في مسلك الاحتجاج بكونه معجزا على صدق نبوته فإنهم قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ، فأمروا بالاستماع حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن ولذا قال تعالى : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢٠٤) أي لعلكم تطلعون على ما في القرآن من دلائل الإعجاز فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين (وَاذْكُرْ
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٣ : ١٥٤).
رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) أي اذكر ربك عارفا بمعاني الأذكار التي تقولها بلسانك مستحضرا لصفات الكمال والعز والعلو ، والجلال والعظمة وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة (تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) أي متضرعا وخائفا إما في تقصير الأعمال أو في الخاتمة ، أو في أنه كيف يقابل نعمة الله التي لا حصر لها بالطاعة الناقصة والأذكار القاصرة (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) أي متوسطا بين الجهر والمخافتة بأن يذكر الشخص ربه على وجه يسمع نفسه (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) (٢٠٥). والمعنى أن قوله تعالى : (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلا في كل الأوقات. وقوله تعالى : (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله بقدر الطاقة البشرية ، وتحقيق القول أن بين الروح والبدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه إلى البدن وكل حالة حصلت في البدن صعدت منه نتائج إلى الروح.
ألا ترى أن الإنسان إذا تخيّل الشيء الحامض ضرس سنة ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن.
واعلم أن قوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) وإن كان ظاهره خطابا مع النبي صلىاللهعليهوسلم إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) أي إن الملائكة مع غاية طهارتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب وحوادث الحقد والحسد (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ) بل يؤدونها حسب ما أمروا به (وَيُسَبِّحُونَهُ) أي ينزهونه تعالى عن كل سوء (وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (٢٠٦) أي لا يسجدون لغير الله تعالى. فالتسبيح يرجع إلى المعارف والعلوم والسجود يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في العبودية أعمال القلوب ويتفرع عليها أعمال الجوارح والله أعلم.
سورة الأنفال
مدنية ، غير قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فإنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ، خمس وسبعون آية ، ألف ومائتان وثلاث وأربعون كلمة ، خمسة آلاف وثلاثمائة وثمانية وثمانون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) أي يسألك يا أشرف الخلق أصحابك منهم : سعد بن أبي وقاص أو قرابتك عن الغنائم يوم بدر وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، ولأنها عطية من الله تعالى زائدة على الثواب الأخروي للجهاد. (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) أي قل يا أشرف الخلق حكم الأنفال يوم بدر مختص به تعالى يقسمها الرسول صلىاللهعليهوسلم كيف أمر به من غير أن يدخل فيه رأي أحد (فَاتَّقُوا اللهَ) في أخذ الغنائم واتركوا المنازعة فيها (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) أي أصلحوا الحال فيما بينكم بترك النزاع وتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في أمر الصلح وارضوا بما حكم به رسول الله صلىاللهعليهوسلم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١) فالإيمان لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة فاحذروا الخروج عنها (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي إنما الكاملون في الإيمان الذين فزعت قلوبهم لمجرد ذكر الله من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته وأفعاله استعظاما له تعالى.
وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب : فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة : فهو لا يزول عن قلب أحد من المحققين سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ) أي الله التي هي القرآن (زادَتْهُمْ إِيماناً) أي يقينا بقول الله (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٢) أي ويعتمدون بالكلية على فضل الله وينقطعون بالكلية عما سوى الله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي يتمون الصلوات الخمس بحقوقها (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٣) أي ويؤدون زكاة أموالهم (أُولئِكَ) أي الموصوفون بالصفات الخمس (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أي
إيمانا حقا ، لأنهم حققوا إيمانهم بضم الأعمال القلبية والقالبية إليه (لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فمراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة (وَمَغْفِرَةٌ) بأن يتجاوز الله عن سيئاتهم.
وقال العارفون : هي إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٤) ـ قال هشام بن عروة هو ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) (٥) أي إنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من المدينة بسبب حق يظهر وهو علو كلمة الإسلام والنصر على أعداء الله ، والحال أن فريقا من المؤمنين لكارهون الخروج للقتال لقلة العدد ، أو المعنى الأنفال ثابتة لله ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك بالمدينة بالحق أي بالوحي ، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم : أبو سفيان ، وعمرو بن العاص ، وعمرو بن هشام. فأخبر جبريل رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم ، فلما خرجوا وبلغوا وادي دقران وهو قريب من الصفراء نزل عليه صلىاللهعليهوسلم جبريل فقال : يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي أصحابه فقال : «ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟» ـ وهو اسم عسكر مجتمع ـ فقالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم ردد عليهم فقال : «إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل» ـ أي بجميع أهل مكة ـ «ومضى إلى بدر» فقالوا : يا رسول الله عليك بالعير ، ودع العدو. فغضب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقام عند ذلك أبو بكر وعمر فأحسنا في القول ، ثم قام سعد بن عبادة فقال : انظر أمرك فامض ، فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار ، ثم قال مقداد بن عمرو : يا رسول الله امض كما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف ، فتبسم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم قال : «أشيروا عليّ أيها الناس». فقال سعد بن معاذ : امض يا رسول الله لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله ففرح رسول الله صلىاللهعليهوسلم وبسطه قول سعد ثم قال صلىاللهعليهوسلم : «سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١). (يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ) تلقي النفير
__________________
(١) رواه الطبري في التفسير (٩ : ١٢٤) ، وابن كثير في التفسير (٣ : ٥٥٧) ، والبيهقي في دلائل النبوة (٣ : ٣٤) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٣ : ٢٦٢).
(بَعْدَ ما تَبَيَّنَ) أي بعد إعلامك أنهم ينصرون أينما توجهوا وجدالهم هو قولهم ما كان خروجنا إلا للعير وهلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له وكان ذلك لكراهتهم القتال (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (٦) أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف إلى القتل والحال أنهم ينظرون إلى أسباب الموت (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) أي واذكروا وقت أن يعدكم الله بأن إحدى الطائفتين العير أو العسكر مختصة بكم تسلطون عليها تسلط الملاك وتنصرفون فيهم كيف شئتم (وَتَوَدُّونَ) أي وتحبون (أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ) أي القوة (تَكُونُ لَكُمْ) وهو العير إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ، ورئيسهم أبو سفيان وذات الشوكة : وهي العسكر وهم ألف مقاتل ورئيسهم أبو جهل (وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ) أي يثبت النصر على الأعداء (بِكَلِماتِهِ) أي بأسباب النصر من أوامره تعالى للملائكة بالإمداد (وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) (٧) والمعنى أنتم تريدون سفساف الأمور وهو العير للفوز بالمال والله تعالى يريد معاليها بأن تتوجهوا إلى النفير لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين (لِيُحِقَّ الْحَقَ) أي ليظهر الشريعة ويقوى الدين (وَيُبْطِلَ الْباطِلَ) أي وليظهر بطلان الباطل بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (٨) أي المشركون ذلك الإظهار (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) أي تطلبون منه الغوث كأن يقولوا : ربنا انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا أي فرّج عنا.
قال ابن عباس : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى المشركين وهم ألف ، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف استقبل القبلة ومديده وهو يقول : «اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» (١) ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ، ثم التزمه ثم قال : كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فنزلت هذه الآية (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) بدل من «إذ يعدكم» معمول لعامله ، ويجوز أن يكون العامل في «إذ» هو قوله تعالى : «ويبطل الباطل» (فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أي معينكم (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (٩).
وقرأ عيسى بن عمر ، ويروى أيضا عن عمرو «إني» بكسر الهمزة على إضمار القول ، أو على إجراء «استجاب» مجرى قال. والعامة على فتح الهمزة بتقدير حرف الجر. وقرأ نافع أبو بكر بن عاصم ، ويروى عن قنبل أيضا «مردفين» بفتح الدال ، أي إن الله أردف المسلمين بهم وأيدهم بهم بمعنى إن الملائكة كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم. والباقون بكسرها أي متتابعين يأتي بعضهم إثر بعض.
__________________
(١) رواه أحمد في (م ١ / ص ٣٢).
وروي أنه نزل جبريل بخمسمائة ، وقاتل بها في يمين العسكر وفيه أبو بكر ، ونزل ميكائيل بخمسمائة قاتل بها في يسار الجيش وفيه على (وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرى) أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة عيانا إلا للبشرى لكم بأنكم تنصرون (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ) أي بالأمداد (قُلُوبُكُمْ) كما كانت السكينة لبني إسرائيل كذلك (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) لا من عند غيره أي إن الله ينصركم أيها المؤمنون فثقوا بنصره ، ولا تتكلوا على قوتكم (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي قاهر لا يقهر ، (حَكِيمٌ) (١٠) فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) أي يجعل الله النعاس مغطيا لكم آمنا من خوف العدو من الله تعالى وإذ بدل ثان من إذ يعدكم.
قال الزجاج : محلها نصب على الظرفية ، والمعنى وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت.
قرأ العامة «يغشيكم» بضم الياء والفتح الغين وتشديد الشين ، وقرأ نافع بضم الياء وسكون الغين والفاعل في الوجهين هو الله تعالى ، وقرأ أبو عمر وابن كثير «يغشاكم» بفتح الياء والشين وسكون الغين و «النعاس» فاعل ، أي إذ يلقى عليكم النوم الخفيف أمانا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم ، وحصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على زوال الخوف (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً). قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) من الأحداث ، وفي الخبر : «أن المشركين سبقوا إلى موضع الماء وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون وخافوا من أن يأتيهم العدو في تلك الحالة ، وأكثرهم احتملوا وموضعهم كان رملا تغوص فيه الأرجل ، ويرتفع فيه الغبار الكثير. وكان الخوف في قلوبهم شديدا بسبب كثرة العدو وكثرة آلتهم ، فلما أنزل الله ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة وعظمت النعمة به» (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ) أي وسوسته. روي أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم تمثل لهم إبليس وقال : أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء ، فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي ، واتخذ المسلمون حيضانا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام (وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ) أي ليحفظ قلوبكم بالصبر (وَيُثَبِّتَ بِهِ) أي الماء (الْأَقْدامَ) (١١) على الرمل فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) فإنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي فانصروهم وبشروهم بالنصرة.
وقد روي أنه كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ويقول : إني سمعت المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لننكشفن ويمشي بين الصفين فيقول : أبشروا فإن الله تعالى ناصركم (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) أي المخافة من محمد صلىاللهعليهوسلم وأصحابه (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) (١٢) أي فاضربوا رؤوسهم واضربوا أطراف
الأصابع ، أي اضربوهم في جميع الأعضاء من أعاليها إلى أسافلها كيف شئتم لأن الله تعالى ذكر الأشرف والأخس فهو إشارة إلى كل الأعضاء. (ذلِكَ) أي لقاؤهم الخزي من الوجوه الكثيرة (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي خالفوهما في الأوامر والنواهي (وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (١٣) أي ومن يخالفهما فإن الله يعاقبه في القيامة وهو شديد العقاب فالذي نزل بهم في ذلك اليوم قليل بالنسبة لما أعده الله لهم من العقاب في القيامة (ذلِكُمْ) أي الأمر ذلكم فالخطاب للكفرة (فَذُوقُوهُ) في الدنيا (وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) (١٤) والمعنى حكم الله ذلكم من أن ثبوت هذا العقاب لكم عاجلا وثبوت عذاب النار لكم آجلا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً) أي مثل الزاحفين على أدبارهم في بطء السير لاجتماعهم (فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) (١٥) أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم قل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم اللقاء (دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ) بأن يخيل عدوه أنه منهزم ، ثم ينعطف عليه (أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) أي متنحيا إلى جماعة أخرى من المؤمنين لينضم إليهم ، ثم يقاتل معهم العدو (فَقَدْ باءَ) أي رجع (بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٦) والفرار من الزحف من أكبر الكبائر إذا لم يزد العدد على الضعف (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) أنتم بقوتكم (وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) لتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ، أي فلم تؤثر قوتكم في قتلهم ولكن التأثير لله (وَما رَمَيْتَ) يا أكرم الرسل (إِذْ رَمَيْتَ) أي وما رميت في الحقيقة وقت رميت التراب إلى وجوه المشركين (وَلكِنَّ اللهَ رَمى) أي أوصل رميك إليهم.
روي أنه لما طلعت قريش من العقنقل قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني». فنزل إليه جبريل وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال صلىاللهعليهوسلم لعلي رضياللهعنه : «أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي ، فرمى بها في وجوههم وقال : شاهدت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه» فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ولكن الله قتلهم» ، «ولكن الله رمى» بكسر النون مخففة ورفع اسم الجلالة (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً) أي ولينعم الله عليهم من رمي التراب نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والثواب ، وهذا معطوف على قوله تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ رَمى). (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لاستغاثتهم (عَلِيمٌ) (١٧) بأحوال قلوبهم الداعية إلى الإجابة (ذلِكُمْ) أي الأمر ذلكم أي البلاء الحسن (وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) (١٨) معطوف على ذلكم. وقرأ حفص عن عاصم موهن كيد بالإضافة وسكون الواو. وقرأ ابن عامر والكوفيون بعدم الإضافة ، ونافع وابن كثير وأبو عمرو كذلك لكن مع فتح الواو وتشديد الهاء أي والأمر أن الله مضعف صنيع الكافرين
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ).
قال الحسن ومجاهد والسدي : وهذا خطاب للكفار على سبيل التهكم بهم. وقال السدي : إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين ، وأكرم الحزبين ، وأفضل الدينين. والمعنى إن تستنصروا أيها الكفار لأعلى الجندين فقد جاءكم النصر لأعلاهما وقد زعمتم أنكم الأعلى فالتهكم في المجيء أو فقد جاءكم الهزيمة ، فالتهكم في نفس الفتح ، وإن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم في الدين بالخلاص من العقاب. والفوز بالثواب ، وفي الدنيا بالخلاص من القتل والأسر والنهب ، وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى تسليط المسلمين على قتلكم ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئا من الضرر ولو كثرت. وقيل : هذا خطاب للمؤمنين ، والمعنى إن تستنصروا أيها المؤمنون فقد جاءكم النصر وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وعن طلب الفداء على الأسرى فهو خير لكم ، وإن تعودوا إلى تلك المنازعة نعد إلى ترك نصرتكم ثم لا تنفعكم كثرتكم (وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٩).
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم «وأن» بفتح الهمزة وهو خبر مبتدأ محذوف ، أي والأمر أن الله مع الكاملين في الإيمان (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في الإجابة إلى الجهاد وإلى ترك المال إذا أمره بتركه (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ) أي ولا تعرضوا عن الرسول أي عن قبول قوله وعن معونته في الجهاد (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) (٢٠) دعاءه إلى الجهاد (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا) بألسنتهم (سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (٢١) أي إنا قبلنا تكاليف الله تعالى ، والحال أنهم بقلوبهم لا يقبلونها (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (٢٢) أي إن شر كل حيوان في حكم الله تعالى من لا يسمع الحق ولا ينطق به ولا يفقه أمر الله تعالى.
قال ابن عباس : هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون : نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم ، فقتلوا جميعا يوم بدر وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) أي ولو حصل في بني عبد الدار خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تفهم (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) بعد أن علم أنه لا خير فيهم (لَتَوَلَّوْا) عنها ولم ينتفعوا بها (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٣) أي والحال أنهم مكذبون بها. قيل : إن الكفار سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يحيى لهم قصي بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته صلىاللهعليهوسلم فبين الله تعالى أنه لو علم فيهم خيرا وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم الله تعالى حتى يسمعوا كلامهم ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون : أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك إلا على سبيل العناد والتعنت وإنه لو أسمعهم الله كلام
قصي وغيره لتولوا عن قبول الحق على أدبارهم ولأعرضوا عما سمعوه بقلوبهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) أي أجيبوا الله والرسول بحسن الطاعة إذا دعاكم الرسول إلى ما فيه سبب حياتكم الأبدية من الإيمان أو القرآن أو الجهاد.
وروى أبو هريرة رضياللهعنه : أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم مرّ على باب أبي بن كعب وهو في الصلاة ، فدعاه ، فعجل في صلاته ، ثم جاء فقال صلىاللهعليهوسلم له : «ما منعك عن إجابتي؟» قال : كنت في الصلاة ، قال : «ألم تخبر فيما أوحي إلي (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)» (١) فقال : لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك (وَاعْلَمُوا) يا معشر المؤمنين (أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) أي يحول بين المرء وبين ما يريده بقلبه فإن الأجل يحول دون الأمل ، فكأنه قال تعالى : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء فإن ذلك غير موثوق به.
وقال مجاهد : المراد من القلب هنا العقل ، أي فإن الله يحول بين المرء وعقله ، والمعنى فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون فإنكم لا تأمنون زوال العقل والله يحول بين المرء والكافر وطاعته ويحول بين المرء المطيع ومعصيته والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يكثر أن يقول : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٢) ولا يستطيع المرء أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه تعالى (وَأَنَّهُ) أي واعلموا أن الشأن (إِلَيْهِ) أي الله تعالى (تُحْشَرُونَ) (٢٤) في الآخرة فيجزيكم بحسب مراتب أعمالكم فسارعوا إلى طاعة الله ورسوله (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) أي واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصروا على الظالمين خاصّة بل تتعدى إليكم جميعا وتصل إلى الصالح والطالح ، وحذر تلك الفتنة بالنهي عن المنكر فالواجب على كل من رآه أن يزيله إذا كان قادرا على ذلك فإذا سكت عليه فكلهم عصاة هذا بفعله وهذا برضاه وقد جعل الله تعالى الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة.
وعلامة الرضا بالمنكر : عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي فلا يتحقق كون الإنسان كارها له إلا إذا تألم له تألمه لفقد ماله أو ولده فكل من لم يكن بهذه الحالة فهو راض بالمنكر فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٢٥) ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشر سببه ، والمعنى الزموا الاستقامة خوفا من عذاب الله تعالى (وَاذْكُرُوا) يا معشر المهاجرين (إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) في العدد في أول الإسلام (مُسْتَضْعَفُونَ فِي
__________________
(١) رواه ابن حجر في فتح الباري (٨ : ٣٠٧).
(٢) رواه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب : ٨٩ ، وابن ماجة في كتاب الدعاء ، باب : دعاء الرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأحمد في (م ٤ / ص ١٨٢).
الْأَرْضِ) أي مقهورون في أرض مكة (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) تخافون إذا خرجتم من البلد أن تأخذكم مشركو العرب بسرعة لشدة عداوتهم لكم ولقربهم منكم (فَآواكُمْ) أي نقلكم إلى المدينة فصرتم آمنين من كفار مكة (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) أي قواكم بنصرته يوم بدر (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي من الغنائم وهي كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢٦) هذه النعم العظيمة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) في الدين وفي الإشارة إلى بني قريظة أن لا تنزلوا على حكم سعد بن معاذ (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ) فيما بينكم (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٧) أن ما وقع منكم خيانة.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم حاصر يهود بني قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار فسألوه صلىاللهعليهوسلم الصلح كما صالح بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم في أذرعات وأريحا من الشام ، فأبى رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأبوا وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة وهو رفاعة بن عبد المنذر نستشيره في أمرنا وكان مناصحا لهم لأن ماله وعياله عندهم ، فأرسله إليهم فقالوا : يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أي حكم سعد هو القتل فلا تفعلوا فكان منه خيانة لله ورسوله (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) أي محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة لأنه يشغل القلب بالدنيا ويصيّره حجابا عن خدمة المولى (وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (٢٨) فإن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف وفي المدة لأنها تبقى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) أي نجاة مما تخافون في الدارين (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) أي يسترها في الدنيا (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) أي يزلها في الآخرة (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (٢٩) على عباده بالمغفرة والجنة (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي واذكر يا أشرف الخلق وقت احتيالهم بك في إيصال الضرر والهلاك (لِيُثْبِتُوكَ) أي ليسجنوك أو ليثبتوك بالوثائق كما قرئ ليقيدوك (أَوْ يَقْتُلُوكَ) بسيوفهم (أَوْ يُخْرِجُوكَ) من مكة (وَيَمْكُرُونَ) أي يريدون هلاكك يا أكرم الرسل (وَيَمْكُرُ اللهُ) أي يرد مكرهم عليهم ، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا ما لقوا (وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠) أي أقواهم فكل مكر يبطل في مقابلة فعل الله تعالى.
قال المفسرون : إن مشركي قريش عرفوا لما أسلمت الأنصار أن أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم يظهر ، فاجتمع نفر من كبار قريش في دار الندوة. أي في الدار التي يقع فيها الاجتماع للتحدث ورؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان وطعيمة بن عدي ، وجبير بن معطم والحرث بن عامر ، والنضر بن الحرث ، وأبو البحتري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهل ، وأمية بن خلف ، ونبيهة ومنبه ابنا الحجاج ودخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا من أهل
نجد ، وتشاوروا في أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال عمرو بن هشام : قيدوه وسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء. فقال إبليس : لا مصلحة فيه لأنه يغضب له قومه فنسفك فيه الدماء. فقال أبو البحتري بن هشام : أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم ، وقال أبو جهل : الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلا فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها ، فيرضون بأخذ الدية. فقال إبليس : هذا هو الرأي الصواب. فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه ، وأذن له في الهجرة إلى المدينة ، وأمر عليا أن يبيت في مضجعه وقال له : تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وهم المشركون بالولوج عليه صلىاللهعليهوسلم فصاحت امرأة من الدار فقال بعضهم لبعض : إنها لسبة في العرب أن يتحدثوا عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا سر حرمتنا ، وباتوا مترصدين على الباب ، ثم خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم من الباب وأخذ تعالى أبصارهم عنه فأخذ قبضة من تراب ونثره على رؤوسهم كلهم ومضى هو وأبو بكر إلى الغار ، فلما أصبحوا ساروا إلى مضجعه صلىاللهعليهوسلم فأبصروا عليا فقالوا له : وأين صاحبك؟ فقال : لا أدري. فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو دخله لم تنسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثا من الليالي ثم قدم المدينة (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا) أي القرآن (قالُوا قَدْ سَمِعْنا) ما قال محمد صلىاللهعليهوسلم (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٣١) أي ما هذا القرآن إلا ما كتب الأولون من القصص.
روي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة بلدة بقرى الكوفة تاجرا ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة وكان يقعد مع المستهزئين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين ، كالفرس والروم وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين وإسناد القول إلى الكل مع أن القائل هو النضر لما أنه كان رئيسهم وقاضيهم وهو الذي يقولون بقوله ويأخذون برأيه. (وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا) أي الذي يقوله محمد صلىاللهعليهوسلم (هُوَ الْحَقَ) بالنصب خبر كان ودخلت هو للفصل (مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) عقوبة على إنكارنا (أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) غير الحجارة قاله النضر استهزاء وقد أسره المقداد يوم بدر فقتله النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، أو قاله أبو جهل وقد ذبحه ابن مسعود يوم بدر (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) أي لا يفعل الله بهؤلاء الكفار عذاب الاستئصال ما دام سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم حاضرا معهم تعظيما له ، وأيضا إن عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها كما كان في حق هود وصالح ولوط (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) أي وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون لأنه صلىاللهعليهوسلم لما خرج من مكة بقي فيها من لم يستطع الهجرة من مكة من المسلمين (وَما
لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي ولا مانع من إهلاك الله لهم بعد ما خرجت من بينهم وحالهم يمنعونك والمسلمين عن الطواف ببيت الله يوم الحديبية (وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ) أي والحال أنهم ما كانوا أولياء المسجد وهذا رد لقولهم : نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) أي ما أولياء المسجد إلا الذين يتحرزون عن المنكرات كما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية ، ومن كانت هذه حاله لم يكن وليا للمسجد الحرام بل هم أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٣٤) أنه لا ولاية لهم عليه (وَما كانَ صَلاتُهُمْ) أي عبادتهم (عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً) أي صفيرا (وَتَصْدِيَةً) أي تصفيقا أي ما كان شيء مما يعدونه عبادة إلا هذين الفعلين.
قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون بإحدى اليدين بالأخرى (فَذُوقُوا الْعَذابَ) أي عذاب السيف يوم بدر (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٥) بالقرآن وبمحمد صلىاللهعليهوسلم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي عن دينه.
قال مقاتل والكلبي : نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش أبي جهل وأصحابه يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيد بن جبير ومجاهد : نزلت في أبي سفيان وكان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب وأنفق فيهم أربعين أوقية ، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ، وأخرج ابن إسحاق عن مشايخه أنها نزلت في أبي سفيان ومن كان له في العير من قريش تجارة (فَسَيُنْفِقُونَها) أي أموالهم (ثُمَّ تَكُونُ) أي الأموال (عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) أي ندامة لفواتها وفوات قصدهم من نصرتهم على محمد (ثُمَّ يُغْلَبُونَ) آخر الأمر (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي أصروا على الكفر أبو جهل وأصحابه (إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (٣٦) أي يساقون يوم القيامة (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين و «اللام» متعلقة بـ «يحشرون» أو بـ «يغلبون» ، أو المعنى ليميز الله نفقة الكافر على عداوة محمد من نفقة المؤمن في جهاد الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول صلىاللهعليهوسلم.
وقرأ حمزة والكسائي : ليميز بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ) أي ويجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض (فَيَرْكُمَهُ) أي فيجمعه (جَمِيعاً) لفرط ازدحامهم (فَيَجْعَلَهُ) أي يطرحه (فِي جَهَنَّمَ). وقيل : المعنى يضم الله تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها (أُولئِكَ) أي
الذين كفروا (هُمُ الْخاسِرُونَ) (٣٧) أي الكاملون في الغبن (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أبي سفيان وأصحابه أي قل يا أشرف الخلق لأجلهم : (إِنْ يَنْتَهُوا) عن الكفر وعداوة الرسول صلىاللهعليهوسلم (يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) من الذنوب قال صلىاللهعليهوسلم : «الإسلام يجب ما قبله» (١) (وَإِنْ يَعُودُوا) إلى الكفر ومعاداة النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أي وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ويرجعوا للكفر وقتال النبي ننتقم منهم بالعذاب (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (٣٨) أي لأنه قد سبقت سيرة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتدمير كما جرى على أهل بدر (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) أي قاتلوا كفار أهل مكة لئلا توجد فتنة فقد خرج المسلمون إلى الحبشة وتآمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم حين بايعت الأنصار رسول الله صلىاللهعليهوسلم بيعة العقبة ، وليكون الدين كله لله في أرض مكة وما حولها لا يعبد غيره (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان (فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٣٩) أي عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن التوبة والإيمان (فَاعْلَمُوا) يا معشر المؤمنين (أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ) أي حافظكم ورافع البلاء عنكم (نِعْمَ الْمَوْلى) أي الولي بالحفظ (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (٤٠) لا يغلب من نصره وكل من كان في حماية الله تعالى كان آمنا من الآفات مصونا عن المخوّفات ، والمعنى وإن تولوا عن الإيمان فلا تخشوا بأسهم لأن الله مولاكم (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) أي واعلموا يا معشر المؤمنين أن الذي أصبتموه كائنا من شيء قليلا كان أو كثيرا ، فواجب أن لله خمسه بمعنى أنه تعالى أمر بقسمته على هؤلاء الخمسة فذكر الله للتعظيم. وقوله : إن لله خمسه خبر مبتدأ محذوف أي فكون خمسه لله واجب وهذه الجملة خبر لـ «أن» (وَلِلرَّسُولِ) أما بعد وفاته فيصرف سهمه إلى مصالح المسلمين عند الشافعي. وقال أبو حنيفة : سهمه ساقط بسبب موته. وقال مالك : مفوض إلى رأي الإمام (وَلِذِي الْقُرْبى) أي ولقرابة النبي صلىاللهعليهوسلم من بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم من أغنيائهم وفقرائهم يقسم الخمس بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، (وَالْيَتامى) أي الذين مات آباؤهم وهم فقراء غير يتامى بني عبد المطلب (وَالْمَساكِينِ) أي ذوي الحاجة من المسلمين (وَابْنِ السَّبِيلِ) أي المحتاج في سفره ولا معصية بسفره (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا) محمد صلىاللهعليهوسلم من الآيات والملائكة والفتح (يَوْمَ الْفُرْقانِ) أي يوم بدر سمي به لفرقه بين الحق والباطل ، وهو منصوب بـ «أنزلنا» أو بـ «آمنتم» (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) أي الفريقان من المسلمين والكافرين وهو بدل من يوم الفرقان أو منصوب بالفرقان. والمعنى إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزّل على محمد يوم بدر فاعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا أطماعكم عنه واقنعوا بالأخماس الأربعة (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤١) يقدر
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٣ : ١٥٤).
على نصر القليل على الكثير (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا) وهو بدل ثان من يوم الفرقان أي إذ أنتم كائنون في شط الوادي القربى من المدينة (وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) أي والمشركون في شفير الوادي البعدي منها (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) أي العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان وأصحابه كائنون بمكان أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ) أنتم وأهل مكة على القتال (لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ) أي لخالف بعضكم بعضا في الميعاد هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم (وَلكِنْ) جمع الله بينكم على هذه الحال بغير ميعاد (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً) أي ليمضي أمرا كان مفعولا في علمه وهو النصرة والغنيمة للنبي وأصحابه والهزيمة والقتل لأبي جهل وأصحابه ويكون استيلاء المؤمنين على المشركين معجزة دالة على صدق الرسول صلىاللهعليهوسلم (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) وهو بدل من ليقضي أي ليموت من مات عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن بينة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة (وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ) لدعائكم (عَلِيمٌ) (٤٢) بحاجتكم وضعفكم فأصلح مهمكم (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ) قبل يوم بدر (قَلِيلاً) مع كثرتهم فأخبر بذلك أصحابه فقالوا : رؤيا النبي حق ، فصار بذلك تشجيعا للمؤمنين (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ) أي ولو أراك الله المشركين كثيرا لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لجبنوا (وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) أي لاختلفتم في أمر القتال ولتفرقت آراؤكم في الفرار والثبات (وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ) أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٤٣) أي بالخطرات التي تقع في القلوب من الصبر والجزع والجراءة والجبن ولذلك دبر ما دبر (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) أي وإذ يبصركم أيها المؤمنون إياهم قليلا حتى قال ابن مسعود لمن في جنبه : أتراهم سبعين؟ فقال : أراهم مائة ، وهم في نفس الأمر ألف تصديقا لرؤيا الرسول صلىاللهعليهوسلم ولتزداد جراءة المؤمنين عليهم (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) حتى قال أبو جهل : إنما أصحاب محمد أكلة جزور ، أي قليل يشبعهم جزور واحد ، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال ، وقلل الله عدد المؤمنين في أعين المشركين قبل التحام الحرب لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر فيصير ذلك سببا لانكسارهم ، فلما التحم القتال أرى الكفار المسلمين مثلي الكفار ، وكانوا ألفا فرأوا المسلمين قدر ألفين ليهابوا ، وتضعف قلوبهم (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً) أي ليصير سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (٤٤) بالبناء للمفعول أي ترد وللفاعل أي تصير ويصرف الله الأمور كلها كيفما يريد ولا تجري على ما يظنه العبيد (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) أي إذا حاربتم جماعة من الكفرة فجدوا في المحاربة ولا تنهزموا (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً) بالقلب واللسان في أثناء القتال ومن الذكر ما يقع حال القتال من التكبير (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٤٥) أي تفوزون بمرامكم من النصرة والمثوبة (وَأَطِيعُوا اللهَ
وَرَسُولَهُ) في أمر القتال وغيره (وَلا تَنازَعُوا) أي لا تختلفوا في أمر الحرب (فَتَفْشَلُوا) أي فتجبنوا (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي شدتكم (وَاصْبِرُوا) على شدائد الحرب (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٤٦) بالنصرة والكلاءة (وَلا تَكُونُوا) في الاستكبار والفخر (كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) مكة لحماية العير (بَطَراً) أي شديد المرح (وَرِئاءَ النَّاسِ) أي ولثناء الناس عليهم بالشجاعة والسماحة ، وذلك أن قريشا خرجوا من مكة لحفظ الغير ، فلما بلغوا جحفة أتاهم رسول أبي سفيان وقال : ارجعوا إلى مكة فقد سلمت عيركم. فأبوا إلا إظهار آثار الجلادة ، وأيضا لما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني إلى أبي جهل وهو صديق له بهدايا مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبي يقول لك : إن شئت أن أمدك بالرجال أمددنك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت. فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله خيرا إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فو الله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس فو الله إن بنا على الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان ، وتنحر الجزور في بدر فيقنى الناس علينا بالشجاعة والسماحة وقد بدلهم الله شرب الخمور بشرب كأس الموت ، وبدّل ضرب الجواري على نحو الدفوف بنوح النائحات ، وبدّل نحر الجزور بنحر رقابهم حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون.
واعلم أن النعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فإن صرفها إلى مرضاته تعالى وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر ، وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمغالبة بالكثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي ويمنعون الناس من الدخول في دين الله ، وهذا معطوف على «بطرا» ، وإنما ذكر البطر والرياء بصيغة الاسم ، والصد بصيغة الفعل لأن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على المفاخرة والرياء ، وأما صدّهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى سيدنا محمد النبوة (وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (٤٧) أي والله أعلم بما في دواخل القلوب وهذا كالتهديد عن التصنع فإن الإنسان بما أظهر من نفسه أن الحامل له إلى ذلك الفعل طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر في الحقيقة كذلك (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) أي واذكر وقت تزيين الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وخروجهم من مكة فإن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة ، وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ومعه راية (وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) أي لا غالب عليكم اليوم من بني كنانة ومن محمد صلىاللهعليهوسلم وأصحابه (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) أي حافظكم من مضرتهم (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ) أي التقى الجمعان جمع المؤمنين وجمع الكافرين بحيث رأت كل واحدة الأخرى ، ورأى إبليس نزول الملائكة من السماء (نَكَصَ عَلى
عَقِبَيْهِ) أي رجع إلى خلفه هاربا (وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) فكان إبليس في صف المشركين وهو آخذ بيد الحارث بن هشام فقال له الحارث : إلى أين تترك نصرتنا في هذه الحالة؟ قال إبليس : (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) وأرى جبريل بين يدي النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ولم تروه ، ودفع إبليس في صدر الحارث و (إِنِّي أَخافُ اللهَ) أن يهلكني بتسليط الملائكة عليّ. وقيل : لما رأى إبليس الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر ، فقال ما قال إشفاقا على نفسه (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٤٨) قاله الشيطان بسطا لعذره ، وحينئذ فهو تعليل أو مستأنف من محض كلامه تعالى تهديدا لإبليس (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ) وهم قوم من الأوس والخزرج (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي شك وهم قوم من قريش أسلموا ولم يقو إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا منهم : عتبة بن ربيعة ، وقيس بن الوليد ، وأبو قيس الفاكه ، والحارث بن زمعة ، وعدي بن أمية ، والعاص بن منبه ، والعامل في «إذ زيّن» أو اذكر مقدرا (غَرَّ هؤُلاءِ) أي محمدا وأصحابه (دِينُهُمْ) فإنهم خرجوا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقال هؤلاء : لما خرج قريش لحرب رسول الله صلىاللهعليهوسلم نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه ، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا ، فلما خرجوا مع قريش ورأوا قلة المسلمين وكثرة الكفّار رجعوا للكفر وقالوا ذلك القول ، وقتلوا جميعا مع المشركين يوم بدر ولم يحضر منافق في بدر مع النّبيّ صلىاللهعليهوسلم إلا واحد وهو عبد الله بن أبي (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٤٩) أي ومن يعول على إحسان الله ويثق بفضله ويسلم أمره إلى الله فإن الله حافظه وناصره ، لأنه عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) أي ولو رأيت يا أشرف الخلق الكفرة حين يتوفاهم الملائكة في بدر (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) ويقولون لهم : (وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (٥٠) أي النار لأنه كان مع الملائكة مقامع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار منها في الأجزاء. وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا لا يكاد يوصف. (ذلِكَ) العذاب (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي بسبب ما عملت أيديكم من الكفر والمعاصي (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (٥١) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من جهتهم (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي عادة كفار قريش فيما فعلوه من الكفر ، وما فعل بهم من العذاب كعادة آل فرعون وقوم ونوح وعاد وأضرابهم من الكفر والعناد في ذلك (كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ) أي أنكروا الدلائل الإلهية ، وهذه الجملة تفسير لدأب كفار قريش (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ذنوبهم (إِنَّ اللهَ قَوِيٌ) بالأخذ (شَدِيدُ الْعِقابِ) (٥٢) أي إذا عاقب (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) أي تعذيب الكفرة بما قدمت أيديهم بسبب أن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعم بها عليهم ـ كالعقل وإزالة الموانع ـ حتى يغيروا أحوالهم ، فإذا صرفوا تلك النعمة إلى الفسق
والكفر فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم فاستحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٥٣) أي وبسبب أنه تعال يسمع ويعلم جميع ما يأتون وما يذرون (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييرا كائنا كتغيير الأمم الماضية (كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي كذب آل فرعون ومن قبلهم بأنه تعالى رباهم وأنعم عليهم فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم كما كذب أهل مكة ذلك (فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) أي أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بالحجارة ، وبعضهم بالريح ، وبعضهم بالمسخ كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف (وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) (٥٤) أي وكل من الفرق المكذبة كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والمعصية ، ولأنبيائهم بالتكذيب ، ولسائر الناس بالإيذاء والإيحاش ، فالله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم. اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم ، فلا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٥٥) أي إن شر الخلق في حكم الله وعلمه الذين أصروا على الكفر فهم لا يرجى منهم إيمان (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) أي من مرات المعاهدة.
قال ابن عباس : هم قريظة ، فإن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان عاهد يهود بني قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : نسينا وأخطأنا ، ثم عاهدهم مرة ثانية فنقضوا العهد أيضا ، وساعدوا معهم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم الخندق ، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم على محاربة رسول الله صلىاللهعليهوسلم. (وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) (٥٦) عن نقض العهد (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٥٧) أي إن تظفرن بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد في أثناء الحرب فافعل بهم فعلا من القتل والتعذيب يفرق بسببهم من خلفهم من أهل مكة واليمن أي إذا فعلت بقريظة العقوبة فرقت شمل قريش إذ يخافون منك أن تفعل بهم مثل ما فعلت بحلفائهم ـ وهم قريظة ـ فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يفرقهم في ذلك الوقت تفريقا عنيفا موجبا للاضطراب (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) أي وإن تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد بأمارات ظاهرة فاطرح إليهم عهدهم على طريق ظاهر مستو ، بأن تعلمهم قبل حربك إياهم أنك قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء ، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهّم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) (٥٨) في العهود. والحاصل إن ظهرت الخيانة بأمارات ظاهرة من غير أمر مستفيض وجب على الإمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم الحرب ، وذلك كما في قريظة فإنهم عاهدوا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم عليه صلىاللهعليهوسلم : وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد
وإعلامهم بالحرب بل يفعل كما فعل رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وصل إليهم جيش النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بمر الظهران وذلك على أربع فراسخ من مكة (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا).
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بالياء التحتية ، أي ولا يحسبنّ الذين كفروا من قريش أنفسهم فاتوا من عذابنا بهر بهم يوم بدر. وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على مخاطبة النبي صلىاللهعليهوسلم أي ولا تحسبن يا أشرف الخلق الذين كفروا الذين خلصوا منك في بدر فائتين من عذابنا (إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) (٥٩) أي إنهم بهذا الفرار لا يعجزون الله من الانتقام منهم إما بالقتل في الدنيا ، وإما بعذاب النار في الآخرة. وقرأ ابن عامر «أنهم» بفتح الهمزة على التعليل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ). قيل : إنه لما اتفق لأصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في قصة بدر أنهم قصدوا الكفار بلا آلة أمرهم الله تعالى أن لا يعودوا لمثله فقال : (وَأَعِدُّوا) إلخ أي هيئوا لحرب الكفار ما استطعتم من كل ما يتقوى به في الحرب من كل ما هو آلة للجهاد ومن الخيل المربوط سواء كان من الفحول أو من الإناث.
وروي أنه كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات (تُرْهِبُونَ بِهِ) أي بذلك الإعداد. وقرئ تخزون (عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) وهم كفار مكة (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) أي من غير كفار مكة من الكفرة (لا تَعْلَمُونَهُمُ) على ما هم عليه من العداوة. أي فإن تكثير آلات الجهاد كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، سواء كانوا مسلمين أو كفارا (اللهُ يَعْلَمُهُمْ) لا غيره. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ) قل أو جل (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أي لا يضيع الله في الآخرة أجره ويعجل عوضه في الدنيا (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٦٠) أي لا تنقصون من الأجر (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) أي وإن مال الكفار للصلح بوقوع الرهبة في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد فاقبله. وقرأ أبو بكر عن عاصم «للسلم» بكسر السين. وقرئ «فاجنح» بضم النون. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) أي فوّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عونا لك على السلام ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد (إِنَّهُ) تعالى : (هُوَ السَّمِيعُ) لما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع ، (الْعَلِيمُ) (٦١) بنياتهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم في نحرهم (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ) أي وإن يريدوا الكفار بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم فاعلم أن الله كافيك من شرورهم وناصرك عليهم (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) أي قواك ببصره في سائر أيامك (وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (٦٢) من المهاجرين والأنصار (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) أي إن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بعث إلى
قوم تكبرهم شديد حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثاره ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا. وأيضا كانت الخصومة بين الأوس والخزرج شديدة ، والمحاربة دائمة ، ثم زالت الضغائن وحصلت الألفة ـ فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى ـ وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم. (إِنَّهُ) تعالى (عَزِيزٌ) أي قاهر يقلب القلوب من العداوة إلى الصداقة (حَكِيمٌ) (٦٣) أي يفعل ما يفعله مطابقا للمصلحة (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٤) أي كفاك الله وكفى أتباعك ناصرا. أو المعنى كفاك الله والمؤمنون. وهذه الآية نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال ، فالمراد بالمؤمنين هنا أهل غزوة بدر وهم المهاجرون والأنصار.
وقيل : نزلت في إسلام عمر بن الخطاب. قال سعيد بن جبير : أسلم مع النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر رضياللهعنه فنزلت هذه الآية ، فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم. (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) أي بالغ في حثّهم عليه (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) أي إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وإنما وجب هذا الحكم عند حصول هذه الشروط : منها : أن يكون المؤمن شديد الأعضاء قويا جلدا. ومنها : أن يكون قوي القلب شديد البأس ، شجاعا غير جبان. ومنها : أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيزا إلى فئة ، فعند حصول هذه الشروط وجب على الواحد أن يثبت للعشرة (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (٦٥) متعلق بيغلبوا في الموضعين أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون امتثالا لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لمرضاته ، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية ، وإثارة العدوان. وهم يعتمدون على قوتهم ، والمسلمون يستعينون بربهم بالتضرع ومن كان كذلك كان النصر أليق به (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) في البدن أو في معرفة القتال لا في الدين (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادته. وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة فلم يثبت ذلك الحكم. وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة ، فقد أنكر أبو مسلم الأصفهاني النسخ. (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٦٦) أي إن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا على مصابرتهم ، فالحكم المذكور هناك زائل ، وهذا يدل على صحة مذهب أبي مسلم (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى من الكفار حتى يقوى ويغلب بل اللائق قتلهم (تُرِيدُونَ) أيها المؤمنون (عَرَضَ الدُّنْيا) أي متاع الدنيا الذي هو الفداء (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) أي إنما يرضى الله ما يفضي إلى
السعادات الأخروية المصونة عن الزوال (وَاللهُ عَزِيزٌ) يغلب أولياءه على أعدائه (حَكِيمٌ) (٦٧) يعلم ما يليق بكل حال كما أمر بالأثخان ، ونهى عن أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين ، وخير بين أخذ الفداء وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٦٨) أي لو لا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء عذاب شديد (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً) أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم حال كونه حلالا مستلذا.
روي أنهم أمسكوا عن الغنائم في بدر ولم يمدوا أيديهم إليها ، فنزلت هذه الآية. (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة أمره ونهيه في المستقبل (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٩) في الحالة الماضية من استباحة الفداء قبل ورود الإذن من الله تعالى فيه (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى).
قرأ أبو عمرو «من الأسارى» بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف ، وبالإمالة ، أي من الذين أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء (إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً) أي إيمانا وعزما على طاعة الله ورسوله في جميع التكاليف وتوبة عن الكفر وجميع المعاصي (يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) من الفداء (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ما سلف منكم قبل الإيمان (وَاللهُ غَفُورٌ) لمن آمن وتاب من كفره ومعاصيه (رَحِيمٌ) (٧٠) بأهل طاعته.
روي أن العباس كان أسيرا يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لمن خرجوا من مكة إلى بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر ، وأخذ ذلك العشرون منه فقال العباس : كنت مسلما إلا أنهم أكرموني فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك ، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا». قال العباس : فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب عليّ فقال صلىاللهعليهوسلم : «أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا». قال العباس : وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية ، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس : يا محمد تتركني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حادث فهذا المال لك ولعبد الله ، ولعبيد الله ، والفضل ، وقثم». وما يدريك يا ابن أخي؟ قال صلىاللهعليهوسلم : «أخبرني به ربي» (١). قال العباس : أنا أشهد أنك صادق وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتابا في
__________________
(١) رواه الطبري في التفسير (٩ : ١٢٤) ، وابن كثير في التفسير (٣ : ٥٥٧) ، والبيهقي في دلائل النبوة (٣ : ٣٤) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٣ : ٢٦٢).
أمرك ، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب وأمر ابني أخيه عقيلا ونوفل بن الحارث فأسلما ، قال العباس : فأبدلني الله خيرا مما أخذ مني ، ولي الآن عشرون عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألفا وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
وروي أنه قدم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم مال البحرين ثمانون ألفا ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله ، وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة (وَإِنْ يُرِيدُوا) أي الأسرى (خِيانَتَكَ) أي بنقض العهد ، فاعلم أنه سيمكّنك منهم فإنه صلىاللهعليهوسلم كلما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته صلىاللهعليهوسلم ، وإلى معاهدة المشركين بالعون عليه صلىاللهعليهوسلم (فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ) أي من (قَبْلُ) هذا بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) أي أقدر المؤمنين عليهم قتلا وأسرا في بدر (وَاللهُ عَلِيمٌ) أي ببواطنهم (حَكِيمٌ) (٧١) يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد والقرآن (وَهاجَرُوا) من مكة إلى المدينة حبا لله تعالى ولرسوله (وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ) بأن صرفوها إلى السلاح وأنفقوها على المحاويج (وَأَنْفُسِهِمْ) بمباشرة القتال ، وبالخوض في المهالك (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله (وَالَّذِينَ آوَوْا) أي أنزلوا المهاجرين منازلهم (وَنَصَرُوا) لهم على أعدائهم يوم بدر (أُولئِكَ) أي الموصوفون بما ذكر (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي يكونون يدا واحدة على الأعداء ويكون حب كل واحد للآخر جاريا مجرى حبه لنفسه (وَالَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد والقرآن (وَلَمْ يُهاجِرُوا) من مكة إلى المدينة (ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ) أي من تعظيمهم (مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) فلو هاجروا لحصل الإكرام والإجلال.
وقرأ حمزة «من ولايتهم» بكسر الواو. والباقون بالفتح (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) أي إن قطع التعظيم بين تلك الطائفة ليس كما في حق الكفار بل هؤلاء لو استعانوكم في الدين على المشركين فواجب عليكم أن تعاونوهم عليهم إلا على قوم منهم بينكم معاهدة فإنه لا يجوز لكم نقض عهدهم بنصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٧٢) فلا تخالفوا أمره كي لا يحل بكم عقابه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي في النصرة فإن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلىاللهعليهوسلم تعاونوا على إيذائه ومحاربته والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلىاللهعليهوسلم صارت هذه الجهة سببا لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض. وتلك العداوة لمحض الحسد لا لأجل الدين ، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) (٧٣) أي إن لم تفعلوا ما أمرتكم به من التواصل
بين المسلمين ومن قطع المحبة بينهم وبين الكفار تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة فإن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم ، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار ، وأن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) فالله تعالى ذكرهم أولا لتبيين حكمهم وهو إكرام بعضهم بعضا ، ثم ذكرهم ها هنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وأثنى عليهم من ثلاثة أوجه وهي : وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين لأن من لم يكن محقا في دينه لم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ، ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تامة عن جميع الذنوب والتبعات (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٧٤) ثواب حسن في الجنة (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ) أي بعد الهجرة الأولى وهؤلاء هم التابعون بإحسان (وَهاجَرُوا) من مكة إلى المدينة بعد المهاجرين الأولين (وَجاهَدُوا مَعَكُمْ) في بعض مغازيكم (فَأُولئِكَ مِنْكُمْ) أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار في السر والعلانية (وَأُولُوا الْأَرْحامِ) أي ذوو القرابات (بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) آخر منهم في التوارث من الأجانب (فِي كِتابِ اللهِ) أي في حكم الله الذي بينه في كتابه بالسهام المذكورة في سورة النساء (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٧٥) فالعالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب.
سورة التوبة
مدنية ، وقد قيل : إلا الآيتين آخرها فإنهما مكيتان ، مائة وتسع وعشرون آية ، ألفان
وخمسمائة وست كلمات ، أحد عشر ألفا ومائة وخمسة عشر حرفا. والصحيح أن
التسمية لم تكتب لأن جبريل عليهالسلام ما نزل بها في هذه السورة. قاله القشيري
(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١) أي هذه براءة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين ، فإن الله قد أذن في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم وعاهدهم. ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك. وقيل : اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أي سيروا أيها المشركون كيف شئتم آمنين من القتل والقتال في هذه المدة من يوم النحر.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أراد أن يحج سنة تسع فقيل له : المشركون يحضرون ويطوفون بالبيت عراة فقال : «لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج ، وبعث معه أربعين آية من صدر براءة ، ليقرأها على أهل الموسم ، ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة الله وذمة رسول الله صلىاللهعليهوسلم من كل شرك ، ولا يطوف بالبيت عريان. فسار أبو بكر أميرا على الحاج ، وعلي ابن أبي طالب يؤذن ببراءة ، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر رضياللهعنه فخطب الناس وحدّثهم عن مناسكهم ، وأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على معاهدهم التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج ، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضياللهعنه فأذّن في الناس بالذي أمر به ، وقرأ عليهم أول سورة براءة وقال علي : بعثت بأربع : لا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلىاللهعليهوسلم عهد فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في الحج. فقال المشركون لعلي عند ذلك : أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء
ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف. ثم حج رسول الله صلىاللهعليهوسلم سنة عشر حجة الوداع (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ) أي واعلموا يا معشر الكفار أن هذا الإمهال ليس لعجز بل للطف ليتوب من تاب ، أي اعلموا أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات وتحصيل الأسباب فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم (وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) (٢) أي مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ) أي وهذا إعلام صادر من الله ورسوله ، واصل إلى الناس (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) وهو يوم العيد ، لأن فيه تمام معظم أفعال الحج ، ولأن الإعلام كان فيه ، (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الناقضين للعهد (وَرَسُولِهِ) بالرفع باتفاق السبعة فهو معطوف على الضمير المستتر في برىء (فَإِنْ تُبْتُمْ) من الشرك (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي فالتوب خير لكم في الدارين لا شر (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن المتاب من الشرك (فَاعْلَمُوا) يا معشر المشركين (أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ) أي غير فائتين من عذاب الله فإن الله قادر على إنزال أشد العذاب بهم (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣) أي أخبرهم بالقتل بعد أربعة أشهر ، فالبشارة على سبيل الاستهزاء كما يقال : إكرامهم الشتم وتحيتهم الضرب (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً) من شروط الميثاق ولم يضروكم قط.
وقرئ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم شيئا من النقض (وَلَمْ يُظاهِرُوا) أي لم يعاونوا (عَلَيْكُمْ أَحَداً) من أعدائكم (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ) إلى وقت أجلهم تسعة. أشهر والمعنى لا تمهلوا الناكثين للعهد فوق أربعة أشهر لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم ، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين ، وهم بنو ضمرة ، حي من كنانة أمر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم ، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر فإنهم ما غدروا من هذين الوجهين (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٤) عن نقض العهد فإن مراعاة حقوق العهد من باب التقوى ، وأن التسوية بين الوافي والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) أي فإذا خرج الأشهر التي حرم الله القتل والقتال فيها وهي من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) الناكثين خاصة (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي في حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره (وَخُذُوهُمْ) أي وأسروهم (وَاحْصُرُوهُمْ) أي امنعوهم من إتيان المسجد الحرام ، ومن التقلب في البلاد (وَاقْعُدُوا لَهُمْ) أي لأجلهم خاصة (كُلَّ مَرْصَدٍ) أي في كل ممر يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد (فَإِنْ تابُوا) من الشرك آمنوا بالله (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) أي أقروا بالصلوات الخمس (وَآتَوُا الزَّكاةَ) أي أقروا بأداء الزكاة (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي فاتركوهم ولا تتعرضوا بشيء مما ذكر (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) لمن تاب من الكفر والغدر (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) أي وإن
سألك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم أن تؤمنه بعد انقضاء مدة السياحة فأمنه حتى يسمع قراءتك لكلام الله ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه.
ونقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب : إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل؟ فقال علي : لا ، فإن الله تعالى قال : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) أي ثم أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم ، ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم (ذلِكَ) أي إعطاء الأمان (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (٦) أي بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه ، فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى معهم معذرة أصلا (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ) أي لا ينبغي أن يبقى للمشركين عهد عند الله وعند رسوله وهم ينقضون العهد. (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي لكن الذين عاهدتم من المشركين عند قرب أرض الحرم يوم الحديبية وهم المستثنون من قبل هذا الاستثناء فقد استثنوا في قوله تعالى سابقا : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً) إلخ ـ وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ـ فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) أي فأيّ زمان استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله. أو المعنى فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧) عن نقض العهد وقد استقام صلىاللهعليهوسلم على عهدهم حتى نقضوه بإعانتهم بني بكر وهم كنانة حلفاؤهم على خزاعة حلفائه صلىاللهعليهوسلم.
روي أنه عدت بنو بكر على بني خزاعة في حال غيبة رسول الله صلىاللهعليهوسلم وعاونتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأنشده :
|
لا همّ إني ناشد محمدا |
|
حلف أبينا وأبيك ألا تلدا |
|
إن قريشا أخلفوك الموعدا |
|
و نقضوا ذمامك المؤكدا |
|
هم بيتونا بالحطيم هجدا |
|
و قتلونا ركعا وسجدا |
فقال صلىاللهعليهوسلم : «لا نصرت إن لم أنصركم» (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي وحالهم أنهم إن يقدروا عليكم (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ) أي لا يحفظوا فيكم (إِلًّا) أي قرابة (وَلا ذِمَّةً) أي عهدا. والمعنى كيف لا تقتلوهم وهم إن يغلبوكم لا يحفظوا في شأنكم قرابة ولا ضمانا بل يؤذوكم ما استطاعوا (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ) أي تنكر قلوبهم ما يفيد كلامهم ، أي فإنهم يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طيبا والذي في قلوبهم بخلاف ذلك فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه (وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) (٨) أي ناقضون للعهد مذمومون عند جميع الناس وفي جميع
الأديان (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي تركوا آيات الله الآمرة بالاستقامة في كل أمر وأخذوا بدلها شيئا يسيرا من الدنيا لأجل تحصيل الشهوات ، وذلك أن أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وحملتهم تلك الأكلة على نقض العهد فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) أي عن دينه أو عن سبيل البيت الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٩) أي ساءهم الذي كانوا يعملونه ما مضى من صدهم عن سبيل الله وما معه (لا يَرْقُبُونَ) أي لا يحفظون (فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا) أي قرابة (وَلا ذِمَّةً) كرر ذلك مع إبدال الضمير بـ «مؤمن» ، لأن الأول وقع جوابا لقوله تعالى : (وَإِنْ يَظْهَرُوا) ، والثاني وقع خبرا عن تقبيح حالهم ، أو هذا خاص بالذين اشتروا والذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم وأشباههم من اليهود وغيرهم. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (١٠) أي المجاوزون في الظلم والشرارة (فَإِنْ تابُوا) من مساوي أعمالهم (وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ) أي أقروا بحكمهما وعزموا على إقامتهما (فَإِخْوانُكُمْ) أي فهم إخوانكم (فِي الدِّينِ) أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، فعاملوهم معاملة الإخوان (وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١١) أي نبين الآيات لقوم يعلمون ما فيها من الأحكام (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) أي عهودهم التي بينكم وبينهم (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) أي لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) أي عابوا دينكم بالتكذيب وتقبيح الأحكام (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) أي قاتلوا الكفار بأسرهم فإنهم صاروا بذلك ذوي تقدم في الكفر ، أحقاء بالقتل والقتال (إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) أي إنهم لا عهود لهم على الحقيقة لأنهم لا يعدون نقضها محذورا وهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان وإن أجروها على ألسنتهم.
وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة أي لا تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا ، فيكون «الإيمان» مصدرا بمعنى إعطاء الأمان ، فهو ضد الإخافة (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١٢) أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم سببا في انتهائهم عمّا هم عليه من الكفر والطعن في دينكم والمعاونة عليكم (أَلا) أي هلا (تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) بعد عهد الحديبية بإعانة بني بكر على خزاعة (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ) أي بإخراجه من مكة لكن لم يخرجوه بل خرج باختياره بإذن الله في الهجرة ، أو من المدينة لقصد قتله (وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) بالقتال يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه ، أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لأن إعانة بني بكر عليهم بالسلاح قتال معهم ، فالإعانة على القتال تسمى قتالا. (أَتَخْشَوْنَهُمْ) أي أتخافون أيها المؤمنون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم؟ (فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) في ترك أمره (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣). ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه وأن لا يخشى أحدا سواه (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) بالقتل تارة ، والأسر ،
أخرى واغتنام الأموال ثالثا (وَيُخْزِهِمْ) حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين (وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) أي يجعلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين فإنكم تنتفعون بهذا النصر (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (١٤) ممن لم يشهد القتال وهم خزاعة : بطون من اليمن ، وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فبعثوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم يشكون إليه ، فقال : «أبشروا فإن الفرج قريب» وكان شفاء صدورهم من زحمة الانتظار فإنه الموت الأحمر (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) من بني بكر فإن من طال تأذيه من خصمه ، ثمّ مكّنه الله منه على أحسن الوجوه كان سروره أعظم (وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) من بعض أهل مكة كأبي سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو فهم أسلموا يوم فتح مكة وحسن إسلامهم (وَاللهُ عَلِيمٌ) بكل ما يفعل في ملكه (حَكِيمٌ) (١٥) أي مصيب في أفعاله وأحكامه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) أي بل أحسبتم أن يترككم الله بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه. والحال أنه لم يصدر الجهاد عنكم خاليا عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين. والمقصود من هذه الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العتاب إلا عند حصول أمرين :
الأول : أن يصدر الجهاد عنهم.
الثاني : أن يأتي بالجهاد مع الإخلاص. فإن المجاهد قد يجاهد وباطنه خلاف ظاهره ، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين المخلصين ، أي وهو الذي يطلع الكافر على الأسرار الخفية. والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط بل الغرض أن يؤتى به انقياد الأمر الله تعالى وحكمه ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (١٦) من موالاة المشركين وغيرها فيجازيكم عليه فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) أي ما صحّ للمشركين أن يعمروا المسجد الحرام بدخوله والقعود فيه وخدمته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «مسجد الله» على الواحد. والباقون «مساجد» على الجمع وإنما جمع المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، ثم شهادتهم على أنفسهم بالكفر أنهم أقروا بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم وإن أبوا أن يقولوا نحن كفار (أُولئِكَ) الذين يدعون عمارة المسجد الحرام وما يضاهيها من أعمال البر مع ما بهم من الكفر (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت هباء منثورا (وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) (١٧) لكفرهم.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ علي عليه القول فقال العباس : تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا! فقال له علي : ألكم محاسن؟ قال : نعم ، نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ـ أي نخدمها ـ ونسقي الحجيج ، ونفك العاني ـ أي الأسير ـ فنزلت هذه الآية (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ) أي إنما يصح أن يعمر المساجد عمارة يعتد بها (مَنْ آمَنَ بِاللهِ) لأن المساجد موضع يعبدون الله فيه ، فمن لم يكن مؤمنا بالله لا يبني موضعا يعبد الله فيه (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لأن الاشتغال بعبادة الله لا تفيد إلا في القيامة فمن أنكر القيامة لم يعبد ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى (وَأَقامَ الصَّلاةَ) فإن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات (وَآتَى الزَّكاةَ) وإنما اعتبر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد ، لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد بذلك المسجد ، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ) في باب الدين بأن لا يختار علي رضا الله تعالى رضا غيره (فَعَسى أُولئِكَ) المنعوتون بتلك النعوت الجميلة (أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (١٨) إلى مطالبهم من الجنة وما فيها وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «من ألف المسجد ألفه الله تعالى». وعنه صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»(١) (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طاعة الله يوم بدر أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام في الفضيلة وعلو الدرجة كمن آمن بالله إلخ. ويقوي هذا التأويل قراءة عبد الله بن الزبير سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام.
قال ابن عباس : إن عليا لما أغلظ الكلام على العباس قال العباس : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية (لا يَسْتَوُونَ) أي الفريقان (عِنْدَ اللهِ) في الفضل (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٩) لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم رضوا بالكفر (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ) أي الذين جمعوا بين هذه الصفات الثلاثة أعلى رتبة وأكثر كرامة عند الله ممن لم يجمع بينها (وَأُولئِكَ) المنعوتون بتلك النعوت الفاضلة (هُمُ الْفائِزُونَ) (٢٠) بسعادة الدنيا والآخرة (يُبَشِّرُهُمْ) أي هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين (رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ) أي بمنفعة
__________________
(١) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٧٢٣٥) ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٥ : ٤٥٦) ، والعجلوني في كشف الخفاء (١ : ٩٣).
خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم من قبل الله تعالى وذلك هو حد الثواب (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ) أي منافع خالصة عن المكدرات (مُقِيمٌ) (٢١) أي دائمة غير منقطعة (خالِدِينَ فِيها) أي الجنات (أَبَداً) أي لا يخرجون منها (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (٢٢) لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث ، وبدأ بالرحمة التي هي النجاة من النيران في مقابلة الإيمان وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة ترك الأوطان ، ثم ثلث بالجنات التي هي المنافع العظيمة في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال ، وإنّما خصوا بالأجر العظيم لأن إيمانهم أعظم الإيمان (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ) أي بطانة تفشون إليهم أسراركم (إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ) أي اختاروه (عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) في الدين (فَأُولئِكَ) المتولون (هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٣) أي فهو مشرك مثلهم لأنه رضي بشركهم والرضا بالكفر كفر ، كما أن الرضا بالفسق فسق.
قيل : إن الله تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين قالوا : كيف تمكن المقاطعة التامة بين الرجل وابنه وأمه وأخيه؟ فذكر الله تعالى أن الانقطاع عن الآباء والأولاد والإخوان واجب بسبب الكفر (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ) أي أهلكم الأدنون الذين تعاشرونهم.
وقرأ أبو بكر عن عاصم «وعشيراتكم» بالجمع (وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها) أي اكتسبتموها (وَتِجارَةٌ) أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح (تَخْشَوْنَ كَسادَها) أي عدم رواجها (وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها) أي منازل تعجبكم الإقامة فيها (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) بالحب الاختياري (وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ) أي طاعته (فَتَرَبَّصُوا) نزلت هذه الآية لما قال جماعة من المؤمنين : يا رسول الله كيف يمكن البراءة منهم بالكلية ، وإن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ، وذهاب تجارتنا ، وهلاك أموالنا ، وخراب ديارنا؟ فبين الله تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما ، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله فتربصوا بما تحبون (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) وهي عقوبة عاجلة أو آجلة (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٢٤) أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) وهي مشاهد الحروب كوقعات بدر وقريظة ، والنضير والحديبية ، وخيبر ، وفتح مكة (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) أي واذكروا يوم قتالكم هوازن في حنين. فهوازن قبيلة حليمة السعدية ، وحنين واد بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا ، وذلك لما فتح رسول الله صلىاللهعليهوسلم مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج في شوال في تلك السنة وهي سنة ثمان متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
كَثْرَتُكُمْ) وهم اثنا عشر ألفا : عشرة من المهاجرين والأنصار الذين فتحوا مكة ، وألفان من الطلقاء وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا ـ وهم أسلموا بعد فتحها في هذه المدة اليسيرة بين هوازن وثقيف ـ وأربعة آلاف ومعهم أمداد سائر العرب. فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأنصاري : لن تغلب اليوم من قلة أي من أجلها افتخارا بكثرتهم أي نحن كثيرون فلا نغلب ، فأحزنت هذه الكلمة رسول الله صلىاللهعليهوسلم (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) أي فلم تعطكم تلك الكثرة ما تدفعون به حاجتكم شيئا من الدفع ، أي فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي إنكم لشدة الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (٢٥) أي منهزمين من الله. وقال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ، وانكشف المسلمون عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولم يبق معه صلىاللهعليهوسلم إلا عمه العباس وهو آخذ بلجام بغلته ، وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وهو آخذ بركابه ، وهو صلىاللهعليهوسلم يركض بغلته الشهباء نحو الكفار لا يبالي وهو يقول : «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» ثم قال للعباس : «ناد المهاجرين والأنصار». وكان العباس رجلا صيتا ، فجعل ينادي : يا عباد الله ، يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة. فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا ، وأخذ رسول الله صلىاللهعليهوسلم بيده كفا من الحصى فرماهم بها وقال : «شاهت الوجوه» فما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فذلك قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ) أي رحمته التي يحصل بها سكون وثبات وأمن (عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
واعلم أنه لما شق الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج ، وعن الأموال والمساكن على القلوب مشقة عظيمة ذكر الله تعالى ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا وضرب الله تعالى لهذا مثلا وذلك أن عسكر رسول الله صلىاللهعليهوسلم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، ثم في حال الانهزام لمّا تضرعوا إلى الله قوّاهم به حتى هزموا عسكر الكفار. وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا ، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا أتاه الدين والدنيا على أحسن الوجوه فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن لأجل مصلحة الدين ، ووعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم على أحسن الوجوه. (وَأَنْزَلَ) من السماء (جُنُوداً لَمْ تَرَوْها) أي بأبصارهم. وهم الملائكة عليهم البياض على خيول بلق لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة في قلوبهم وإلقاء الرعب في قلوب المشركين (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والأسر
وهم قوم مالك بن عوف الدهماني ، وقوم كنانة بن عبد ياليل الثقفي (وَذلِكَ) التعذيب (جَزاءُ الْكافِرِينَ) (٢٦) في الدنيا لكفرهم (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي ما جرى عليهم من الخذلان (عَلى مَنْ يَشاءُ) أن يتوب عليه منهم أي يوفقه للإسلام (وَاللهُ غَفُورٌ) لمن تاب (رَحِيمٌ) (٢٧) لمن آمن وعمل صالحا.
روي أن ناسا منهم جاءوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فبايعوه على الإسلام وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس ، وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن عندي ما ترون إن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم ، وإما أموالكم». قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا ، وهي مفاخر آبائه من الذراري والنساء. فقام رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده أسير وطابت نفسه أن يرده فشأنه ـ أي فيلزم شأنه ـ ومن لا ، فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه» قالوا : قد رضينا وسلمنا. فقال صلىاللهعليهوسلم : «إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا» (١) ، فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفا ، ومن الغنم ما لا يحصى عددا ، ومن الأسرى ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم وكان فيها غير ذلك (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) أي ذوو نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) أي جميع الحرم (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) وهي السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين ، وهي السنة التاسعة من الهجرة ولما امتنع المشركون من دخول الحرم وكانوا يتّجرون ويأتون مكة بالطعام ، وكانت معايش أهل مكة من التجارات فخافوا الفقر وضيق العيش وذكروا ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم أنزل الله تعالى قوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي فقرا بسبب منع الكفار (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي عطائه من وجه آخر (إِنْ شاءَ) فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا أغزر بها خيرهم وأكثر ميرهم ، وأسلم أهل جدة ، وحنين ، وصنعاء ، وتبالة وجرش فحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة مما كانوا يخافون إلى مبايعة الكفار ، فأغناهم بالفيء والجزية (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بأحوالكم وبمصالحكم (حَكِيمٌ) (٢٨) فلا يعطى ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب لما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله تعالى : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ) [التوبة : ١] إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين فقال : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فاليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه. والنصارى يعتقدون الحلول ، وهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد ، ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا ينكحون ، وهم يكذبون أكثر الأنبياء
__________________
(١) رواه الطبري في التفسير (١٠ : ٧٢) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢ : ١١٢).
(وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرّفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ) أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى.
قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي حتى يقبلوا أن يعطوا ما يعطى المعاهد على عهده (عَنْ يَدٍ) أي عن غني فلا تجب الجزية على الفقير العاجز ، أو عن إنعام عليهم لأن ترك أرواحهم عليهم بقبول الجزية منهم نعمة عظيمة (وَهُمْ صاغِرُونَ) (٢٩) أي أذلاء منقادون لحكم الإسلام. (وَقالَتِ الْيَهُودُ) سلام بن مشكم ونعمان بن قيس ، ومالك بن الصيف أو فنحاص بن عازوراء : (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ). وسبب هذا القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليهالسلام فأضاعوا التوراة ، وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت الذي فيه التوراة ، وأنساهم التوراة ومحاها من قلوبهم ، فتضرع عزير إلى الله تعالى ودعاه أن يرد إليه التوراة ، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى إذ نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت التوراة إليه فأعلم قومه وقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة وردها عليّ فتعلموا منه عن ظهر لسانه ، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزيز على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا : ما جمع الله التوراة في صدر عزيز وهو غلام إلا لأنه ابنه (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ).
روي أن أتباع عيسى كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليهالسلام إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع يقال له : بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليهالسلام ، ثم قال بولص لليهود : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ، فنحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة ، فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ، ثم إنه أتى إلى النصارى فقالوا له : من أنت؟ قال : أنا عدوكم بولص قد نوديت من السماء : إنه ليست لك توبة حتى تتنصر وقد تبت ، فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة في بيت فيها ولم يخرج منه حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال : قد نوديت : إن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ، ثم إنه عهد إلى أربعة رجال : اسم واحد نسطور ، والآخر يعقوب ، والآخر ملكان ، والآخر من أهل الروم ، فعلّم نسطور أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاثة ، وعلّم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان وأنه ابن الله ، وعلّم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال عيسى ، وعلم رجلا آخر من الروم اللاهوت والناسوت وقال : ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله ، ثم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له : أنت خليفتي فادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غدا
أذبح نفسي لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه فتفرقوا ودعوا الناس إلى مذاهبهم واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله (ذلِكَ) أي ما صدر عنهم (قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) أي مجردا عن برهان وهو فارغ من معنى معتبر (يُضاهِؤُنَ) أي يشبهون في الشناعة (قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) أي من قبلهم أي يشابه قول اليهود والنصارى قول المشركين : الملائكة بنات الله. وقول أهل مكة : اللات والعزى ومناة بنات الله. كما قالت اليهود : عزير ابن الله. وكذلك قال بعض النصارى : المسيح ابن الله ، وقال بعضهم : شريكه ، وقال بعضهم : هو الله ، وقال بعضهم : ثالث ثلاثة (قاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم بالإهلاك أو تعجب من شناعة قولهم : (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٣٠) أي كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله ولدا ، وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأن الله تعالى لا يتعجب من شيء (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) أي اتخذ اليهود علماءهم من ولد هارون ، واتخذ النصارى علماءهم من أصحاب الصوامع أربابا من دون الله بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه أو بالسجود لهم (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) أي اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا : إنه ابن الله (وَما أُمِرُوا) أي والحال أن هؤلاء الكفار ما أمروا في التوراة والإنجيل (إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) عظيم الشأن هو الله تعالى (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) صفة ثانية لا لها (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٣١) أي تنزه الله تعالى عن أن يكون له شريك في التكليف وفي كونه معبودا ومسجودا له وفي وجوب نهاية التعظيم والإجلال (يُرِيدُونَ) أي رؤساء اليهود والنصارى (أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ) أي دلائل الله المنيرة الدالة على وحدانيته وتنزهه عن الشركاء والأولاد ، أي يريدون أن يردوا القرآن فيما نطق به من التوحيد والتنزه عن الشركاء والأولاد ومن الشرائع من أمر الحل والحرمة (بِأَفْواهِهِمْ) أي بأقوالهم الباطلة (وَيَأْبَى اللهُ) أي لا يريد (إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دين الإسلام (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٣٢) وجواب «لو» محذوف ، أي ولو كره الكافرون تمام نوره لأتمه ولم يبال بكراهتهم. (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) محمدا صلىاللهعليهوسلم (بِالْهُدى) أي ملتبسا بالقرآن (وَدِينِ الْحَقِ) أي دين الإسلام (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي ليعلي الله دين الإسلام على الأديان كلها وهو أن لا يعبد الله طلا به فإن المسلمين قد قهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد حصل وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا.
وروي عن أبي هريرة أنه قال : هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام غالبا على جميع الأديان ، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام (وَلَو
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (٣٣) ذلك الإظهار والوصف بالشرك بعد الوصف بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر بالله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ) أي علماء اليهود (وَالرُّهْبانِ) أي علماء النصارى (لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) أي ليأخذون الأموال من سفلتهم بطريق الرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي لأنهم يمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في ذلك في الزمان في المسلك المقرر في التوراة والإنجيل ، وفي زمان محمد صلىاللهعليهوسلم كانوا يبالغون في المنع عن متابعته صلىاللهعليهوسلم في منهجه الصحيح بجميع وجوه المكر والخداع (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) أي يجمعونهما (وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ) أي ولا يخرجون من حملة كل واحد منهما سواء كانت آنية أو دنانير ودراهم ما وجب إخراجه عن تلك الجملة من الزكاة والكفارات ونفقة الحج والجمعة ، ومما يجب إخراجه في الدين والحقوق ونفقة الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٤) أي فأخبرهم يا أشرف الخلق بعذاب أليم هو مذكور في قوله تعالى : (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ) أي يوم توقد على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة نار ذات حرّ شديد في نار جهنم (فَتُكْوى بِها) أي فتحرق بتلك الأموال (جِباهُهُمْ) أي جهة أمامهم كلها (وَجُنُوبُهُمْ) من اليمين واليسار (وَظُهُورُهُمْ) يقال لهم : (هذا) أي الكي (ما كَنَزْتُمْ) أي جزاء ما جمعتم من الأموال (لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (٣٥) أي فذوقوا جزاء ما كنتم تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ) القمرية التي تؤدى فيها الزكاة وعليها يدور فلك الأحكام الشرعية (عِنْدَ اللهِ) أي في حكمه (اثْنا عَشَرَ شَهْراً) وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما ، والسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم ، فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام وربع يوم ، فبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل آخر فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف (فِي كِتابِ اللهِ) أي في اللوح المحفوظ (يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) وهذه الظروف الثلاثة أبدل البعض من البعض ، والتقدير أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات ، أي منذ خلق الله الإحرام والأزمنة أي إن ذلك العدد ثابت في علم الله وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم (مِنْها) أي من تلك الشهور الاثني عشر (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) هي ذو القعدة ، وذو الحجة والمحرم ورجب (ذلِكَ) أي عدة الشهور (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي الحساب الصحيح (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَ) أي في الأربعة الحرم (أَنْفُسَكُمْ) بإتيان المعاصي فإنه أعظم وزرا كإتيانها في الحرم.
وقال ابن عباس : فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم ، وذلك منع الإنسان عن إتيان الفساد في جميع العمر (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) أي قاتلوا
المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم في جميع الأشهر كما إنهم يقاتلونكم على هذه الصفة وكونوا عباد الله متوفقين في مقاتلة الأعداء (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٣٦) أي مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات واجتناب المحرمات (إِنَّمَا النَّسِيءُ) أي إنما تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر (زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) لأن ضم هذا العمل إلى الأنواع المتقدمة من الكفر زيادة في الكفر (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قرأ حفص وحمزة والكسائي «يضل» بالبناء للمفعول. والباقون بفتح الياء على البناء للفاعل. وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم ويعقوب من العشرة بضم الياء وكسر الضاد. والمعنى حينئذ يضل بهذا التأخير الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم (يُحِلُّونَهُ عاماً) أي يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم (وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) أي ويحرمون التأخير عاما آخر ، وهو العام الذي يتركون المحرم على تحريمه. وسبب هذا التأخير أن العرب كانت تعظم الأشهر الأربعة وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة والحروب فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لهلكنا وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم (لِيُواطِؤُا) أي ليوافقوا (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ) من الأشهر الأربعة (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ) بخصوصه.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : إنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى.
قال الكلبي : أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له : نعيم بن ثعلبة وكان يقوم ويخطب في الموسم ويقول : إن صفر العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة ، وإن قال : حلال ، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأغاروا. وقيل : هو جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية كان يقول على جمل في الموسم بأعلى صوته : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ، ثم يقوم في العام القابل فيقول : إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه وقيل : هو رجل من كنانة يقال له : القلمس قال قائلهم :
ومنا ناسئ الشهر قلمس
وعن ابن عباس رضياللهعنهما : أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ). قال ابن عباس : أي زين الشيطان لهم هذا العمل حتى حسبوا هذا
القبيح حسنا (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٣٧) أي لا يرشدهم إلى دينه لما سبق لهم في الأزل أنهم من أهل النار (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) أي أيّ شيء ثبت لكم من الأعذار حال كونكم متثاقلين ومشتهين الإقامة في أرضكم في وقت قول الرسول لكم : أخرجوا إلى الغزو في طاعة الله.
روي أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة ويقال لها : غزوة العسر وغزوة الفاضحة ، وكانت في رجب في السنة التاسعة من الهجرة بعد رجوعه صلىاللهعليهوسلم من الطائف إلى المدينة ، وسببها ما بلغ رسول الله صلىاللهعليهوسلم من أن هرقل جمع أهل الروم وأهل الشام وإنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء ، فأمر صلىاللهعليهوسلم أصحابه بالجهاد وبعث إلى مكة وقبائل العرب وحضّ أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله ، وهي آخر غزواته فجهز عثمان عشرة آلاف ، وأنفق عليها عشرة آلاف دينار غير الإبل والخيل وهي : تسعمائة بعير ومائة فرس ، وغير الزاد وما يتعلق بذلك ، وأول من جاء بالنفقة : أبو بكر فجاء بجميع ماله أربعة آلاف درهم ، وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء ابن عوف بمائة أوقية ، وجاء العباس بمال كثير ، وكذا طلحة والأغنياء. وبعثت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن. فلما تجهز رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالناس وهم ثلاثون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس خلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وتخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه من المنافقين بعد أن خرجوا إلى ثنية الوداع وكان من تخلف عشر قبائل وإنما تباطأ الناس في خروجهم للقتال لشدة الزمان في قحط وضيق عيش ، ولبعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات ولشدة الحر في ذلك الوقت ، ولمهابة عسكر الروم ، ولإدراك الثمار في المدينة في ذلك الوقت فاقتضى اجتماع هذه الأسباب تثاقل الناس عن ذلك الغزو (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا) وغرورها (مِنَ الْآخِرَةِ) أي بدل نعيم الآخرة (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (٣٨) أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في مقابلة نعيم الآخرة إلا قليل لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل السرور القليل سفه (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ) الله (عَذاباً أَلِيماً) أي إن لم تخرجوا إلى ما طلب الخروج منكم إليه يهلككم الله بسبب فظيع هائل كقحط ونحوه (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) أي يأتي بعد إهلاككم بدلكم بقوم مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا كأهل اليمن وأبناء فارس (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً) أي لا يضر الله جلوسكم شيئا لأنه غني عن العالمين أو لا يضر الرسول تثاقلكم في نصرة دينه أصلا ، لأن الله عصمه من الناس (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٣٩) فيقدر على نصر نبيه ودينه ولو من غير واسطة (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) أي إن لم تنصروا محمدا فسينصره الله الذي قد نصره حين لم يكن معه إلا
رجل واحد إذ جعله كفار مكة مثل المضطر إلى الخروج حيث أذن له صلىاللهعليهوسلم في الخروج حين هموا بقتله حال كونه أحد اثنين ، والآخر أبو بكر الصديق إذ هما في غار جبل ثور إذ يقول محمد صلىاللهعليهوسلم لأبي بكر الصديق : «لا تحزن إن الله معيننا» (١) وكان الصديق قد حزن على رسول الله صلىاللهعليهوسلم لا على نفسه فقال له : يا رسول الله إذا مت أنا فأنا رجل واحد وإذا مت أنت هلكت الأمة والدين.
روي أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأمره الله تعالى أن يخرج أول الليل إلى الغار ، وخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، وأمر صلىاللهعليهوسلم عليا أن يضطجع على فراشه ليمنع السواد من طلبه حتى يبلغ إلى ما أمر الله به ، فلما وصل إلى الغار دخل أبو بكر فيه أولا يلتمس ما فيه فقال له النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «ما لك؟» فقال : بأبي أنت وأمي ، الغار مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، وكان في الغار جحر فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال صلىاللهعليهوسلم : «لا تحزن إن الله معنا بنصره» (٢). فجعل يمسح الدموع عن خده.
وروي لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله ، والعنكبوت نسجت عليه فقال صلىاللهعليهوسلم : «اللهم أعم أبصارهم» (٣) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ) أي أمنته التي تسكن عندها القلوب (عَلَيْهِ) أي على صاحبه صلىاللهعليهوسلم أبي بكر الصدّيق (وَأَيَّدَهُ) أي أعانه صلىاللهعليهوسلم (بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) وهم الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين وهذه الجملة معطوفة على جملة «نصره الله» (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى) أي جعل الله يوم بدر كلمة الشرك سافلة حقيرة (وَكَلِمَةُ اللهِ) أي قوله لا إله إلا الله (هِيَ الْعُلْيا) أي الغالبة الظاهرة (وَاللهُ عَزِيزٌ) أي قاهر غالب (حَكِيمٌ) (٤٠) أي لا يفعل إلا الصواب (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) أي اخرجوا مع نبيكم إلى غزوة تبوك خفافا في الخروج لنشاطكم له وثقالا عنه لمشقته عليكم (وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي جاهدوا في طاعة الله بما أمكن لكم إما بكليهما أو بأحدهما (ذلِكُمْ) أي الجهاد (خَيْرٌ لَكُمْ) أي خير عظيم في نفسه لكم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤١) أن الجهاد خير فبادروا إليه (لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ) أي لو كان ما دعوا إليه متاعا قريب المنال سهل المأخذ وسفرا متوسطا بين
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم ، باب : مناقب المهاجرين وفضلهم إلخ ، ومسلم في كتاب الزهد ، باب : ٧٥ ، وأحمد في (م ١ / ص ٣) وفيه «معنا» بدل «معيننا».
(٢) رواه البخاري في كتاب أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم ، باب : مناقب المهاجرين وفضلهم إلخ ، ومسلم في كتاب الزهد ، باب : ٧٥ ، وأحمد في (م ١ / ص ٣).
(٣) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٧٦).
القريب والبعيد لاتبعوك في الخروج إلى تبوك طمعا في تلك المنافع (وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) أي المسافة التي تقطع بمشقة فتخلفوا عن الجهاد بسبب إنهم كانوا يستعظمون غزو الروم فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة (وَسَيَحْلِفُونَ) أي المتخلفون عن الغزو عند رجوعك من تبوك وهم عبد الله بن أبي ، وجد بن قيس ، ومعتب بن قشير وأصحابهم قائلين (بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا) بالزاد والراحلة (لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) إلى غزوة تبوك (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) بسبب الحلف الكاذب فإن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ولهذا قال صلىاللهعليهوسلم : «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع». (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (٤٢) في أيمانهم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج (عَفَا اللهُ عَنْكَ) يا أشرف الخلق ما وقع منك من ترك الأولى والأكمل (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) أي لأي سبب أذنت لهم في التخلف (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) في اعتذارهم بعدم الاستطاعة من جهة المال أو من جهة البدن (وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) (٤٣).
في ذلك قال ابن عباس : لم يكن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت سورة براءة (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي ليس من عادة المؤمنين الخلص أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه ، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون : لا نستأذن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فأي فائدة في الاستئذان ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا ، وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (٤٤) الذين يسارعون إلى طاعته (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي إنما يستأذنك يا أشرف الخلق في التخلف عن الجهاد من غير عذر المنافقون فإنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا (وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ) أي شكت قلوبهم في الدين (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (٤٥) أي فهم حال كونهم في شكهم المستقر في قلوبهم يتحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين (وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ) إلى الغزو معك (لَأَعَدُّوا لَهُ) أي للخروج (عُدَّةً) أي أهبة من الزاد والراحلة والسلاح (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ) أي ولكن لم يرض الله نهوضهم للخروج معك (فَثَبَّطَهُمْ) أي حبسهم بالكسل (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) (٤٦) أي تخلفوا مع المتخلفين والقائل الشيطان بوسوسته أو بعضهم لبعض ، أو هو أمر النّبيّ بذلك أمر توبيخ أو ألقاه الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم فلا قول بالفعل لا من الله ولا من النّبيّ (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ) أي معكم (ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالاً) أي فسادا (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) أي ولساروا على الإبل وسطكم ولأسرعوا بينكم بالنمائم (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) أي يطلبون لكم ما تفتنون به بإلقاء الرعب في قلوبكم وبإفساد نياتكم (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي فيكم قوم ضعفة يسمعون للمنافقين (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (٤٧) لأنفسهم بسبب نفاقهم ولغيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيره في وجوه الآفات (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ) أي من
قبل واقعة تبوك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حيث انصرف مع أصحابه عن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم (وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) أي اجتهدوا في الحيلة عليك وفي إبطال أمرك (حَتَّى جاءَ الْحَقُ) أي استمر هؤلاء المنافقون على إثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء النصر الإلهي وكثر المؤمنون (وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ) أي غلب دينه بظهور الأسباب التي تقوي شرع محمد صلىاللهعليهوسلم (وَهُمْ كارِهُونَ) (٤٨) أي والحال أنهم كارهون لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) أي ومن المنافقين وهو الجد بن قيس من يقول للنبيّ صلىاللهعليهوسلم : ائذن لي في القعود في المدينة ولا توقعني في الإثم بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم. وروي أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لما تجهز إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس : «يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر» ـ أي في جهاد ملوك الروم ـ فقال الجد : يا رسول الله قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر وإني أخشى إن رأيتهن لا أصبر عنهن ولكني أعينك بمال فاتركني (أَلا) أي تنبهوا (فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي إنهم في عين الفتنة وقعوا فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف وهم خائفون من نزول آيات في بيان نفاقهم (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) (٤٩) أي جامعة لهم يوم القيامة من كل جانب. وقيل : إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها لأنهم كانوا محرومين عن كل السعادات وإنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين ، وقصد الرسول بكل سوء. وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي. وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم وأولادهم وأموالهم. (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) أي إن تصبك في بعض الغزوات حسنة من ظفر أو غنيمة أو انقياد بعض ملوك الأطراف يحزنهم ذلك (وَإِنْ تُصِبْكَ) في بعض الغزوات (مُصِيبَةٌ) أي شدة وإن صغرت (يَقُولُوا) متبجحين برأيهم : (قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا) أي حذرنا بالاعتزال عن المسلمين والتخلف عنهم والمداراة مع الكفرة (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هذه المصيبة (وَيَتَوَلَّوْا) عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم (وَهُمْ فَرِحُونَ) (٥٠) بما أصابك من المصيبة وبسلامتهم منها. (قُلْ) يا أشرف الخلق للمنافقين بيانا لبطلان اعتقادهم : (لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا) أي لن يصيبنا خير ولا شر ولا رخاء ، ولا شدة ولا خوف ، ولا أمن إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله فإذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم ، وإن صرنا غالبين صرنا مستحقين للثواب في الآخرة وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا (هُوَ) أي الله (مَوْلانا) يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء فإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعا من المصائب فإنه يجب الرضا بها (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (٥١) أي فالواجب على المؤمن أن يفوّض أمره إلى الله وأن يرضى بفعله تعالى وأن يطمع من فضله تعالى ورحمته. (قُلْ) يا أشرف الخلق للمنافقين : (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) أي ما تنتظرون
بنا إلا إحدى الحالتين الشريفتين ، النصر أو الشهادة ، وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو فإن صار مغلوبا مقتولا بالاسم الحسن في الدنيا وهي الرجولية والشوكة وبالثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة وإن صار غالبا فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل وفي الآخرة بالثواب العظيم (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) إحدى الحالتين الخسيستين إما (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ) كأن ينزل عليكم صاعقة من السماء كما نزلت على عاد وثمود (أَوْ) بعذاب (بِأَيْدِينا) وهو القتل على الكفر ، أي إن المنافق إذا قعد في بيته كان مذموما منسوبا إلى الجبن ، وضعف القلب والرضا بأمر يشاركه فيه النسوان والصبيان والعاجزون ، ثم يكون أبدا خائفا على نفسه وولده وماله ، وإن أذن الله في قتله وقع في القتل والأسر والنهب مع الذل وإن مات انتقل إلى العذاب الدائم في الآخرة (فَتَرَبَّصُوا) بنا إحدى الحالتين الشريفتين (إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (٥٢) وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين (قُلْ) يا أشرف الخلق لهذا المنافق وأمثاله وهذه الآية نزلت في الجد بن قيس حين قال للنّبيّ صلىاللهعليهوسلم : ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به (أَنْفِقُوا) أموالكم (طَوْعاً) أي من غير إلزام من الله ورسوله (أَوْ كَرْهاً) أي إلزاما منهما.
وسمي الإلزام إكراها لأن إلزام المنافقين بالإنفاق كان شاقا عليهم كالإكراه.
وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي النساء والأحقاف «كرها» بضم الكاف. وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه. والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) والأمر هنا بمعنى الخير أي نفقتكم غير مقبولة سواء كانت طوعا أو كرها (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ) (٥٣) أي منافقين فإنهم كافرون في الباطن (وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) أي لا يأتونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم متثاقلين فإن هذا المنافق إن كان في جماعة صلى ، وإن كان وحده لم يصل لأنه يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفا من مذمة الناس (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) (٥٤) أي لا رغبة لهم فإنهم لا ينفقون لغرض الطاعة بل رعاية للمصلحة الظاهرة حتى إنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرما بينهم (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) والمراد بهذا الخطاب جميع المؤمنين. والمعنى ولا تعجبوا بأموال المنافقين وأولادهم (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها) أي بالأموال والأولاد (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وسبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الغم والخوف بسبب المصائب الواقعة فيهما ، وهم اعتقدوا أنه لا سعادة إلا في هذه الخيرات العاجلة ، فالمال والولد عذاب على المنافق في الدنيا دون المؤمن لأنه علم أنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) (٥٥) أي يريد الله أن
تخرج أرواحهم والحال أنهم كافرون فيكون عذابهم في الآخرة أشد العذاب (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) أي يحلف المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم إنهم على دينكم (وَما هُمْ مِنْكُمْ) أي ليسوا على دينكم (وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) (٥٦) أي يخافون القتل فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً) أي حرزا يلجئون إليه تحصنا منكم من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة (أَوْ مَغاراتٍ) أي كهوفا في الجبل يخفون فيها أنفسهم (أَوْ مُدَّخَلاً) أي سربا تحت الأرض كالآبار يندسون فيه (لَوَلَّوْا) أي لصرفوا وجوههم (إِلَيْهِ) أي إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة التي هي شر الأمكنة (وَهُمْ يَجْمَحُونَ) (٥٧) أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء لشدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين (وَمِنْهُمْ) أي المنافقين أبي الأحوص وأصحابه (مَنْ يَلْمِزُكَ) أي من يعيبك سرا (فِي الصَّدَقاتِ) قالوا لم يقسم بيننا بالسوية والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا هواه فنزلت هذه الآية (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها) أي الصدقات قدر ما يريدون في الكثرة (رَضُوا) بالقسمة (وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها) قدر ما يريدون (إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ) (٥٨) أي يفاجئون السخط فإن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ) من الصدقات وطابت نفوسهم وإن قل (وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ) أي كفانا ذلك (سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ) أي سيغنينا الله من فضله برزقه فيعطينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم أكثر مما أعطانا اليوم (إِنَّا إِلَى اللهِ) أي إلى طاعته وإحسانه (راغِبُونَ) (٥٩) لكان ذلك أعود عليهم.
ونقل أن عيسى عليهالسلام مرّ بقوم يذكرون الله تعالى فقال : ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا : الخوف من عقاب الله. فقال : أصبتم. ثم مرّ على قوم آخرين يذكرون الله تعالى فقال : ما الذي يحملكم عليه؟ فقالوا : الرغبة في الثواب. فقال : أصبتم. ومرّ على قوم ثالث مشتغلين بالذكر ، فسألهم ، فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته ، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته فقال : أنتم المحبون المحققون. (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ) أي إنما الزكوات مصروفة للفقراء وهم المحتاجون الذين لا يجدون شيئا ولا يسألون الناس وهم أهل صفة مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس كما قاله ابن عباس ، ومن سأل وجد فكان المسكين أقل حاجة (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) وهم السعاة لجباية الصدقة وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم وهو قول الشافعي وعبد الله بن عمر وابن زيد.
وقال مجاهد والضحاك : يعطون الثمن من الصدقات (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) وهم أصناف : صنف دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيتألفون ليثبتوا ، وآخرون لهم شرف في قومهم يطلب
بتألفهم إسلام نظرائهم وأثبت الشافعي والأصحاب سهم هذين الصنفين وصنف يراد بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفار أو من مانعي الزكاة ويقبضوا زكاتهم ، وهذان في معنى الغزاة والعاملين وعلى هذا فيسقط سهم المؤلفة بالكلية لكن يجوز صرفه إليهما كما أفتى به الماوردي (وَفِي الرِّقابِ) أي وفي فك الرقاب فسهمهم موضوع في المكاتبين ليعتقوا به كما هو مذهب الشافعي والليث بن سعد أو موضوع لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون كما هو مذهب مالك وأحمد وإسحاق.
وقال الزهري : سهم الرقاب نصفان : نصف للمكاتبين من المسلمين ، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة (وَالْغارِمِينَ) أي المديونين في طاعة الله (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) ويجوز للغازي أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا كما هو مذهب الشافعي ، ومالك ، وإسحاق ، وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا. ونقل القفال عن بعض الفقهاء : أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن قوله تعالى في سبيل الله عام في الكل (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة ، ويصرف مال الزكاة إلى الأصناف الأربعة :
الأول : حتى يتصرفوا فيه كما شاءوا. وفي الأربعة الأخيرة : لا يصرف المال إليهم بل يصرف المال إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة ، ومذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف كما هو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير. وقال الشافعي : لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية كما هو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز. (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) أي فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة والمقصود من هذا التأكيد تحريم إخراج الزكاة عن الأصناف (وَاللهُ عَلِيمٌ) فيعلم بمقادير المصالح (حَكِيمٌ) (٦٠) لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ).
روي أن جماعة من المنافقين حذام بن خالد وإياس بن قيس ، وسماك بن يزيد وعبيد بن مالك ، والجلاس بن سويد ، ووديعة بن ثابت ذكروا النّبيّ صلىاللهعليهوسلم بما لا ينبغي من القول ثم قالوا : إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير ، وكان عندهم غلام يقال له : عامر بن قيس ثم أتى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وأخبره فدعاهم وسألهم ، فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب ، وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فجعل عامر يدعو ويقول : «اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب» فأنزل الله هذه الآية ومقصود المنافقين بقولهم هو أذن أنه صلىاللهعليهوسلم ليس له ذكاء بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع (قُلْ) يا أشرف الخلق لهؤلاء المنافقين (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ).
قرأ عاصم في رواية الأعمش ، وعبد الرحمن عن أبي بكر عنه «أذن خير» مرفوعين ، أي إن كان صلىاللهعليهوسلم كما تقولون : إنه أذن فأذن يقبل منكم خير لكم من أن يكذبكم. والباقون بالإضافة أي هو أذن خير لا أذن شر ، أي يصدقكم بالخير لا بالكذب. ثم بيّن الله كونه صلىاللهعليهوسلم أذن خير بقوله : (يُؤْمِنُ بِاللهِ) لما قام عنده من الأدلة (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي ويرضى لهم ويصدقهم لما علم فيهم من الخلوص (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) أي وهو رفق بالذين أظهروا الإيمان منكم حيث لا يكشف أسرارهم.
وقرأ حمزة «ورحمة» بالجر عطفا على خير. وقرأ ابن عامر «ورحمة» بالنصب علة لمحذوف ، أي ويأذن لكم رحمة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ) بقولهم هو أذن ونحوه (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦١) في الدنيا والآخرة (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) أي إنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) أي والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإرضاء منكم وكان من الواجب أن يرضوهما بالإخلاص والتوبة والمتابعة وإيفاء حقوقه صلىاللهعليهوسلم في باب الإجلال مشهدا ومغيبا لا بإتيانهم بالأيمان الفاجرة (إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ) (٦٢) فليرضوا الله ورسوله بالطاعة فإنهما أحق بالإرضاء (أَلَمْ يَعْلَمُوا) أي أولئك المنافقون جلاس وأصحابه (أَنَّهُ) أي الشأن (مَنْ يُحادِدِ اللهَ) أي من يخالف الله (وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ) أي فحق أن له نار جهنم أي فيكون نار جهنم له أمر ثابت (خالِداً فِيها ذلِكَ) أي العذاب الخالد (الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) (٦٣) أي الندم الشديد وهي ثمرات نفاقهم (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ) أي يخاف المنافقون أن تنزل في شأنهم سورة تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم إذاعة ظاهرة فتنتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال فكأن السورة تخبرهم بها وهم كانوا إذا سمعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم يذكر كل شيء ويقول : إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به (قُلِ اسْتَهْزِؤُا) أي افعلوا الاستهزاء بمحمد والقرآن (إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) (٦٤) أي فإن الله مظهر ما تحذرونه من إنزال السورة (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ).
قال الحسن وقتادة : لما سار الرسول إلى تبوك قال المنافقون بينهم : أتراه يظهر على الشام ويأخذ حصونها وقصورها ، هيهات هيهات ، فعند رجوعه صلىاللهعليهوسلم دعاهم وقال : أنتم القائلون بكذا وكذا فقالوا : ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وإنما كنا نتحدث ونضحك فيما بيننا (قُلْ أَبِاللهِ) أي بتكاليف الله (وَآياتِهِ) أي وبالقرآن وبسائر ما يدل على الدين (وَرَسُولِهِ) محمد صلىاللهعليهوسلم (كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (٦٥) (لا تَعْتَذِرُوا) أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) أي وقد ظهر كفركم للمؤمنين بالطعن في الرسول صلىاللهعليهوسلم بعد أن كنتم عندهم مسلمين (إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً).
قرأ عاصم «نعف» و «نعذب» بالنون مبنيا للفاعل و «طائفة» بالنصب. والباقون «يعف» بالياء و «تعذب» بالتاء بالبناء للمفعول ، و «طائفة» بالرفع.
روي أن الطائفتين كانوا ثلاثة فالواحد : طائفة وهو : جهير بن حمير. والاثنان : طائفة وهما وديعة بن جذام ، وجد بن قيس. فالذي عفى عنه جهير بن حمير لأنه كان ضحك معهم ولم يستهزئ معهم فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال : اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت ، أنا كفنت ، أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه (بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) (٦٦) أي مستمرين على النفاق والاستهزاء فأوجب التعذيب (الْمُنافِقُونَ) وكانوا ثلاثمائة (وَالْمُنافِقاتُ) وكن مائة وسبعين (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي متشابهون في صفة النفاق والأفعال الخبيثة (يَأْمُرُونَ) أي يأمر بعضهم بعضا (بِالْمُنْكَرِ) أي بالكفر والمعاصي (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) أي عن الإيمان والطاعة (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) عن كل خير من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله (نَسُوا اللهَ) أي تركوا أمر الله (فَنَسِيَهُمْ) أي فجازاهم بتركهم من رحمته (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٦٧) أي الكاملون في الفسق الذي هو الانسلاخ من كل خير (وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ) أي المجاهرين بالكفر (نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) فالنار المخلدة من أعظم العقوبات (هِيَ حَسْبُهُمْ) أي تلك العقوبة كافية ولا شيء أبلغ منها ولا يمكن الزيادة عليها (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) أي أهانهم الله بالذم ملحقا بتلك العقوبة (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) (٦٨) غير النار كالزمهرير وكمقاساة تعب النفاق في الدنيا إذ هم دائما في حذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي فعلكم أيها المنافقون كفعل الكفار الذين كانوا قبلكم في الأمر بالمنكر ، والنهي عن المعروف ، وقبض الأيدي عن الخيرات (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) في الأبدان (وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) أي فتمتعوا مدة بنصيبهم من لذات الدنيا (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) أي فأنتم أيها المنافقون استمتعتم بنصيبكم استمتاعا كاستمتاع الكفار الذين من قبلكم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) أي وتلبستم بتكذيب الأنبياء في السر وبالمكر والغدر بهم كالتلبس الذي تلبسوا به من تكذيب أنبياء الله والغدر بهم (أُولئِكَ) الموصوفون بالأفعال الذميمة (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) أي بطلت حسناتهم بسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ، ومن القوة إلى الضعف ، وبسبب الموت في الآخرة بسبب أنهم يعاقبون أشد العقاب (وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) (٦٩) حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء فما وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة ، وإلا حصول العقاب في الدنيا والآخرة (أَلَمْ يَأْتِهِمْ) أي
المنافقين (نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ) أي المنقلبات التي جعل الله عالي القرى سافلها (أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي المعجزات فكذبوهم فعجّل الله هلاكهم. والله أهلك قوم نوح بالغرق وعادا ـ قوم هود ـ بإرسال الريح العقيم ، وثمود ـ قوم صالح ـ بإرسال الصيحة والصاعقة ، وقوم إبراهيم بالهدم وسلب النعمة عنهم ، وبتسليط البعوضة على دماغ نمروذ ، وقوم شعيب بالظلة أو بالرجفة ، وقوم لوط بالخسف وبجعل عالي أرضهم سافلها وبإمطار الحجارة ، وإنما ذكر الله تعالى هذه الطوائف الستة لأن آثارهم باقية وبلادهم قريبة من بلاد العرب وهي : الشام ، والعراق ، واليمن فكانوا يمرون عليها ويعرفون أخبار أهلها (فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ) بإيصال العذاب إليهم لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٧٠) بالكفر وتكذيب الأنبياء (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي الشرك والمعاصي (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي المفروضة بإتمام الأركان والشروط (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) الواجبة عليهم (وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) في كل أمر ونهي في السر والعلانية (أُولئِكَ) الموصوفون بهذه الصفات (سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) أي يفيض عليهم آثار رحمته ، والسين للتوكيد والمبالغة (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة (حَكِيمٌ) (٧١) أي مدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي تجري من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن (خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً) وهي قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر (فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) وهي أبهى أماكن الجنات وأسناها.
وقال عبد الله بن عمر إن في الجنة قصرا يقال له : عدن ، حوله البروج والمروج ، وله خمسة آلاف باب ، على كل باب خمسة آلاف حوراء لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ، (وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ) مما هم فيه إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة.
وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة : «هل رضيتم» فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول : «أنا أعطيكم أفضل من ذلك». قالوا : وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال : «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا».
وقرأ شعبة «رضوان» بضم الراء. والباقون بالكسر (ذلِكَ) أي المذكور من الأمور الثلاثة (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٧٢) لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ) أي المجاهرين بالسيف (وَالْمُنافِقِينَ) أي الساترين كفرهم بظهور الإسلام بإظهار الحجة لا
بالسيف لنطقهم بكلمتي الشهادة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي اشدد على كلا الفريقين بالفعل والقول (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٧٣) هي وهذه الجملة مستأنفة لبيان عاقبة أمرهم (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) بتوافقهم على فتك النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وطعنهم على نبوته (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) أي أظهروا الكفر وجاهروا بالحرب بعد أن أظهروا الإسلام (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا).
روي أن المنافقين هموا بقتله صلىاللهعليهوسلم عند رجوعه من تبوك : وهم خمسة عشر رجلا قد اتفقوا على أن يدفعوه صلىاللهعليهوسلم عن راحلته ليقع في الوادي فيموت ، فأخبره الله بما دبروه ، فلما وصل إلى العقبة التي بين تبوك والمدينة نادى مناديه بأمره : إن رسول الله يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد غيره ، واسلكوا يا معشر الجن بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع فسلك الناس بطن الوادي ، وسلك النّبيّ صلىاللهعليهوسلم العقبة وكان ذلك في ليلة مظلمة فجاء المنافقون وتلثموا وسلكوا العقبة ، وكان النبي قد أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام ناقته ويقودها ، وأمر حذيفة أن يسوقها من خلفها. فبينما النبي يسير في العقبة إذ زحمه المنافقون فنفرت ناقته حتى سقط بعض متاعه ، فصرخ بهم ، فولوا مدبرين وعلموا أنه اطلع على مكرهم ، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي ، واختلطوا بالناس ، فصار حذيفة يضرب الناقة فقال له النبيّ : «هل عرفت أحدا منهم». قال : لا ، فإنهم كانوا متلثمين والليلة مظلمة. قال : «هل علمت مرادهم؟» قال : لا ، قال النبي : «إنهم مكروا وأرادوا أن يسيروا معي في العقبة فيزحمونني عنها وإن الله أخبرني بهم وبمكرهم» (١) فلما أصبح جمعهم وأخبرهم بما مكروا به فحلفوا بالله ما قالوا بتكذيب النبي ونسبه إلى التصنع في ادعاء الرسالة ، ولا أرادوا فتكه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : (وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي وما أنكروا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم شيئا من الأشياء إلا أغناه الله تعالى إياهم من فضله فإن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحرزون الغنيمة ، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله صلىاللهعليهوسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى ، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له صلىاللهعليهوسلم مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله فعملوا بضد الواجب ، فوضعوا موضع شكره صلىاللهعليهوسلم إن كرهوه وعابوه (فَإِنْ يَتُوبُوا) من النفاق كما وقع للجلاس بن سويد فإنه تاب وحسنت توبته (يَكُ) أي التوب (خَيْراً لَهُمْ) في الدارين (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا) أي يعرضوا عن التوبة (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا) بقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم ، واغتنام أموالهم لأنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب فيحل قتالهم (وَالْآخِرَةِ) بالنار وغيرها من أفانين العقاب (وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) مع سعتها (مِنْ وَلِيٍ) أي حافظ (وَلا نَصِيرٍ) (٧٤) ينقذهم من العذاب
__________________
(١) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥ : ٢٥٧) ، والسيوطي في الدر المنثور (٣ : ٢٥٩).
(وَمِنْهُمْ) أي المنافقين (مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٧٥) (فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا) بإجرامهم على العهد (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٧٦) بقلوبهم عن أوامر الله تعالى (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ) أي فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم أي فارتدوا عن الإسلام وصاروا منافقين (إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) أي إلى يوم موتهم الذين يلقون فيه جزاء عملهم وهو يوم القيامة (بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ) أي بسبب إخلافهم الله الوعد من التصدق والصلاح (وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (٧٧) أي وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في وعدهم.
روي أن ثعلبة بن حاطب كان صحيح الإسلام في ابتداء أمره وصار منافقا في آخر أمره وكان ملازما لمسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى لقب بحمامة المسجد ، ثم رآه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم يسرع الخروج من المسجد عقب الصلاة فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما لك تفعل فعل المنافقين؟» فقال : إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب أجيء به للصلاة ، ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فجاء ثعلبة إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال صلىاللهعليهوسلم : «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ادع الله أم يرزقني مالا فقال له رسول الله : «أما لك في أسوة حسنة ، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا من أوديتها فجعل يصلي الظهر والعصر مع رسول الله ، ويصلي في غنمه باقي الصلوات ، ثم نمت وكثرت فتباعد من المدينة حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، ثم نمت وكثرت حتى تباعد وترك الجمعة فإذا كان يوم الجمعة يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار ثم سأل رسول الله فأخبر بخبره فقال : «يا ويح ثعلبة ثلاثا» فنزل قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) [التوبة : ١٠٣] فبعث صلىاللهعليهوسلم رجلين من بني سليم ومن بني جهينة ، وكتب لهما أسنان الصدقة وقال لهما : «مرّا على ثعلبة بن حاطب فخذا صدقاته» فأتياه وأقرآه كتاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لهما : ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية فلم يدفع الصدقة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له : قد أنزل فيك كذا وكذا فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وسأله أن يقبل صدقته فقال : «إن الله منعني من قبول ذلك» فجعل يحثوا التراب على رأسه فقال صلىاللهعليهوسلم : «قد قلت لك فما أطعتني» (١) فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم أتى أبا بكر بصدقته ، فلم يقبلها اقتداء برسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ثم جاء بهما إلى عمر أيام
__________________
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٨ : ٢٢٥) ، وابن الجوزي في زاد المسير (٣ : ٤٧٣) ، وابن كثير في التفسير (٤ : ١٢٤) ، والطبري في التفسير (١٠ : ١٣١) ، والقرطبي في التفسير (٨ : ٢٠٩) ، والواحدي في أسباب النزول (١٧١).
خلافته فلم يقبلها ، فلما ولي عثمان أتاه بها فلم يقبلها ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان وإنما امتنع رسول الله صلىاللهعليهوسلم من أخذ تلك الصدقة لأن المقصود من الأخذ غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه لقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) [التوبة : ١٠٣] (أَلَمْ يَعْلَمُوا) أي المنافقون (أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ) وهو ما تنطوي عليه صدورهم (وَنَجْواهُمْ) وهو ما يفاوض به بعضهم بعضا فيما بينهم (وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (٧٨) أي ما غاب عن الخلق (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) أي ويطعنون على الذين لا يجدون إلا طاقتهم (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) أي ويهزئون بالفريق الأخير بقلة الصدقة (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ) وهذه الجملة خبر للموصول.
وقال الأصم : أي قبل الله من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع أنه لا يثيبهم عليها فكان ذلك كالسخرية.
وقال ابن عباس : فتح الله لهم في الآخرة بابا إلى الجنة (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٩). قال ابن عباس : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم خطبهم ذات يوم وحث على أن يجمعوا الصدقات ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وجاء عمر بنحو ذلك ، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر ، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ، وجاء أبو عقيل عبد الرحمن بن تيحان بصاع من تمر فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بوضعه في الصدقات. فقال المنافقون على وجه الطعن : ما جاءوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة ، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاع ليذكر مع سائر الأكابر والله غني من صاعه فأنزل الله تعالى هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ).
روي أنه لما نزلت الآيات المتقدمة في المنافقين وظهر نفاقهم للمؤمنين جاءوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم يعتذرون وقالوا : يا رسول الله استغفر لنا ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «سأستغفر لكم» واشتغل بالاستغفار لهم ، فنزلت هذه الآية ، فترك رسول الله صلىاللهعليهوسلم الاستغفار. وهذا الأمر تخيير له صلىاللهعليهوسلم في الاستغفار وتركه ، ومعناه إخبار باستواء الأمرين أي إن شئت فاستغفر لهم ، وإن شئت فلا تستغفر لهم فاستغفارك لهم وعدمه سواء (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وقد شاع استعمال السبعة ، والسبعين والسبعمائة في التكبير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنها العدد بأسره فإن عدة مراتبه سبعة آحاد ، عشرات مئين ، آحاد ألوف ، عشرات ألوف ، مئين ألوف ، آحاد ألوف ، الألوف والسبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات ، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض ، والبحار ، والأقاليم ، والنجوم ، والأيام ، والأعضاء هو هذا العدد (ذلِكَ) أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد المبالغة في الاستغفار (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي بسبب كفرهم لا لعدم الاعتداد بالاستغفار (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٨٠) أي فإن تجاوزهم عن الحدود مانع من الهداية (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ) أي الذين تركهم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم (بِمَقْعَدِهِمْ) أي في المدينة (خِلافَ رَسُولِ اللهِ)
أي مخالفة رسول الله صلىاللهعليهوسلم حيث سار إلى تبوك للجهاد وأقاموا في المدينة (وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) فإن في المجاهدة إتلاف النفس والمال (وَقالُوا) لإخوانهم أو للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد ، ونهيا عن المعروف (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) أي لا تخرجوا إلى الجهاد في الحر الشديد (قُلْ) تجهيلا لهم : (نارُ جَهَنَّمَ) التي ستدخلونها بما فعلتم (أَشَدُّ حَرًّا) مما تحذرون من الحر المعتاد وتحذرون الناس منه (لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) (٨١) أن بعد هذه الدار دارا أخرى ، وأن بعد هذه الحياة الدنيا حياة أخرى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً) وهذا إخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ورد بصيغة الأمر أي إنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم وحزنهم في الآخرة ، لأن الدنيا بأسرها قليلة وعقابهم في الآخرة دائم لا ينقطع (جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٢) في الدنيا من النفاق (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ) من غزوة تبوك (إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ) أي المنافقين في المدينة (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك (فَقُلْ) لهم يا أشرف الخلق : (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) في سفر من الأسفار (وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) من الأعداء (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ) عن الغزو (أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهي غزوة تبوك (فَاقْعُدُوا) عن الجهاد (مَعَ الْخالِفِينَ) (٨٣) أي النساء والصبيان والرجال العاجزين (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) أي لا تقف عليه للدفن أو للدعاء فإنه صلىاللهعليهوسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله في السر مدة حياتهم (وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (٨٤) أي متمردون في الكفر بالكذب والخداع والمكر. عن ابن عباس رضياللهعنهما إنه لما اشتكى عبد الله بن أبي سلول عاده رسول الله صلىاللهعليهوسلم فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول الله صلىاللهعليهوسلم يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني ، فرده وطلب منه الذي يلي جلده ليكفن فيه فأرسله إليه ، فقال عمر رضياللهعنه : لم تعطي قميصك للرجس النجس؟! فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام». وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله فإنه رأسهم فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه أسلم منهم يومئذ ألف ، فلما مات عبد الله جاء رسول الله صلىاللهعليهوسلم ابنه ـ واسمه عبد الله ـ فإنه كان من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاما ، وأكثرهم عبادة ، وأشرحهم صدرا ، يعرفه صلىاللهعليهوسلم لعبد الله : «صل عليه وادفنه» (١). فقال : يا رسول الله إن لم تصل عليه لم يصل عليه مسلم ، فقام صلىاللهعليهوسلم ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ،
__________________
(١) رواه ابن كثير في التفسير (٨ : ٢٢١).
فنزلت هذه الآية فامتنع صلىاللهعليهوسلم من الصلاة عليه وإنما دفع القميص إليه تطييبا لقلب ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإكراما له ، لأنه كان من الصالحين ، ولأن العباس عم رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكان رجلا طويلا فكساه عبد الله بن أبي قميصه بأمره صلىاللهعليهوسلم. (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ) بتمتيعهم بالأموال والأولاد (أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا) بمكابدتهم الشدائد في شأنها (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) (٨٥) أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها (وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) من القرآن مشتملة على الأمر (أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ) في التخلف عن الغزو (أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) أي ذوو السعة في المال والقدرة على الجهاد بالبدن من رؤساء المنافقين عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قيس (وَقالُوا ذَرْنا) يا محمد (نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ) (٨٦) أي من الضعفاء من الناس ، والساكنين في البلد بغير عذر (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) أي مع النساء اللاتي يلزمن البيوت (وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي منعت من حصول الإيمان (فَهُمْ) بسبب ذلك (لا يَفْقَهُونَ) (٨٧) أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد (لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي إن تخلف هؤلاء المنافقون عن العزو فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقادا (وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ) أي منافع الدارين : النصر والغنيمة في الدنيا ، والجنة والكرامة في الآخرة. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٨٨) أي المتخلصون من السخط والعذاب (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ) أي هيأ لهم في الآخرة (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) أي مقيمين في الجنة (ذلِكَ) أي نيل الكرامة العظمى (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٨٩) الذي لا فوز وراءه (وَجاءَ) إليك يا أشرف الخلق (الْمُعَذِّرُونَ) أي الذين أتوا بأعذار كاذبة وتكلفوا عذرا بباطل (مِنَ الْأَعْرابِ) أي من بني غفار (لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) بالتخلف عن غزوة تبوك فلم يعذرهم الله (وَقَعَدَ) عن الجهاد بغير إذن (الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في ادعائهم الإيمان وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا إلى الرسول ولم يعتذروا. (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي المعذرين لا من أسلم منهم (عَذابٌ أَلِيمٌ) (٩٠) في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار. (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ) كالشيوخ (وَلا عَلَى الْمَرْضى) من الشباب (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ) في الجهاد من الزاد والراحلة لفقرهم كمزينة وجهينة وبني عذرة (حَرَجٌ) أي إثم في التخلف عن الجهاد (إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي آمنوا بهما وأطاعوا لهما في السر والعلن (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي ليس عليهم طريق إلى ذمهم (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩١) (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ) (٩٢) أي وليس على من أتوك يسألوك أن تحملهم إلى غزوة تبوك ، ثم خرجوا من عندك يبكون لعدم وجدان ما ينفقون في الجهاد سبيل في لومهم ، ولذلك سموا البكائين ، وهم سبعة من الأنصار : معقل بن يسار ، وصخر بن خنساء ، وعبد الله بن كعب ، وسالم بن عمير ،
وثعلبة بن عنمة ، وعبد الله بن مغفل ، وعبد الله بن زيد فإنهم أتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك فقال صلىاللهعليهوسلم : «لا أجد ما أحملكم عليه» (١) فتولوا وهم يبكون ، فحمل العباس منهم اثنين ، وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه وهو ألف وحمل يامين بن عمرو النضري اثنين (إِنَّمَا السَّبِيلُ) بالمعاتبة (عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ) في التخلف (وَهُمْ أَغْنِياءُ) أي قادرون على أهبة الخروج معك (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) أي رضوا بالدناءة والانتظام في جملة النساء (وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ) لأجل ذلك الطبع (لا يَعْلَمُونَ) (٩٣) ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا (يَعْتَذِرُونَ) أي هؤلاء المنافقون وهم بضع وثمانون رجلا (إِلَيْكُمْ) في التخلف (إِذا رَجَعْتُمْ) من عزوة تبوك (إِلَيْهِمْ) بالأعذار الباطلة. (قُلْ) يا أشرف الخلق لهم : (لا تَعْتَذِرُوا) بما عندكم من المعاذير (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) أي لن نصدقكم فيما تقولون من العلل أبدا (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) أي قد أعلمنا الله بعض أحوالكم مما في ضمائركم من الخبث والنفاق والمكر (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) أي وسيقع عملكم معلوما لله ولرسوله هل تبقون على نفاقكم أم تتوبون منه (ثُمَّ تُرَدُّونَ) يوم القيامة (إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) للجزاء مما ظهر منكم من الأعمال (فَيُنَبِّئُكُمْ) عند وقوفكم بين يديه (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٩٤) في الدنيا. أي فيجازيكم عليه (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) أي إذا رجعتم إليهم من تبوك أنهم معذورون في التخلف (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) أي لتعرضوا عن ذمهم إعراض الصفح (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) إعراض المقت وترك الكلام. قال مقاتل : قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم حين قدم المدينة : «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» (٢) (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) أي إن خبث باطنهم رجس روحاني ، فكما يجب على الإنسان الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية حذرا من أن يميل طبع الإنسان إلى الأعمال القبيحة (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) أي وكفتهم النار توبيخا فلا تتكلفوا أنتم في ذلك (جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٩٥) في الدنيا من فنون السيئات (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) بالحلف وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (٩٦) أي فإن رضيتم أيها المؤمنون عنهم بما حلفوا لكم فلا ينفعهم رضاكم ، لأن الله ساخط عليهم ولا أثر لرضاكم لكون إرادتكم مخالفة لإرادة الله تعالى وذلك لا يجوز. (الْأَعْرابُ) أي جنس أهل البدو (أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً) من أهل الحضر لتوحشهم واستيلاء
__________________
(١) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥ : ٣١٨) ، والسيوطي في الدر المنثور (٣ : ٢٦٨) ، وابن الجوزي في زاد المسير (٣ : ٤٨٥).
(٢) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٣ : ٤٧٨).
الهواء الحار اليابس عليهم ، وبعدهم عن أهل العلم (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) أي أحق بأن لا يعلموا مقادير التكاليف والأحكام (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما في قلوب خلقه (حَكِيمٌ) (٩٧) فيما فرض من فرائضه (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً) أي من الأعراب أسد وغطفان من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله خسران لأنه لا ينفق إلا رياء وخوفا من المسلمين لا لوجه الله (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) أي ينتظر أن تتقلب الأمور عليكم بموت الرسول ، وأن يعلو عليكم المشركون فيتخلص مما ابتلى به من الإنفاق (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) أي عليهم يدور البلاء والحزن فلا يرون في محمّد صلىاللهعليهوسلم ودينه إلا ما يحزنهم (وَاللهُ سَمِيعٌ) لقولهم عند الإنفاق من كلام لا خير فيه (عَلِيمٌ) (٩٨) بنياتهم الفاسدة (وَمِنَ الْأَعْرابِ) مزينة وجهينة وأسلم (مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) في السر والعلانية (وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ) أي ويأخذ لنفسه ما ينفقه في سبيل الله سببا لحصول القربات إلى الله في الدرجات وسببا لحصول دعوات الرسول ، فإنه صلىاللهعليهوسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم (أَلا) أي تنبهوا (إِنَّها) أي إن نفقتهم (قُرْبَةٌ لَهُمْ) إلى الله في الدرجات (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ) أي جنته ، وهذا تفسير للقربة ووعد لهم بإحاطة رحمته الواسعة ، كما أن قوله تعالى : (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تهديد للأولين عقب الدعاء عليهم ، والسين للدلالة على تحقيق الوقوع (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لسيئاتهم (رَحِيمٌ) (٩٩) بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «أسلم وغفار وشيء من جهينة ومزينة خير عند الله يوم القيامة من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن وغطفان» (١). (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) أي في الهجرة والنصرة (مِنَ الْمُهاجِرِينَ) هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا كما قاله ابن عباس (وَالْأَنْصارِ) وهم الذين بايعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ليلة العقبة الأولى : وكانوا سبعة نفر. والعقبة الثانية : وكانوا اثني عشر رجلا. والعقبة الثالثة : وكانوا سبعين رجلا والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) أي الفريقين (بِإِحْسانٍ) وهم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم ويذكرون محاسنهم (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) لأعمالهم وكثرة طاعاتهم (وَرَضُوا عَنْهُ) لما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة ، والسابقون مبتدأ وخبره جملة رضياللهعنهم (وَأَعَدَّ لَهُمْ) في الآخرة (جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ).
وقرأ ابن كثير «من تحتها» بكلمة «من» كما في سائر المواضع وعلى هذا لزم صلة الميم في المواضع الثلاثة ، والباقون بغير كلمة «من» وفتح التاء. (خالِدِينَ فِيها أَبَداً) أي من غير انتهاء
__________________
(١) رواه أحمد في (م ٢ / ص ٤٢٠).
(ذلِكَ) أي الرضوان والجنات (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١٠٠) أي النجاة الوافرة (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ) أي حول بلدتكم (مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ) وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار وكانوا نازلين حول المدينة (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ) أي من أهل المدينة كعبد الله ابن أبي وأصحابه من ثبتوا على النفاق ولم يتوبوا عنه (لا تَعْلَمُهُمْ) أي لا تعلم نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء. نفسك لشدة إبطان الكفر وإظهار الإخلاص (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) أي نحن نعلم سرائرهم التي في ضمائرهم (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) بعذاب الدنيا بجميع أقسامه وعذاب القبر (ثُمَّ يُرَدُّونَ) في الآخرة (إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (١٠١) هو النار المؤبدة (وَآخَرُونَ) أي ومن أهل المدينة قوم آخرون أبو لبابة مروان ابن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أي أقروا بذنوبهم وأظهروا الندامة على التخلف (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً) وهو خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات (وَآخَرَ سَيِّئاً) وهو تخلفهم من غزوة تبوك أي خلطوا كل واحد من العمل الصالح والعمل السيء بالآخر (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي ثبت أن يقبل الله توبتهم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٠٢) يتجاوز عن سيئات التائب ويتفضل عليه (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) أي لما أظهروا التوبة عن تخلفهم عن غزوة تبوك وهم أقروا بأن السبب المؤدي لذلك التخلف حبهم للأموال أمر الله رسوله أن يأخذ منهم الزكوات الواجبة عليهم فكأنه قيل لهم : إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة لو أخرجتم الزكاة الواجبة بانشراح قلب ، لأن الدعوى إنما يشهد عليها الامتحان ، فعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة وإلا فهم كاذبون (تُطَهِّرُهُمْ) أي تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم عن نجاسة الذنوب (وَتُزَكِّيهِمْ بِها) أي ترفعهم بتلك الصدقة حسناتهم إلى مراتب المخلصين وتثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء وتجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا لزيادة البركة (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع لهم.
قال الشافعي رضياللهعنه والسنة للإمام : إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهورا (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) أي إن دعاءك يوجب طمأنينة قلوبهم (وَاللهُ سَمِيعٌ) لقولهم (عَلِيمٌ) (١٠٣) بنياتهم.
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «صلاتك» على التوحيد. والباقون «صلواتك» على الجمع. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) أي ألم يعلم أولئك التائبون قبل توبتهم وصدقتهم أن الله يقبل التوبة الصحيحة عن عباده المخلصين ، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١٠٤) أي وأ لم يعلموا أنه تعالى المنفرد ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة وإيصال الرحمة (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) أي وقل يا أشرف الخلق اعملوا ما تشاؤون من الأعمال فسيرى الله عملكم خيرا كان
أو شرا ، ويراه رسوله باطلاع الله إياه على أعمالكم ، ويراه المؤمنون بقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين فإن لعملكم في الدنيا حكما ، وفي الآخرة حكما. أما حكمه في الدنيا فإنه يراه الله والرسول والمسلمون ، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة ، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا ، والعقاب الشديد في الآخرة ، وهذا ترغيب عظيم للمطيعين وترهيب عظيم للمذنبين. وفي الخبر : «لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان» (١) (وَسَتُرَدُّونَ) بعد الموت (إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ).
والمراد من الرد تعريف عقاب الخزي والفضيحة (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٠٥) في الدنيا أي فيعرفكم أحوال أعمالكم من خير وشر فيجازيكم عليها لأن المجازاة من الله تعالى في الآخرة لا تحصل إلا بعد التعريف ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ، وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «مرجئون» بهمزة مضمومة وبعدها واو ساكنة. والباقون «مرجون» بدون تلك الهمزة أي ومن أهل المدينة قوم من المتخلفين غير المعترفين مؤخرون عن قبول التوبة (لِأَمْرِ اللهِ) أي لحكمه.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار. فنزل قوله تعالى : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) فوقف الرسول أمرهم بعد نزول هذه الآية خمسين ليلة بقدر مدة التخلف ـ إذ كانت غيبته صلىاللهعليهوسلم عن المدينة خمسين ليلة ـ ونهى الناس عن مجالستهم ، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن أهاليهن لأنه لما تمتعوا بالراحة في المدينة مع تعب غيرهم في السفر عوقبوا بهجرهم تلك المدة فلما مضى خمسون يوما نزلت توبتهم بقوله تعالى : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِ) [التوبة : ١١٧] وبقوله تعالى : (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) [التوبة : ١١٨] (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) وهذه الجملة في محل نصب على الحال ، أي منهم هؤلاء إما معذبين وإما متوبا عليهم ، وهؤلاء القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو ولم يحكم الله بكونهم تائبين بل قال : إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، فلعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة ، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم ، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية ، وعند
__________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٤ : ٣١٤) ، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٥٣٣٥) ، والسيوطي في الدر المنثور (١ : ٧٨).
ذلك صحت توبتهم ، وكلمة «إما» للشك بالنسبة لاعتقاد العباد ، والمراد منه : ليكن أمرهم على الخوف والرجاء فجعل أناس يقولون : هلكوا إذا لم ينزل الله لهم عذرا. وأناس يقولون : عسى الله أن يغفر لهم ، فالناس مختلفون في شأنهم فصاروا عندهم مرجئين لأمر الله تعالى (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما في قلوب هؤلاء المؤمنين (حَكِيمٌ) (١٠٦) فيما يحكم فيهم وفيما يفعل بهم (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) أي ومنهم الذين بنوا مسجدا وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين لإضرار أهل مسجد قباء (وَكُفْراً) أي ولتقوية الكفر بالطعن على النبي صلىاللهعليهوسلم ودين الإسلام (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذين كانوا يصلون في مسجد قباء أي لكي يصلي طائفة من المؤمنين في ذلك المسجد فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة (وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ) أي انتظارا لأبي عامر الراهب الفاسق (مِنْ قَبْلُ) متعلق باتخذوا أي اتخذوا ذلك المسجد من قبل أن ينافق بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك ، وكان أبو عامر قد تنصّر في الجاهلية وترهّب ـ أي لبس المسوح ـ وطلب العلم ، فلما قدم صلىاللهعليهوسلم المدينة عاده لأنه زالت رئاسته وقال للنبي صلىاللهعليهوسلم يوم أحد : «لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم». ولم يزل يقاتله صلىاللهعليهوسلم إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج هاربا إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر وآت من عنده بجند ، فأخرج محمدا وأصحابه من المدينة فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى) أي قالوا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الإحسان إلى المؤمنين وهو الرفق بهم في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن الذهاب إلى مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (١٠٧) في حلفهم (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) أي لا تصل في ذلك المسجد أبدا.
روي أنه لما قفل رسول الله صلىاللهعليهوسلم من غزوة تبوك نزل بذي أوان وهو موضع قريب من المدينة فأتاه المنافقون وسألوه إتيان مسجدهم ، فنزلت عليه صلىاللهعليهوسلم هذه الآية ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم : «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» (١) ففعلوا ذلك وأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يجعل ذلك الموضوع مكان كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ، ومات أبو عامر الفاسق بالشام بقنسرين غريبا وحيدا (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى) أي بنى أصله على طاعة الله تعالى وذكره (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) من أيام تأسيسه فقد أسس رسول الله صلىاللهعليهوسلم مسجد قباء وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهي يوم الإثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وخرج صبيحة الجمعة فدخل المدينة (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) أي أن تصلي فيه ذلك
__________________
(١) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٣ : ٤٩٩) ، والقرطبي في التفسير (٨ : ٥٣) ، والواحدي في أسباب النزول (١٧٦).
المسجد (فِيهِ) أي في هذا المسجد (رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) من الأحداث والجنابات والنجاسات ، وسائر النجاسات وهم : بنو عامر بن عوف الذين بنوه (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (١٠٨) أي يرضى عنهم.
روى ابن خزيمة عن عويمر ابن ساعدة أنه صلىاللهعليهوسلم أتاهم في مسجد قباء فقال : «إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به» (١)؟ أي الذي تحصلون الطهارة بسببه. قالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود ، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وفي حديث رواه البزار فقالوا : في جواب سؤاله لهم : نتبع الحجارة بالماء فقال : «هو ذاك فعليكموه» (٢). (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ) أي أبعد ما علم حالهم من أسس بنيان دينه على قاعدة قوية هي الخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) أي أم من أسس بنيان دينه على طرف مسيل متصدع وهو كفر بالله وإضرار بعباد الله (فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ) أي فسقط المسيل مصاحبا له أي للمؤسس في قعر نار جهنم أي مثل الضلال مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فكان قريب السقوط ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم.
وقرأ نافع وابن عامر «أسس» مبنيا للمفعول ، وبنيانه بالرفع نائب الفاعل (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠٩) أي لا يغفر للمنافقين ولا ينجيهم (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي لا يزال مسجدهم سبب شك في الدين لأن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته ، وعظم خوفهم منه في جميع الأوقات ، وصاروا مرتابين في أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم هل يخلي سبيلهم أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟! (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ).
وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة بفتح التاء والطاء المشددة. والباقون بضم التاء مبني للمجهول. وعن ابن كثير بفتح الطاء وسكون القاف على الخطاب وقلوبهم بالنصب أي إلا أن تجعل قلوبهم قطعا بالسيف. وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب «إلى أن تقطع» ، وأبو حيوة كذلك إلا أنه قرأ بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددة على الخطاب للرسول ، و «قلوبهم» بالنصب ، وفي قراءة عبد الله ولو قطعت قلوبهم بالبناء للمجهول وعن طلحة ولو قطعت قلوبهم على الخطاب. والمعنى أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدا ويموتون على هذا النفاق ، و «إلا» بمعنى إلى بدليل القراءة الشاذة (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأحوالهم (حَكِيمٌ) (١١٠) في
__________________
(١) رواه ابن ماجة في كتاب الطهارة ، باب : الاستنجاء بالماء ، وأحمد في (م ٣ / ص ٤٢٢).
(٢) رواه ابن ماجة في كتاب الطهارة ، باب : الاستنجاء بالماء ، والدار قطني في (ج ١ / ص ٦٢).
الأحكام التي يحكم بها عليهم (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) وهذا استئناف لبيان البيع الذي يستلزمه الشراء كأنه قيل : كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل : يقاتلون في سبيل الله ، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم في طاعة الله والمؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتله كافر وأنفق ماله في سبيل الله فإنه يأخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل وهو تسليم المبيع من الأنفس والأموال (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ).
قرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول على المبني للفاعل ، والباقون بعكسه فمعنى تقديم الفاعل على المفعول أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين وأما تقديم المفعول على الفاعل فالمعنى أن طائفة كبيرة من المسلمين وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء قاتلين لهم بقدر الإمكان (وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا) أي وعدهم الله وعدا ثابتا على الله (فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ) أي لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى (فَاسْتَبْشِرُوا) أي فافرحوا غاية الفرح (بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ) أي بجهادكم الذي فزتم به بالجنة (وَذلِكَ) أي الجنة التي هي ثمن بذل الأنفس والأموال (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١١) أي فلا فوز أعظم منه (التَّائِبُونَ) وهو رفع على المدح ، أي هم التائبون من كل معصية كما يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود ، وأبي ، والأعمش «التائبين» بالياء إلى قوله تعالى : «والحافظين» إما نصبا على المدح أو جرا صفة للمؤمنين ، ويجوز أن يكون التائبون رفعا على البدل من الواو في يقاتلون.
واعلم أن التوبة المقبولة إنما تحصل باجتماع أربعة أمور :
أولها : احتراق القلب عند صدور المعصية.
ثانيها : الندم على ما مضى.
ثالثها : العزم على الترك في المستقبل.
رابعها : أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض آخر من الأغراض الدنيوية فليس بتائب ، ولا بد من رد المظالم إلى أهلها إن كانت (الْعابِدُونَ).
قال ابن عباس رضياللهعنهما : الذين يريدون عبادة الله واجبة عليهم (الْحامِدُونَ) أي الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم (السَّائِحُونَ) أي الصائمون لقوله صلىاللهعليهوسلم : «سياحة أمتي الصيام» (١). وقال عكرمة : أي طلاب
__________________
(١) رواه القرطبي في التفسير (٨ : ٢٧٠).
العلم فإنهم ينتقلون من بلد إلى بلد (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) أي المصلون الصلوات الخمس (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي بالإيمان والطاعة (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي عن الشرك والمعاصي (وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) أي لتكاليف الله المتعلقة بالعبادات وبالمعاملات (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (١١٢) الموصوفين بهذه الصفات بالجنة (ما كانَ لِلنَّبِيِ) أي ما جاز لمحمد صلىاللهعليهوسلم (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى) أي ذوي قرابات لهم (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١١٣) أي أهل النار بأن ماتوا على الكفر وسبب نزول هذه الآية استغفار ناس لآبائهم الذين ماتوا على الكفر.
روي عن علي رضياللهعنه أنه قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال : أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه! فذكرت ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزل : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية ، فروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضياللهعنهما قال : كان المسلمون يستغفرون لآبائهم المشركين حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) أي إلا لأجل موعدة وعدها إبراهيم إياه بقوله : لأستغفرن لك ، أي لأطلبن مغفرة لك بالتوفيق للإيمان فإنه يمحو ما قبله (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ) أي إنه مستمر على الكفر ومات عليه (تَبَرَّأَ مِنْهُ) أي ترك الاستغفار له أي إن إبراهيم استغفر لأبيه ما كان حيا فلما مات أمسك عن الاستغفار له.
وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : لما مرض أبو طالب أتاه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال المسلمون : هذا محمد يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه فاستغفروا لقراباتهم من المشركين ، فأنزل الله تعالى : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية. ثم أنزل وما كان استغفار إبراهيم الآية.
وروى ابن جرير عن عمرو بن دينار أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربّي» (١) ، فقال أصحابه : لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي لعمه ، فأنزل الله (ما كانَ لِلنَّبِيِ) الآية إلى قوله تعالى (تَبَرَّأَ مِنْهُ) فظهر بهذه الأخبار أن الآية نزلت في استغفار المسلمين لأقاربهم المشركين لا في حق أبي طالب ، لأن هذه السورة كلها مدنية نزلت بعد تبوك ، وبينها وبين موت أبي طالب نحو اثني عشر سنة ، وأيضا إن عم إبراهيم آزر كان يتخذ أصناما آلهة ولم ينقل عن أبي طالب أنه اتخذ أصناما آلهة وعبد حجرا أو نهى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم عن
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٩ ، وأحمد في (م ١ / ص ١٣١).
عبادة ربه وإنما هو ترك النطق بالشهادتين لخوف مسبة لا للعناد للإسلام ، أو ترك بعض الواجبات ومع ذلك قلبه مشحون بتصديق النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ومثل هذا ناج في الآخرة على مقتضى ديننا فلا يليق بالحكمة ، ولا بمحاسن الشريعة الغرّاء ، ولا بقواعد الأثمة من أهل الكلام أن يكون هو وآزر ـ عم إبراهيم ـ في مرتبة واحدة فإن أبا طالب رباه صلىاللهعليهوسلم صغيرا وآواه كبيرا ، ونصّره وعزره ، ووقره ، وذب عنه ، ومدحه ، ووصى باتباعه. وأما ما روي أن عليا ضحك على المنبر ثم قال : ذكرت قول أبي طالب ظهر علينا وأنا أصلي ببطن نخلة فقال : ماذا تصنعان؟ فدعاه النّبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى الإسلام فقال : ما بالذي تقول من بأس ولكن والله لا يعلوني استي أبدا. فهذا في أول الإسلام قبل أن تفرض الصلاة ، وقد قرأ بأنه لا بأس بالتوحيد وإباؤه عن صلاة النفل لا يدل على إبائه عن التوحيد ، ليس في حديث عمرو بن دينار السابق دلالة قطعية على شركه ، وأما قوله صلىاللهعليهوسلم : «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب» (١) فهذا يمكن أن يكون معناه أن إبراهيم استغفر لأبيه مع شركه فكيف لا أستغفر أنا لأبي طالب مع خطيئته دون الشرك فلا أزال أستغفر له حتى ينهاني عنه ربي ولم ينه صلىاللهعليهوسلم بل نهى عن الاستغفار للمشركين لا لخصوص عمه كما صرح بهذا ما روي عن قتادة أن رجلا من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم سألوه عن الاستغفار لآبائهم فقال : «والله إني لأستغفرن لأبي ـ أي لعمي ـ كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية فقال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «أمرت أن لا أستغفر لمن كان كافرا» (٢) فقوله صلىاللهعليهوسلم : «إني لأستغفرن لأبي» ولم يقل : أمرت أن لا أستغفر له بل قال : «لمن مات مشركا» جواب لسؤال أصحابه مع إشارة خفية إلى أن عمه لم يكن مشركا والله أعلم. (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ) أي كثير الدعاء والتضرع (حَلِيمٌ) (١١٤) أي صبور على المحنة (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) أي ما يجب أن يحترزوا عنه أي لما نزل المنع من الاستغفار للمشركين خاف المؤمنون من المؤاخذة بما صدر عنهم منه قبل المنع وقد مات قوم منهم قبل النهي عن الاستغفار فوقع الخوف في قلوب المسلمين على من مات منهم أنه كيف يكون حالهم ، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يحترزوا عنه أي وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يبين لكم بالوحي ما يجب الاحتراز عنه من محظورات الدين فلا تنزجروا عما نهيتم عنه (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١١٥) فيعلم حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل في معرفته فبين لهم ذلك (إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من غير شريك
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٩ ، وأحمد في (م ١ / ص ١٣١).
(٢) رواه السيوطي في الدر المنثور (٣ : ٢٨٣).
له فيه (يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍ) أي متولى الأمور. (وَلا نَصِيرٍ) (١١٦) أي لما أمر الله بالبراءة من الكفار بين أن له ملك السموات والأرض فإذا كان هو ناصرا لكم فهم لا يقدرون على إضراركم أي إنكم صرتم محرومين عن معاونتهم فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض والمحيي والمميت ناصركم فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم ، والواجب عليكم أن تنقادوا لحكم الله وتكليفه لكونه إلهكم ولكونكم عبيدا له (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) أي في الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدا في السفر إلى تبوك وكانت لهم عسرة من الزاد وعسرة من الظهر ، وعسرة من الحر ، وعسرة من الماء فربما مصّ التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة وكان معهم شيء من شعير مسوس فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة وكان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم وكانوا قد خرجوا في قيظ شديد وأصابهم فيه عطش شديد حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه أي لقد عفى الله عن النبي في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك وهو شيء صدر عنه من باب ترك الأفضل لا أنه ذنب يوجب عقابا. وعفى الله عن المهاجرين والأنصار من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة كما قال تعالى : (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) أي من بعد ما قرب أن تميل قلوب بعضهم إلى أن يفارق النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في ذلك الغزو لحر شديد ولم ترد الميل عن الدين وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم وكيف لنا بالخلاص منها (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) أي عفى الله عنهم ما وقع في قلوبهم من هذه الخواطر والوساوس النفسانية لما صبروا وندموا على ذلك الهم (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١١٧) فلا يحملوهم ما لا يطيقون من العبادة ويوصل إليهم المنافع (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي وتاب الله على الثلاثة الذين أخروا في قبول التوبة عن الطائفة الأولى ابن لبابة وأصحابه وهؤلاء الثلاثة كعب بن مالك الشاعر ، وهلال بن أمية الذي نزلت فيه آية اللعان ومرارة بن الربيع (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت الأرض عليهم مع سعتها بسبب مجانبة الأحباء ، ونظر الناس لهم بعين الإهانة لأن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم كان معرضا عنهم ، ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمرهم باعتزال أزواجهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوما (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) أي ضاقت قلوبهم إذا رجعوا إلى أنفسهم لا يطمئنون بشيء بسبب تأخير أمرهم عن قبول التوبة (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ) أي علموا أنه لا ملجأ لأحد من سخطه تعالى إلا إليه بالتضرع (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) أي ثم وفقهم للتوبة الصحيحة المقبولة (لِيَتُوبُوا) أي ليحصلوا التوبة (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١١٨) ولما نزلت هذه الآية خرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى حجرته وهو عند أم سلمة فقال : «الله أكبر» قد أنزل الله عذر أصحابنا ، فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه وبشّرهم بأن الله تاب عليهم فانطلقوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وتلا
عليهم ما نزل فيهم كعب : توبتي إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال : «لا». قلت : فنصفه. قال : «لا». قلت : فثلثه. قال : «نعم» (١). (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) في مخالفة أمر الرسول (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (١١٩) أي مع الرسول وأصحابه في الغزوات ، ولا تكونوا جالسين مع المنافقين في البيوت.
وقرئ شاذة «من الصادقين» فعلى هذا فـ «مع» بمعنى «من» ، أي كونوا ملازمين الصدق.
روي أن واحدا جاء إلى النّبيّ صلىاللهعليهوسلم وقال : إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر ، والزنا ، والسرقة ، والكذب ، والناس يقولون : إنك تحرم هذه الأشياء ، ولا طاقة لي على تركها بأسرها فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك. فقال صلىاللهعليهوسلم : «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النّبيّ صلىاللهعليهوسلم عرضوا عليه الخمر فقال : إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام الحد عليّ فتركها ، ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه ، وكذا في السرقة فتاب عن الكل فعاد إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي عليّ (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ) أي ما جاز لأهل دار الهجرة ومن حولهم من سكان البوادي (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) إذا دعاهم وأمرهم لأنه تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم لنفسه (ذلِكَ) أي وجوب المشايعة لرسول الله (بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) أي شدة عطش (وَلا نَصَبٌ) أي تعب (وَلا مَخْمَصَةٌ) أي مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في طريق دينه (وَلا يَطَؤُنَ) أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم وأخفاف بعيرهم (مَوْطِئاً) أي دوسا (يَغِيظُ الْكُفَّارَ) أي يغضبهم بذلك (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) أي شيئا منا لا أسرا أو قتلا أو هزيمة (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ) أي بكل واحد من الأمور الخمسة (عَمَلٌ صالِحٌ) مستوجب للثواب ومن قصد طاعة الله كان جميع حركاته وسكناته حسنات مكتوبة عند الله (إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (١٢٠) أي لا يترك ثوابهم (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً) ولو تمرة أو علاقة سوط (وَلا كَبِيرَةً) كما أنفق عثمان في جيش العسرة (وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً) أي ولا يجاوزون مسلكا في سيرهم (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) أي إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق والسير في الذهاب والرجوع (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢١) أي ليجزيهم الله على أحسن أعمالهم وهو الواجب والمندوب دون المباح ، أو ليجزيهم الله جزاء هو أحسن من
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الوصايا ، باب : الوصية بالثلث ، «بما معناه».
أعمالهم وهو الثواب ، فالأحسن صفة عملهم على المعنى الأول وصفة الجزاء على الثاني (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) أي ما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو وطلب علم فإنه يخل بأمر المعاش هذه الآية إما كلام لا تعلق له بالجهاد ، وإما من بقية أحكام الجهاد (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (١٢٢) فعلى الأول يقال : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز ، وليس حال النفقة كحال الجهاد معه صلىاللهعليهوسلم الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له فهلا نفر من كل فرقة من فرق الساكنين في البلاد طائفة إلى إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين ويعودوا إلى أوطانهم فينذروا قومهم لكي يحذروا عقاب الله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وعلى هذا التقدير فيكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتعلم ، لأنه يحدث كل وقت تكليف جديد أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجبا. وعلى الاحتمال الثاني يقال : إن النبي لما بالغ في الكشف عن عيون المنافقين في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المسلمون : والله لا نتخلف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا عن سرية بعثها ، فلما قدم الرسول المدينة من تبوك وأرسل السرايا إلى الكفار نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوا النبي وحده في المدينة فنزلت هذه الآية فالمعنى لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا جميعا ويتركوا النبي بل يجب أن ينقسموا قسمين : طائفة تنفر إلى الجهاد وقهر الكفار ، وطائفة تكون مع رسول الله لتعلم العلم والفقه في الدين لأن أحكام الشريعة كانت تتجدد شيئا بعد شيء ، والماكثون يحفظون ما تجدد فإذا قدم الغزاة علموا ما تجدد في غيبتهم وبهذا الطريق يتم أمر الدين ، والمعنى : فهلا نفر من كل فرقة من المقيمين مع رسول الله طائفة إلى جهاد العدو ليتفقه المقيمون في الدين بسبب ملازمتهم خدمة الرسول وليخبروا قومهم الخارجين إلى الجهاد إذا رجع الخارجون من جهادهم إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم لكي يحذروا معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) أي لما أمرهم الله بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصلح وهو أن يبدءوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد ، وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة فإن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب ، فإن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قاتل أولا قومه ، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ، ثم إلى قتال أهل الكتاب وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك ، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام فكان فتحه في زمن الصحابة ثم إنهم انقلبوا إلى العراق (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) أي شدة عظيمة وشجاعة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٢٣) أي معينهم بالنصرة على أعدائهم. والمراد أن يكون الإقدام على الجهاد بسبب تقوى الله ، لا بسبب طلب المال والجاه (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) من سور القرآن والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين مجلس نزولها وليس في السورة فضيحة لهم
(فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ) أي فمن المنافقين فريق يقول لأصحابه استهزاء بالقرآن والمؤمنين (أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ) السورة (إِيماناً) قال تعالى تعيينا لحالهم : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله تعالى وبما جاء من عنده (فَزادَتْهُمْ) أي هذه السورة (إِيماناً) بانضمام إيمانهم بما فيها بإيمانهم السابق لأنهم يقرون عند نزولها بأنها حق من عند الله (وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (١٢٤) بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي نفاق وسوء عقيدة (فَزادَتْهُمْ) أي هذه السورة (رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) عقيدة باطلة مضمومة إلى عقيدتهم الباطلة فإنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك ، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة فقد انضم كفر إلى كفر وإنهم كانوا في العداوة واستنباط وجوه المكر ، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة (وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) (١٢٥) وهذه الحالة أقبح من الحالة الأولى فإن الأولى ازدياد الرجاسة وهذه مداومة الكفر وموتهم عليه (أَوَلا يَرَوْنَ) أي المنافقون فالاستفهام للتوبيخ.
وقرأ حمزة بالتاء على الخطاب للمؤمنين فالاستفهام للتعجيب أي ألا ينظرون ولا يرون (أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) أي إنهم يبتلون بأفانين البليات مرارا كثيرة من المرض والجوع ، ومن إظهار الفضيحة على نفاقهم وعلى تخلفهم من الغزو (ثُمَّ لا يَتُوبُونَ) من نفاقهم (وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (١٢٦) بتلك الفتن الموجبة للتوبة. وقوله تعالى : (ثُمَّ لا يَتُوبُونَ) وما بعده عطف على «لا يرون» داخل تحت الإنكار والتوبيخ على قراءة الجمهور ، وعطف على «يفتنون» على قراءة الجمهور وعطف على قراءة حمزة. (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) فيها بيان حالهم وكانوا حاضرين مجلس نزولها (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) أي تغامزوا بالعيون يدبرون الهرب ليتخلصوا من تأذي سماعها يقولون بطريق الإشارة (هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ) من المسلمين إن قمتم من المجلس (ثُمَّ انْصَرَفُوا) جميعا عن مجلس نزول الوحي خوفا من الافتضاح أو غير ذلك (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عن الإيمان وعن استماع القرآن (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (١٢٧) لسوء الفهم وعدم التدبر (لَقَدْ جاءَكُمْ) أيها العرب (رَسُولٌ) عظيم الشأن (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي من جنسكم بشر عربي قرشي مثلكم.
وقرئ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم. قيل : هذه قراءة فاطمة وعائشة رضياللهعنهما. (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) أي شاق شديد على هذا الرسول ما أثمتم فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) في إيمانكم وصلاح حالكم فهو شديد الرغبة على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة (بِالْمُؤْمِنِينَ) أي بجميعهم (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٢٨) فهو تعالى شديد الرحمة بالطائعين منهم ، مريد الإنعام على المذنبين (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي فإن أعرض هؤلاء المنافقون والكفار عن الإيمان والتوبة وناصبوك الحرب (فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ) أي يكفيني
الله فهو ثقتي (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي لا حافظ ولا ناصر إلا هو (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي وثقت (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ) أي السرير (الْعَظِيمِ) (١٢٩) فإن جعل صفة للرب فمعنى العظمة هي وجوب الوجود والتقدس عن الحجمية والإجزاء وكمال العلم والقدرة والتنزه عن أن يتمثل في الأوهام وتصل إليه الأفهام ، وإن جعل صفة للعرش فمعنى العظمة كبر الجرم واتساع الجوانب ، ووجوب العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من أسلافهم أو من اليهود والنصارى.
سورة يونس
مكية ، إلا قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ)
فإنها مدنية لأنها نزلت في اليهود ، مائة وتسع آيات ، ألف وثمانمائة وإحدى وأربعون كلمة
سبعة آلاف وخمسمائة وواحد وتسعون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) (١) أي تلك الآيات الحاصلة في سورة «الر» هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء ولا يغيره كرور الدهر. (أَكانَ لِلنَّاسِ) أي لأهل مكة (عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا) أي إيحاؤنا (إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي من أهل مكة (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) أي إنه أي الشأن قولنا أنذر الناس أي خوف جميع الناس كافة بالقرآن فإن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي بأن لهم منزلة رفيعة عند ربهم (قالَ الْكافِرُونَ) أي المتعجبون (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) (٢).
قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي بصيغة اسم الفاعل أي إن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم قالوا متعجبين : إن هذا الذي يدّعي أنه رسول وهو سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم ساحر ظاهر. والباقون «لسحر» بكسر السين وسكون الحاء أي إن هذا القرآن لكذب ظاهر ، ووصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل على عظم القرآن عندهم من حيث تعذر عليهم فيه المعارضة فأرادوا بهذا الكلام أن القرآن كلام مزخرف حسن الظاهر ولكنه باطل في الحقيقة ، وهذا ذم له. أو أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله جار مجرى السحر وهذا مدح له وإنما لم يؤمنوا به عنادا (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي مقدار ستة أيام معلومة (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) وهو الجسم المحيط بسائر الأجسام. والمعنى ثم تصرف الله في ملكه وليس معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرض لأن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين بدليل قوله تعالى وكان عرشه على الماء ، بل المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات وهذا ملك الله تعالى إنما حصل بعد تخليق السموات
والأرض فصحّ إدخال حرف يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي يقدر على الوجه الأكمل أمر ملكوت السموات والأرض (ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) أي إن الله تعالى ينفرد في التدبير فإن تدبيره تعالى للأشياء لا يكون بشفاعة شفيع ولا يستجرئ أحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه تعالى ولا يدخل أحد في الوجود إلا بعد أن قال تعالى له : كن حتى كان (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) فإن العبادة لا تصلح إلا له وهو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٣) فالتفكر في مخلوقات الله تعالى واجب ، والاستدلال بها على عزته تعالى وعظمته وجلالته أعلى المراتب ، (إِلَيْهِ) تعالى (مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) بالبعث فلا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره (وَعْدَ اللهِ حَقًّا) أي وعدكم الله بالرجوع إليه وعدا وحق ذلك الوعد حقا (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم (ثُمَّ يُعِيدُهُ) من العدم بالبعث (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ) أي بعد لهم. والمراد به هنا الإيمان وهذا تنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة وإيصال الرحمة ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ) أي ماء حار قد انتهى حره (وَعَذابٌ أَلِيمٌ) أي بالغ في الإيلام (بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) (٤) أي بسبب كفرهم. (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) أي الذي خلق الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور فما بالذات ضوء وما بالعرض نور ، فنور القمر مستفاد من الشمس (وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ) أي جعل للقمر وهيأ له منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ، وأسماؤها : السرطان ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة ، والطرفة ، والجبهة ، والذبرة ، والصرفة ، والعواء ، والسماك ، والغفر ، والزباني ، والإكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، وفرغ الدلو المقدّم ، وفرغ الدلو المؤخر ، وبطن الحوت. فينزل القمر كل ليلة في واحد منها على تقدير مستو من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين فإذا كان في آخر منازل له دق واستقوس ، ثم لا يرى ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ويكون مقام الشمس في كل منزلة منها ثلاثة عشر يوما (لِتَعْلَمُوا) باعتبار نزول كل منهما في تلك المنازل (عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ) أي حساب الأوقات فيمكنكم ترتيب مهمات المعاش من الزراعة والحراثة ومهمات الشتاء والصيف (ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ) أي المذكور من الشمس والقمر على تلك الأحوال (إِلَّا بِالْحَقِ) أي الأعلى وفق الحكمة ومطابقة المصلحة في أمور المعاملات والعبادات (يُفَصِّلُ الْآياتِ) أي يذكر هذه الدلائل الباهرة واحدا عقب آخر مع البيان (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٥) الحكمة في إبداع الكائنات فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها من الوحدانية ، وكمال القدرة والعلم وفي قوله تعالى : (يُفَصِّلُ) قراءتان : قراءة ابن كثير ، وأبو عمر وحفص عن عاصم بالياء. والباقون بالنون. (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أي في تعاقبهما أو في
تفاوتهما بازدياد وانتقاص ، أو في تفاوتهما بحسب الأمكنة في الطول والقصر (وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من أنواع الموجودات (لَآياتٍ) دالة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته (لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (٦) وخصّ الله تعالى العلامات بالمتقين لأن الداعي إلى التدبير والنظر إنما هو تقوى الله تعالى والحذر من العاقبة (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) أي لا يطمعون في ثوابنا لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا) أي استغرقوا في طلب اللذات الجسمانية (وَاطْمَأَنُّوا بِها) أي سكنوا في الاشتغال بطلب لذات الدنيا (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا) أي دلائل وحدانيتنا الظاهرة في الأكوان (غافِلُونَ) (٧) أي لا يتفكرون فيها أصلا (أُولئِكَ) أي الموصوفون بتلك الصفات (مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٨) أي من الأعمال القلبية ومن أنواع المعاصي والسيئات (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي شغلوا جوارحهم بالخدمة فعينهم مشغولة بالاعتبار وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى ولسانهم مشغول بذكر الله وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ) أي يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (٩) أي إنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَ) أي اشتغال أهل الجنة بتقديس الله تعالى وتمجيده والثناء عليه لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) أي تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام وتحية الملائكة لهم بالسلام (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٠) أي إن أهل الجنة لما عاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات علموا أن كل هذه الأحوال السنية إنما كانت بإحسان الله تعالى عليهم ، فاشتغلوا بالثناء على الله فقالوا : الحمد لله رب العالمين. وإنما وقع الختم على الحمد لأن الاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة ، والمعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله ووجدوا فيها النعم العظيمة وعرفوا أنه تعالى كان صادقا في وعده إياهم بتلك النعم مجدوه تعالى ونعتوه بنعوت الجلال فقالوا : سبحانك اللهم ، أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول وعمّا لا يليق بحضرتك العلية ، ولما حياهم الله والملائكة بالسلامة عن الآفات وبالفوز بأنواع الكرامات أثنوا عليه تعالى بصفات الإكرام. (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) أي ولو يعجل الله لهم العذاب عند استعجالهم به تعجيلا مثل تعجيله لهم كشف الشدائد عند استعجالهم به لأميتوا وأهلكوا بالمرة وما أمهلوا طرفة عين.
وقرأ ابن عامر «لقضى» بفتح القاف والضاد ، و «أجلهم» بالنصب. وقرأ عبد الله ، «لقضينا إليهم أجلهم». (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١) أي فنترك الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء مع تمردهم في ضلالتهم يتحيرون في شأنهم (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا
لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ) وهذه الآية بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء ، قليل الشكر عند وجدان النعماء فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا أو قاعدا أو قائما ، مجتهدا في ذلك الدعاء طالبا من الله تعالى إزالة تلك المحنة ، وتبديلها بالمنحة فإذا كشف الله تعالى عنه بالعافية أعرض عن الشكر ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام ، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره. فالواجب على العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء ، وأن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة. وعن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء» (١). (كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢) أي هكذا زين لمن بذل العقل والفهم والحواس لأجل لذات الدنيا ، وهي خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ، والدعاء والانهماك في الشهوات ، والكاف مقحمة للدلالة على زيادة فخامة المشار إليه.(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ) أي الأمم (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من قبل زمانكم يا أهل مكة مثل قوم نوح وعاد وأشباههم (لَمَّا ظَلَمُوا) أي حين فعلوا الظلم بالتكذيب (وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي بالمعجزات الدالة على صدقهم (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي وقد علم الله منهم أنهم يصرون على الكفر (كَذلِكَ) أي مثل الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال بالمرة (نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (١٣) أي نجزي كل طائفة مجرمين لاشتراكهم لأولئك المهلكين في الجرائم التي هي تكذيب الرسول (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ) يا أهل مكة (خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد إهلاك أولئك القرون (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (١٤) أي لنعاملكم معاملة من يطلب العلم بما يكون منكم من خير أو شر فنجازيكم على حسب عملكم (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ) أي أهل مكة الوليد بن المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن الحنظلة ، (آياتُنا) الدالة على بطلان الشرك (بَيِّناتٍ) أي ظاهرة في دلالتها على وحدانيتنا وصحة نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا) أي لا يرجون في لقائنا خيرا على طاعة لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا) أي بكتاب آخر على غير ترتيب هذا الكتاب (أَوْ بَدِّلْهُ) بأن تجعل مكان آية العذاب آية رحمة ومكان الحرام حلالا ، ومكان الذم مدحا وإنما قالوا ذلك على سبيل السخرية كقولهم : لو جئتنا بقرآن آخر أو بدلت هذا القرآن لآمنا بك أو على سبيل التجربة حتى إنه صلىاللهعليهوسلم لو فعل ذلك علموا أنه كذاب في قوله : إن هذا القرآن ينزل عليه من عند الله (قُلْ) لهم : (ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) أي ما يستقيم لي أن أغيره من قبل نفسي (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ)
__________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (١ : ٥٤٤).
أي ما أتبع في شيء مما أفعل وأترك إلا ما يوحى إليّ في القرآن من غير تغيير له في شيء أصلا (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بالإعراض عن اتباع الوحي (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (١٥) وهو يوم القيامة (قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ) أي قل يا أشرف الخلق للذين طلبوا منك تغيير القرآن : لو شاء الله عدم تلاوتي للقرآن عليكم بأن لم ينزله عليّ ولم يأمرني بتلاوته ما تلوته عليكم وما أعلمكم به بواسطتي.
وقرأ الحسن «ولا أدرؤكم به» أي ولا أجعلكم بتلاوته عليكم خصما تدرأونني بالجدال وتكذبونني. وقرأ ابن عباس «ولا أنذرتكم به». وعن ابن كثير و «لأدراكم» بلام التأكيد التي تقع في جواب لو ، أي ولأعلمكم به على لسان غيري فإنه حق لا محيص عنه ولو لم يرسلني الله به لأرسل غيري به (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً) أي فقد مكثت فيما بينكم مقدار أربعين سنة تحفظون أحوالي طرا (مِنْ قَبْلِهِ) أي قبل أن يوحى إليّ هذا القرآن لم آتكم بشيء (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٦) أي ألا تدبرون فلا تعقلون أن القرآن ليس من تلقاء نفسي ، ووجه هذا الاحتجاج أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت وعلموا أحواله وأنه كان أميا لم يطالع كتابا ولم يتلمذ لأستاذ ، ثم بعد أربعين سنة جاءهم بهذا الكتاب المشتمل على نفائس العلوم وأخبار الماضين وفيه من الأحكام والأدب والفصاحة ما أعجز العلماء والفصحاء عن معارضته وكل من له عقل سليم يعلم أن هذا القرآن لا يحصل إلا بالوحي من الله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) أي إني لم أفتر على الله كذبا ولم أكذب عليه في قولي إن هذا القرآن من عند الله ولو لم يكن من عند الله بحيث افتريته على الله لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني فإذا أنكرتم ذلك فقد كذبتم بآيات الله فثبت كونكم أظلم الناس على أنفسكم (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) (١٧) أي لا ينجو من عذاب الله المشركون (وَيَعْبُدُونَ) أي هؤلاء المشركون (مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ) في الدنيا والآخرة (وَلا يَنْفَعُهُمْ) فيهما وهو الأصنام كان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة يعبدون عزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة (وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ) الأوثان (شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) أي فإنهم يزعمون أنهم تشفع لهم في الدنيا في إصلاح معايشهم لأنهم كانوا لا يعتقدون بعثا بعد الموت أو تشفع لهم في الآخرة أن يبعثوا لأنهم كانوا شاكين في البعث (قُلْ) تبكيتا لهم : (أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) أي أتخبرون الله بالذي لم يعلمه الله ـ وهو شفاعة الأصنام ـ وإذا لم يعلم الله شيئا استحال وجود ذلك الشيء لأنه تعالى لا يعزب عن علمه شيء (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١٨) أي عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاء لهم عند الله.
وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» بالتاء على الخطاب (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً)
أي كانوا على دين الإسلام من لدن آدم إلى أن قتل قابيل هابيل (فَاخْتَلَفُوا) بأن كفر بعضهم وثبت آخرون على دين الإسلام (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) أي لو لا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده وإن كانوا كافرين (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم ، ولما كان ذلك سببا لزوال التكليف وكان إبقاؤه أصلح أخر الله العقاب إلى الآخرة (فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٩) أي في الدين الذي اختلفوا بسببه (وَيَقُولُونَ) أي كفار مكة (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) أي هلا أنزل الله على محمد عليهالسلام (آيَةٌ) أخرى سوى القرآن (مِنْ رَبِّهِ) دالة على صدق ما يقول كما كان لصالح من الناقة ، ولموسى من العصا (فَقُلْ) لهم في الجواب : (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) أي إن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازم النبوة ، وعلقتم إيمانكم بنزوله هو من الغيوب المختصة بالله تعالى لا علم لي به (فَانْتَظِرُوا) نزوله (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (٢٠) لما يفعل الله بكم لاجترائكم على جحود الآيات القرآنية واقتراح غيرها. (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) أي إن مشركي أهل مكة عادتهم اللجاج والعناد لأنه تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون ، فأنزل الله الأمطار النافعة على أراضيهم حتى أخصبت البلاد وعاش الناس بعد ذلك ، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو الأصنام ، وإذا كان كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوا من إنزال ما اقترحوه فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) أي إن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر فالله تعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك ، وهو إهلاكهم يوم بدر ، وحصول الفضيحة ، والخزي في الدنيا ، وعذاب شديد يوم القيامة. ومعنى الوصف بالأسرعية أنه تعالى قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم ، والمكر من الله تعالى إما الاستدراج أو الجزاء على المكر أي إخفاء الكيد (إِنَّ رُسُلَنا) الذين يحفظون أعمالكم (يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) (٢١) أي مكركم. ويعرض عليكم ما في بواطنكم الخبيثة يوم القيامة (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ) مشاة وركبانا (وَالْبَحْرِ).
وقرأ ابن عامر «ينشركم» بنون ساكنة فشين معجمة مضمومة أي يبسطكم (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) أي السفن (وَجَرَيْنَ) أي السفن (بِهِمْ) أي بالذين فيها (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) موافقة للمقصود (وَفَرِحُوا بِها) أي بتلك الريح فرحا تاما (جاءَتْها) أي تلقت تلك الريح الطيبة (رِيحٌ عاصِفٌ) أي شديد أزعجت سفينتهم (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ) العظيم الذي أرجف قلوبهم (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) أي ناحية (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أي ظنوا القرب من الهلاك (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي من غير أن يشركوا معه تعالى شيئا من آلهتهم ، أي وهم مقرون بوحدانية الله وربوبيته لأجل علمهم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى فيكون إيمانهم جاريا مجرى الإيمان الاضطراري قائلين : والله (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ) الشدائد (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (٢٢) لنعمك (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ) من هذه البلية العظيمة (إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) أي يترقون في الفساد والجراءة على الله تعالى بالكفر والمعاصي (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا).
قرأ الأكثرون : «متاع» بالرفع «فبغيكم» مبتدأ و «متاع» خبره ، أو «على أنفسكم» خبره ، و «متاع» خبر محذوف ، أي إن ظلم بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا وهي مدة حياتكم لا بقاء لها ، أو أن الظلم لبعضكم كائن عليكم في الحقيقة لا على الذين تظلمون عليهم وهو منفعة سريعة الزوال. وقرأ حفص عن عاصم بنصب متاع على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر ، أي تتمتعون متاع أو مصدر وقع موقع الحال أي متمتعين بالحياة الدنيا (ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ) بعد الموت (فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٢٣) في الدنيا من البغي أي قصد الاستعلاء بالظلم فنجازيكم على أعمالكم (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) أي لأنه إذا نزل المطر يثبت بسببه أنواع كثيرة من النبات وتكون تلك الأنواع مختلطة (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ) من البقول والزروع والحشيش (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها) أي حتى إذا جعلت الأرض آخذة لباسها من كل نبات (وَازَّيَّنَتْ) بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض (وَظَنَّ أَهْلُها) أي أهل النبات الموجودة في الأرض (أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أي على تحصيل ثماره وعلى حصاده (أَتاها) أي نبات الأرض (أَمْرُنا) بهلاكنا بنار أو برد أو ريح (لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها) أي نبات الأرض (حَصِيداً) أي شبيها بالمقلوع فلا شيء على الأرض (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي كأن تلك النباتات لم تكن قائمة على ظهر الأرض في الزمن الماضي. والمعنى أن هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء مثل النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه بالهلاك ، والمتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها. (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التفصيل (نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي نبين الآيات القرآنية في فناء الدنيا (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٢٤) ويقفون على معانيها (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ).
روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «مثلي ومثلكم شبه سيد بني دارا ووضع مائدة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد» (١). فالله السيد والدارين الإسلام ، والمائدة الجنة ، والداعي محمد صلىاللهعليهوسلم. وعن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق ـ إلا الثقلين ـ أيها الناس. هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام» (٢). (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢٥) أي إجابة تلك الدعوة (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) أي
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاعتصام ، باب : الاقتداء بسنن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، والدارمي في المقدمة ، باب : صفة النبي صلىاللهعليهوسلم في الكتب قبل مبعثه.
(٢) رواه المنذري في الترغيب والترهيب (٢ : ٤٩).
أتوا بالمأمور به واجتنبوا المنهيات (الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) أي نضرة الوجوه ورؤية الله تعالى. وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة والزيادة عشر أمثالها. وعن علي : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة (وَلا يَرْهَقُ) أي لا يعلو (وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ) أي سواد (وَلا ذِلَّةٌ) أي أثر هوان (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٦) أي دائمون بلا انتقال (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ) أي الكفر والمعاصي (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) من غير زيادة بعدل الله تعالى (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) أي ويعلو أنفسهم ذلة عظيمة (ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ) أي ما لهم عاصم من عذاب الله (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً) أي كأن الوجوه ألبست سوادا من الليل لفرط سوادها (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٧) (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) أي نحشر الكل حال اجتماعهم لا يتخلف منهم أحد وهو يوم القيامة (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي نقول للمشركين من بينهم : (مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) أي الزموا أنتم ومن عبدتموه من دون الله مكانكم حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم (فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ) أي فباعدنا بين المشركين ومعبوداتهم بعد الجمع في الموقف ، وتبرأ شركاؤهم منهم ومن عبادتهم (وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ) لهؤلاء المشركين (ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) (٢٨) بأمرنا وإرادتنا إنما كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم الذين أغووكم فإنها الآمرة لكم بالإشراك (فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) (٢٩) أي إنا كنا عن عبادتكم لجاهلين لا نعلمها ولا نرضى بها (هُنالِكَ) أي في ذلك المقام أو في ذلك الوقت (تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ) بالتاء ، فالباء على القراءة المشهورة أي تذوق كل نفس سعيدة أو شقية ما قدمت من عمل فتعلم نفعه وضره.
وقرأ حمزة والكسائي «تتلو» بتاءين أي تقرأ كل نفس في صحيفة أعمالها ما قدمت من خير أو شر أو تتبع ما أسلفت ، لأن عملها هو الذي يهديها إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.
وقرأ عاصم «نبلو كل نفس» بالنون والباء ونصب «كل» ، أي نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، أي نفعل بها فعل المختبر ، أو المعنى نصيب بالبلاء ـ الذي هو العذاب ـ كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر (وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ) أي أعرض الذين أشركوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق وأقروا بألوهيته بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غيره ، وردوا إلى حكمه (وَضَلَّ عَنْهُمْ) أي ضاع عنهم في الموقف (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٣٠) أي يدعون أن معبوداتهم آلهة وأنها تشفع لهم (قُلْ) لأولئك المشركين : (مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي رزقا مبتدأ منهما (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) أي بل من يستطيع خلق الأسماع والأبصار ومن يحفظهما من الآفات.
وعن علي رضي الله تعالى عنه كان يقول : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ) أي ومن يقدر أن يخرج الإنسان من
النطفة ، والطائر من البيضة ، وأن يخرج النطفة من الإنسان ، والبيضة من الطائر (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي من يدبر أحوال العالم جميعا (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) أي إن الرسول إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال كانوا يعرفون الله وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام : إنها تقربنا إلى الله وإنها تشفع عند الله وكانوا يعلمون أنها لا تنفع ولا تضر ، فعند ذلك قال الله تعالى لرسوله (فَقُلْ) عند ذلك تبكيتا لهم (أَفَلا تَتَّقُونَ) (٣١) أي أتعلمون ذلك فلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في العبودية مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وبأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة (فَذلِكُمُ اللهُ) أي فمن هذه قدرته ورحمته هو الله (رَبُّكُمُ الْحَقُ) أي الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) أي ليس غير الحق إلا الضلال أي فإذا ثبت أن عبادة الله حق ثبت أن عبادة غيره من الأصنام ضلال محض إذ لا واسطة بينهما (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (٣٢) أي فكيف تمالون من التوحيد إلى الإشراك وعبادة الأصنام (كَذلِكَ) أي مثل صرفهم عن الحق بعد الإقرار به (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي حكمه (عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) أي خرجوا عن حد الصلاح (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٣٣) بدل من كلمة بدل كل من كل (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ) أي هل من الأصنام التي أثبتم شركتها لله في استحقاق العبادة (مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) أي ينشئ المخلوقات من العدم (ثُمَّ يُعِيدُهُ) في القيامة للجزاء ولما لم يقدروا على الجواب أمر الله رسوله أن ينوب عنهم في الجواب فقال (قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (٣٤) أي فكيف تقبلون من الحق إلى الباطل (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ) أي إلى ما فيه صلاح أمركم فإن أدنى مراتب المعبودية هداية المعبود لعابديه إلى ذلك (قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِ) دون غيره وذلك بنصب الأدلة وإرسال الرسال وإنزال الكتب وبالتوفيق للنظر (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ) وهو الله تعالى (أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) أي حقيق أن يطاع ويعبد (أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى) أي أم من لا ينتقل إلى مكان إلا أن ينقل إليه لأن الأصنام خالية عن الحياة والقدرة ، أو المعنى أم من لا يهتدي في حال من الأحوال إلا في حال هدايته تعالى له وهذا حال أشراف شركائهم من الملائكة والمسيح وعزير عليهمالسلام.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع «أم من لا يهدي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. وقرأ عاصم وحفص بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال. وقرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء. وقرأ حمزة والكسائي «يهدي» ساكنة الهاء. (فَما لَكُمْ) أي أيّ شيء ثبت لكم في اتخاذكم هؤلاء شركاء لله تعالى فإنهم عاجزون عن هداية أنفسهم فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم (كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (٣٥) أي كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله شركاء (وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا) أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم إلا ظنا واهيا أما بعضهم فقد يتبعون العلم فيقفون على بطلان الشرك لكن لا يقبلون العلم عنادا ، وفي ذلك دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب ، والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ) أي عن العلم (شَيْئاً) من
الإغناء في العقائد (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) (٣٦) من الاتباع للظنون الفاسدة والإعراض عن البراهين القاطعة (وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ) أي وما صح أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الحجج الناطقة ببطلان الشرك وحقية التوحيد مفترى من الخلق (وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي ولكن القرآن تصديق الذي قبله من الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء قبله (وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ) أي وتفصيل جميع العلوم العقلي والنقلي الذي يمتنع حصوله في سائر الكتب (لا رَيْبَ فِيهِ) أي منتفيا عنه الريب (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٣٧) أي كائنا من رب العالمين (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أي أيقرون بالقرآن بل يقول كفار مكة اختلق محمد صلىاللهعليهوسلم القرآن من تلقاء نفسه (قُلْ) لهم إظهارا لبطلان مقالتهم الفاسدة (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) أي إن كان الأمر كما تقولون فأتوا بسورة مثل القرآن في الفصاحة وحسن الصياغة ، وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة ، وأشد تمرنا مني في النظم والعبارة (وَادْعُوا) للمعاونة (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) دعاءه (مِنْ دُونِ اللهِ) أي من سائر خلق الله (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣٨) في أني افتريته (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) أي بل كذبوا بما لم يدرك علمهم به مسرعين في ذلك من غير أن يتدبروا فيه ولم يبلغ أذهانهم معانيه الرائقة المنبئة عن علو شأنه (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التكذيب من غير تدبر (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ما كذبوا من المعجزات التي ظهرت على أيدي أنبيائهم (فَانْظُرْ) يا أشرف الخلق (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (٣٩) فإنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم (وَمِنْهُمْ) أي ومن هؤلاء المكذبين (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) أي القرآن عند الإحاطة بعلمه أي إما يعتقد بحقية القرآن فقط بأن يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند ، وإما سيؤمن به ويتوب عن الكفر (وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ) أي بأن لا يصدق به في نفسه لفرط غباوته أو لسخافة عقله وعجزه عن تخليص علوم عن مخالطة الظنون أو بأن يموت على كفره وهم المستمرون على اتباع الظن من غير انقياد للحق (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) (٤٠) أي بالمصرين على الكفر من المعاندين والشاكين (وَإِنْ كَذَّبُوكَ) أي أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة بالتحدي (فَقُلْ) لهم : (لِي عَمَلِي) من الإيمان وجزاء ثوابه (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) من الشرك وجزاء عقابه (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (٤١) أي لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعلمكم (وَمِنْهُمْ) أي من هؤلاء المشركين (مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) عند قراءتك القرآن وتعليمك الشرائع (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ) أي أأنت تقدر على إسماع الصم (وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ) (٤٢) أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقلهم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) أي من يعاين دلائل صدقك (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) أي أعقب ذلك أنت تهديهم (وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) (٤٣) أي لا يستبصرون بقلوبهم ولا يعتبرون (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) أي بسبب حواسهم وعقولهم (وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٤٤) بإفساد الحواس والعقول وتفويت منافعها عليها فإن الفعل منسوب إليهم
بسبب الكسب ، وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم وتقدير الشقاوة عليهم لا يكون ظلما منه تعالى لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيده وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالما (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) أي وأنذر المشركين المنكرين للعبث يوم يحشرهم في الموقف مشبهين من لم يلبث في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا مقدار ساعة من النهار فإن عاقبة الكافر خالصة مقرونة بالإهانة ، ولذات الدنيا مع خساستها لم تكن خالصة بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة ، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات وكانت لم تحصل إلا في بعض الأوقات ، أما آلام الآخرة فهي سرمدية لا تنقطع ألبتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود ، فمتى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ) أي يوبخ بعضهم بعضا فيقول كل فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) (٤٥) أي قد هلكوا بتكذيبهم بالبعث بعد الموت ، وضلوا وما كانوا عارفين لطريق النجاة وهذه شهادة من الله تعالى على خسرانهم (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) أي وإن أريناك بعض العذاب الذي نعدهم به بأن نعجله لهم في حياتك في الدنيا فتراه ، وإن توفيناك قبل نزول العذاب بهم فإنك ستراه في الآخرة لأن العذاب لا يفوتهم بل ننزله بهم في الآخرة (ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) (٤٦) أي ثم الله معاقب على ما يفعلونه. وقرئ ثمة أي هناك (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) من الأمم الماضية (رَسُولٌ) يبعث إليهم بشريعة خاصة مناسبة لأحوالهم ليدعوهم إلى الحق (فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ) فبلغهم ما أرسل إليهم ، فكذبه بعضهم وصدقه بعضهم (قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل ، أي فصل بينهم وحكم بهلاك المكذبين وبنجاة الرسول ومن صدقه (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٤٧) في ذلك القضاء بتعذيبهم لأنه بجرمهم (وَيَقُولُونَ) أي قال : كل أهل دين لرسولهم على وجه التكذيب للرسول الله صلىاللهعليهوسلم فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء (مَتى هذَا الْوَعْدُ) الذي تعدنا بنزول العذاب (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٤٨) في أنه يأتينا (قُلْ) يا أشرف الخلق لقومك الذين استعجلوا نزول العذاب على طريقة الاستهزاء به والإنكار (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً) أي لا أقدر على دفع ضر ولا جلب نفع لنفسي (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي وقت معين خاص بهم (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) أي وقت هلاكهم (فَلا يَسْتَأْخِرُونَ) عن ذلك الأجل (ساعَةً) أي شيئا قليلا من الزمان (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٤٩) عليه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) (٥٠) أي قل للذين يستعجلون العذاب أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم وقت اشتغالكم بالنوم أو عند اشتغالكم بمشاغلكم أي شيء تستعجلون من عذاب الله وليس شيء من العذاب يستعجله عاقل إذ العذاب كله مر المذاق موجب لنفار الطبع منه (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) أي أبعد ما وقع العذاب بكم حقيقة
آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان (آلْآنَ) تؤمنون بالعذاب (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ) أي بالعذاب (تَسْتَعْجِلُونَ) (٥١) أي تكذبون فإن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار (ثُمَّ قِيلَ) يوم القيامة على لسان ملائكة العذاب (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أي وضعوا الكفر والتكذيب موضع الإيمان والتصديق (ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ) أي العذاب المؤلم على الدوام (هَلْ تُجْزَوْنَ) في الآخرة (إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) (٥٢) في الدنيا من أصناف الكفر والمعاصي ، وهذا استثناء مفرغ والجار والمجرور مفعول ثان «لتجزون» والأول قائم مقام الفعل.
تنبيه : أين ما ذكر الله تعالى العذاب ذكر هذه العلة كأن سائلا يقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا التشديد؟ فهو تعالى يقول : ما أنا عاملته بهذه المعاملة ابتداء بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل. (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ) أي يستخبرونك يا أشرف الخلق ـ والقائل حيي بن أخطب ـ لما قدم مكة بطريق الاستهزاء والإنكار : (أَحَقٌّ هُوَ) أي ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا ، وما تعدنا من البعث والقيامة. (قُلْ) لهم في الجواب هذه الأمور الثلاثة غير ملتفت إلى استهزائهم : (إِي وَرَبِّي) فـ «إي» من حروف الجواب بمعنى «نعم» في القسم خاصة كما أن «هل» بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة. (إِنَّهُ) أي العذاب الموعود (لَحَقٌ) أي لثابت (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٥٣) لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ) وهو لا حق بكم بالشرك أو غيره من أنواع الظلم ولو مرة (ما فِي الْأَرْضِ) أي ما في الدنيا من الأموال (لَافْتَدَتْ بِهِ) أي لفادت بما في الدنيا نفسها من عذاب الله (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) أي أخفوا الندامة على ترك الإيمان حين عاينوا العذاب فلم يقدروا على أن ينطقوا بشيء لشدة الأهوال وفظاعة الحال (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي بين الظالمين بالشرك وغيره (بِالْقِسْطِ) أي بالعدل (وَهُمْ) أي الظالمون (لا يُظْلَمُونَ) (٥٤) فيما فعل بهم من العذاب (أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ما وجد فيهما (أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) أي إن جميع ما وعد الله به ثابت لا بد أن يقع ، ووعده تعالى مطابق للواقع (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٥٥) أي غافلون عن هذه الدلائل (هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ) في الدنيا (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٥٦) بعد الموت للجزاء (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٥٧) أي قد جاءكم كتاب فيه بيان ما ينفع المكلف وما يضره ودواء للقلوب وهدي إلى الحق ورحمة للمؤمنين بإنجائهم من الضلال إلى نور الإيمان وتخلصهم من دركات النيران إلى درجات الجنان. والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير الظاهر عمّا لا ينبغي وهو الشريعة ، والشفاء إشارة إلى تطهير الباطن عن العقائد الفاسدة ، والأخلاق الذميمة وهو الطريقة ، والهدي إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة والرحمة إشارة إلى بلوغ الكمال (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) أي فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله. قال الصديقون :
من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنّها من الله كان فرحه بالله وذلك غاية الكمال ونهاية السعادة.
وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله. (هُوَ) أي المذكور من فضل الله ورحمته (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (٥٨) من الدنيا لأن الآخرة أبقى. وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب ، وأما «فليفرحوا» فبالياء التحتية عند السبعة ولا يقرؤه بالتاء الفوقية إلا يعقوب من العشرة كما هو مروي عن زيد بن ثابت. والمعنى فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني (ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) أي الذي خلقه الله لكم من حرث وأنعام (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً) أي فحكمتم بأن بعض الرزق حرام وبعضه حلال مع كون كله حلالا (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ) فقل تأكيد الأمر بالاستخبار أي أخبروني الله أمركم بذلك الحكم فأنتم ممتثلون بأمره تعالى؟ (أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (٥٩) أي أم لم يأذن لكم في ذلك بل على الله تكذبون بنسبة ذلك إليه (وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي أيّ شيء ظنهم يوم عرض الأفعال والأقوال أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون! كلا إنهم لفي أشد العذاب لأن معصيتهم أشد المعاصي (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإمهالهم على سوء أفعالهم (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) (٦٠) تلك النعم فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله تعالى ولا ينتفعون باستماع كتب الله (وَما تَكُونُ) يا أشرف الخلق (فِي شَأْنٍ) أي أمر من أمور الدنيا (وَما تَتْلُوا مِنْهُ) أي الشأن (مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) أي أيّ عمل كان (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ) أي تشرعون (فِيهِ) أي في ذلك المذكور (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) أي ولا يغيب عن علم ربك ما يساوي في الثقل نملة صغيرة أو هباء في دائرة الوجود.
وقرأ الكسائي بكسر الزاي (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ) أي الذرة (وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (٦١) أي في لوح محفوظ. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء والخبر. والباقون بالنصب على أن لا نافية للجنس وما بعدها اسمها وخبرها (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الدارين من لحوق مكروه (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٦٢) من فوات مطلوب (الَّذِينَ آمَنُوا) بكل ما جاء من عند الله تعالى (وَكانُوا يَتَّقُونَ) (٦٣) والتقوى هنا التجنب عن كل إثم والتنزه عن كل ما يشغل السر عن الله تعالى والتبتل إليه تعالى بالكلية وهذا تفسير للأولياء (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) فالبشرى في الدنيا محبة الناس لهم وذكرهم إياهم بالثناء الحسن ، والرؤيا الصالحة ، وبشرى الملائكة لهم عند الموت وفي الآخرة تلقى الملائكة إياهم مبشرين بالفوز والكرامة ، وبياض
الوجوه ، وإعطاء الصحف بأيمانهم وما يقرءون منها ومن غير ذلك من البشارات (لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ) أي لا خلف في أقواله (ذلِكَ) أي حصول البشرى لهم في الدارين (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٦٤) الذي لا فوز وراءه (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) أي لا تحزن بما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه ، ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك.
وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) أي إن القوة لله جميعا فهو يعصمك منهم وينصرك عليهم حتى تكون أقوى منهم (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٦٥) أي يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافؤهم بذلك (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) من الملائكة والثقلين ، وإذا كان هؤلاء في ملكه تعالى فالجمادات أحق أن لا تكون شركاء له تعالى (وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ) أي وما يتبع الذين يعبدون من دون الله آلهة شركاء فـ «آلهة» مفعول «يدعون» و «شركاء» مفعول «يتبع» (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) أي إن المشركين ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (٦٦) أي ما هم إلا يكذبون فيما ينسبونه إليه تعالى ويقدرون أن معبوداتهم شركاء تقديرا باطلا (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً) أي هو الذي صيّر لكم الليل لتستريحوا فيه من تعب النهار والنهار مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم بالإبصار ولتتحركوا فيه لمعاشكم (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الجعل (لَآياتٍ) أي لعبرات (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (٦٧) مواعظ القرآن فيعلمون بذلك أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الله المنفرد بالوحدانية في الوجود (قالُوا) أي كفار مكة : (اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) أي الملائكة بنات الله (سُبْحانَهُ) قال تعالى ذلك تنزيها لنفسه عما نسبوه إليه وتعجيبا من كلمتهم الحمقاء (هُوَ الْغَنِيُ) عن كل شيء في كل شيء (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) من ناطق وصامت ملكا وخلقا (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا) أي ما عندكم حجة بهذا القول الباطل (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٦٨) أي أتنسبون إليه تعالى ما لا يجوز نسبته إليه تعالى جهلا منكم (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (٦٩) أي لا يصلون إلى مقاصدهم وكل من قال في ذات الله تعالى وصفاته قولا بغير علم ، وبغير حجة بينة كان داخلا في هذا الوعيد (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) (٧٠) أي حياتهم متاع قليل في الدنيا ، ثم لا بد من الموت وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله ، وعند هذا الرجوع لا بد وأن يذيقهم الله العذاب الشديد بسبب كونهم كافرين فأين هم من الفلاح؟ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) أي المشركين (نَبَأَ نُوحٍ) أي خبره مع قومه الذين هم أشباه قومك في العناد ليصير داعيا إلى مفارقة الإنكار للتوحيد والنبوة (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) وهم بنو قابيل (يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ) أي ثقل (عَلَيْكُمْ مَقامِي) أي مكثي فيكم مدة طويلة (وَتَذْكِيرِي) أي وعظي إياكم (بِآياتِ اللهِ) أي بحجته (فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) أي فوضت أمري
إلى الله (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) أي فاعزموا على أمركم الذي تريدون بي من السعي في إهلاكي (وَشُرَكاءَكُمْ) أي وادعوا من يشاركونكم في الدين والقول ، أو ادعوا أوثانكم التي سميتموها بالآلهة وتقدير «ادعوا» هو كما في مصحف أبي ، ويصح أن يكون و «شركاءكم» مفعولا معه من الضمير في «فأجمعوا». وقرأه الحسن وجماعة من القراء بالرفع عطفا عليه (ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) أي خفيا. وليكن ظاهرا (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَ) أي أدوا إليّ ذلك الأمر الذي تريدون بي ونفذوه إليّ (وَلا تُنْظِرُونِ) (٧١) أي لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي إن أعرضتم عن نصيحتي فلا ضير علي لأني ما سألتكم بمقابلة وعظي من أجر تؤدونه إليّ حتى يؤدي ذلك إلى إعراضكم (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) أي ما ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى يثيبني به آمنتم أو توليتم (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٧٢) أي وإني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليّ منكم لأجل هذه الدعوة (فَكَذَّبُوهُ) أي استمروا على تكذيب نوح بعد ما بين لهم المحجة (فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) أي السفينة من المسلمين من الغرق وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة (وَجَعَلْناهُمْ) أي أصحاب نوح (خَلائِفَ) من الهالكين بالغرق فيسكنون في الأرض (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) بالطوفان (فَانْظُرْ) يا أشرف الخلق (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (٧٣) أي كيف صار آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ) كان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي فجاء كل رسول قومه المخصوصين بالمعجزات الدالة على صدق ما قالوا (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) أي فما كانوا ليصدقوا بما كذبوا به من أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة. ودعوا أممهم إليها من قبل مجيء رسلهم أي كانت حالهم بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الطبع (نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) (٧٤) أي المتجاوزين عن الحدود في كل زمن (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد أولئك الرسل (مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) أي وأشراف قومه (بِآياتِنا) أي التسع : اليد ، والعصا ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والسنين ، وطمس الأموال ، (فَاسْتَكْبَرُوا) أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا عن اتباعهما أي ادعوا الكبر من غير استحقاق (وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (٧٥) أي دوي آثام عظام فلذلك اجترءوا على الاستهانة برسالة الله تعالى (فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا) وهو العصا واليد البيضاء (قالُوا) من فرط عنادهم (إِنَّ هذا) أي الذي جاء به موسى (لَسِحْرٌ مُبِينٌ) (٧٦) أي ظاهر يعرفه كل أحد (قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ) ما تقولون من أنه سحر (أَسِحْرٌ هذا) أي أسحر هذا الذي أمره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) (٧٧) أي والحال أنه لا يفلح فاعلو السحر وهذه جملة حالية من الواو في أتقولون (قالُوا) لموسى وهارون عاجزين عن المحاجة (أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا) أي لتصرفنا (عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) أي من عبادة الأصنام
(وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) أي الملك والعز (فِي الْأَرْضِ) أي أرض مصر (وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) (٧٨) أي بمصدقين (وَقالَ فِرْعَوْنُ) لملئه : (ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) (٧٩) بفنون السحر حاذق فيه.
وقرأ حمزة والكسائي سحار (فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ) أي فأتوا بالسحرة قالوا لموسى : إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ) (٨٠) أي ما معكم من الحبال والعصي (فَلَمَّا أَلْقَوْا) حبالهم وعصيهم واسترهبوا الناس (قالَ) لهم (مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ) أي الذي جئتم به هو السحر أي التمويه الذي يظهر بطلانه لا ما سماه فرعون وقومه سحرا فهو من آيات الله تعالى. وقرأ أبو عمرو «السحر» بهمزة الاستفهام بإبدال الهمزة الثانية ألفا ومدها مدا لازما أو بتسهيلها من غير قلب وعلى كليهما تجب الإمالة في موسى ، والمعنى الذي جئتم به أهو السحر أم لا؟ وهو استفهام وجه التحقير والتوبيخ (إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ) أي سيهلكه بالكلية ويظهر فضيحة صاحبه للناس والسين للتأكيد (إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (٨١) أي لا يكمله (وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَ) أي يظهره ويقويه (بِكَلِماتِهِ) أي بوعده لموسى وقضائه (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (٨٢) ذلك (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) أي فما آمن من قوم موسى إلا قليل منهم وهم بنو إسرائيل الذين كانوا بمصر من أولاد يعقوب وذلك أن موسى دعا الآباء إلى دينه فلم يجيبوا خوفا من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم مع الخوف (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) أي مع خوف من فرعون لأنه كان شديد البطش وخوف على رؤساء الذرية فإن أشراف بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من إجابة موسى خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) أي يصرفهم عن الإيمان بتسليط أنواع العذاب عليهم (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ) أي لغالب في أرض مصر (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (٨٣) أي المجاوزين الحد بكثرة القتل والتعذيب لمن يخالفه في أمره من الأمور ، وبالكبر حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء (وَقالَ مُوسى) لمن آمن به (يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) ولا تخافوا أحدا غيره (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) (٨٤) أي منقادين لأمره تعالى.
قال الفقهاء : الشرط المتأخر يجب أن يكون متقدما ، مثاله : قول الرجل لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق ، إن كلمت زيدا فمجموع قوله : إن دخلت الدار فأنت طالق مشروط بقوله : إن كلمت زيدا ، والمشروط متأخر عن الشرط ، فكأنه يقول لامرأته : حال ما كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ، فلو حصل هذا التعليق قبل أن كلمت المرأة زيدا لم يقع الطلاق فقوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا لأن يصيروا مخاطبين بقوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه : إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل والأمر كذلك ، لأن الإسلام هو
الانقياد لتكاليف الله وترك التمرد ، والإيمان هو معرفة القلب بأن واجب الوجود لذاته واحد وما سواه محدث تحت تصرفه وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله تعالى (فَقالُوا) مجيبين له عليهالسلام : (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) ولا نلتفت إلى أحد سواه ، ثم دعوا ربهم قائلين (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٨٥) أي لا تجعلنا مفتونين لهم أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه (وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٨٦) أي خلصنا برحمتك من أيدي فرعون وقومه ومن سوء جوارهم وشؤم مصاحبتهم (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) أي اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي مصلى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) في بيوتكم إن موسى ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم لئلا يظهروا على الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة على هذه الحالة (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٨٧) بالنصر في الدنيا وبالجنة في العقبى وخصّ الله تعالى موسى بالبشارة ، لأنه الأصل في الرسالة ، وهارون تبع له. (وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ) أي أشراف قومه (زِينَةً) أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها. (وَأَمْوالاً) كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) دعا عليهم بلفظ الأمر. والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ).
قال ابن عباس : بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا وجعل سكرهم حجارة (وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي اجعلها قاسية ومربوطة حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان (فَلا يُؤْمِنُوا) جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي ، أو عطف على «ليضلوا» (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٨٨) وإذا دعا موسى عليهم بهذا الدعاء لما علم أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم. (قالَ) الله لموسى وهارون : (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) فموسى كان يدعو هارون كان يؤمن والتأمين دعاء ، وحصول المدعو به بعد أربعين سنة لأن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة (فَاسْتَقِيما) أي فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا (وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (٨٩) بعادات الله تعالى في تعليق الأمور بالمصالح والحكم ، أي ولا تسلكا طريق الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال ، والاستعجال وعدم الوثوق بوعد الله يصدران من الجهال. (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) أي جعلناهم مجاوزين بحر السويس بأن جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط.
قال أهل التفسير : اجتمع يعقوب وبنوه على يوسف وهم اثنان وتسعون ، وخرج بنوه مع
موسى من مصر وهم ستمائة ألف ، وذلك لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر فخرجوا ، وقد كان فرعون غافلا عن ذلك ، فلما سمع بخروجهم خرج بجنوده في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى : أين المخلص والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه ، فانفلق ، فقطعه موسى وبنو إسرائيل ، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم ، وكان معه ثمانية آلاف حصان على لون حصانه سوى سائر الألوان ، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى وميكائيل يسوقهم حتى لا يشذ منهم أحد ، فدنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون من أمره شيئا فنزل البحر وتبعه جنوده حتى إذا اكتملوا جميعا في البحر وهمّ أولهم بالخروج انطبق البحر عليهم (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً) أي مفرطين في محبة قتلهم ومجاوزين الحد (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ) أي بأن الشأن (لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٩٠) أي الذين أسلموا نفوسهم لله فقال له جبريل : (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (٩١) أي آلآن تؤمن وتتوب وقد صنعت التوبة في وقتها ، وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية ، وقد كنت من الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان ، ولم يقبل ذلك من فرعون لأنه إنما آمن عند نزول العذاب وإنما أقر بعزة الربوبية ووحدانية الله تعالى ولم يقر بنبوة موسى ولأن ذلك الإقرار كان مبينا على محض التقليد وهو كان دهريا منكرا لوجود الصانع ، وإنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها.
وقرئ «ننجيك» بالحاء أي نلقيك بناحية الساحل (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل إذ قالوا : ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم ولما حصل في قلوبهم من الرعب من أجله فأمر البحر فألقاه على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه ، وقرئ «لمن خلفك» فعلا ماضيا أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم نكالا من الطغيان ، وقرئ «لمن خلفك» بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته فإن إفراده تعالى إياك بالإلقاء إلى الساحل لإبطال دعوى ألوهيتك لأن الإله لا يموت (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) (٩٢) أي لا يتفكرون فيها (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي أسكناهم بعد ما أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر بلاد البركة والخصب ، وأورثهم الله جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي اللذائذ (فَمَا اخْتَلَفُوا) في أمر دينهم (حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي حتى قرءوا التوراة فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (٩٣) فيميز المحق من المبطل ، والصديق من الزنديق (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ) أي القرآن (مِنْ رَبِّكَ) في خبر الأولين (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (٩٤) أي
الشاكين (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٩٥) أنفسا وأعمالا وهذا كله خطاب للنبي ظاهر ، أو المراد به غيره ممن عنده شك ، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه يوجه الخطاب على ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم. وقيل : هذا الخطاب ليس مع الرسول صلىاللهعليهوسلم وذلك أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره ، الشاكون فيه فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته وهم عبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا ، وتميم الداري ، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي ثبت عليهم حكمه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار (لا يُؤْمِنُونَ) (٩٦) أبدا إذ لا كذب في كلامه (وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) أي ولو جاءتهم الدلالة التي لا حصر لها لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٩٧) كدأب آل فرعون وأشباههم (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا).
قال أبو مالك صاحب ابن عباس : كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر «لو لا» فمعناه هلا إلا حرفين فلو لا كانت قرية آمنت فمعناه فما كانت قرية آمنت فلو لا كان من القرون من قبلكم فمعناه فما كان من القرون وتقدير الآية فما كان أهل قرية آمنوا فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس لما آمنوا أول ما رأوا أمارة العذاب صرفنا عنهم العذاب في الحياة الدنيا (وَمَتَّعْناهُمْ) بمتاع الدنيا بعد صرف العذاب عنهم (إِلى حِينٍ) (٩٨) أي إلى وقت انقضاء آجالهم.
روي أن يونس عليهالسلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة وكان يونس قال لهم : إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود هائل فظهر منه دخان شديد ، وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة ، وسوّد سطوحهم ، فخرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين النساء وبين الدواب وأولادها ، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات ، وكثرت التضرعات ، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم ، وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة. وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل ، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، وخرج يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا فقيل له : ارجع إلى قومك. قال : وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا وكان كل من كذب ولا بينة له قتل فانصرف عنهم مغاضبا فالتقمه الحوت (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) أي مجتمعين على الإيمان لا
يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) على ما لم يشأ الله منهم (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩) أي لا قدرة لك على التصرف في أحد (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي وما يتأتى لنفس واحدة أن يقع بها إيمان في وقت ما إلا بإرادة الله وبإقداره عليه (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) أي الكفر (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (١٠٠) أي الذين لا يستعملون عقولهم بالنظر في الدلائل والمضارع بمعنى الماضي وهو معطوف على مقدر ، والتقدير فأذن الله لبعضهم في الإيمان وجعل الكفر لبعض آخر (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي قل يا أشرف الخلق مخاطبا لأهل مكة : تفكروا أيّ شيء بديع في السموات والأرض من عجائب صنع الله الدالة على وحدته وكمال قدرته (وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠١) وما تنفع الدلائل السماوية والأرضية والرسل المنذرون عن قوم لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه. (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) أي فما ينتظر المشركون إلا عذابا مثل عذاب الأمم الماضية من الكفار (قُلْ فَانْتَظِرُوا) نزول العذاب (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (١٠٢) لذلك (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا) أي أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلة إليهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا) لأن العذاب لا ينزل إلا على الكفار (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومن آمن بهم (حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (١٠٣) بك يا أشرف الخلق من كل شدة وعذاب وجب ذلك علينا وجوبا بحسب الوعد والحكم لا بحسب الاستحقاق ، لأن العبد لا يستحق على خالقه شيئا (قُلْ) لجمهور المشركين : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي أهل مكة (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) الذي أدعوكم إليه ، أي إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) في وقت من الأوقات (وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) يقبض أرواحكم ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٠٤) بما دل عليه العقل ونطق به الوحي (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) أي وأمرت بتوجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين وبالاستقامة في الدين بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح وباستقبال القبلة في الصلاة (حَنِيفاً) أي مائلا إلى الدين ميلا كليا معرضا عمّا سواه إعراضا كليا فقوله : (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان. وقوله : (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان. (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٠٥) أي وأمرت بأن لا ألتفت إلى غير ذلك الدين فمن عرف مولاه والتفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك الالتفات شركا هذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي لا تعبد من غير الله (ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) فلا نافع إلا الله ولا ضار إلا الله ، ولا حكم إلا لله ، ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله وهذه الجملة عطف على جملة الأمر وهي أقم فتكون داخلة في صلة أن المصدرية (فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) (١٠٦) أي لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الواضعين للشيء في غير موضعه وطلب الشبع من الأكل ،
والري من الشرب لا يقدح في الإخلاص لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله لذلك لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى الله إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الله فحينئذ يرى ما سوى الله عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده تعالى وفيض إحسانه عاليا على الكل (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ) أي إن يصبك بضر كمرض وفقر (فَلا كاشِفَ لَهُ) أي فلا رافع لذلك الضر (إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) أي وإن يرد أن يصيبك بخير فلا دافع لعطيته الذي أرادك به ولم يستثن الله تعالى مع الإرادة ، لأن إرادة الله تعالى قديمة لا تتغير بخلاف مس الضر فإنه صفة فعل.
قال الرازي : وتقديم الإنسان في اللفظ وهو المشار إليه بالخطاب دليل على أن المقصود هو الإنسان أما سائر الخيرات فهي مخلوقة لأجله (يُصِيبُ بِهِ) أي يخص بالفضل الواسع المنتظم لما أرادك به من الخير (مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) ممن كان أهلا لذلك (وَهُوَ الْغَفُورُ) أي البالغ الستر للذنوب (الرَّحِيمُ) (١٠٧) أي البالغ في الإكرام (قُلْ) مخاطبا لأولئك الكفرة لأجل أن تنقطع معذرتهم (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام (فَمَنِ اهْتَدى) بالإيمان به (فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) أي فمنفعة اهتدائه لها خاصة (وَمَنْ ضَلَ) بالإعراض عنه (فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) أي فوبال الضلال مقصور على نفسه (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٨) أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير فلا يجب على السعي في إيصالكم إلى الثواب وفي تخليصكم من العذاب (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) أي يؤمر لك في القرآن من تبليغ الرسالة (وَاصْبِرْ) على ما يطرأ عليك من مشاق التبليغ (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) بالأمر بالقتال (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (١٠٩) فحكم بالجهاد وبالجزية على أهل الكتاب وأنشد بعضهم في الصبر شعرا فقال :
|
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري |
|
و أصبر حتى يحكم الله في أمري |
|
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني |
|
صبرت على شيء أمر من الصبر |
سورة هود
مكية ، مائة وثلاث وعشرون آية ، ألف وتسعمائة وسبع
وأربعون كلمة ، سبعة آلاف وثمانمائة وتسعة عشر حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) أي نظمت نظما رصيفا متقنا (ثُمَّ فُصِّلَتْ) أي جعلت فصولا من دلائل التوحيد والنبوة ، والأحكام ، والمواعظ ، والقصص (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (١) صفة ثانية لكتاب أو صلة للفعلين كأنه تعالى يقول : أحكمت آياته من عند حكيم أي واضع الشيء بالحكمة وفصلت آياته من عند خبير أي عالم بكيفيات الأمور (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) فـ «أن» تفسيرية لفصلت فإنها في معنى القول (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ) أي من جهة الحكيم الخبير (نَذِيرٌ) بعذابه إن عبدتم غير الله تعالى (وَبَشِيرٌ) (٢) بثوابه إن تمحضتم في عبادته (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) معطوف على أن لا تعبدوا (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي اطلبوا من ربكم ستر ما سلف منكم من الشرك ثم أقبلوا إليه بالطاعة والإخلاص (يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي يعشكم عيشا مرضيا إلى وقت مقدر عند الله تعالى وهو آخر أعماركم فمن أخلص لله في القول والعمل عاش في أمن من العذاب وراحة مما يخشاه ، ومن اشتغل بمحبة الله كان انقطاعه عن الخلق أكمل وسروره أتم لأنه آمن من زوال محبوبه ومن كان مشتغلا بحب غير الله كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب (وَيُؤْتِ) أي يعط في الدنيا وفي الآخرة (كُلَّ ذِي فَضْلٍ) في الإسلام والطاعة (فَضْلَهُ) أي ثوابه (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي تعرضوا عمّا ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة (فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) بموجب الشفقة (عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) (٣) هو يوم القيامة (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ) ثم البعث للجزاء (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤) فيقدر على تعذيبكم بأفانين العذاب (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ) أي تنبه أن الكفار يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى حين يغطون رؤوسهم بثيابهم للاستخفاء.
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق وأصحابه من منافقي مكة وكان رجلا حلو المنطق ، حسن المنظر ، يظهر لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ويضمر في قلبه العداوة (يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ)
في قلوبهم (وَما يُعْلِنُونَ) بأفواههم (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٥) أي إنّه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدرهم فلا فائدة لهم في استخفائهم (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) أي غذاؤها اللائق بها.
روي أن موسى عليهالسلام تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ، ثم ضرب بعصاه فانشقت وخرجت صخرة ثانية ، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة ، وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها ورفع الله الحجاب عن سمع موسى عليهالسلام فسمع الدودة تقول سبحان من يراني وسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها) أي مكانها في الأرض قبل الموت وبعده (وَمُسْتَوْدَعَها) أي موضعها قبل الاستقرار من صلب أو رحم بيضة (كُلٌ) من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها وأحوالها (فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (٦) أي ثابت في علم الله ومذكور في اللوح المحفوظ (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي خلق السموات في يومين ، والأرض في يومين ، وما عليها من أنواع الحيوانات والنبات وغير ذلك في يومين (وَكانَ عَرْشُهُ) قبل خلقهما (عَلَى الْماءِ) قال صلىاللهعليهوسلم : «كان الله وما كان معه شيء ، ثم كان عرشه على الماء» (١) أي والعرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه وذلك يدل على كمال قدرته تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ) أي خلق السموات والأرض وما فيهما ورتب فيها جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معايشكم وأودع فيهما ما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يختبركم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فإن لكل من القلب والقالب عملا مخصوصا به (وَلَئِنْ قُلْتَ) يا أشرف الخلق لأهل مكة (إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ) أي محيون (مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) منهم (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (٧) أي ما هذا القول إلا خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الاعتقاد لكم والدخول تحت طاعتكم.
وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» أي كاذب وحينئذ فاسم الإشارة عائد على النبي أو القرآن (وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ) الذي هددهم الرسول الله صلىاللهعليهوسلم به (إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي إلى انقراض جماعة من الناس بعد هذا التهديد بالقول (لَيَقُولُنَ) بطريق الاستعجال استهزاء (ما يَحْبِسُهُ)
__________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٢ : ٣٤١) ، والسيوطي في الدر المنثور (٣ : ٣٢٢) ، والطبري في التفسير (١٢).
أي أيّ شيء يمنع العذاب من المجيء إلينا (أَلا) أي تنبهوا (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) أي العذاب (لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) أي فلا يرفع رافع أبدا عذاب الآخرة ولا يدفع عنهم دافع عذاب الدنيا (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٨) أي أحاط بهم ذلك العذاب (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً) أي أعطيناه نعمة كغنى وصحة (ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) أي قاطع رجاءه من عود أمثالها لقلة صبره وعدم ثقته بالله (كَفُورٌ) (٩) أي عظيم الكفران لما سلف من النعم (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) كصحة بعد سقم وفرج بعد شدة (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أي المصائب التي تحزنني (إِنَّهُ لَفَرِحٌ) أي بطر بالنعم مغتر بها (فَخُورٌ) (١٠) على الناس بما أوتي من النعم مشغول بذلك عن الشكر (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) عند البلاء استسلاما لقضاء الله (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) عند الراحة والخير شكرا على ذلك (أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) عظيمة لذنوبهم وإن جمت (وَأَجْرٌ) أي ثواب (كَبِيرٌ) (١١) لأعمالهم الحسنة (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) فلعل للزجر وللتبعيد أي لا تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك من البينات الدالة على حقيقة نبوتك ولا يضق صدرك بتلاوته عليهم في أثناء الدعوة والمحاجة كراهة (أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) أي على محمد (كَنْزٌ) أي مال كثير مخزون يدل على صدقه (أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) يصدقه. والمعنى لا تترك التبليغ ولا يضق صدرك به بسبب قول القوم لك إن كنت صادقا في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وبأنك عزيز عنده مع إنك فقير فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكدر والعناء وإن كنت صادقا فهلا أنزل عليك ملكا يشهد لك بالرسالة فتزول الشبهة في أمرك فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق فنزل قوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) فلا تبال بما صدر عنهم من الرد والقبول (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٢) أي حفيظ فتوكل عليه في جميع أمورك فإنه فاعل بهم ما يليق بحالهم (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أي بل أيقولون افترى محمد القرآن من تلقاء نفسه وليس من عند الله (قُلْ) لهم إرخاء للعنان : إن كان الأمر كما تقولون (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) أي القرآن في البلاغة وحسن النظم (مُفْتَرَياتٍ) من عند أنفسكم فإنكم أقدر ذلك مني لأنكم عرب فصحاء ممارسون للأشعار ، ومزاولون أنواع النظم والنثر (وَادْعُوا) للمعاونة في المعارضة (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أي من الأصنام والكهنة (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٣) في ادعاء كون القرآن مفترى على الله (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا) أي من تدعونهم من دون الله (لَكُمْ) أيها الكفار في الإعانة على المعارضة (فَاعْلَمُوا) يا معشر الكفار (أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ) أي إن الذي أنزل ملتبس بعلم الله أي هو من عند الله إذ لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه ثبت أنه من عند الله (وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي واعلموا أنه لا شريك له في الألوهية ولا يقدر على ما يقدر هو عليه أحد ، أي لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقا وثبت كون محمد صلىاللهعليهوسلم صادقا في دعوى الرسالة وفي خبره أنه لا إله إلا الله (فَهَلْ
أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٤) أي فهل أنتم داخلون في الإسلام. والمعنى فإن لم يستجب لكم آلهتكم وسائر من إليهم تجأرون في ملماتكم إلى المعاونة فاعلموا أن القرآن خارج عن دائرة قدرة البشر وأنه منزل من خالق القوى والقدر ، واعلموا أيضا أن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة في الألوهية فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام هذه الحجة القاطعة (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها) بعمل الخير من العبادات وإيصال المنفعة إلى الحيوانات (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها) أي نوصل إليهم ثمرات أعمالهم في الحياة الدنيا كاملة (وَهُمْ فِيها) أي في الحياة الدنيا (لا يُبْخَسُونَ) (١٥) أي لا ينقصون نقصا كليا ولا يحرمون من ذلك حرمانا كليا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة ، وسعة الرزق ، وكثرة الأولاد ونحو ذلك (أُولئِكَ) أي المريدون لزينة الدنيا الموفون فيها ثمرات أعمالهم (الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) بسبب هذه الأعمال الفاسدة المقرونة بالرياء.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «تعوذوا بالله من جب الحزن» قيل : وما جب الحزن؟ قال : «واد في جهنم يلقى فيه القراء والمراؤون» (١). وقال صلىاللهعليهوسلم : «أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه»(٢). (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) وهذا إن تعلق بحبط ، فالضمير عائد على «الآخرة» ، أي وظهر في الآخرة حبط ما صنعوه من الأعمال وإن تعلق «بصنعوا» فالضمير يعود على الحياة الدنيا أي وحبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر (وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٦) فباطل إما خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر ، أو عطف على الخبر وما بعده فاعل له ، ويرجح هذا قراءة زيد بن على وبطل ما كانوا يعملون على صيغة الماضي معطوف على حبط أي ظهر بطلان عملهم في نفسه في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية.
وقرئ «وباطلا» ما كانوا يعملون على أن ما إبهامية أو في معنى المصدر (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً) أي أفمن كان على برهان من ربه عرف به صحة الدين الحق ويتبع ذلك البرهان شاهد من ربه وهو القرآن ويتبع ذلك البرهان من قبل مجيء الشاهد الذي هو القرآن شاهد آخر وهو كتاب موسى حال كونه مقتدى به في الدين وسببا لحصول الرحمة لأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها في أنهم ليس لهم في الآخرة إلا النار ، لا بل بين الفريقين تباين بين فالحاصل أنه اجتمع في تثبيت صحة هذا الدين أمور ثلاثة :
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الزهد ، باب : ٤٨ ، وابن ماجة في المقدمة ، باب : الانتفاع بالعلم والعمل به.
(٢) رواه السيوطي في جمع الجوامع (٣٢٦٤).
أولها : دلالة الدلائل العقلية اليقينية على صحته.
وثانيها : شهادة القرآن بصحته.
وثالثها : شهادة التوراة بصحته فعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه فلا يبقى في صحته شك (أُولئِكَ) أي الموصوفون بالصفات الحميدة (يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي بالقرآن كعبد الله بن سلام وغيره ممن اتصف بتلك الصفات وهذا الفريق ليس له في الآخرة إلا الجنة (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي بالقرآن (مِنَ الْأَحْزابِ) أي أصناف الكفار (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) أي مكان وعده وهي التي فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب.
روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «لا يسمع ابن يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار». قال أبو موسى : فقلت في نفسي : إن النّبيّ صلىاللهعليهوسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن فوجدت الله تعالى يقول : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) من أن مصير من كفر بالقرآن النار أن هذا الوعد هو الثابت ممن يريبك في دينك ودنياك والخطاب للنبي. والمراد غيره (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (١٧) بذلك إما لاختلال أفكارهم وإما لعنادهم (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) بأن نسب إيه ما لا يليق به كقولهم في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله (أُولئِكَ) الموصوفون بالافتراء على الله تعالى (يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) عرضا تظهر به فضيحتهم أي يساقون إلى الأماكن المعدة للحساب والسؤال (وَيَقُولُ الْأَشْهادُ) من الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم في الدنيا والأنبياء عند العرض (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ) بالافتراء عليه ثم لما أخبر الله تعالى عن حالهم في القيامة أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى : (أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (١٨) بالتزام الكفر والضلال أي إنهم في الحال الملعونون من عند الله (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي الذين يمنعون من الدين الحق كل من يقدرون على منعه بإلقاء الشبهات (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي يطلبون سبيل الله زيغا بتعويج الدلائل المستقيمة (وَهُمْ) أي والحال أنهم (بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) (١٩) أي بالبعث بعد الموت جاحدون (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي لا يمكنهم أن يفلتوا بأنفسهم من عذاب الله بالهرب من الأرض مع سعتها إن أراد الله تعذيبهم (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ) أي أنصار يدفعون عذاب الله عنهم أي إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب بالفرار ونحوه ، ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع العذاب عنهم كما زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله بل لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة كما قال تعالى : (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) أي فيعذبون في الآخرة على ضلالهم في أنفسهم وعلى إضلالهم غيرهم ، وهذا غير خارج عن قوله تعالى : (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) [الأنعام : ١٦٠].
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالتشديد (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) (٢٠) وهذا تعليل لمضاعفة العذاب أي لأنهم كانوا عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي فإنهم اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله تعالى وهذا أعظم وجوه الخسران (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٢١) من شفاعة الأصنام لهم فلم يبق معهم غير الندامة (لا جَرَمَ) أي لا بد (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) (٢٢) بذهاب الجنة وما فيها أي أنهم أخسر من كل خاسر لأنهم أظلم من كل ظالم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ) أي إن الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ، وأتوا بالأعمال الصالحات ، واطمأنت قلوبهم عند أداء الأعمال إلى ذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى ، واطمأنت إلى صدق وعد الله بالثواب على تلك الأعمال وخافت قلوبهم من أن يكونوا أتوا بتلك الأعمال مع وجود الإخلال ومن أن لا تكون مقبولة (أُولئِكَ) المنعوتون بتلك النعوت الجميلة (أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٣) أي دائمون (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) أي صفة الكافر كصفة شخص متصف بالعمى والصمم فلا يهتدى لمقصوده ، وصفة المؤمن كصفة شخص متصف بالبصر والسمع فاهتدى لمطلوبه (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) أي صفة وحالا (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢٤) أي أتشكون في عدم الاستواء ولا تتعظون بأمثال القرآن فتؤمنوا (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ) للعصاة من العقاب (مُبِينٌ) (٢٥) أي بين النذارة ، فأبين لكم طريق الخلاص من العذاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «أني» بفتح الهمزة أي متلبسا بالإنذار. والباقون بالكسر على معنى فقال : إني لكم. (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) بدل من «أني لكم» إلخ. على قراءة الفتح ومجرور بالباء المقدرة التي للتعدية المتعلقة بأرسلنا (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (٢٦) في الدنيا أو في الآخرة (فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي الأشراف منهم (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) أي ما نعلمك إلا آدميا مثلنا ليس فيك مزية تخصك بوجوب الطاعة علينا (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) أي أخساؤنا كالحجامين والنساجين والأساكفة (بادِيَ الرَّأْيِ).
قرأ أبو عمرو ونصر عن الكسائي «بادئ» بالهمزة. والباقون بالياء ونصبه على الظرفية أي في ابتداء حدوث الرأي ولو احتاطوا في الكفر ما اتبعوك أو في ظاهر رأي العين (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) أي لا نرى لك ولمن تبعوك بعد الاتباع فضلا علينا لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) (٢٧) أي بل نظنك يا نوح في دعوى النبوة ، ونظن أصحابك كاذبين في تصديق نبوتك (قالَ) أي نوح : (يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي على برهان عقلي في معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أي نبوة ومعجزة دالة على النبوة (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أي وصار ذلك البرهان مشكوكا في عقولكم.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «فعميت» بضم العين وتشديد الميم. والباقون بفتح العين وتخفيف الميم (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) (٢٨) أي فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفة ذلك البرهان وأنتم منكرون له. والمعنى أنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضيلة على سائر الناس أخبروني إن امتزت عنكم بحيازة فضيلة من ربي وهي دليل العقل وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفي عليكم دليل العقل ولم تنالوه ، ولم تعلموا حيازتي لها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها ، والحال أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهام لطلب الإقرار وحاصل الكلام أنهم لما قالوا وما نرى لكم علينا من فضل ذكر نوح عليهالسلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت ، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهور المقصود وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلا عظيما وأنا لا أقدر على إعطاءكم الإلهام والمعرفة في تلك الحجة وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الله (وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) أي قال نوح عليهالسلام : أنا لا أطلب منكم على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا وغنيا ، وما أجري على هذه الطاعة إلا على رب العالمين ، وإن ظننتم أني إنما اشتغلت بهذا التبليغ لأجل أخذ أموالكم فهذا الظن منكم خطأ ، وإنما أسعى في طلب الدين لا في طلب الدنيا وهذا يوجب فضلي عليكم ، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) بقولكم لي : امنع واطرد هؤلاء الأسافلة عنك ونحن نتبعك فإنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله تعالى فإن طردتهم استخصموني في الآخرة عنده فأعاقب على طردهم (وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) (٢٩) إن منزلة المؤمنين عند الله تعالى أعلى وإن طردهم يوجب غضب الله تعالى (وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ) أي بدفع نزول سخطه عني (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) فإن الطرد ظلم موجب للسخط قطعا (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٣٠) أي أتأمرونني بطردهم فلا تتعظون بما أقول لكم (وَلا أَقُولُ لَكُمْ) حين أدعي النبوة (عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ) أي رزقه وأمواله وهذا رد لقولهم : وما نرى لكم علينا من فضل كالمال (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي ولا أقول : إني أعلم الغيب حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد ، وهذا رد لقولهم : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم وفي الباطن لم يتبعوك فقال نوح لهم : إني إنما أعول على الظاهر لا أعلم الغيب فأحكم به (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) رد لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا فكأن نوحا قال : أنا لم أدّع الملكية حتى تقولوا ذلك. أي إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي والحال أني لا أدعي شيئا من ذلك ولا الذي أدعيه يتعلق بشيء منها ، وإنما يتعلق بالفضائل النفسية التي بها تتفاوت مقادير البشر (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أي ولا أقول كما تقولون في حق الذين تحتقرهم أعينكم (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً) أي هداية
وأجرا (اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ) أي بما في قلوبهم من الإيمان (إِنِّي إِذاً) أي إذا قلت ذلك (لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (٣١) لنفسي ولهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله أعطاهم خيري الدارين (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) أي فأتيت بأنواع الجدال (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٣٢) فيما تقول (قالَ) أي نوح (إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ) أي إن الإتيان بالعذاب الذي تستعجلونه أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله تعالى (إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٣٣) أي بمانعين من العذاب بالهرب أو بالمدافعة كما تدفعونني في الكلام (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) أي إن كان الله يريد أن يضلكم عن الهدى فإن أردت أن أحذركم من عذاب الله وأدعوكم إلى التوحيد لا ينفعكم دعائي إلى التوحيد وتحذيري إياكم من عذاب الله. (هُوَ رَبُّكُمْ) أي مالك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت (وَإِلَيْهِ) تعالى (تُرْجَعُونَ) (٣٤) بعد الموت فيجازيكم على أعمالكم (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أي بل أيقول قوم نوح : إن نوحا افترى بما أتانا به من عند نفسه مسندا إلى الله تعالى. (قُلْ) يا نوح : (إِنِ افْتَرَيْتُهُ) أي إن اختلقت الوحي الذي بلغته إليكم من تلقاء نفسي (فَعَلَيَّ إِجْرامِي) أي فعلي عقاب اكتسابي للذنب وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) (٣٥) أي من عقاب كسبكم الذنب بإسناد الافتراء إليّ (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) (٣٦) أي فلا تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد انتهى أفعالهم وحان وقت الانتقام منهم (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا) أي اصنع السفينة ملتبسا بإبصارنا لك وتعهدنا بتعليمك كيفية صنعها (وَوَحْيِنا) أي وبأمرنا لك (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي لا تدعني باستدفاع العذاب عنهم ، أو المعنى لا تراجعني في نجاة الذين كفروا : ابنك كنعان وامرأتك واعلة (١) (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (٣٧) أي محكوم عليهم بالإغراق بالطوفان (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أي أقبل نوح يصنعها وجعل يقطع الخشب ، ويضرب الحديد ، ويهيئ القار وكل ما يحتاج إليه في عملها.
وقال ابن عباس : اتخذ نوح السفينة في سنتين فكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا ، وطولها في السماء ثلاثين ذراعا ، وكانت من خشب الساج. وجعل لها ثلاث بطون ،
__________________
(١) ورد في تفسير القرطبي لسورة هود : «وكان اسم امرأة نوح : والهة ، واسم امرأة لوط : والعة ؛ قاله مقاتل. وقال الضحّاك عن عائشة رضياللهعنها : إن جبريل نزل على النبي صلىاللهعليهوسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح : واعلة ، واسم امرأة لوط : والهة». وورد في تفسير الجلالين لسورة هود : «كانت امرأة نوح اسمها : واهلة ... وامرأة لوط واسمها : واعلة».
فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه البطن الأعلى ، وحمل ما يحتاج إليه من الزاد وغيره. (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ) أي طبقة من كبرائهم (سَخِرُوا مِنْهُ) أي كانوا يتضاحكون لعمله السفينة ويقولون : يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجارا ، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدا. وكانوا يقولون : ليس هاهنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون (قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ) (٣٨) اليوم منا. أي إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أي فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب في الدنيا ، ويهينه وهو عذاب الغرق من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) (٣٩) أي وأينا ينزل عليه عذاب النار الدائم في الآخرة (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا الموعود به (وَفارَ التَّنُّورُ) أي نبع الماء من تنور الخبز وارتفع بشدة كما تفور القدر بغليانها.
روي أنه قيل لنوح عليهالسلام : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء أخبرته امرأته فركب وقيل : كان التنور لآدم وكانت حواء تقمر فيه فصار إلى نوح وكان من حجارة وهو في الكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة في المسجد (قُلْنَا احْمِلْ فِيها) أي السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ).
وقرأ حفص «من كل» بالتنوين أي من كل شيء زوجين اثنين كل منهما زوج للآخر. والجمهور على الإضافة أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكرا وأنثى ، ومن الغنم ذكرا وأنثى وهكذا ، وتترك الباقي. والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض فيخرج المضرات والتي تنشأ من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض. (وَأَهْلَكَ) عطف على «زوجين» على قراءة حفص وعلى اثنين على قراءة غيره (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) بأنه من المغرقين بسبب ظلمهم في قوله تعالى : (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود : ٣٧] الآية. والمراد به : ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين فحمل في السفينة زوجته المؤمنة وأولادها الثلاثة مع نسائهم سام وحام ويافث. فسام أبو العرب ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك. (وَمَنْ آمَنَ) عطف على زوجين أو على اثنين أي واحمل من آمن من غير أهلك (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (٤٠).
وعن ابن عباس قال : كان في سفينة نوح ثمانون. إنسانا نصفهم رجال ونصفهم نساء. وقال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها : قرية الثمانين سميت بذلك لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها فسميت بهذا الاسم (وَقالَ) أي نوح عليه الصلاة والسلام لمن معه من المؤمنين (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ) أي اركبوا في السفينة ذاكرين اسم الله (مَجْراها وَمُرْساها) أي
وقت جريها وإرسائها قيل : كان نوح عليهالسلام إذا أراد أن يجريها يقول : بسم الله فتجري وإذا أراد أن يرسيها يقول بسم الله فترسو (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (٤١) أي لو لا مغفرته تعالى ورحمته إياكم لما نجاكم لأنكم لا تنفكون عن أنواع الزلات (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) في عظمه وارتفاعه وذلك يدل على وجود الرياح الشديدة في ذلك الوقت.
قال علماء السير : أرسل الله تعالى المطر أربعين يوما وليلة وخرج الماء من الأرض وارتفع الماء على أعلا جبل وأطوله أربعون ذراعا حتى أغرق كل شيء (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) كنعان قبل سير السفينة (وَكانَ فِي مَعْزِلٍ) أي في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقومه بحيث لم يتناوله الخطاب باركبوا (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا) في السفينة (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) (٤٢) أي في المكان وهو وجه الأرض خارج السفينة لا في الدين لأن نوحا عليهالسلام يحذر ابنه عن الهلكة لا ينهى عن الكفر في ذلك الوقت (قالَ سَآوِي) أي ألتجئ (إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ) لارتفاعه (قالَ) أي نوح : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي عذابه (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) أي إلا الله الراحم والتقدير لا فرار من الله إلا إلى الله. وهذا تأويل في غاية الحسن. وقيل : لا مكان يعصم من عذاب الله إلا مكان من رحمة الله وهو السفينة. وقيل : لا ذا عصمة إلا من رحمهالله (وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أي حال الموج بين نوح وابنه كنعان (فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٤٣) أي فصار كنعان من المهلكين بالطوفان (وَقِيلَ) أي قال الله (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) أي أنشفي ما على وجهك من ماء الطوفان (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) أي أمسكي عن إرسال المطر (وَغِيضَ الْماءُ) أي ونقص ما بين السماء والأرض من الماء (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي أتم الأمر من هلاك قوم نوح (وَاسْتَوَتْ) أي استقرت الفلك (عَلَى الْجُودِيِ) أي على جبل بالجزيرة قريب من الموصل يقال له : الجودي وكان ذلك الجبل منخفضا.
روي أنه عليهالسلام ركب في الفلك في عاشر رجب ، ومرت بالبيت الحرام فطافت به سبعا ونزل عن الفلك عاشر المحرم فصام ذلك اليوم وأمر من معه بصيامه شكر الله تعالى ، وبنوا قرية بقرب ذلك الجبل فسموها قرية الثمانين فهي أول قرية عمّرت على الأرض بعد الطوفان (وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٤٤) أي قال نوح وأصحابه بعدوا بعدا من رحمة الله للقوم المشركين بحيث لا يرجى عودهم وهذا الكلام جار مجرى الدعاء عليهم ، لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي) كنعان (مِنْ أَهْلِي) وقد وعدتني إنجاءهم في ضمن قولك واحمل أهلك (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ) أي إن كل وعد تعده لا يتطرق إليه خلف (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) (٤٥) أي لأنك أعدل الحاكمين وهذا دعاء سيدنا نوح عليهالسلام في غاية التلطف وهو مثل دعاء سيدنا أيوب عليه
السلام أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (قالَ) أي الله تعالى : (يا نُوحُ إِنَّهُ) أي هذا الابن الذي سألتني نجاته (لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) الذي وعدتك أن أنجيهم معك (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) أي لأن هذا الابن ذو عمل غير مرضي.
وقرأ الكسائي ويعقوب «عمل» على صيغة الفعل و «غير» بالنصب أي لأنه عمل عملا غير مرضي وهو الشرك (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي إذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب مني مطلبا لا تعلم يقينا أن حصوله صواب وموافق للحكمة (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٤٦) أي إني أنهاك عن أن تكون من الجاهلين بالسؤال. سمي سؤاله عليهالسلام جهلا لأنّ حب الولد شغله عن تذكر استثناء من سبق عليه القول منهم بالإهلاك (قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) أي أعوذ بك من أن أطلب منك من بعد هذا مطلوبا أعلم أن حصوله مقتضى الحكمة (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) جهلي وإقدامي على سؤال ما ليس لي به علم (وَتَرْحَمْنِي) بقبول توبتي (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٤٧) أعمالا وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح عليهالسلام سوى إقدامه على سؤال ما لم يؤذن له فيه وهذا ليس بذنب ولا معصية وإنما لجأ إلى الله تعالى وسأله المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين (قِيلَ) أي قال الله : (يا نُوحُ اهْبِطْ) أي انزل من السفينة (بِسَلامٍ) أي ملتبسا بأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين (مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) أي خيرات نامية عليك وهذا بشارة من الله تعالى بالسلامة من التهديد وبنيل الحاجات من المأكول والمشروب (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) أي وعلى أمم مؤمنة ناشئة من الذين معك إلى يوم القيامة (وَأُمَمٌ) كافرة متناسلة (مِمَّنْ مَعَكَ) أي وعلى أمم مؤمنة ناشئة من الذين معك إلى القيامة (وَأُمَمٌ) كافرة متناسلة ممن معك (سَنُمَتِّعُهُمْ) مدة في الدنيا (ثُمَ) في الآخرة (يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤٨) فقوله وأمم مبتدأ وجملة قوله سنمتعهم خبر (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) أي تلك التفاصيل التي بيناها من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق (نُوحِيها) أي تلك الأخبار (إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) بطريق التفصيل (مِنْ قَبْلِ هذا) أي من قبل إيحائنا إليك بنزول القرآن (فَاصْبِرْ) على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح على أذى أولئك الكفار (إِنَّ الْعاقِبَةَ) أي آخر الأمر بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة (لِلْمُتَّقِينَ) (٤٩) كما عرفته في نوح وقومه ولك فيه أسوة حسنة (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ) أي ولقد أرسلنا إلى عاد واحدا منهم في النسب نبيهم (هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) بالرفع صفة للمحل وبالجر على قراءة الكسائي صفة للفظ (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) (٥٠) أي كاذبون في قولكم : إن الأصنام تستحق العبادة (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي على إرشادكم إلى التوحيد (أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) أي خلقني (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٥١) أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من بعد التوحيد بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعودوا لمثله (يُرْسِلِ السَّماءَ) أي المطر (عَلَيْكُمْ مِدْراراً) أي كثير السيلان (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) بالمال والولد والشدة
في الأعضاء قيل : حبس الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت نساؤهم ثلاثين سنة ولم تلد (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (٥٢) أي ولا تعرضوا عمّا أدعوكم إليه مصرين على آثامكم (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) أي بمعجزة (وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا) أي بتاركي عبادتها (عَنْ قَوْلِكَ) أي لأجل قولك (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (٥٣) أي بمصدقين بالرسالة (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) أي ما نقول في شأنك إلا قولنا : أصابك بعض آلهتنا بجنون لأنك شتمتها ومنعت عن عبادتها (قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ) على (وَاشْهَدُوا) أنتم على (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (٥٤) (مِنْ دُونِهِ) أي من إشراككم آلهة من دون الله (فَكِيدُونِي جَمِيعاً) أي فاعملوا في هلاكي أنتم وآلهتكم جميعا (ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) (٥٥) أي لا تؤجلوني (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) أي إني فوضت أمري إلى الله مالكي ومالككم (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته وهو منقاد لقضائه وقدره (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٥٦) أي إنه تعالى وإن كان قادرا على عباده لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) أي فإن تعرضوا عن الإيمان والتوبة لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ لأني قد أبلغتكم وصرتم محجوجين من الله تعالى لأنكم أصررتم على التكذيب (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ) أي يخلق ربي بعدكم من هو خير منكم وأطوع وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) أي لا ينقص هلاككم من ملك الله شيئا (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (٥٧) فيحفظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا الدنيوي وهو السموم التي تدخل من أنوفهم وتخرج من أدبارهم فترفعهم في الجو وتصرعهم على الأرض على وجوههم فتتقطع أعضاؤهم (نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) وكانوا أربعة آلاف (بِرَحْمَةٍ) عظيمة كائنة (مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) (٥٨) وهو العذاب الأخروي (وَتِلْكَ) القبيلة (عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي دلالة المعجزات على صدق هود (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) وجمع الرسول مع أنه لم يرسل إليهم غير هود لبيان أن عصيانهم له عليهالسلام عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ) أي مرتفع متمرد (عَنِيدٍ) (٥٩) أي منازع معارض. أي واتبع السفلة أمر رؤسائهم الدعاة إلى الضلال وإلى تكذيب الرسل (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أي جعل الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير مصاحبا لهم وملازما في الدنيا والآخرة (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) أي كفروا بربهم (أَلا بُعْداً لِعادٍ) وهذا دعاء عليهم بالهلاك وتحقيرهم (قَوْمِ هُودٍ) (٦٠) عطف على بيان لعاد وهذه عاد القديمة إرم ذات العماد واحترز به عن عاد الثانية (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) وثمود اسم أبي القبيلة وبين صالح وبينه خمسة أجداد ، وبين صالح وهود مائة سنة وعاش صالح مائتي سنة وثمانين سنة (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) فإن الإنسان مخلوق من المني وهو متولد من الدم ، وهم متولد من الأغذية ، وهي إما حيوانية وإما
نباتية فانتهاء الحيوانية إلى النبات وهو متولد من الأرض فثبت أن الله تعالى أنشأ الإنسان من الأرض (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) أي جعلكم سكان الأرض وصيّركم عامرين لها أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة أعماركم ثم تتركونها لغيركم (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي آمنوا بالله وحده (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ) بالعلم والسمع والرحمة (مُجِيبٌ) (٦١) دعاء المحتاجين بفضله ورحمته (قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) أي قبل نهيك إيانا عن عبادة الأوثان لما كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد فإنك كنت تعطف على فقرائنا ، وتعين ضعفاءنا ، وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأحباب ومن أنصار ديننا فكيف أظهرت العداوة ثم قالوا متعجبين تعجبا شديدا : (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) أي ما عبدوه من الأوثان (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) من التوحيد وترك عبادة الأوثان (مُرِيبٍ) (٦٢) أي موقع في اضطراب القلوب وانتفاء الطمأنينة (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني (إِنْ كُنْتُ) في الحقيقة (عَلى بَيِّنَةٍ) أي بصيرة وبرهان (مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً) أي نبوة (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ) أي من ينجيني من عذابه (إِنْ عَصَيْتُهُ) أي بالمساهلة في تبليغ الرسالة وفي المجاراة معكم (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (٦٣) أي فما تزيدونني بما تقولون غير بصيرة في خسارتكم أي وما زادني قولكم إلا قولي لكم إنكم لخاسرون (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) أي معجزة دالة على صدق نبوتي فإن الله خلقها من الصخرة في جوف الجبل حاملا من غير ذكر على تلك الصورة دفعة واحدة وقد حصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم (فَذَرُوها) أي فاتركوها (تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ) أي ترع نباتها وتشرب ماءها فليس عليكم كلفة في مؤنتها وكانت هي تنفعهم ولا تضرهم لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) أي لا تضربوها ولا تطردوها ، ولا تقربوها بشيء من السوء (فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) (٦٤) أي عاجل لا يتراخى عن مسكم بالسوء إلا يسيرا وهو ثلاثة أيام (فَعَقَرُوها) أي فقتلها قدار بن سالف ومصدع بن زهر وقيل : زينت عقرها لهم عنيزة أم غنم ، وصدقة بنت المختار فضربها قدار بأمرهم في رجليها فأوقعها ، فذبحوها وقسموا لحمها على ألف وخمسمائة دار. (فَقالَ) لهم صالح بعد قتلهم لها : (تَمَتَّعُوا) أي عيشوا (فِي دارِكُمْ) أي في بلادكم (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) من العقر الأربعاء والخميس والجمعة ، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع يوم السبت وإنما أقاموا ثلاثة أيام ، لأن الفصيل رغى ثلاثة وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها ، ولما عقروا الناقة أنذرهم صالح بنزول العذاب ورغبهم في الإيمان فقالوا : يا صالح وما علامة العذاب؟ فقال : تصير وجوهكم في اليوم الأول : مصفرة ، وفي الثاني : محمرة ، وفي الثالث : مسودة ، وفي الرابع : يأتيكم العذاب صبيحته (ذلِكَ) أي نزول العذاب عقب ثلاثة أيام (وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (٦٥) (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا (نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أي ونجينا صالحا والذين آمنوا معه من العذاب النازل بقومه الكافرين ومن
الخزي الذي لزمهم وبقي العيب منسوبا إليهم ، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله.
وقرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون هنا ، وفي المعارج «يومئذ» بفتح الميم لإضافة «يوم» إلى «إذ» ، وهو مبني فيكون مبنيا. والباقون بكسر الميم فيهما لإضافة «يوم» إلى الجملة من المبتدأ والخبر ، فلما قطع المضاف إليه عن «إذ» نوّن ليدل التنوين على ذلك ، ثم كسرت الذال لسكونها وسكون التنوين ولم يلزم من إضافة يوم إلى المبني أن يكون مبنيا لأن هذه الإضافة غير لازمة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (٦٦) فإنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه وهذا التمييز لا يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذابا ، وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحانا. (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) مع الزلزلة أي صيحة جبريل فقد صاح عليهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ، وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم ، فماتوا جميعا (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) (٦٧) ميتين لا يتحركون ولا يضطربون عند ابتداء نزول العذاب ساقطين على وجوههم (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) أي كأنهم لم يقيموا في بلادهم فإنهم صاروا رمادا (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) (٦٨) قوم صالح من رحمة الله (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ) من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل (بِالْبُشْرى) أي متلبسين بالبشارة له بالولد من سارة (قالُوا سَلاماً) أي سلمنا عليك سلاما (قالَ سَلامٌ) أي قال إبراهيم : أمري سلام أي لست مريدا غير السلامة.
وقرأ حمزة والكسائي هنا «وفي الذاريات» بكسر السين وسكون اللام (فَما لَبِثَ) أي إبراهيم (أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ) أي في المجيء بولد بقرة (حَنِيذٍ) (٦٩) أي مشوي على حجارة محماة في حفرة في الأرض فوضعه بين أيديهم (فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ) أي العجل (نَكِرَهُمْ) أي أنكرهم (وَأَوْجَسَ) أي أدرك (مِنْهُمْ خِيفَةً) وظن أنهم لصوص حيث لم يأكلوا من طعامه فلما علموا خوفه (قالُوا لا تَخَفْ) منا يا إبراهيم (إِنَّا أُرْسِلْنا) بالعذاب (إِلى قَوْمِ لُوطٍ) (٧٠) وهو ابن هاران أخي إبراهيم (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) تخدم الأضياف وتسمع مقالتهم وإبراهيم عليهالسلام جالس معهم (فَضَحِكَتْ) أي ففرحت سارة بزوال الخوف عنها وعن إبراهيم وبحصول البشارة بحصول الولد ، وبهلاك أهل الفساد.
وقال مجاهد وعكرمة : أي حاضت سارة عند فرحها بالسلامة من الخوف فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ) على ألسنة رسلنا وإنما نسبت البشارة لسارة دون سيدنا إبراهيم عليهالسلام ، لأنها كانت أشوق إلى الولد منه لأنها كانت لم يأتها ولد قط بخلافه فقد أتاه
إسماعيل قبل إسحاق بثلاث عشرة سنة (وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) قرأه ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب ، أي ووهبنا يعقوب من بعد إسحاق. والباقون بالرفع على الابتداء. أي ومن بعد إسحاق يعقوب مولود. (قالَتْ يا وَيْلَتى) هي كلمة تقال للتعجب عند أمر عظيم. أي يا ذلي احضر فهذا أوان حضورك (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) بنت ثمان وتسعين سنة (وَهذا بَعْلِي) أي زوجي (شَيْخاً) ابن مائة وعشرين سنة (إِنَّ هذا) أي حصول الولد من هرمين مثلنا (لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (٧٢) بالنسبة إلى سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده ومقصودها استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعاد قدرته تعالى على ذلك (قالُوا) أي الملائكة لسارة : (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي من قدرة الله (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) أي يا أهل بيت إبراهيم ، أي رحمة الله الواسعة لكل شيء وخيراته الفائضة منه بواسطة تلك الرحمة لازمة لكم لا تفارقكم ، فإذا رأيتم أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية فكيف يليق به التعجب (إِنَّهُ حَمِيدٌ) أي فاعل ما يستوجب الحمد وموصل العبد المطيع إلى مراده (مَجِيدٌ) (٧٣) أي كريم لا يمنع الطالب عن مطلوبه (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) (٧٤) أي فلما زال عن إبراهيم الخوف وحصل له السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد جادل رسلنا في شأن قوم لوط حيث قال للملائكة حين قالوا : إنا مهلكوا أهل هذه القرية : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا : لا. قال : فأربعون؟ قالوا : لا. قال : فثلاثون؟ قالوا : لا ، حتى بلغ العشرة قالوا : لا. قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : إن فيها لوطا. قالوا : نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ) أي غير عجول على لمن أساء إليه فلذلك طلب تأخير العذاب عنهم رجاء إقدامهم على الإيمان والتوبة عن المعاصي (أَوَّاهٌ) أي كثير التضرع إلى الله عند وصول الشدائد إلى الغير (مُنِيبٌ) (٧٥) أي رجاع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم قالت الملائكة لإبراهيم : (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي اترك هذا الجدال (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) بإيصال هذا العذاب إليهم (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (٧٦) أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع بجدال ولا دعاء ولا غيرهما (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا) أي هؤلاء الملائكة (لُوطاً سِيءَ بِهِمْ) أي حزن بسببهم (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أي صدرا لأنهم انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط عليهماالسلام ودخلوا عليه في صور شبان مرد حسان الوجوه ، فخاف أن يقصدهم قومه وأن يعجز عن مدافعتهم وبين القريتين أربع فراسخ (وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (٧٧) أي شديد علي ، فلما دخلت الملائكة دار لوط عليهالسلام ولم يعلم بذلك أحد خرجت امرأته الكافرة فأخبرت قومها وقالت : دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوها ولا أنظف ثيابا ، ولا أطيب رائحة منهم. (وَجاءَهُ) أي لوطا وهو في بيته مع أضيافه (قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) أي يسوق بعضهم بعضا (إِلَيْهِ) لطلب الفاحشة من أضيافه (وَمِنْ قَبْلُ) أي والحال من قبل مجيء هؤلاء الملائكة إلى لوط (كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) وهي إتيان الرجال في
أدبارهم أي فهم معتادون لذلك فلا حياء عندهم. (قالَ) أي لوط : (يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) أي فتزوجوهن. والمراد بالجمع ما فوق الواحد لما صحت الرواية أن لسيدنا لوط عليهالسلام بنتين فقط وهما زنتا وزعوراء.
وقال السدي : اسم الكبرى ريا ، والصغرى رغوثا وكان في ملته يجوز تزوج الكافر بالمسلمة ، أو قال ذلك على سبيل الدفع لا على سبيل التحقيق وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم ، لا لعدم جواز تزويج المسلمات من الكفار (فَاتَّقُوا اللهَ) بترك الفواحش (وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) أي لا تخجلوني في أضيافي لأن مضيف الضيف يلزمه الخجل من كل فعل قبيح يصل إلى الضيف (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) يهتدي إلى الحق ويرعوي عن الباطل ، ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. (قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ) يا لوط (ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ) أي شهوة أي إنك قد علمت أن لا سبيل إلى المناكحة بيننا وبينك (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) (٧٩) من إتيان الذكران (قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (٨٠) أي لو قويت على دفعكم بنفسي أو رجعت إلى عشيرة قوية لبالغت في دفعكم. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن من قومه نسب بل كان غريبا فيهم لأنه كان أولا بالعراق مع إبراهيم فلما هاجرا إلى الشام أرسله الله تعالى إلى أهل سذوم ـ وهي قرية عند حمص ـ أو المعنى لو قويت على الدفع لدفعتكم بل أعتصم بعناية الله تعالى (قالُوا) أي هؤلاء الملائكة : (يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) بضرر فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب ودخلوا فضرب جبريل عليهالسلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم فخرجوا وهم يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما سحرة (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) أي فاخرج مع أهلك في نصف الليل لتستبقوا العذاب الذي موعده الصبح (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع أي لا يتأخر منكم أحد إلا امرأتك واعلة المنافقة. والباقون بالنصب. والمعنى لا ينظر أحد إلى ورائه منك ومن أهلك إلا امرأتك وإنما نهوا عن الالتفات ليسرعوا في السير فإن من يلتفت إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفة وهذه القراءة تقتضي كون لوط غير مأمور بالإسراء بها وقراءة الرفع تقتضي كونه مأمورا بذلك (إِنَّهُ مُصِيبُها) أي امرأتك (ما أَصابَهُمْ) من العذاب (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) أي إن وقت عذابهم وهلاكهم الصبح لأنه وقت الراحة فحلول العذاب حينئذ أفظع وهذا تعليل للنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (٨١) وهذا تأكيد للتعليل فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواضع العذاب (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي وقت عذابنا وهو الصبح (جَعَلْنا عالِيَها) أي عالي قرى قوم لوط وهي خمس مدائن فيها أربعمائة ألف ألف (سافِلَها).
روي أن جبريل عليهالسلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار ، ونباح الكلاب ، وصياح الديوك ولم تنكفئ لهم جرة ولم ينكب لهم إناء ، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها) أي على أهل تلك القرى الخارجين عنها في الأسفار وغيرها (حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) أي من طين متحجر (مَنْضُودٍ) (٨٢) أي كان بعض الحجارة فوق بعض في النزول (مُسَوَّمَةً) أي مخططة بالسواد والحمرة والبياض. أي كان عليها علامة تتميز بها عن حجارة الأرض (عِنْدَ رَبِّكَ) أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (٨٣) أي ما هذه الحجارة من كل ظالم ببعيد فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها أي فإن الظالمين حقيق بأن تمطر عليهم (وَإِلى مَدْيَنَ) أي وأرسلنا إلى أولاد مدين بن إبراهيم عليهالسلام (أَخاهُمْ) في النسب (شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده ولا تشركوا به شيئا (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) أي لا تنقصوا حقوق الناس بالكيل والوزن (إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أي ملتبسين بسعة تغنيكم عن النقص (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) إن لم توفوا بالكيل والوزن (عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) (٨٤) أي يحيط بكم ولا ينفلت منكم أحد (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) أي أتموهما (بِالْقِسْطِ) أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ) بسبب عدم اعتدالهما (أَشْياءَهُمْ) أي أموالهم التي يشترونها بهما (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٨٥) أي ولا تعلموا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة إفساد مصالح أنفسكم (بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق التطفيف (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي مصدقين لي في مقالتي لكم.
وقرئ «تقية الله» بالفوقية أي تقواه تعالى عن المعاصي. (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (٨٦) أي أحفظكم من القبائح ولست بحافظ عليكم نعم الله إذ لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت النعم عنكم (قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) وقوله : (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ) معطوف على «ما يعبد» ، و «أو» بمعنى الواو. والمعنى هلا صلاتك تأمرك بتكليفك إيانا ترك عبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان ، وترك فعلنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص.
روي أن شعيبا كان كثير الصلاة في الليل والنهار ، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (٨٧) أي كنت عندنا مشهورا بأنك حليم رشيد فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي علم وهداية ودين ونبوة (وَرَزَقَنِي مِنْهُ) أي من عنده بإعانته بلا كد مني
(رِزْقاً حَسَناً) أي مالا حلالا. فهل يجوز لي مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه ، وأن أخالفه في أمره ونهيه؟ وهذا الجواب مطابق لقولهم لسيدنا شعيب إنك لأنت الحليم الرشيد فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا؟ فكأن شعيبا قال : إن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره! ومعنى الآية على هذا الوجه يا قوم أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالا حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره وأوافقكم فيما تأتون وما تذرون (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أي ليس مرادي أن أمنعكم عن التطفيف وأن أفعله (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي مدة استطاعتي للإصلاح لا أقصر فيه. والمعنى أنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الخصومة حتى إنكم أقررتم بأني حليم رشيد فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس ، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلاح بقدر طاقتي وذلك هو الإبلاغ والإنذار. (وَما تَوْفِيقِي) أي ما قدرتي على تنفيذ كل الأعمال الصالحة (إِلَّا بِاللهِ) أي إلا بمعونته وهدايته (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي عليه تعالى اعتمدت في جميع أموري (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (٨٨) أي عليه أقبل (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي) أي لا تكسبنكم معاداتكم لي (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) من الغرق (أَوْ قَوْمَ هُودٍ) من الريح العقيم (أَوْ قَوْمَ صالِحٍ) من الصيحة والرجفة (وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) (٨٩) أي وما خبر إهلاك قوم لوط بالخسف منكم ببعيد فإن لم تعتبروا بمن قبلكم من الأمم المعدودة فاعتبروا بهم فإن بلادهم قريبة من مدين وإهلاكهم أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) عن عبادة الأوثان (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) عن النجس (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ) أي عظيم الرحمة للتائبين (وَدُودٌ) (٩٠) أي محب لهم (قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) أي ما نفهم مرادك وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا إلى محاورته سبيلا سوى المنع عن طريق الحق كما هو ديدن المفحم المحجوج (وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا) أي فيما بيننا (ضَعِيفاً) أي لا تقدر على منع القوم عن نفسك إن أرادوا بك سوءا (وَلَوْ لا رَهْطُكَ) أي لو لا حرمة قومك عندنا بسبب كونهم على ملتنا (لَرَجَمْناكَ) أي لقتلناك بالحجارة أو لشتمناك وطردناك (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) (٩١) أي معظم فيسهل علينا قتلك وإيذاؤك وإنما نمتنع من ذلك لرعاية حرمة عشيرتك لموافقتهم لنا في الدين لا لقوة شوكتهم. (قالَ) لهم : (يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ) والمعنى حفظكم إياي رعاية الأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي فالله تعالى أولى أن يتبع أمره (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي جعلتم الله شيئا منبوذا خلف ظهرك منسيا لا يعبأ به (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) من الأعمال السيئة (مُحِيطٌ) (٩٢) أي عالم فلا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم عليها (وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) أي على غاية استطاعتكم من إيصال الشرور إلى (إِنِّي عامِلٌ) بقدر ما آتاني الله
تعالى من القدرة (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) أي سوف تعرفون الشقي الذي يأتيه عذاب يهلكه والذي هو كاذب في ادعاء القوة والقدرة على رجم شعيب عليهالسلام وفي نسبته إلى الضعف (وَارْتَقِبُوا) أي انتظروا عاقبة ما أقول (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (٩٣) أي منتظر (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أي عذابنا (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) من ذلك العذاب (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) أي بسبب مرحمة كائنة منا لهم (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أي صيحة جبريل والزلزلة أيضا فأهلكوا بهما (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) (٩٤) أي ميتين ملازمين لأماكنهم (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) أي كأنهم لم يقيموا في ديارهم أحياء مترددين (أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ) أي هلاكا لقوم شعيب (كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) (٩٥) أي كما هلكت قوم صالح أي فإنهما أهلكا بنوع من العذاب وهو الصيحة إلا أن هؤلاء صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وهذا في أهل قرية شعيب وأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة وهو نار نزلت من السماء أحرقتهم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) (٩٦) أي ولقد أرسلنا موسى بالتوراة مع ما فيها من الأحكام وأيدناه بمعجزات قاهرة دالة على صدق نبوته ورسالته (إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) أي جماعته (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أي أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (٩٧) أي بمرشد إلى خير فإنه كان دهريا نافيا للصانع والمعاد ، وكان يقول : لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية لمصلحة العالم (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) أي يقود قومه جميعا ، (يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أي إن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال وفي دخول البحر والغرق في الدنيا ، فكذلك يتقدمهم يوم القيامة في دخول النار والحرق (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (٩٨) أي بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد ، إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك (وَأُتْبِعُوا) أي الملأ الذين تبعوا أمر فرعون (فِي هذِهِ) أي في الدنيا (لَعْنَةً) من الأمم بعدهم إلى يوم القيامة (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أيضا من أهل الموقف قاطبة (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (٩٩) أي بئس العون المعان عونهم ، أي بئس اللعنة الأولى المعان باللعنة الثانية عونهم وهي اللعنة في الدارين ، وسميت اللعنة عونا لأنها إذا تبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن رحمة الله وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال وسميت رفدا أي عونا لهذا المعنى على التهكم وسميت معانا لأنها أرفدت في الآخرة بلعنة أخرى ليكونا هاديين إلى طريق الجحيم (وَالْعادِياتِ) أي الذي ذكرناه في هذه السورة من القصص السبعة (مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) أي ذلك بعض أخبار القرى المهلكة بجناية أهلها مقصوص عليك لتخبر به قومك لعلهم يعتبرون وإلا فينزل بهم مثل ما نزل بالقرى المهلكة (مِنْها) أي القرى (قائِمٌ) أي أثر باق (وَ) منها (حَصِيدٌ) (١٠٠) أي ذاهب الأثر فشبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما محي منها بالزرع المحصود (وَما ظَلَمْناهُمْ) بالعذاب والإهلاك (وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والمعصية (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي فما نفعتهم أصنامهم الذين يعبدونها في شيء
ألبتة ، ولا دفعت شيئا من عذاب الله عنهم حين جاءهم (وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (١٠١) أي وما زادت الأصنام عابديها غير إهلاك فإن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ، ثم زال عنهم بسبب ذلك الاعتقاد منافع الدنيا والآخرة ، وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران.
وقرئ «آلهتهم اللاتي» بالجمع ، و «يدعون» بالبناء للمجهول (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) وقرأ عاصم والجحدري «إذ أخذ» بألف واحدة. (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أي ومثل ذلك الأخذ المذكور أخذ ربك أهل القرى إذا أخذهم وهم ظالمون أنفسهم بالكفر أي إن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (١٠٢) أي وجيع صعب على المأخوذ لا يرجى منه الخلاص (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي القصص السبعة (لَآيَةً) أي لموعظة (لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) فينتفع بسماع هذه القصص ويعلم أن القادر على إنزال عذاب الدنيا قادر على إنزال عذاب الآخرة فإن في هذه القصص عذاب الدارين وقد حصل عذاب الدنيا (ذلِكَ) أي يوم الآخرة (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) أي يجمع في ذلك اليوم الأولون والآخرون للمحاسبة والجزاء (وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (١٠٣) أي يحضر فيه أهل السماء وأهل الأرض (وَما نُؤَخِّرُهُ) أي ذلك اليوم (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) (١٠٤) أي إلا لأجل انقضاء وقت محدود وهو مدة الدنيا (يَوْمَ يَأْتِ) أي حين يأتي ذلك اليوم المؤخر (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي الله تعالى في التكلم فالمأذون في الكلام هو الجوابات الصحيحة والممنوع عنه هو ذكر الأعذار الباطلة (فَمِنْهُمْ) أي من أهل الموقف (شَقِيٌ) أي من مات على الكفر وإن تقدم منه إيمان (وَسَعِيدٌ) (١٠٥) أي من مات على الإيمان وإن تقدم منه كفر. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) أي فمستقرون فيها (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) أي صوت شديد (وَشَهِيقٌ) (١٠٦) أي صوت ضعيف (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) وإلا في المعنى بمعنى واو العطف ، والاستثناء منقطع بقدر بلكن أو بسوى. فالمعنى دائمين في النار مثل دوام السموات والأرض منذ خلقت إلى أن تفنى ، وزيادة على هذه المدة وهي ما شاء مما لا نهاية له (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (١٠٧) من غير اعتراض (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) أي مثل دوام السموات والأرض منذ خلقتا سوى ما شاء ربك زائدا على ذلك وهو لا منتهى له (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (١٠٨) أي غير مقطوع وعطاء نصب على المصدرية أي يعطيهم عطاء وهذا ظاهر في أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة وما ذكر من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبدا هو ما دلت عليه الآيات والأخبار ، وأطبق عليه جمهور الأمة سلفا وخلفا ولا ظلم على الله في ذلك لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا فعوقب دائما فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «سعدوا» بضم السين. والباقون بفتحها. (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) أي فلا تك يا أشرف الخلق في شك من حال ما يعبد كفار قريش من الأوثان في أنها لا تنفع لهم (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) أي ليس لهم في عبادة الأصنام مستند إلا تقليد آبائهم فإنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) (١٠٩) أي إنا معطو هؤلاء الكفرة ما يخصهم من العذاب ونصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية تاما كما أعطينا آباءهم أنصباءهم من ذلك (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) أي التوراة (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) أي في شأنه. فآمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف قومك في القرآن فلا تحزن فإن ما وقع لك وقع لمن قبلك. (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي لو لا الحكم الأزلي بتأخير العذاب عن أمتك إلى يوم القيامة لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك بإنزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين (وَإِنَّهُمْ) أي وإن كفار قومك (لَفِي شَكٍ) عظيم (مِنْهُ) أي القرآن (مُرِيبٍ) (١١٠) أي ظاهر الشك أو موقع في الشك (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم «إن» و «لما» مخففتين ، وأبو عمرو والكسائي شددا «إن» وخففا «لما» ، وحمزة وابن عامر وحفص شددوهما ، أي وإن كل المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين والله لفريق يوفيهم ربك أجزية أعمالهم ، أو المعنى وإن جميعهم والله (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) الآية. قالوا : وأحسن ما قيل إن أصل لما لمّا بالتنوين بمعنى جميعا (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (١١١) أي إن ربك بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر عالم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده وإن دقت (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) أي مثل الاستقامة التي أمرت في العقائد والأعمال والأخلاق فإن الاستقامة في العقائد اجتناب التشبيه والتعطيل ، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط وهذا في غاية العسر وعن بعضهم قال : رأيت النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في النوم فقلت له : روي عنك أنك قلت : شيبتني هود وأخواتها ، فقال : «نعم» فقلت : وبأي آية؟ فقال بقوله تعالى : «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» (١). (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) من الكفر وشاركك في الإيمان فـ «من» منصوب على أنه مفعول معه أو مرفوع عطف على الضمير في أمرت (وَلا تَطْغَوْا) أي لا تتحرفوا عمّا حد لكم بإفراط أو تفريط فإن كلّا طرفي قصد الأمور ذميم (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (١١٢) فيجازيكم على ذلك (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي ولا تميلوا أدنى ميل إلى الذين وجد منهم الظلم (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) أي فتصيبكم بسبب ذلك (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ) أي من أنصار ينقذونكم من النار (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (١١٣) من جهة الله تعالى.
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٥٦.
قال المحققون : الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم ومشاركتكم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ) أي غدوة وعشية فالصبح في الغدوة والظهر والعصر في العشية (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) أي ساعات منه قريبة من النهار وهي المغرب والعشاء (إِنَّ الْحَسَناتِ) كالصلوات الخمس (يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) أي يكفرنها وفي الحديث : «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» (١).
روي أن أبا اليسر بن عمرو الأنصاري قال : أتتني امرأة تشتري تمرا فقلت لها : إن في البيت تمرا أطيب من هذا. فدخلت معي البيت ، فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك ، وتب ولا تخبر أحدا. فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك ، وتب ولا تخبر أحدا. فلم أصبر حتى أتيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكرت ذلك له فقال لي : «أ خنت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا» وأطرق رسول الله صلىاللهعليهوسلم طويلا حتى نزلت هذه الآية فقرأها علي فقال : «نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت» (٢). (ذلِكَ) أي القرآن (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) (١١٤) أي عظة للمتعظين أو ذلك الحسنات كفارات لذنوب التائبين. (وَاصْبِرْ) يا أشرف الخلق على مشاق ما أمرت به (فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (١١٥) أي إن الله يوفي الصابرين أجور أعمالهم من غير بخس أصلا (فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) والمراد بالتخصيص النفي أي فما كان من القرون الماضية المهلكة بالعذاب جماعة أصحاب جودة في العقل ، وفضل ينهون عن الفساد إلا قليلا وهم من أنجيناهم من العذاب نهوا عن الفساد (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أي واتبع الذين تركوا النهي عن المنكرات ما أنعموا من الشهوات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وأعرضوا عما وراء ذلك (وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (١١٦) أي كافرين فإن سبب استئصال الأمم المهلكة فشو الظلم وشيوع ترك النهي عن المنكرات مع الكفر (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) (١١٧) أي لا يهلك ربك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ، إذا كانوا مصلحين في المعاملات بينهم ، أي إن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك بل إنما ينزل ذلك إذا أساءوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء للناس ، وظلم الخلق لفرط مسامحته تعالى في حقوقه ولذلك تقدم حقوق العباد على حقوقه تعالى عند تزاحم الحقوق (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) أي أهل ملة
__________________
(١) رواه ابن حجر في فتح الباري (٨ : ٣٥٧).
(٢) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ١١.
واحدة وهي الإسلام بحيث لا يختلف فيه أحد ولكن لم يشأ ذلك (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (١١٨) (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أي ولا يزالون مخالفين لدين الحق إلا قوما قد هداهم الله تعالى بفضله إليه فلم يخالفوه (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) أي وللمذكور من الاختلاف والرحمة خلق الناس كافة فإن الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين ، ومصيرهم النار. وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين ومصيرهم الجنة. (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي ثبت قول ربك (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (١١٩) أي من كفارهما أجمعين (وَكُلًّا) أي كل نبأ (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) أي من أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم (ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) أي ما نقوي به قلبك لتصير على أذى قومك وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك (وَجاءَكَ فِي هذِهِ) الأنباء المقصوصة عليك (الْحَقُ) أي البراهين الدالة على التوحيد والنوبة (وَمَوْعِظَةٌ) أي تنفير عن الدنيا (وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (١٢٠) أي إرشاد لهم إلى الأعمال الصالحة (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بهذا الحق (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) أي ثابتين على حالتكم وهي الكفر (إِنَّا عامِلُونَ) (١٢١) على حالتنا وهي الإيمان. أو المعنى افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر فنحن عاملون على قدرتنا. والمراد بهذا الأمر : التهديد (وَانْتَظِرُوا) ما يعدكم الشيطان به من الخذلان (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (١٢٢) ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فإن علمه تعالى نافذ في جميع الكليات والجزئيات والحاضرات والغائبات عن العباد (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) أي أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة (فَاعْبُدْهُ) أي فاشتغل بالعبادات الجسدانية والروحانية أما العبادات الجسدانية فأفضل الحركات الصلاة وأكمل السكنات الصيام وأنفع البر الصدقة وأما العبادات الروحانية فهي الفكر والتأمل في عجائب صنع الله في ملكوت السموات والأرض (وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) أي ثق به تعالى في جميع أمورك فإنه كافيك (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٢٣).
وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ، أي فإنه تعالى لا يضيع طاعات المطيعين ، ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين ، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقمطير ، ويعاتبوا في الصغير والكبير ، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في السعير.
سورة يوسف
مكية ، مائة وإحدى عشرة آية ، ألف وسبعمائة وخمس
وتسعون كلمة ، سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة أحرف
بسم الله الرحمن الرحيم
وعن ابن عباس أنه قال : سألت اليهود النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : حدثنا عن أمر يعقوب وولده ، وشأن يوسف. فنزلت هذه السورة (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (١) أي تلك الآيات التي نزلت إليك في هذه السورة المسماة (الر) هي آيات الكتاب المبين وهو القرآن الذي بين الهدى وقصص الأولين (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) أي هذا الكتاب الذي فيه قصه يوسف في حال كونه (قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) أي لكي تفهموا معانيه في أمر الدين فتعلموا أن قصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) أي بسبب إيحائنا إليك يا أكرم الرسل هذه السورة لما فيه من العبر من أنه لا مانع من قدرة الله تعالى ، وأن الحسد سبب للخذلان ، وأن الصبر مفتاح الفرج (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ) أي وإنه أي الشأن كنت من قبل إيحائنا إليك هذه السورة (لَمِنَ الْغافِلِينَ) (٣) عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط (إِذْ قالَ يُوسُفُ) منصوب بقال : يا بني ، أي قال يعقوب : يا بني وقت قول يوسف له : كيت وكيت أو بدل من أحسن القصص بدل اشتمال (لِأَبِيهِ) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام (يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ) في منام النهار (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (٤). قال وهب : رأى يوسف عليهالسلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها ، فذكر ذلك لأبيه فقال : إياك أن تذكر هذا لإخوتك ، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال : لا تذكرها لهم فيبغوا لك الغوائل.
روي عن جابر رضياللهعنه أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف عليهالسلام ، فسكت النبي صلىاللهعليهوسلم ، فنزل جبريل عليهالسلام فأخبره بذلك فقال صلىاللهعليهوسلم لليهودي : «إذا أخبرتك بذلك هل تسلم» فقال : نعم ، قال : «جريان ، والطارق ،
والذيال ، وقابس ، وعمودان ، والفليق ، والمصبح ، والضروخ ، والفرغ ، ووثاب ، وذو الكتفين رآها يوسف عليهالسلام ، والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» (١) فقال اليهودي : إي والله إنها لأسماؤها ، (قالَ) أي يعقوب ليوسف في السر (يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً) أي فيفعلوا لأجل هلاكك كيدا خفيا عن فهمك لا تتصدى لمدافعته (إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ) أي لنبي آدم (عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٥) أي ظاهر العداوة فلا يقصر في إضلال إخوتك وحملهم على الحسد وما لا خير فيه كما فعل بآدم وحواء ، وإخوة يوسف الذين يخشى غوائلهم ، الأحد عشر هم يهوذا وروبيل وشمعون ، ولاوى ، وربالون ، ويشجر ، ودينة فهؤلاء بنو يعقوب من ليا بنت خالته ، ودان ونفتالى ، وجاد وآشر فهؤلاء بنوه من سريتين زلفة وبلهة ، وأما بنيامين فهو شقيق يوسف وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب بعد وفاة أختها ليا ، (وَكَذلِكَ) أي كما اجتباك لهذه الرؤية الدالة على كبر شأنك (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) للنبوة (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) أي تعبير الرؤيا إذ هي أحاديث الملك إن كانت صادقة ، وأحاديث النفس والشيطان إن كانت كاذبة ، (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) بسعادات الدنيا والآخرة ، أما سعادات الدنيا : فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه ، والإجلال في قلوب الخلق وحسن الثناء ، وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى (وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) أي أولاده (كَما أَتَمَّها) أي نعمته (عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هذا الوقت (إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) عطف بيان لأبويك (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٦) فالله أعلم حيث يجعل رسالته ومقدس عن العبث فلا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وهذا يقتضي حصول النبوة لأولاد يعقوب ، وأيضا إن رؤية يوسف إخوته كواكب دليل على مصير أمرهم إلى النبوة ، فإن الكواكب يهتدى بأنوارها. وكانت تأويلها بأحد عشر نفسا لهم فضل يستضيء بعلمهم ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب. وأما ما وقع منهم في حق يوسف فهو قبل النبوة ، فالعصمة من المعاصي إنما تعتبر وقت النبوة لا قبلها على خلاف في ذلك. (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) أي في قصتهم (آياتٌ) أي عبرات (لِلسَّائِلِينَ) (٧) أي لكل من سأل عن قصتهم وعرفها أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم المنتفعون بها دون من عداهم (إِذْ قالُوا) أي بعض العشرة لبعضهم (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ) الشقيق بنيامين بكسر الباء وفتحها (أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي والحال أنّا جماعة قائمون بدفع المفاسد والآفات مشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات ، وقائمون بمصالح الأب فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بذلك وبكوننا أكبر سنا. ونقل عن علي رضياللهعنه أنه قرأ و «نحن عصبة» بالنصب. (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ) عن رعاية المصالح في الدنيا
__________________
(١) رواه الطبري في التفسير (١٢ : ٩٠).
(مُبِينٍ) (٨) أي ظاهر الحال وإنما خصص على يوسف أبوه بالبر لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد ، ولأنه وإن كان صغيرا كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى مما كان يصدر عن سائر الأولاد.
قال شمعون : ودان والباقون كانوا راضين إلا من قال : لا تقتلوا إلخ. (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً) يحصل اليأس من اجتماعه مع أبيه (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) أي يقبل عليكم أبوكم بكليته ولا يلتفت إلى غيركم (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد يوسف من قتله أو تغريبه في أرض بعيدة (قَوْماً صالِحِينَ) (٩) أي تائبين إلى الله تعالى من الكبائر ومتفرقين لإصلاح أمور دنياكم وصالحين مع أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) أي من إخوة يوسف هو يهوذا فإنه أقدمهم في الرأي والفضل وأقربهم إلى يوسف سنا (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ).
وقال قتادة : القائل لإخوته روبيل حتى قال : القتل كبيرة عظيمة (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ) أي في قعره.
وقرأ نافع «غيابات» بالجمع في الموضعين. قال قتادة : الجب هنا هو بئر بيت المقدس. وقال وهب : هو في أرض الأردن. وقال ابن زيد : هو بحيرة طبرية. (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي يرفعه بعض طائفة تسير في الأرض (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (١٠) بمشورتي ولم يقطع القول عليهم بل إنما عرض عليهم ذلك تأليفا لقلبهم وحذرا من نسبتهم له إلى الافتيات أو إن كنتم فاعلين ما عزمتم عليه من إزالته من عند أبيه ولا بد فافعلوا هذا القدر أي إلقاءه في البئر. والأولى أن لا تفعلوا شيئا من القتل والتغريب. (قالُوا) لأبيهم إعمالا للحيلة في الوصول إلى مقاصدهم مستفهمين على وجه التعجب لأنه علم منهم السوء ، وهذا مبني على مقدمات محذوفة ، وذلك أنهم قالوا أولا ليوسف : اخرج معنا ، إلى الصحراء إلى مواشينا فنستبق ونصيد ، وقالوا له : سل أباك أن يرسلك معنا ، فسأله فتوقف يعقوب فقالوا له : (يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ) أي أيّ شيء ثبت لك لا تجعلنا أمناء عليه مع أنه أخونا وأنك أبونا ونحن بنوك (وَ) الحال (وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) (١١) أي لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه ، أي هم أظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف وفي غاية الشفقة عليه (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً) إلى الصحراء (يَرْتَعْ) أي نتسع في أكل الفواكه ونحوها (وَيَلْعَبْ) بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء ، وبالإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر لا للهو.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة ، والكسائي بمثناة تحتية على إسناد الفعل ليوسف لأنهم سألوا إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا به (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (١٢) من أن يناله مكروه (قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) أي ليؤلم قلبي ذهابكم به لأني لا أصبر عنه ساعة (وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) لكثرة الذئب في تلك الأرض. (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) (١٣) لاشتغالكم بالاتساع
في الملاذ وبنحو التناضل (قالُوا) : لأبيهم. (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي جماعة كثيرة عشرة تكفي الخطوب بآرائنا (إِنَّا إِذاً) أي إذا لم نقدر على حفظ أخينا (لَخاسِرُونَ) (١٤) أي لقوم عاجزون وهذا جواب عن عذر يعقوب الثاني وأما عذره الأول فلم يجيبوا عنه لكون غرضهم إيقاعه في الحزن ، ولكون حقدهم بسبب ذلك العذر وهو شدة حبه له فتغافلوا عنه (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ) أي فأرسله معهم فلما ذهبوا به وعزموا على جعله في ظلمة البئر فجعلوه فيها.
قال السدي : إن يوسف عليهالسلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة وجعل هذا الأخ يضر به فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيما ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول : يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك لأباك فقال يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه. فانطلقوا به إلى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا قميصه وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب. فقال لهم : ردوا علي قميصي لأتوارى به. فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا لتؤنسك ، ثم دلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت ، وكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي ، فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فقام يهوذا فمنعهم من ذلك ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال.
وروي أنه عليهالسلام لما ألقي في الجب قال : يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ، ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا.
وروي أن إبراهيم عليهالسلام لما ألقي في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل عليهالسلام بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق ، ودفعه إسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف ، فجاءه جبريل فأخرجه من التميمة وألبسه إياه.
وروي أن جبريل قال له : إذا رهبت شيئا فقل : يا صريخ المستصرخين ويا غوث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري. فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في الجب. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) في الجب إزالة لوحشته عن قلبه ، وتبشيرا له بما يؤول إليه أمره. وكان ابن سبع عشرة سنة. (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) أي لتخبرن يا يوسف إخوتك بصنيعهم هذا بك بعد هذا اليوم (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (١٥) في ذلك الوقت أنك يوسف حتى تخبرهم لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامك. والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصيرون تحت قهره وقدرته. (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) (١٦) أي لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء في ظلمة الليل متباكين.
وقرئ «عشيا» بالتصغير «لعشي» أي آخر النهار. وقرئ «عشى» بالضم والقصر جمع
أعشى فعند ذلك فزع يعقوب. وقال هل أصابكم في غنمكم شيء قالوا : لا ، قال : وأنّى يوسف. (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) يسابق بعضنا بعضا في الرمي.
روي أن في قراءة عبد الله «إنا ذهبنا ننتضل» (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا) من ثياب وأزواد وغيرهما ليحفظه (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) أي بمصدق لنا في هذه المقالة (وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) (١٧) أي ولو كنا عندك موصوفين بالصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا غير واثق بقولنا : (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ) أي فوق قميص يوسف (بِدَمٍ كَذِبٍ) أي بدم ملابس لكذب.
وقرئ «كذبا» على أنه حال من الضمير أي جاءوا كاذبين أو مفعول له. وقرأت عائشة رضياللهعنها «بدم كذب» بالدال المهملة أي كدر أو طري. (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) أي قال يعقوب : ليس الأمر كما تقولون بل زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون. قيل : لما جاءوا على قميصه بدم جدي وقد ذهلوا عن خرق القميص فلما رأى يعقوب القميص صحيحا قال : كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وقال بعضهم : بل قتله اللصوص فقال : كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله؟ وقيل : إنهم أتوه بذئب وقالوا : هذا أكله فقال يعقوب : أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي فأنطقه الله عزوجل وقال : والله ما أكلت ولدك ولا رأيته قط ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء فقال له يعقوب : فكيف وقعت في أرض كنعان؟ قال : جئت لصلة الرحم قرابة لي فأخذوني وأتوا بي إليك فأطلقه يعقوب. (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي فصبري صبر جميل أو فصبر جميل أولى من الجزع وهو أن لا يشكو البلاء لأحد غير الله تعالى (وَاللهُ الْمُسْتَعانُ) أي المطلوب منه العون (عَلى ما تَصِفُونَ) (١٨) أي على تحمل ما تصفون من هلاك يوسف وكأن الله تعالى قد مضى على يعقوب أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة ، والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة والله أعلم. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ) أي رفقة تسير من جهة مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون في الأرض حتى وقعوا في الأراضي التي فيها الجب ـ وهي أرض دوثن بين مدين ومصر ـ فنزلوا عليه (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ) أي ساقيهم ليطلب لهم الماء ؛ وهو من يهيئ الأرشية والدلاء فيتقدم الرفقة إلى الماء يقال له : مالك بن ذعر الخزاعي ابن أخي سيدنا شعيب عليهالسلام وهو رجل من العرب من أهل مدين (فَأَدْلى دَلْوَهُ) أي فأرخى دلوه في جب يوسف فتعلق هو فلم يقدر الساقي على نزعه من البئر فنظر فيه فرأى غلاما قد تعلق بالدلو فنادى أصحابه (قالَ يا بُشْرى) أي يا أصحابي ، وقال الأعمش : إنه دعا امرأة اسمها بشرى.
وقال السدي : إنه نادى صاحبه واسمه بشرى كما قرأه حمزة وعاصم والكسائي بغير ياء
المتكلم بعد الألف المقصورة ، وقال أبو علي الفارسي : والوجه أن يجعل البشرى اسما للبشارة ، فنادى ذلك بشارة لنفسه كأنه يقول : يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور ، ويدل على هذا قراءة الباقين «يا بشراي» بفتح ياء المتكلم بعد الياء على الإضافة قالوا : ماذا لك يا مالك؟ قال : (هذا غُلامٌ) أحسن ما يكون من الغلمان. فكان يوسف حسن الوجه ، جعد الشعر ، ضخم العينين ، مستوي الخلق ، أبيض اللون ، غليظ الساعدين ، والعضدين والساقين ، خميص البطن ، صغير السرة. وكان إذا تبسم ظهر النور من ضواحكه ، وإذا تكلم ظهر من ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه اه. فاجتمعوا عليه فأخرجوه من الجب بعد مكثه فيها ثلاثة أيام (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً) أي أخفوه حال كونه متاعا للتجارة ، أي كتم الوارد مالك وأصحابه من بقية القوم وذلك لأنهم قالوا : إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه ، وإن قلنا : اشتريناه سألونا الشركة فالأصوب أن نقول : إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر (وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) (١٩) أي بما ينشأ من عمل إخوة يوسف ليوسف من إيقاعه في البلاء الشديد وهو سبب لوصوله إلى مصر ولتنقله في أحوال إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك الذي رآه في النوم فرحم الله به العباد والبلاد (وَشَرَوْهُ) أي باع يوسف من استخرجوه من البئر (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي حرام (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) فإنهم في ذلك الزمان كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين دينارا (وَكانُوا) أي البائعون (فِيهِ) أي في يوسف (مِنَ الزَّاهِدِينَ) (٢٠) أي من الذين لا يرغبون لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم فكذلك باعوه من أول مساوم بأوكس الأثمان. (وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ) أي في مصر من مالك بن ذعر وكان اشتراؤه بعشرين درهما وحلة ونعلين ، فالذي اشتراه في مصر هو قطفير خازن الملك الريان بن الوليد ، وهو صاحب جنوده ، وقد آمن الملك بيوسف ومات في حياة يوسف عليهالسلام فملك بعده قابوس بن مصعب ، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى واشترى ذلك الوزير يوسف وهو ابن سبع عشرة سنة ، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة ، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة عشرين سنة. (لِامْرَأَتِهِ) زليخا. وقال ابن إسحاق : اسمها راعيل بنت رعيائيل : (أَكْرِمِي مَثْواهُ) أي اجعلي منزله عندك كريما حسنا مرضيا : والمعنى أحسني تعهده (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) أي يقوم بإصلاح مهماتنا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) أي نتبناه ، وكان قطفير لا يأتي النساء (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أي وكما نجينا يوسف من القتل والجب وجعلنا في قلب الوزير حنوا عليه تعطيه مكانة أي رتبة عالية في أرض مصر (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) أي تعبير بعض المنامات التي أعظمها رؤيا الملك وصاحبي السجن وهذا عطف على مقدر متعلق بمكنا ، أي جعلنا يوسف وجيها بين أهل مصر ومحببا في قلوبهم لينشأ منه ما جرى بينه وبين امرأة العزيز ولنعلمه بعض تأويل الرؤيا (وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) أي أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في
أرضه وسمائه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) وهم الكفار (لا يَعْلَمُونَ) (٢١) أن الأمر كله لله وأن قضاء الله غالب فمن تأمل في أحوال الدنيا عرف ذلك (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) وهو ما بين الثلاثين والأربعين (آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) أي حكمة عملية وحكمة نظرية ؛ وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العلمية لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية ، ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية. وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية : فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولا ، ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية. وطريقة يوسف عليهالسلام هو الأول لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله تعالى عليه أبواب المكاشفات. (وَكَذلِكَ) أي مثل ذلك الجزاء العجيب (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٢٢) أي كل من يحسن في عمله وعن الحسن من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) أي طلبت زليخا من يوسف أن يجامعها (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) أي أبواب البيت السبعة ، ثم دعته إلى نفسها (وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ).
قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان «هيت» بكسر الهاء وفتح التاء ، وقرأ ابن كثير «هيت» بضم التاء وفتحها مع فتح الهاء ، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر «هئت لك» بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وضم التاء ، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء وإن قرئ «هيت» بفتح الهاء والتاء أو ضم التاء فمعناه تعال وبادر أنالك وإن قرأت بكسر الهاء ، ثم بالهمزة الساكنة وضم التاء فمعناه تهيأت لك (قالَ) يوسف : (مَعاذَ اللهِ) أي أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه (إِنَّهُ) أي الشأن العظيم (رَبِّي) أي سيدي العزيز (أَحْسَنَ مَثْوايَ) أي تعهدي حيث أمرك بإكرامي فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بالخيانة في حرمه (إِنَّهُ) أي الشأن (لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٢٣) أي المجازون للإحسان بالإساءة (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) أي قصدت زليخا مخالطة يوسف مع التصميم وقصد مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية وشهوة الشباب لا بقصد اختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم ولهذا قال بعض أهل الحقائق : الهم قسمان : هم ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا ـ مثل هم امرأة العزيز ـ فالعبد مأخوذ به. وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ـ مثل هم يوسف عليهالسلام ـ والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل (لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) أي لو لا أن أيقن بحجة ربه الدالة على كمال قبح الزنا وجواب لو لا محذوف. أي لو لا مشاهدته برهان ربه في شأن الزنا لجرى على موجب ميله الجبلي ، لكنه حيث كان البرهان الذي هو الحكم والعلم حاضرا لديه حضور من يراه بالعين فلم يهم أصلا. والحاصل أن هذا البرهان عند المحققين المثبتين لعصمة الأنبياء هو حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب ، أو المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق الحميدة وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.
وقيل : إن البرهان هو النبوة المانعة من إتيان الفواحش. وقيل : إنه عليهالسلام رأى مكتوبا في سقف البيت ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا. وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف فقالوا : إنه رأى يعقوب عاضا على إبهامه أو هتف به هاتف وقال له : لا تعمل عمل السفهاء واسمك في ديوان الأنبياء ، أو تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت منيه من أنامله أو رأى كفا من غير ذراع مكتوبا فيه (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) [يونس : ٦١] ، الآية. (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) أي مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بشهوة (وَالْفَحْشاءَ) أي الزنا (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (٢٤). قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام في جميع القرآن أي الذين أخلصوا دينهم الله تعالى ، والباقون بفتح اللام أي الذين اختارهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها أو أخلصهم من كل سوء (وَاسْتَبَقَا الْبابَ) أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص فإن سبق يوسف فتح الباب للخروج وإن سبقت زليخا أمسكت الباب لمنع الخروج (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) أي شقت قميص يوسف من خلف بنصفين من وسطه إلى قدميه فغلبها يوسف وخرج وخرجت خلفه (وَأَلْفَيا سَيِّدَها) أي صادفا زوجها قطفير (لَدَى الْبابِ) أي البراني.
روى كعب رضياللهعنه : أنه لما هرب يوسف عليهالسلام صار فراش القفل يتناثر حتى خرج من الأبواب (قالَتْ) لزوجها خائفة من التهمة (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) قيل : إن يوسف أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فذكرت كلاما مبهما ، ثم خافت أن يقتله العزيز وهي شديدة الحب له فقالت : (إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢٥) أي ليس جزاؤه إلا السجن أو الضرب الوجيع ، وإنما أخرت ذكر الضرب لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب وإنما أرادت أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف ، أما الحبس الطويل فلا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال : يجب أن يجعل من المسجونين (قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) ولم يقل هذه ولا تلك لفرط استحيائه ـ وهو أدب حسن حيث أتى بلفظ الغيبة ـ ولم يكن يوسف يريد أن يهتك سترها ، ولكن لما لطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه فصرّح بالأمر فقال : هي طالبتني للمواتاة (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) وهو ابن داية زليخا أو ابن خال لها وكان عمره شهرين أنطقه الله تعالى لبراءة يوسف. وروي أن العزيز اشترى يوسف ، بوزنه ذهبا ووزنه فضة ، ووزنه لؤلؤا ، ووزنه مرجانا ، ووزنه مسكا ، ووزنه عنبرا فلما ذهب به إلى البيت شغفت به زليخا فقالت لحاضنتها : ما الحيلة؟ فقالت لها : يا سيدتي لو نظر إليك لكان أسرع حبا منك إليه ، ولو رأى حسنك وجمالك وصفاء لونك ما قرّ له قرار دونك فقالت : وكيف ذلك؟ فقالت : مكنيني من الأموال ، فقالت : خزائني بين يديك فخذي ما شئت لا حساب عليك وأمرت بإحضار أهل البناء والهندسة ، وقالت : أريد بيتا يرى الوجه في سقفه وفي حيطانه كما يرى في
المرآة المصقولة فقالوا : نعم ، فبنوا لها بيتا سمته القيطون ، فلما تم دعت المصور وأمرته بصنع سرير من ذهب مرصّع بالجواهر واليواقيت ، وفرشته بالديباج والسندس ، وصوّرت صورة يوسف وزليخا متعانقين ، ثم زينت زليخا وخرجت إلى يوسف مستعجلة وقالت : يا يوسف أجب سيدتك فإنها تدعوك في بيتها القيطون ، وكان سميعا مطيعا ، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به فرماه وأسرع لباب البيت فلما وضع قدمه الواحدة أحس قلبه بالشر وأراد الرجوع فأسرعت زليخا إليه وجرته للسرير فغمض عينيه ، وأطرق رأسه ، وبكى حياء من الله تعالى وراودته عن نفسه فأبى ، فقالت له : لم تخالف أمري؟ فقال : خوفا من الله وإكراما لسيدي الذي أحلني محل أولاده ، فقالت : أما إلهك فأنا أعطيك جميع الأموال تصدّق بها لربك ليغفر لك هذا الذنب ، وأما سيدك فأنا أطعمه السم حتى يهرى لحمه وأكون أنا وأموالي ملكك ، فقام وبادر إلى الباب من غير أن يكون بينه وبينها سبب من الأسباب فجذبته مزقت قميصه من خلفه وهو فار ، فوافق ذلك الوقت أن العزيز مر بالباب ، فنظر العزيز لزليخا فرآها مزينة حاسرة عن وجهها ، ونظر إلى يوسف فرآه منكس الرأس ، باكي العين. فوقف متحيرا في أمرهما ينظر إليه مرة ، وإليها مرة ، فقالت له : إن غلامك هذا يريد أن يخونك في أهلك أي شيء جزاؤه أن يسجن أو عذاب أليم. فقال له العزيز : يا يوسف ما كان هذا جزائي منك أحللتك محل أولادي وتخونني في أهلي! فقال يوسف عليهالسلام : إن لي شاهدا يشهد لي بالبراءة فقال له : أين الشاهد وليس معكما في البيت ثالث؟ فقال : هذا الطفل يشهد لي بالبراءة ، فأوحى الله لجبريل أن اهبط على الطفل وشق له لسانه حتى يشهد لعبدي يوسف بالبراءة فعند ذلك تنحنح الطفل وقال : أيها الملك إن عندي في أمرك هذا ما لك فيه فرج ومخرج ، انظر إلى قميص الغلام العبراني (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ) أي شق من قدام (فَصَدَقَتْ) أي فقد صدقت المرأة (وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (٢٦) في قوله : هي راودتني (وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) أي من خلف (فَكَذَبَتْ) أي فقد كذبت المرأة في دعواها (وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٢٧) في قوله : هي راودتني (فَلَمَّا رَأى) أي زوجها (قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ) لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها (إِنَّهُ) أي هذا القذف له في ضمن قولك : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا (مِنْ كَيْدِكُنَ) أي من جنس مكركن أيتها النساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (٢٨) لأن لهن في هذا الباب من الحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) أي يا يوسف أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها ، واكتمه فقد ظهر صدقك ونزاهتك ، (اسْتَغْفِرِي) يا زليخا (لِذَنْبِكِ) الذي صدر عنك أي توبي إلى الله تعالى مما رميت يوسف به وهو بريء منه (إِنَّكِ كُنْتِ) بسبب ذلك (مِنَ الْخاطِئِينَ) (٢٩). في هذا القول الذي لا يليق بمقام الأنبياء وكان العزيز رجلا حليما ، فاكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها ، وكان قليل الغيرة قال : في البحر أن
تربة مصر تقتضي هذا ولهذا لا ينشأ فيها الأسد ولو دخل فيها ما يبقى ، ثم أخبرت زليخا بعض النساء بما حصل لها وأمرتهن بالكتم فلم يكتمن بل أشعن الأمر. (وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) أي أشعن الأمر في مصر : (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) أي الملك قطفير (تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ) أي وقال جماعة من النساء : وكن خمسا وهن امرأة صاحب دواب الملك وامرأة صاحب سجنه ، وامرأة خبازه ، وامرأة صاحب مطبخه ، وامرأة ساقيه فتحدثن فيما بينهن وقلن : امرأة العزيز تراود عبدها الكنعاني عن نفسه وهو يمتنع منها (قَدْ شَغَفَها حُبًّا) أي قد شق فتاها شغاف قلبها من جهة الحب.
وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين «شغفها» بالعين المهملة أي قد أحرق حبها فتاها حجاب قلبها. والمعنى أن اشتغالها بحبه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا يخطر ببالها إلا هو (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٣٠) أي إنا نعلمها في ضلال واضح عن طريق الرشد بسبب حبها إياه (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ) أي قولهن المستدعي لنظرهن إلى وجه يوسف (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ) أي أرادت إظهار عذرها فاتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة من أشرف مدينتها فيهن الخمس المذكورات (وَأَعْتَدَتْ) أي أحضرت (لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي وسائد يتكئن عليها ، هذا «إن» قرئت مشددة فإن قرئت مخففة فمعناها اترنجة فإنهم كانوا يتكئون على المسانيد عند الطعام والشراب والحديث على عادة المتكبرين ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو قوله صلىاللهعليهوسلم : «لا آكل متكئا». (وَآتَتْ) أي أعطت (كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) لأجل أكل الفاكهة واللحم لأنهم كانوا لا يأكلون من اللحم إلا ما يقطعون بسكاكينهم (وَقالَتِ) أي زليخا ليوسف وهي مشغولات بأعمال الخناجر في الطعام : (اخْرُجْ عَلَيْهِنَ) أي ابرز لهن ومر عليهن فإن يوسف عليهالسلام ما قدر على مخالفتها خوفا منها (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) أي أعظمنه وهبنه ودهشن عند رؤيته من شدة جماله وقيل : معنى أكبرن أي حضن والهاء إما للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف على حذف اللام ، أي حضن له من شدة الشبق وأيضا إن المرأة إذا فزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت ويقال : أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر وذلك إذا حاضت ، لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) أي جرحن أيديهن حتى سال الدم ولم يجدن الألم لفرط دهشتهن وشغل قلوبهن بيوسف (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) أي تنزيها لله تعالى من العجز حيث قدر على خلق جميل مثل هذا (ما هذا بَشَراً) أي ليس يوسف آدميا.
وقرأ ابن مسعود «ما هذا بشر» بالرفع. وقرئ «ما هذا بشرى» أي ما هو بعبد مملوك للبشر حاصل بشراء (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (٣١) على الله فإنه قد ثبت في العقول أنه لا شيء أحسن من الملك كما ثبت فيها أن لا شيء أقبح من الشيطان.
وقيل : إن النسوة لما رأين يوسف لم يلتفت إليهن ألبتة ، ورأين عليه هيبة النبوة والرسالة وسيما الطهارة قلن : إنا ما رأينا فيه أثرا من آثار الشهوة ولا صفة من الإنسانية فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية (قالَتْ) أي زليخا لهن : (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أي فهذا الذي ترينه هو ذلك العبد الكنعاني الذي عيبتنني في الافتتان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو حصلت صورته في خيالكن لتركتن هذه الملامة (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) حسبما سمعتن وقلتن (فَاسْتَعْصَمَ) أي فامتنع عني بالعفة (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ) أي إن لم يفعل يوسف مقتضى أمري إياه من قضاء شهوتي (لَيُسْجَنَنَ) أي ليعاقبن بالحبس (وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) (٣٢) أي من الذليلين في السجن فقلن ليوسف : أطع مولاتك (قالَ) أي يوسف مناجيا لربه عزوجل : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ) أي يا رب دخول السجن أحب عندي (مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والعذاب الأليم (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ) بالتثبيت على العصمة فإن كل واحدة منهن كانت ترغب يوسف على موافقة زليخا وتخوّفه على مخالفتها (أَصْبُ إِلَيْهِنَ) أي أمل إلى إجابتهن على قضية الطبيعة البشرية وحكم القوة الشهوية (وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٣٣) أي وأصر من الذين لا يعملون بعلمهم (فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ) دعاءه الذي في ضمن قوله وإلا تصرف عني إلخ فإن فيه التجاء إلى الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات وطلب النجاة من الشرور على جناب الله تعالى كقول المستغيث أدركني وإلا هلكت (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ) حسب دعائه وثبته على العصمة والعفة حتى وطّن نفسه على مشقة السجن (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لدعاء المتضرعين إليه (الْعَلِيمُ) (٣٤) للنيات فيجيب ما طاب منه العزم (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) أي ثم ظهر للعزيز وأصحابه المشاركين له في الرأي من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف عليهالسلام كشهادة الصبي ، وقد القميص من دبر وقطع النساء أيديهن سجنه عليهالسلام قائلين والله (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (٣٥) أي إلى انقطاع مقالة الناس في المدينة فإن زليخا لما أيست من يوسف بجميع حيلها كي تحمله على موافقة مرادها قالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إليهم وإما أن تسجنه ، فسجنه (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ) أي عبدان لملك مصر الكبير وهو الريان بن الوليد العمليق سمى أحدهما : وهو صاحب شرابه سرهم ، وسمى الآخر وهو صاحب مطبخه برهم.
وقيل : اسم الأول : مرطش ، والثاني : رأسان ، وسبب سجنهما أن جماعة من أهل مصر أرادوا قتل الملك فجعلوا لهما رشوة على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم إلى ذلك ، ثم إن الساقي ندم ورجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسمّ الطعام ، فلما حضر الخبز بين يدي
الملك قال الساقي : لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز : لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشربه فشربه ، فلم يضره وقال الخباز : كل من الطعام فأبى فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر بحبسهما فاتفق أنهما دخلا مع يوسف فلما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول : إني أعبر الأحلام (قالَ أَحَدُهُما) وهو صاحب شراب الملك (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً) أي إني رأيت نفسي أعصر عنبا وأسقي الملك (وَقالَ الْآخَرُ) وهو الخباز (إِنِّي أَرانِي) أي رأيتني (أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ) أي أخبرنا بتفسير رؤيانا (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٣٦) أي من العالمين بتفسير الرؤيا ومن المحسنين إلى أهل السجن فيسليهم ويقول : اصبروا وأبشروا تؤجروا فقالوا : بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ فقال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم. فقال له : صاحب السجن يا فتى والله لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت ، أي إن الساقي قال لسيدنا يوسف : أيها العالم إني رأيت في المنام كأني في بستان وفيه شجرة عنب فيها ثلاثة أغصان وعليها ثلاثة عناقيد من العنب فجنيتها وكأن كأس الملك في يدي فعصرتها وسقيت الملك فشربه. وقال الخباز : إني رأيت في المنام كأني أخرج من مطبخ الملك وعلى رأسي ثلاث سلال من الخبز فوقع طير على أعلاها وأكل منها ولما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبرها لهما حين سألاه لما علم ما فيها من المكروه لأحدهما فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد لأنه علم أن أحدهما هالك فأراد أن يدخله في الإسلام فبدأ بإظهار المعجزة لهذا السبب (قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ) أي لا يأتيكما طعام ترزقانه في منزلكما على حسب عادتكما المطردة إلا أخبرتكما بعاقبته فهو يفيد الصحة أو السقم وبلونه وجنسه (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما) وكيف لا أعلم تعبير رؤياكما وهذا راجع إلى أن يوسف ادعى الإخبار عن الغيب وهو يجري مجرى قول عيسى : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم (ذلِكُما) أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) بالوحي والإلهام لا على جهة الكهانة والنجوم (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) (٣٧) أي إني امتنعت عن دين قوم لا يؤمنون بالله وبالبعث بعد الموت (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) وإنما قال يوسف : ذلك ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عمّا كانا عليه من الشرك والضلال. (ما كانَ) أي لا يصح (لَنا) معاشر الأنبياء (أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي أيّ شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا عن أن نشرك به صنما لا يسمع ولا يبصر (ذلِكَ) أي التوحيد الذي هو ترك الإشراك (مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا) بالوحي (وَعَلَى النَّاسِ) بإرسالنا إليهم (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٣٨) أي لا يوحدون الله تعالى (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) أي يا
صاحبي في السجن أو يا ساكني السجن كما قيل لسكان الجنة أصحاب الجنة (أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ) أي مختلفون في الكبر والصغر واللون من ذهب وفضة وحديد وصفر وخشب وحجارة وغير ذلك (خَيْرٌ) لكما (أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (٣٩) أي هذه الأصنام معمولة ومقهورة فإن الإنسان إذا أراد كسرها قدر عليها فهي مقهورة ولا ينتظر حصول منفعة من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر على إيصال الخيرات ودفع الآفات. والمراد أعبادة آلهة شتى مقهورة خير. أم عبادة الله المتوحد بالألوهية الغالب على خلقه ولا يغالب خير. (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ) أي من غير الله شيئا (إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) أي إلا ذوات. أوجدتم وآباؤكم لها أسماء آلهة بمحض ضلالتكم (ما أَنْزَلَ اللهُ بِها) أي بتلك التسمية المتتبعة للعبادة (مِنْ سُلْطانٍ) أي من حجة تدل على صحتها وتحقيق مسمياتها في تلك الذوات فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة عن الذوات. والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ليس الحكم في أمر العبادة إلا لله فليس لغير الله حكم واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام (أَمَرَ) على ألسنة الأنبياء عليهمالسلام (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) لأن العبادة نهاية التعظيم فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الأنعام وهو الله تعالى لأن منه الخلق والإحياء والرزق والهداية ، ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية (ذلِكَ) أي تخصيصه تعالى بالعبادة (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي الذي تعاضدت عليه البراهين عقلا ونقلا (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٤٠) أن ذلك هو الدين المستقيم لجهلهم بتلك البراهين ولما فرغ سيدنا يوسف من الدعاء إلى عبادة الله تعالى رجع إلى تعبير رؤياهما فقال : (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما) وهو الشرابي (فَيَسْقِي رَبَّهُ) أي سيده (خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ) وهو الخباز (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ).
روي أن الساقي لما قصّ رؤياه على يوسف قال له : ما أحسن ما رأيت. أما الكرم : فهو العمل الذي كنت فيه ، وأما العنب : فهو عزك في ذلك العمل ، وأما الأغصان الثلاثة : فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن ، وأما العنب الذي عصرت وناولت الملك : فهو أن يردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن ، ولما قص الخباز رؤياه على يوسف قال له : بئسما رأيت. أما خروجك من المطبخ : فهو أن تخرج من عملك ، وأما ثلاث سلال : فهي ثلاثة أيام تكون في السجن ، وأما أكل الطير من رأسك : فهو أن يخرجك الملك بعد ثلاثة أيام ويصلبك وتأكل الطير من رأسك ففزعا لتعبير رؤيا الخباز وقالا جميعا : ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب فقال لهما يوسف : (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) (٤١) أي تم الأمر الذي تسألان عنه رأيتما أو لم تريا فكما قلتما وقلت لكما كذلك يكون (وَقالَ) أي يوسف عليهالسلام (لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ) أي للرجل الذي ظنه ناجيا من القتل (مِنْهُمَا) أي من صاحبيه وهو الساقي : (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي عند سيدك الملك الكبير فقل له : إن في السجن غلاما يحبس ظلما خمس سنين (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) أي أنسى الشيطان بوسوسته الشرابي ذكره ليوسف عند الملك. ويقال : فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر ربه حتى طلب
الفرج من مخلوق مثله وذلك غفلة عرضت ليوسف عليهالسلام فإن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فالأولى بالصديقين أن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب ولذلك جوزي يوسف بسنتين في الحبس كما قال تعالى : (فَلَبِثَ) أي يوسف (فِي السِّجْنِ) بسبب ذلك القول (بِضْعَ سِنِينَ) (٤٢) أي سبع سنين خمس منها قبل ذلك القول وثنتان بعده هذا هو الصحيح (وَقالَ الْمَلِكُ) الريان بن الوليد (إِنِّي أَرى) أي رأيت في منامي (سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ) قد خرجن من النهر ثم خرج منه بعدهن سبع بقرات مهازيل (يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ) أي ابتلعت العجاف السمان ودخلن في بطونهن ولم يتبين على العجاف شيء منهن (وَ) إني أرى (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) أي قد انعقد حبها (وَأُخَرَ) أي وسبعا أخر (يابِساتٍ) أي قد بلغت أوان الحصد فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن ولم يبق من خضرتهن شيء فقلق الملك لما رأى الناقص الضعيف قد استولى على القوي الكامل حتى غلبه فجمع سحرته كهنته ومعبريه وأخبرهم بما رأى في منامه وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله تعالى عن تأويل هذه الرؤيا ليكون ذلك سببا لخلاص يوسف من السجن فهذا هو قوله : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أي السحرة والكهنة والمعبرون للرؤيا (أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ) أي بينوا لي تعبير رؤياي هذه (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) (٤٣) أي إن كنتم تعلمون بانتقال الرؤيا من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها (قالُوا) أي أشراف العلماء والحكماء : (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) أي هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة لا حقيقة لها (وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ) أي المنامات الباطلة التي لا أصل لها (بِعالِمِينَ) (٤٤) أي لأنه لا تأويل لها وإنما التأويل للرؤيا الصادقة. (وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما) أي الذي خلص من السجن من صاحبي يوسف بعد أن جلس بين يدي الملك أي قال الشرابي للملك إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم ، كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف فإن أذنت مضيت إليه وجئتك بالجواب (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي تذكر الشرابي يوسف بعد مدة طويلة. وقرأ الأشهب العقيلي «بعد أمة» بكسر الهمزة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.
وقرئ «بعد أمه» بفتح الهمزة والميم ، ثم بالهاء أي بعد نسيان. (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) أي أنا أخبرك أيها الملك بتعبير رؤياك (فَأَرْسِلُونِ) (٤٥) إلى السجن فأرسله إليه فأتى يوسف فقال له : (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) أي البالغ في الصدق (أَفْتِنا) أي بين لنا (فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ) من البقر (عِجافٌ) في (وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) في سبع (وَأُخَرَ) من السنابل (يابِساتٍ) أي في رؤيا ذلك رآها الملك (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ) أي أعود إلى الملك وجماعته بفتواك (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) (٤٦) فضلك وعلمك فإن الساقي علم عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز يوسف عنه أيضا (قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً) أي متتابعة على عادتكم في الزراعة (فَما حَصَدْتُمْ) من الزرع في كل سنة (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) أي كوافره ولا تدوسوه لئلا يقع
فيه السوس فإن ذلك أبقى له على طول الزمان (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ) (٤٧) أي إلا كل ما أردتم أكله فدوسوه في تلك السنين وهذا تأويل السبع السمان والسبع الخضر (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي من بعد السبع سنين المخصبة (سَبْعٌ شِدادٌ) أي سبع سنين قحطة صعاب على الناس وهذا تأويل السبع العجاف والسبع اليابسات (يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ) أي تأكلون الحب المزروع وقت السنين المخصبة المتروك في سنبله في السنين المجدبة (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) (٤٨) أي تدخرون للبذر فأكل ما جمع أيام السنين المخصبة في السنين المجدبة تأويل ابتلاع العجاف السمان (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي من بعد السنين المجدبة (عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) أي ينقذ الناس من كرب الجدب (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (٤٩) ما من عادته أن يعصر من العنب والقصب والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها.
وقيل : معنى يعصرون يحلبون الضروع. وقيل : معناه يمطرون. وقيل : معناه ينجون من الشدة وعلى هذين يقرأ بالبناء للمفعول. وهذا من مدلولات المنام ، لأنه لما كانت العجاف سبعا دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد ، فالحاصل بعده هو الخصب على العادة الإلهية حيث يوسع الله على عباده بعد تضييقه عليهم فلما رجع الشرابي إلى الملك وأخبره بما ذكره يوسف استحسنه الملك (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) أي بيوسف لما علم من فضله وعلمه فرجع الساقي إلى يوسف (فَلَمَّا جاءَهُ) أي يوسف (الرَّسُولُ) وقال له : أجب الملك. (قالَ) أي يوسف له : (ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) أي إلى سيدك الملك الكبير (فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) أي فاسأل الملك بأن يفتش عن شأن النسوة ليعلم براءتي عن تلك التهمة ، وإنما لم يخرج يوسف من السجن في الحال لأنه لو خرج قبل ظهور براءته من تلك التهمة عند الملك فلربما يقدر الحاسد على أن يتوسل إلى الطعن فيه بعد خروجه (إِنَّ رَبِّي) أي سيدي ومربيّ ، وهو ذلك الملك (بِكَيْدِهِنَ) أي بمكرهن (عَلِيمٌ) (٥٠) فلما أبى يوسف أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال يوسف عليهالسلام ، فأمر الملك بإحضارهن وكانت زليخا معهن ، (قالَ) أي الملك مخاطبا لهن لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز بقولها ليوسف أطع مولاتك : (ما خَطْبُكُنَ) أي ما شأنكن (إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) أي خادعتنه هل وجدتن فيه ميلا إلى قولكن (قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) أي تنزيها له (ما عَلِمْنا عَلَيْهِ) أي يوسف (مِنْ سُوءٍ) أي من خيانة في شيء من الأشياء (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ) أي الآن تبين الحق ليوسف (أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) أي أنا دعوته إلى نفسي (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (٥١) أي في قوله : حين افتريت عليه هي راودتني عن نفسي وإنما أقرت زليخا بذنبها ، وأشهدت لبراءة يوسف عن الذنب مكافأة على فعل يوسف حيث ترك ذكرها. وقال : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن مع أن الفتن كلها إنما نشأت من جهتها وقد عرفت أن ذلك لرعاية حقها ولتعظيمها
ولإخفاء الأمر عليها فجاء الرسول إلى يوسف فأخبره بجواب النسوة وبقول زليخا فقال يوسف وهو في السجن : (ذلِكَ) أي الذي فعلت من ردي الرسول لطلب البراءة إنما كان (لِيَعْلَمَ) أي الملك الصغير الذي هو قطفير زوج زليخا (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) في حرمته كما زعمه (بِالْغَيْبِ) أي وأنا غائب عنه أو هو غائب عني (وَ) ليعلم (أَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) (٥٢) أي لا ينفذه ولو كنت خائنا لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) أي والحال أني لم أقصد بذلك تنزيه نفسي من الزلل وبراءتها منه (إِنَّ النَّفْسَ) البشرية (لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أي ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. ولما كان قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه جاريا مجرى مدح النفس استدركه بقوله : وما أبرئ نفسي أي لا أمدحها (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) أي إلا نفسا عصمها ربي من الوقوع في المهالك (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ) للهم الذي هممت به (رَحِيمٌ) (٥٣) لمن تاب وهذا ما عليه أكثر المفسرين. وقال بعضهم من اسم الإشارة إلى هنا من كلام امرأة العزيز. والمعنى ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب ، أي أني لم أقل في يوسف وهو في السجن خلاف الحق فإني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره ما أحلت الذنب عليه عند غيبته وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ، أي لا يرضاه فإني لما أقدمت على المكر لا شك افتضحت ، وأن يوسف لما كان بريئا من الذنب لا شك طهره الله عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة حيث راودته وقلت في حقه ما قلت ، وأودعته في السجن.
ومقصود زليخا بهذا الكلام الاعتذار مما كان ، وتنزيه يوسف من الذنب إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا نفسا رحمها الله بالعصمة ـ كنفس يوسف عليهالسلام ـ إن ربي غفور لمن استغفر من ذنبه ، رحيم له. فعلى هذا يكون تأتيه عليهالسلام في الخروج من السجن لعدم رضاه ملاقاة الملك حتى يتبين أنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من نباهة الشأن ليتلقاه الملك بما يليق به من الإجلال وقد حصل ذلك. (وَقالَ الْمَلِكُ) أي الكبير وهو الريان : (ائْتُونِي بِهِ) أي بيوسف (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) أي أجعله خاصا بي دون العزيز.
روي أن الرسول قال ليوسف عليهالسلام : «قم إلى الملك متنظفا من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة» فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، فلما أراد الدخول على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم دخل على الملك فسلم عليه بالعربية فقال له الملك : ما هذا اللسان؟ قال : لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية فقال له : وما هذا اللسان؟ قال : هذا لسان آبائي وكان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم يعرف هذين اللسانين وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف به وزاد عليه بالعربية والعبرانية.
وروي أنه لما رآه الملك شابا وهو في ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة قال للشرابي : أهذا هو الذي علم تأويل رؤياي؟ قال : نعم ، فأقبل على يوسف وقال : إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاها فأجاب بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته فذلك قوله تعالى : (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) أي كلم الملك يوسف (قالَ) أي الملك : (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) أي ذو منزلة رفيعة (أَمِينٌ) (٥٤) أي ذو أمانة على كل شيء فما ترى أيها الصديق (قالَ) أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا ، وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك : ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف : (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) أي ولني أمر خزائن أرض مصر (إِنِّي حَفِيظٌ) لما وليتني ولجميع مصالح الناس (عَلِيمٌ) (٥٥) بوجوه التصرف في الأموال وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتونني وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإن كان الطلب من يد الكافر (وَكَذلِكَ) أي مثل ذلك الأنعام الذي أنعمنا عليه من تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع في أرض مصر (يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) أي نازلا في أي موضع يريد يوسف من بلادها.
روي أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين فرسخا.
وقرأ ابن كثير «نشاء» بالنون مسندا إلى الله تعالى. روي أنه لما تمت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة دعاه الملك فتوجه وأخرج خاتم الملك وجعله في إصبعه وقلده بسيفه ، وجعل له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ، طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشا وضرب له عليه حلة من إستبرق فقال يوسف عليهالسلام : أما السرير فأشد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال الملك : وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك وأمره أن يخرج فخرج متوجا لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت له الملوك وفوض الملك الأكبر إليه ملكه وأمر مصر وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه ومات قطفير بعد ذلك فزوجه عليهالسلام الملك امرأته زليخا ، فلما دخل يوسف عليها قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قالت : أيها الصدّيق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء ناعمة ؛ كما ترى ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ، فغلبتني نفسي وعصمك الله. فأصابها يوسف فوجدها عذراء فولدت له ذكرين أفراثم وميشا ، فاستولى يوسف على ملك مصر وأقام فيها العدل وأحبه الرجال والنساء ، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس ، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى : بالدنانير والدراهم. وفي الثانية : بالحلي والجواهر. وفي
الثالثة : بالدواب. وفي الرابعة : بالجواري والعبيد. وفي الخامسة : بالضياع والعقار. وفي السادسة : بأولادهم وفي السابعة : برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له عليهالسلام. فقال أهل مصر : ما رأينا كاليوم ملكا أجل وأعظم من يوسف. فقال يوسف للملك : كيف رأيت صنع الله بي فيما خولني فما ترى في هؤلاء؟ قال الملك : الرأي رأيك ونحن لك تبع. قال : فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم ، وكان يوسف لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس ومات الملك في حياة يوسف (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا) أي بعطائنا في الدنيا من الملك والغني وغيرهما من النعم (مَنْ نَشاءُ) من عبادنا (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (٥٦) لأن إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى فكانت الإضاعة ممتنعة (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) (٥٧) أي ولأجر المحسنين وهم الذين آمنوا بالله والكتب والرسل ، واتقوا الفواحش في الآخرة خير لهم. والمراد أن يوسف وإن كان قد وصل إلى الدرجات الرفيعة في الدنيا فثوابه الذي أعده الله له في الآخرة أفضل وأكمل وقد ثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليهالسلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين (وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ) إلى مصر وهم عشرة ليمتاروا أي لما وصل القحط إلى البلدة التي يسكنها يعقوب عليهالسلام وهي ثغور الشام من أرض فلسطين قال لبنيه : إن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام ، فخرجوا غير بنيامين حتى قدموا مصر (فَدَخَلُوا عَلَيْهِ) أي على يوسف وهو في مجلس ولايته (فَعَرَفَهُمْ) بأول نظرة نظر إليهم لقوة فهمه (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (٥٨) أي والحال أنهم لا يعرفونه لطول المدة فبين أن ألقوه في الجب ودخولهم عليه أربعون سنة ، ولأنهم رأوه جالسا على سرير الملك وعليه ثياب حرير وفي عنقه طوق من ذهب ، وعلى رأسه تاج من ذهب ، فكلموه بالعبرانية فقال لهم : من أنتم وأيّ شيء أقدمكم بلادي؟ فقالوا : قدمنا لأخذ الميرة ، ونحن قوم رعاة من أهل الشام ، أصابنا الجهد. فقال : لعلكم عيون تطلعون على عوراتنا وتخبرون بها أعداءنا. فقالوا : معاذ الله ، قال : من أين أنتم؟ قالوا : من بلاد كنعان نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صدّيق ، نبي من أنبياء الله اسمه يعقوب ، قال : كم أنتم؟ قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحدا ، فقال : كم أنتم هاهنا؟ قالوا : عشرة. قال : فأين الحادي عشر؟ قالوا : هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك ، لأنه أخوه الشقيق. قال : فمن لم يشهد لكم أنكم لستم عيونا وأن ما تقولون حق؟ قالوا : نحن ببلاد غربة لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا! قال : فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أكتفي بذلك منكم. قالوا : إن أبانا يحزن لفراقه. قال : فاتركوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني به ، فاقترعوا فيما بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا في يوسف في أمر الجب فتركوه عنده فأمر بإنزالهم وإكرامهم (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ) أي فلما أوقر
يوسف إبلهم بالميرة وأصلحهم بالزاد وما يحتاج إليه المسافر (قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) إذا رجعتم لتمتاروا مرة أخرى لأعلم صدقكم فيما قلتم : إن لنا أخا من أبينا عند أبينا. (أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ) أي أتمه وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم وحملا آخر لأبيكم لأنهم قالوا : إن لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، لأن يوسف لا يزيد لأحد على حمل بعير (وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (٥٩) أي خير المضيفين فإنه عليهالسلام كان قد أحسن ضيافتهم مدة إقامتهم عنده (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ) أي بأخيكم من أبيكم إذا عدتم مرة أخرى (فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي) أي فلا طعام لكم يكال عندي (وَلا تَقْرَبُونِ) (٦٠) أي لا تدخلوا بلادي فضلا عن وصولكم إلى (قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) أي سنطلبه من أبيه ونحتال على أن ننزعه من يده (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) (٦١) ما أمرتنا به من أن نجيئك بأخينا فإنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكن إلا من عنده (وَقالَ لِفِتْيانِهِ) أي لخدامه الكيالين.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «لفتيانه» بالألف والنون. والباقون «لفتيته» بالتاء من غير الألف. (اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ) أي دسوا دراهمهم التي اشتروا بها الطعام في أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) أي لكي يعرفوا بضاعتهم (إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ) أي إذا رجعوا إلى أبيهم وفرغوا أوعيهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٦٢) أي لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا ، لأنهم إذا علموا أن ذلك من سخاء يوسف بعثهم على العود عليه والرغبة في معاملته وأيضا أن سيدنا يوسف يخاف من أن لا يكون عند أبيه من الدراهم ما يرجعون به مرة أخرى (فَلَمَّا رَجَعُوا) أي إخوة يوسف غير شمعون (إِلى أَبِيهِمْ) بكنعان (قالُوا) قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع : (يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) أي حكم العزيز بمنع الطعام بعد هذه المرة إن لم يذهب معنا بنيامين إليه ، (فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا) بنيامين إلى مصر. وقال يعقوب : أين شمعون؟ قالوا : ارتهنه ملك مصر وأخبروه بالقصة (نَكْتَلْ) أي نرفع المانع من الكيل بسببه ونكتل بسببه من الطعام ما نشاء.
وقرأ حمزة والكسائي «يكتل» بالياء أي يكتل أخونا لنفسه مع اكتيالنا. (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٦٣) من أن يصيبه مكروه وضامنون برده إليك (قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) أي قال لهم يعقوب : كيف آمنكم على بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم وإنكم ذكرتم مثل هذا الكلام بعينه في يوسف وضمنتم لي حفظه فما فعلتم فلما لم يحصل الأمن والحفظ هناك فكيف يحصل هاهنا وإنما أفوّض الأمر إلى الله (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) منكم.
قرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الحاء وبألف بعدها على التمييز أي حفظ الله بنيامين خير من حفظكم. وقرأ الباقون «حفظا» بكسر الحاء وسكون الفاء. وقرأ الأعمش «فالله خير حافظا».
وقرأ أبو هريرة «خير الحافظين». (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٦٤) وهو أرحم به من والديه ومن إخوته وقيل : إن يعقوب لما ذكر يوسف قال : فالله خير حافظا إلخ أي حفظا ليوسف لأنه كان يعلم أن يوسف حي. (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ) أي أوعيتهم التي وضعوا فيها الميرة بحضرة أبيهم (وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ) وهي ثمن الميرة الذي دفعوه ليوسف (رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي) أي ما نكذب بما قلنا من أنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة أو المعنى أي شيء نريد من إكرام الملك (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) هل من مزيد على ذلك فقد أحسن الملك مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا فلا نطلب وراء ذلك إحسانا. وقيل المعنى نحن لا نطلب منك يا أبانا عند رجوعنا إلى الملك بضاعة أخرى فإن هذه التي ردت إلينا كافية لنا في ثمن الطعام (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) أي نأتي بالطعام إلى أهلنا برجوعنا إلى ذلك الملك بتلك البضاعة وهذا معطوف على محذوف ، والتقدير فنستعين بهذه البضاعة ونمير أهلها (وَنَحْفَظُ أَخانا) بنيامين من المكاره في الذهاب والإياب (وَنَزْدادُ) بسببه (كَيْلَ بَعِيرٍ) أي وقر بعير له (ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) (٦٥) أي ذلك الحمل الذي نزداده كيل قليل على الملك ، لأنه قد أحسن إلينا وأكرمنا بأكثر من ذلك ويقال : ذلك الذي نطلب منك أمر يسير (قالَ) لهم أبوهم : (لَنْ أُرْسِلَهُ) أي بنيامين (مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ) أي حتى تعطوني عهدا من الله أي حتى يحلفوا بالله (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) أي في حال أن تموتوا أو في حال أن تصيروا مغلوبين فلا تقدروا الإتيان به إلى (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ) أي أعطوا أباهم عهدهم من الله على رده إلى أبيهم فقالوا في حلفهم : بالله رب محمد لنأتينك به. (قالَ) أي يعقوب : (اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) (٦٦) أي شهيد فإن وفيتم بالعهد جازاكم الله بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم به كافأكم بأعظم العقوبات. (وَقالَ) ناصحا لهم لما أزمع على إرسالهم جميعا : (يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا) مصر (مِنْ بابٍ واحِدٍ) من أبوابها الأربعة (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) إنما أمرهم بذلك لأنه خاف عليهم العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة ، وكانوا أولاد رجل واحد وقد تجملوا في هذه الكرة أكثر مما في المرة الأولى (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئا مما قضى الله عليكم فإن الحذر لا يمنع القدر ، والإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة والأغذية الضارة ، وأن يسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ، (إِنِ الْحُكْمُ) أي ما الحكم بالإلزام والمنع (إِلَّا لِلَّهِ) وحده (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي إليه وحده فوّضت أمري وأمركم (وَعَلَيْهِ) دون غيره (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٦٧) أي فليثق الواثقون (وَلَمَّا دَخَلُوا) أي المدينة (مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أي من الأبواب المتفرقة (ما كانَ) أي دخولهم متفرقين (يُغْنِي) أي يخرج (عَنْهُمْ) أي الداخلين (مِنَ اللهِ) أي من قضائه (مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) أي لكن الدخول على صفة التفرق أظهر حاجة في قلب يعقوب وهي خوفه عليهم من إصابة العين وهذا تصديق الله لقول يعقوب وما أغني عنكم من الله من شيء (وَإِنَّهُ) أي
يعقوب (لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) أي لفوائد ما علمناه أي أنه عامل بما علمه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٦٨) إن يعقوب بهذه الصفة والعلم (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) أي في محل حكمه (آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) أي أنزله معه في منزله أي لما أتى إخوة يوسف بأخيه بنيامين قالوا له : هذا أخونا قد جئناك به. فقال لهم : أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة ، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه. فقال يوسف : بقي أخوكم فريدا ، فأجلسه معه على مائدة وجعل يواكله ، ثم أنزل كل اثنين منهم بيتا. فبقي بنيامين وحده وقال هذا لا ثاني له فاتركوه معي فضمه يوسف إليه وشمّ ريح أبيه منه حتى أصبح ، فلما خلا به قال له يوسف : ما اسمك؟ قال : بنيامين ، قال : وما بنيامين؟ قال : المثكل وهو لما ولد هلكت أمه ، قال : وما اسم أمك؟ قال : راحيل بنت لاوى. قال : فهل لك من ولد؟ قال : لي عشرة بنين قال : فهل لك من أخ لأمك؟ قال : كان لي أخ فهلك ، قال يوسف : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال : بنيامين ومن يجد أخا مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل! فبكى يوسف عليهالسلام وقام إليه وعانقه و (قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ) أي فلا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٦٩) أي لا تلتفت إلى ما صنعوه فيما تقدم من أعمالهم المنكرة وفيما يعملون بك من الجفاء ويقولون لك من التعيير والأذى ، قال بنيامين : فأنا لا أفارقك ، وقال يوسف : قد علمت اغتمام والدك بي فإذا حبستك عندي ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع ، وأنسبك إلى ما لا يحمد قال : لا أبالي فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك. قال يوسف : فإني أدس صاعي في رحلك ، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك معهم. قال : فافعل ما شئت فذلك قوله تعالى : (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ) أي فلما هيأ يوسف لهم ما يحتاجون للسفر وحمل لهم أحمالهم من الطعام على إبلهم (جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) أي دسّ مشربته التي كان يشرب فيها في وعاء طعام أخيه الشقيق بنيامين ، ثم أمرهم بالسير ، ثم أرسل خلفهم عبده (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي نادى مناد مع رفع صوت مرارا كثيرة (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) أي يا أصحاب الإبل التي عليها الأحمال (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) (٧٠) وهذا الكلام إما على سبيل الاستفهام ، وإما على قصد المعاريض. والمعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه ليكون للمنادي مندوحة عن الكذب. (قالُوا) أي إخوة يوسف (وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ) أي والحال إنهم التفتوا إلى جماعة الملك المؤذن وأصحابه : (ما ذا تَفْقِدُونَ) (٧١) أي أي شيء صاع منكم. (قالُوا) أي أصحاب الملك : (نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ) أي نطلب إناء الملك الذي كان يشرب فيه ويكيل وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت ق ال المؤذن : (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ) أي بالإناء من عند نفسه مظهرا له قبل التفتيش (حِمْلُ بَعِيرٍ) من الطعام أجرة له (وَأَنَا بِهِ) أي بالحمل (زَعِيمٌ) (٧٢) أي كفيل أؤديه إليه ، لأن الإناء كان من الذهب وقد اتهمني الملك. (قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ) يا أهل مصر (ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ) أي أرض مصر بمضرة
الناس (وَما كُنَّا سارِقِينَ) (٧٣) لأنه قد ظهر من أحوالهم امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس ، ولأنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها. (قالُوا) أي أصحاب يوسف : (فَما جَزاؤُهُ) أي فما جزاء سرقة الصواع في شريعتكم (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) (٧٤) في نفي كون الصواع فيكم : (قالُوا) أي إخوة يوسف : (جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي جزاء سرقة الصواع هو أخذ الإنسان الذي وجد الصواع في متاعه (فَهُوَ جَزاؤُهُ) أي فاسترقاق ذلك الشخص سنة هو جزاء سرقته لا غير ، فأفتوا بشريعتهم (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الجزاء (نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (٧٥) بالسرقة في أرضنا هذا من بقية كلام إخوة يوسف. وقيل : من كلام أصحاب يوسف جوابا لقول إخوته ذلك (فَبَدَأَ) أي يوسف بعد ما رجعوا إليه (بِأَوْعِيَتِهِمْ) أي بتفتيش أوعية الإخوة العشرة (قَبْلَ) تفتيش (وِعاءِ أَخِيهِ) بنيامين لنفي التهمة.
روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال : ما أظن هذا أخذ شيئا؟ فقال إخوة يوسف : والله لا نتركك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها) أي الصواع (مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ) فقال له : فرجك الله كما فرجتني (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) أي كما ألهمنا إخوة يوسف إن جزاء السارق أن يسترق كذلك ألهمنا يوسف حتى دسّ الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته (ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) أي لم يكن يوسف يأخذ أخاه في حكم الملك بسبب من الأسباب إلا بسبب مشيئة الله ، وهو حكم أبيه. أي وكان حكم ملك مصر في السارق أن يضرب ويغرم مثلي قيمة المسروق ، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه إلا أن الله تعالى كادله ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ).
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين. والباقون بالإضافة ، أي نرفع رتبا كثيرة عالية من العلم من نشاء رفعه (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (٧٦) أي إن إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء ، ويوسف كان زائدا عليهم في العلم ففوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فليس فوقه أحد. (قالُوا) أي إخوة يوسف تبرئة لأنفسهم : (إِنْ يَسْرِقْ) أي بنيامين سقاية الملك (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) أي قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب من بنيامين فإن أخاه الذي هلك كان سارقا أيضا. قال سعيد بن جبير : كان جد يوسف أبو أمه كافرا يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا هو السرقة (فَأَسَرَّها) أي إجابتهم (يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) أي في قلبه (وَلَمْ يُبْدِها) أي لم يظهر الإجابة (لَهُمْ قالَ) أي يوسف في نفسه (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) أي منزلة في السرقة من يوسف حيث سرقتم أخاكم من أبيكم (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) (٧٧) أي بحقيقة ما تذكرون من أمر يوسف هل يوجب عود مذمة إليه أم لا؟ (قالُوا) مستعطفين : (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ) أي ملك مصر (إِنَّ لَهُ) أي
بنيامين (أَباً شَيْخاً كَبِيراً) في السن لا يكاد يستطيع فراقه وهو يفرح به إن رددناه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) أي بدلا منه في الاسترقاق (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٧٨) إلينا في حسن الضيافة ورد البضاعة إلينا فأتمم إحسانك إلينا بهذه التتمة (قالَ مَعاذَ اللهِ) أي نعوذ بالله معاذا من (أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ) لأن أخذنا له إنما هو بقضية فتواكم (إِنَّا إِذاً) أي إن أخذنا بريئا بمذنب (لَظالِمُونَ) (٧٩) في مذهبكم وما لنا ذلك ولهذا الكلام معنى باطن وهو أن الله تعالى إنما أمرني بالوحي بأن آخذ بنيامين لمصالح يعلمها الله تعالى فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي فصرت ظالما لنفسي (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي من يوسف (خَلَصُوا نَجِيًّا) أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون (قالَ كَبِيرُهُمْ) في السن وهو روبيل أو في العقل وهو يهوذا ، أو رئيسهم وهو شمعون (أَلَمْ تَعْلَمُوا) يا إخوتاه (أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ) في رد بنيامين إليه (وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) فـ «ما» مزيدة ، والجار والمجرور متعلق بـ «فرطتم» أي ومن قبل أخذكم العهد في شأن بنيامين قصرتم في شأن يوسف ، ولم تفوا بوعدكم على النصح والحفظ له ، «أو» مصدرية عطفا على مفعول «تعلموا» أي ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا وتفريطكم السابق في شأن يوسف أو وترككم ميثاقه في حق يوسف ، «أو» موصولة عطفا على مفعول «تعلموا» أيضا أي ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقا والذي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة من قبل تقصيركم في بنيامين (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أي فلن أفارق أرض مصر (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) في الرجوع إليه (أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي) بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي من يد العزيز بسبب من الأسباب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (٨٠) لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق.
روي أنهم كلموا العزيز في إطلاق بنيامين فقال روبيل : أيها الملك لتردن إلينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ولدها ووقفت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه : قم إلى جنب روبيل فمسه فذهب ذلك الابن فمسه ، فسكن غضبه. فقال روبيل : إن هذا بذر من بذر يعقوب وهمّ أن يصيح فركض يوسف عليهالسلام على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط على الأرض. وقال له : أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم فلما رأوا ما نزل بهم ورأوا أن لا سبيل إلى الخلاص خضعوا ، ثم قال لهم كبيرهم : (ارْجِعُوا) يا إخوتي (إِلى أَبِيكُمْ) دوني (فَقُولُوا) له متلطفين بخطابكم : (يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) صواع الملك من ذهب (وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا) أي رأينا أن الصواع استخرجت من وعائه (وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ) أي باطن الحال (حافِظِينَ) (٨١) أي إن حقيقة الأمر غير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم ذلك (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) أي واسأل أهل قرية من قرى مصر التي كنا فيها (وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها) أي واسأل
أصحاب الإبل التي عليها الأحمال الذين جئنا معهم وهم قوم من كنعان من جيران يعقوب عليهالسلام (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (٨٢) في أقوالنا فرجع التسعة إلى أبيهم فقالوا له : ما قال كبيرهم (قالَ) أي يعقوب : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) أي بل زيّنت لكم أنفسكم إخراج بنيامين عني إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك ضرر (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي فعلي صبر بلا جزع ولما رجع القوم إلى يعقوب عليهالسلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال : يا بني لا تخرجون من عندي مرة إلا ونقص بعضكم ، ذهبتم مرة فنقص يوسف ، ومرة ثانية نقص شمعون ، ومرة ثالثة نقص روبيل وبنيامين ثم بكى وقال : (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ) أي بيوسف وأخيه الشقيق وأخيه الذي توقف في مصر (جَمِيعاً) فلا يتخلف منهم أحد وإنما قال يعقوب هذه المقالة على سبيل حسن الظن بالله تعالى ، لأنه إذا اشتد البلاء كان أسرع إلى الفرج ، ولأنه علم بما جرى عليه وعلى بنيه من رؤيا يوسف (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بحالي وحالهم (الْحَكِيمُ) (٨٣) أي الذي لم يبتلني إلا لحكمة بالغة (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين ، وخرج من بينهم كراهة لما سمع منهم. (وَقالَ يا أَسَفى) أي يا شدة حزني (عَلى يُوسُفَ) أي أشكو إلى الله أسفي ولم يسترجع يعقوب أي لم يقل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لأن الاسترجاع خاص بهذه الأمة (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) أي ضعف بصره من كثرة البكاء ، فإن الدمع يكثر عند غلبة البكاء ، فتصير العين كأنها بيضاء من بياض الماء الخارج منها (فَهُوَ كَظِيمٌ) (٨٤) أي ممسك على حزنه فلا يظهره أو ممتلئ من الحزن أو مملوء من الغيظ على أولاده. (قالُوا) أي الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) أي والله لا تزال تذكر يوسف (حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً) أي فاسدا في جسمك وعقلك (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) (٨٥) أي من الأموات فكأنهم قالوا : أنت الآن في بلاء شديد ، ونخاف عليك أن يحصل فيك ما هو أزيد منه وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء. (قالَ) أي يعقوب لهم : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٦) أي أعلم من رحمته ما لا تعلمون وهو أنه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، أي إنه يعلم أن رؤيا يوسف صادقة ، ويعلم أن يوسف حي لأن ملك الموت قال له : اطلبه هاهنا وأشار إلى جهة مصر ويعلم أن بنيامين لا يسرق ، وقد سمع أن الملك ما آذاه وما ضرّ به فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فمن ذلك قال : (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) أي استعلموا بعض أخبار يوسف وأخيه بنيامين فإن حالهما مجهولة ومخوفة بخلاف حال روبيل (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ) أي لا تقنطوا من فرج الله وفضله. وقرأ الحسن وقتادة «من روح الله» بضم الراء ، أي من رحمته (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (٨٧) لأن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم
بجميع المعلومات ، أو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر ، فثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا أي فقبلوا من أبيهم تلك الوصية فعادوا إلى مصر مرة ثالثة (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ) أي يوسف (قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ) أي الملك القادر القوي : (مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) أي أصابنا ومن تركناهم وراءنا الهزال من شدة الجوع (وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ) أي بدراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام ، وتقبل فيما بين الناس (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) أي أتممه لنا ما تتمم لنا بالدراهم الجياد (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) بالمسامحة عن ما بين الثمنين (إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) (٨٨) في الدنيا والآخرة.
وروي أنهم لما قالوا ذلك وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك (قالَ) مجيبا عما عرصوا به من طلب رد أخيهم بنيامين : (هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) أي ما أعظم ما أتيتم من أمر يوسف وأخيه من تفريق يوسف من أبيه وإفراده عن أخيه لأبيه وأمه (إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) (٨٩) أي حال كونكم جاهلين عقبى فعلكم ليوسف من خلاصه من الجب وولايته السلطنة (قالُوا) أي إخوته : (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ).
قرأ ابن كثير «إنك» على لفظ الخبر. وقرأ نافع «أ إنك» بفتح الألف غير ممدودة وبالياء. وقرأ أبو عمرو «آينك» بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع. والباقون «أ إنك» بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام ، لأنهم فهموا من فحوى كلامه عليهالسلام أو من إبصار ثناياه وقت تبسمه عند تكلمه بذلك. وقال من قرأ على الخبر : إن الإخوة لم يعرفوا يوسف حتى رفع التاج عن رأسه فرأوا في فرقه علامة تشبه الشامة البيضاء كما كان ليعقوب وإسحاق مثل ذلك ، فلما عرفوه بتلك العلامة قالوا ذلك. (قالَ) جوابا لسؤالهم : (أَنَا يُوسُفُ وَهذا) أي بنيامين (أَخِي) أي شقيقي (قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا) بالجمع بيننا بعد التفرقة وبكل عز ولم يقل عليهالسلام في الجواب : هو أنا ، بل صرّح بالاسم تعظيما لما نزل به عليهالسلام من ظلم إخوانه وما عوّضه الله من النصر والملك فكأنه قال : أنا يوسف الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه ، وأنا العاجز الذي قصدتم قتله ، والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب كما ترون ؛ فكان في إظهار الاسم هذه المعاني ولهذا قال : وهذا أخي مع أنهم كانوا يعرفونه ، لأن مقصوده عليهالسلام أن يقول وهذا أيضا مظلوم ، ثم صار هو منعما عليه من الله تعالى كما ترون (إِنَّهُ) أي الشأن والمحدث (مَنْ يَتَّقِ) معاصي الله (وَيَصْبِرْ) على أذى الناس والمحن (فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (٩٠) ويقوم الظاهر مقام الضمير لاشتماله على النعتين اللذين هما التقوى والصبر (قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ) أي فضلك الله (عَلَيْنا) بالعلم والحلم والحسن والعقل والملك (وَإِنْ كُنَّا) أي وإن الشأن كنا (لَخاطِئِينَ) (٩١) أي لمتعمدين في الإثم فهم اعتذروا منه وتابوا. (قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) خبر ثان ، أي إني حكمت في هذا اليوم بأن لا توبيخ مطلقا ، وتقدير الكلام :
اليوم حكمت بهذا الحكم العام المتناول لكل الأوقات ، لأن «لا تثريب» نفي للماهية فيقتضي انتفاء جمع أفراد الماهية فذلك مفيد للنفي المشتمل لكل الأوقات (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) ما كان منكم (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٩٢) يغفر الصغائر والكبائر أي لما بين يوسف لهم أنه أزال عنهم ملامة الدنيا بعد اليوم طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب الآخرة ، وروي أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تحضرنا في مائدتك بكرة وعشيا ، ونحن نستحي منك لما صدر منا من الإساءة إليك فقال يوسف عليهالسلام : إن أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ، ولقد شرفت الآن بإتيانكم وعظمت في العيون لما علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليهالسلام فقال يوسف : (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ) إلي (بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (٩٣) من النساء والذراري والموالي وكانوا نحو سبعين إنسانا ، وحمل القميص يهوذا وقال : أنا أحزنته بحمل القميص ملطخا بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا. (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) أي خرجت الإبل التي عليها الأحمال لإخوة يوسف من العريش وهي قرية بين مصر وكنعان (قالَ أَبُوهُمْ) يعقوب لمن حضر عنده من أولاد بنيه وقرابته : (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) أي إني لأشم ريح الجنة من قميص يوسف (لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) (٩٤) أي لو لا أن تنسبوني إلى الخرف وفساد الرأي من هرم لصدقتموني. والتحقيق أن يقال : إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إلى سيدنا يعقوب على سبيل إظهار المعجزات ، لأن وصول الرائحة إليه من المسافة البعيدة ثمانية أيام مثلا أمر مناقض للعادة فيكون معجزة له (قالُوا) أي الحاضرون عنده : (تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) (٩٥) أي لفي حبك الأول ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه وكان يوسف عندهم قد مات (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ) وهو يهوذا بالقميص (أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ) أي ألقى البشير القميص على وجه يعقوب (فَارْتَدَّ بَصِيراً) أي فصار يعقوب بصيرا لعظم فرحه (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٩٦) من حياة يوسف وأن رؤياه صدق ، وأن الله يجمع بيننا (قالُوا) اعتذارا عمّا حصل منهم : (يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) أي اطلب لنا من الله غفر ذنوبنا (إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ) (٩٧) أي متعمدين للإثم في أمر يوسف (قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) أي أدعو لكم ربي ليلة الجمعة وقت السحر ، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٩٨) فقام إلى الصلاة في وقت السحر ، فلما فرغ منها رفع يديه وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف ، وقلة صبري عليه ، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف. فأوحى الله تعالى إليه إني قد غفرت لك ولهم أجمعين.
روي أن يوسف عليهالسلام وجّه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة مع إخوته ليأتوا بجميع أهله إلى مصر ، وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة ، وكانوا حين خرجوا من مصر مع موسى عليهالسلام ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية والهرمى ؛ وكانت الذرية
ألف ألف ومائتي ألف ، فقد بورك فيهم كثيرا حتى بلغوا هذا العدد في مدة موسى مع أن بينه وبين يوسف أربعمائة سنة ، فخرج يوسف في أربعة آلاف من الجند لكل واحد منهم جبة من فضة وراية خز وقصب فتزينت الصحراء بهم واصطفوا صفوفا ، ولما صعد يعقوب ومعه أولاده وحفدته ونظر إلى الصحراء مملوءة بالفرسان مزينة بالألوان فنظر إليهم متعجبا فقال جبريل : انظر إلى الهواء فإن الملائكة قد حضرت سرورا بحالك ، وكانوا باكين محزونين مدة لأجلك ، وهاجت الفرسان بعضهم في بعض وصهلت الخيول ، وسبحت الملائكة ، وضرب بالطبول والبوقات ، فصار اليوم كأنه يوم القيامة ، وكان دخولهم في مصر يوم عاشوراء (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) في محل ضرب فيه يوسف خيامه حين خرج من مصر لتلقي أبيه (آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) أي ضم يوسف إليه أباه وخالته واعتنقهما فإن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين. فمعنى بنيامين بالعبرانية : ابن الوجع ولما ماتت أمه تزوج أبوه بخالته فإن الرابة تدعى أما. (وَقالَ) أي يوسف لجميع أهله : (ادْخُلُوا مِصْرَ) للإقامة بها (إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) (٩٩) على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحدا ، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر. (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) أي لما نزلوا في مصر أجلس يوسف أباه وخالته معه في السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) أي وخروا الله سجدا شكرا لأجل يوسف واجتماعهم به وكان يوسف كالقبلة لهم كما سجدت الملائكة لآدم فإن الله أمر يعقوب بالسجود لحكمة خفية وذلك ، لأن إخوة يوسف ربما حملهم التكبر عن السجود على سبيل التواضع لا على سبيل العبادة ويوسف لم يكن راضيا بذلك السجود في قلبه لكن لما علم أن الله أمر يعقوب بذلك سكت ، ولأن يعقوب علم أنهم لو لم يفعلوا ذلك لظهر الفتر والأحقاد القديمة بعد كمونها ، فالسجود لزوال الاستعلاء والنفرة عن قلوبهم وذلك جائز في ذلك الزمان ، فلما جاءت هذه الشريعة نسخت هذه الفعلة. ويقال : كان سجودهم تحيتهم فيما بينهم كهيئة الركوع نحو فعل الأعاجم. (وَقالَ) أي يوسف : (يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) أي هذا السجود تصديق رؤياي الكائنة من قبل المصائب التي وقعت فكأن يوسف يقول : يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به فإن رؤيا الأنبياء حق وذلك قوله تعالى حكاية عن قول يوسف : (قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا) وكأنه قيل ليعقوب : إنك كنت دائم الرغبة في وصال يوسف ، ودائم الحزن بسبب فراقه ، فإذا وجدته فاسجد له ، فكان الأمر بذلك السجود من تمام التشديد من الله تعالى على يعقوب عليهالسلام قال سلمان : كان بين رؤياه وتأويلها أربعون عاما (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) أي وقد لطف بي محسنا إلي (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) إنما ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من الجب لئلا تخجل إخوته ، ولأن خروجه من السجن كان سببا لصيرورته ملكا ولوصوله إلى أبيه وإخوته ولزوال التهمة عنه وكان ذلك من أعظم نعمه تعالى عليه (وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي من البادية وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية.
وقال علي بن طلحة : أي من فلسطين (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي من بعد أن أفسد الشيطان بيننا بالحسد (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) أي مدبر لما يشاء من خفايا الأمور فإذا أراد الله حصول شيء سهل أسبابه فحصل ، وإن كان في غاية البعد عن الحصول عند العقول (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب (الْحَكِيمُ) (١٠٠) أي المحكم في فعله مبرأ عن العبث والباطل.
وروي أن يعقوب عليهالسلام أقام معه أربعا وعشرين سنة فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده إلى الشام ويدفنه عند قبر أبيه إسحاق فلما مات بمصر حمله يوسف وجعله في تابوت من ساج فوافق ذلك موت عيص أخي يعقوب ، وكانا قد ولدا في بطن واحد فدفنا في قبر واحد ، وكان عمرهما مائة وسبع وأربعين سنة فلما دفن يوسف أباه رجع إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة فلما تم أمره وعلم أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله حسن العاقبة فقال : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) أي بعضا منه وهو ملك مصر (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) أي بعضا من تعبير الرؤيا (فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي يا خالقهما (أَنْتَ وَلِيِّي) أي أنت الذي تتولى إصلاح جميع مهماتي (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً) دعا يوسف بذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلما إظهارا للعبودية والافتقار ، وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة ، وتعليما لغيره. والمطلوب هاهنا كمال حال المسلم وهو أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الاستسلام ، ويرضى بقضاء الله وقدره ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في ذلك ، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١٠١) أي بآبائي المرسلين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب في ثوابهم ودرجاتهم في الجنة وولد ليوسف أفراثيم وميشا ، وولد لأفرائيم نون وولد لنون يوشع فتى موسى عليهالسلام ، ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة مصر بعد يوسف ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف ، وآبائه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليهالسلام (ذلِكَ) أي خبر يوسف وإخوته (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) الذي لا يحوم حوله أحد (نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي عند إخوة يوسف (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) أي حين عزموا على إلقائهم يوسف في غيابة الجب (وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (١٠٢) أي والحال أنهم يحتالون بيوسف ويريدون بذلك قتل يوسف أي ذلك الخبر لا سبيل إلى معرفتك إياه إلا بالوحي ، وأما ما ينقله أهل الكتاب فليس على ما هو عليه ، ومثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور فيكون معجزا ، لأن محمدا لم يطالع الكتب ولم يأخذ عن أحد من البشر وما كانت بلده بلد العلماء فإتيانه بهذه القصة على وجه لم يقع فيه غلط كيف لا يكون معجزا (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ) وهم قريش واليهود (وَلَوْ حَرَصْتَ) أي بالغت في طلب إيمانهم بإظهار الآيات الدالة على صدقك (بِمُؤْمِنِينَ) (١٠٣) لإصرارهم على العناد.
روي أن اليهود وقريشا لما سألوا عن قصة يوسف وعدوا أن يسلموا فلما أخبرهم بها على
موافقة التوراة فلم يسلموا حزن النبي صلىاللهعليهوسلم فنزلت هذه (وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ) أي على تبليغ الأنباء التي أوحينا إليك (مِنْ أَجْرٍ) كما يفعله حملة الإخبار (إِنْ هُوَ) أي القرآن الذي أوحينا إليك (إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) (١٠٤) عامة أي عظة من الله تعالى لهم في دلائل التوحيد والنبوة ، والمعاد والتكاليف والقصص فإن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض ، وهذا القرآن مشتمل على هذه المنافع العظيمة ولا تطلب منهم مالا فلو كانوا عقلاء لقبلوا منك (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ) أي وكم من عدد شئت من العلامات الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وعلمه وحكمته غير هذه الآية التي جئت بها كائنة (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من الأجرام الفلكية وتغير أحوالها ومن الجبال والبحار وسائر ما في الأرض من العجائب (يَمُرُّونَ عَلَيْها) أي يشاهدونها ولا يتأملون فيها.
وقرئ برفع «والأرض» على الابتداء و «يمرون عليها» خبره. وقرأ السدي بنصبها على معنى ويطؤن الأرض. (وَهُمْ عَنْها) أي الآية (مُعْرِضُونَ) (١٠٥) أي غير متفكرين فيها فلا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك يا أشرف الخلق (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (١٠٦) أي لا يؤمن أكثرهم بوجود الله إلا في حال شركهم فالكافرون مقرون بوجود الله لكنهم يثبتون له شريكا في المعبودية. وعن ابن عباس أن أهل مكة قالوا : الله ربنا وحده لا شريك له والملائكة بناته.
وقال عبدة الأصنام : ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده ، وقالت اليهود : ربنا الله وحده وعزيز ابن الله ، وقالت النصارى : ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله ، وقال عبدة الشمس والقمر : ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا وكل من هؤلاء لم يوحدوا بل أشركوا. وقال المهاجرون والأنصار : ربنا الله وحده ولا شريك معه (أَفَأَمِنُوا) أي أهل مكة (أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ) أي أفلم يخافوا أن تأتيهم في الدنيا عقوبة تشملهم (أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أي فجأة من غير سبق علامة (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (١٠٧) بإتيانها غير مستعدين لها. (قُلْ) يا أشرف الخلق لأهل مكة : (هذِهِ) أي الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص (سَبِيلِي) أي ديني (أَدْعُوا إِلَى اللهِ) بهذا الدين (عَلى بَصِيرَةٍ) أي حجة واضحة (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) «فأدعوا» إما مستأنف أو حال من الياء «وعلى بصيرة» إما حال من فاعل «أدعوا» أو من الياء ، و «أنا» إما توكيد للمستكن في «أدعوا» أو في «على بصيرة» ، «ومن اتبعني» عطف على فاعل «أدعو». قال صلىاللهعليهوسلم : «العلماء أمناء الرسل على عباد الله من حيث يحفظون لما يدعونهم إليه» (١). (وَسُبْحانَ اللهِ) أي وأسبح سبحان الله (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٠٨) الذين اتخذوا مع الله ضدا وولدا (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) وهذا رد على أهل مكة حيث أنكروا نبوة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم وقالوا : هلا بعث الله
__________________
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١ : ٣٨٨) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١ : ١٨٥) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٨٩٥٢).
ملكا. والمعنى كيف يتعجبون من إرسالنا إياك مع أن سائر الرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك ولم يبعث الله رسولا من أهل البادية. قال صلىاللهعليهوسلم : «من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل» (١). وقرأ حفص عن عاصم «نوحي» بالنون مبنيا للفاعل. والباقون بالياء مبنيا للمفعول (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) أي أهل مكة (فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي كيف صار آخر أمر المكذبين للرسل والآيات ممن قبلهم فيعتبروا بما حل بهم من عذابنا (وَلَدارُ الْآخِرَةِ) أي الجنة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) معاصي الله (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٠٩).
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتاء على الخطاب لأهل مكة. والباقون على الغيبة (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) أي لا يغررهم تماديهم فيما هم فيه من الراحة والرخاء فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا).
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الذال المكسورة. والمعنى وظن القوم أن الرسل أخلفوا في وعدهم بالنصر ، أي أخلف الله وعده لرسلهم بالنصر. وقرأ الباقون بالتشديد. والمعنى وظن الرسل أنهم قد كذبهم الأمم الذين آمنوا بهم بما جاءوا به من الله وهذا التأويل منقول عن عائشة رضياللهعنها وهو أحسن الوجوه ، وقالت : إن البلاء لم يزل من الأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم (جاءَهُمْ نَصْرُنا) لهم بهلاك أعدائهم (فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ) هم الرسل والمؤمنون بهم. وقرأ ابن عامر وعاصم بنون واحدة فعل ماض مبني للمفعول. والباقون بنونين الثانية ساكنة وبسكون الياء فعل مضارع (وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا) أي عذابنا (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (١١٠) أي المشركين إذا نزل بهم (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ) بفتح القاف أي قصص يوسف وإخوته وأبيه عليهمالسلام. وقرئ بكسر القاف أي قصص الأنبياء وأممهم (عِبْرَةٌ) أي عظة عظيمة (لِأُولِي الْأَلْبابِ) أي لذوي العقول الذين انتفعوا بمعرفتها (ما كانَ) أي هذا القرآن فقد تقدم ذكره في قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) [طه : ١١٣] (حَدِيثاً يُفْتَرى) فلا يصح من محمد أن يختلق فيه ولا يصح الكذب من القرآن فليس بكذب في نفسه (وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي ولكن كان القرآن مصدق الكتب التي قبله (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) أي ومبينا بين الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين (وَهُدىً) في الدنيا من الضلالة (وَرَحْمَةً) أي سببا لحصول الرحمة من العذاب يوم القيامة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١١١) أي يصدقونه فإنهم المنتفعون به.
__________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الأضاحي ، باب : في اتباع الصيد ، والترمذي في كتاب الفتن ، باب : ٦٩ ، والنسائي في كتاب الصيد ، باب : اتباع الصيد ، وأحمد في (م ١ / ص ٣٥٧) ، وفيه «من سكن البادية» بدل «من بدا».
سورة الرعد
مكية ، إلا آيتين فهما مدنيتان وهما قوله تعالى : (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ)
الآية. وقوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إلى (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ). وقيل : مدنية ، سوى
قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) الآيتين ، ثلاث وأربعون آية ، ثمانمائة وأربع
وخمسون كلمة ، ثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وأربعون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(المر) اسم للسورة أي هذه السورة مسماة بهذا الاسم.
وقال ابن عباس في رواية عطاء معناه أنا الله الملك الرحمن. وقال في رواية غيره : أنا الله أعلم وأرى ما تعملون وتقولون. (تِلْكَ) أي آيات السورة المسماة بـ «آلمر» (آياتُ الْكِتابِ) أي الكتاب العجيب الكامل (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وهو القرآن (الْحَقُ) أي هو المطابق للواقع في كل ما نطق به (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) أي مشركي مكة (لا يُؤْمِنُونَ) (١) بالقرآن لإخلالهم بالنظر (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ) أي بغير دعائم (تَرَوْنَها) كلام مستأنف أو حال من السموات أي وأنتم ترون السموات مرفوعة بلا عماد ، أو صفة لعمد. والمعنى أن الله رفع السموات بغير عمد مرئية ، لكم من العيون بل لها عمد غير مرئية وهي قدرة الله تعالى أي إنما بقيت السموات واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى. (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي استولى الله على العرش بالحفظ والتدبير وظهر تصرفه في هذه الأشياء بعد خلق السموات. ويقال للسلطان والملك إذا استقام أمره : إنه استوى على عرشه أي سريره الذي يجلس عليه فالاستواء على العرش كناية عن جريان التدبير والحكم (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي وذللهما لمنافع الخلق (كُلٌ) منهما (يَجْرِي) في فلكه حسبما أريد منهما (لِأَجَلٍ مُسَمًّى) لمدة معينة فيها تتم دورته.
قال ابن عباس : للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا ، فالله تعالى قدر لكل واحد منهما سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء فلزم أن يكون لهما بحسب كل لحظة حالة أخرى لم تكن حاصلة قبل ذلك (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي يدبر أمر
الخلق بالإيجاد والإعدام والإحياء ، والإماتة والإغناء والإفقار ، وبإنزال الوحي ، وبعثة الرسل وتكليف العباد (يُفَصِّلُ الْآياتِ) أي يحدث الله بعض الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته عقب بعض على سبيل التمييز والتفصيل (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (٢) أي لكي تصدقوا بالبعث بعد الموت فهذه الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع تدل على صحة القول بالحشر والنشر ، لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على كثرتها فلأن يقدر على النشر والحشر أولى. ويروى أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضياللهعنه : كيف يحاسب الله الخلق دفعة واحدة؟ فقال : كما يرزقهم الآن دفعة واحدة ، وكما يسمع نداءهم ، ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة. (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) أي بسطها طولا وعرضا على الماء (وَجَعَلَ فِيها) أي الأرض (رَواسِيَ) أي جبالا ثوابت أوتادا لها (وَأَنْهاراً) أي مجاري للماء واسعة لمنافع الخلق (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي وجعل كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا صنفين : إما في اللون كالأبيض والأسود ، أو في الطعم : كالحلو والحامض ، أو في القدر : كالكبير والصغير أو في الكيفية : كالحار والبارد وما أشبه ذلك. (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) أي يستر النهار بالليل (إِنَّ فِي ذلِكَ) المذكور من مد الأرض وإيتادها بالرواسي وإجراء الأنهار ، وخلق الثمرات ، وإغشاء الليل النهار (لَآياتٍ) دالة على وحدانية الله تعالى (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٣) فيستدلون بالصنعة على الصانع وبالسبب على المسبب (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ) أي بقاع مختلفة في الأوصاف (مُتَجاوِراتٌ) أي متقاربات فمنها أرض سبخة رديئة وبجنبها أرض عذبة جيدة ومنها صلبة وبقربها رخوة إلى غير ذلك والاختلاف من دلائل قدرته تعالى (وَجَنَّاتٌ) أي بساتين (مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ) أي تنبت من أصل واحد ثلاث نخلات فأكثر أي مجتمع أصول الأربعة مثلا في أصل واحد (وَغَيْرُ صِنْوانٍ) أي هو مفترق أصولها واحدة واحدة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم «وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان» كلها بالرفع عطفا على قوله : «وجنات». والباقون بالجر عطفا على «أعناب». وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس صنوان بضم الصاد والباقون بكسرها (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) في الطبع سواء كان السقي بماء الأمطار أو بماء الأنهار.
قرأ عاصم وابن عامر يسقي بالياء أي كل المذكور من القطع وما بعده. والباقون بالتاء أي جنات (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها) أي الجنات (عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) بضم الهمزة أي في المهيأ للأكل طعما وشكلا ورائحة ، وحلاوة وحموضة ، ولونا وقدرا ، ونفعا وضرا. وقرأ حمزة والكسائي «يفضل» بالياء عطفا على يدبر. والباقون بالنون (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي المفضل من أحوال القطع والجنات (لَآياتٍ) أي دلالات كثيرة ظاهرة (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٤) أي يستعملون عقولهم في
التدبر (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي وإن تعجب يا أكرم الخلق من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا قد حكموا عليك إنك من الصادقين فحقيق بالعجب قولهم : أنعاد خلقا جديدا بعد الموت ، وبعد أن صرنا ترابا ، وفينا الروح كما كنا قبل الموت ، فإنهم عرفوا أن الله على كل شيء قدير فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته ، لأن القادر على الأقوى قادر على الأضعف بالأولى (أُولئِكَ) أي المنكرون لقدرته تعالى على البعث بعد ما عاينوا الآيات الباهرة (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) لأنهم أنكروا قدرته وعلمه وصدقه في خبره (وَأُولئِكَ) أي أهل الكفر (الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) يوم القيامة (وَأُولئِكَ) أي أهل الأغلال (أَصْحابُ النَّارِ) أي سكان النار (هُمْ فِيها) أي النار (خالِدُونَ) (٥) لا ينكفون عنها (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) استهزاء منهم (بِالسَّيِّئَةِ) أي بنزول العذاب عليهم (قَبْلَ الْحَسَنَةِ) أي قبل طلب الإحسان إليهم بالإمهال ، وذلك أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا فكلما هددهم بعذاب القيامة ، أنكروا البعث والجزاء وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له استهزاء بإنذاره : فجئنا بهذا العذاب (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي والحال أنه قد مضت العقوبات النازلة على أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ) أي لذو إمهال لهم وتأخير للعذاب عنهم (عَلى ظُلْمِهِمْ) أي حال كونهم ظالمين أنفسهم بالمعاصي (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) (٦) فيعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهم المستعجلون بالعذاب أيضا (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أي قالوا عنادا : هلا أنزل على محمد من ربه علامة لنبوته كما أنزل على موسى وعيسى عليهماالسلام قال تعالى له صلىاللهعليهوسلم إزالة لرغبته في حصول مقترحاتهم : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) أي إنما أنت يا أشرف الخلق رسول مخوف من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون ولا حاجة إلى إلزامهم بإتيان ما اقترحوا من الآيات (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (٧) أي نبي مخصوص له هداية مخصوصة فلما كان الغالب في زمان موسى هو السحر جعل معجزته من جنس ذلك وهو العصا واليد ، ولما كان الغالب في أيام عيسى الطب جعل معجزته ما كان من جنس ذلك وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ولما كان الغالب في أيام الرسول صلىاللهعليهوسلم الفصاحة جعل معجزته ما كان لائقا بذلك الزمان ، وهو فصاحة القرآن ، فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى) من حين العلوق إلى زمن الولادة من أي شيء متحمل وعلى أي حال (وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ) أي في عدد الولد واحد واثنين وثلاثة وأربعة ، وفي جثته فقد يكون الولد مخدجا وتاما وفي مدة ولادته فقد يكون مدة الحمل تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة وإلى أربعة سنين عند الشافعي وإلى خمسة عند مالك. (وَكُلُّ شَيْءٍ) من الأشياء (عِنْدَهُ) أي في علمه تعالى (بِمِقْدارٍ) (٨) أي
بحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه (عالِمُ الْغَيْبِ) أي ما غاب عن العباد (وَالشَّهادَةِ) أي ما علمه العباد (الْكَبِيرُ) أي العظيم الذي يصغر غيره بالنسبة إلى كبريائه (الْمُتَعالِ) (٩) أي المنزه عن كل ما لا يجوز عليه في ذاته (سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) في نفسه فلم يظهره على أحد (وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) أي أظهره لغيره.
قال ابن عباس : أي سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ) أي مستتر (بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ) أي بارز يراه كل أحد (بِالنَّهارِ) (١٠).
وقال مجاهد : أي وسواء من أقدم على القبائح سرا في ظلمات الليل ومن أتى بها ظاهرا بالنهار ، أي فإن علمه تعالى محيط بالكل (لَهُ) أي لكل ممن أسر أو جهر والمستخفي والسارب أو لعالم الغيب والشهادة (مُعَقِّباتٌ) أي ملائكة حفظة يعقب بعضهم بعضا في المجيء إلى من ذكر ويعقبون أقواله وأفعاله بالكتب (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي يحيطون بمن ذكر فيعدون عليه أعماله وأقواله ولا يشذ من حفظهم إياها شيء أصلا (يَحْفَظُونَهُ) أي من ذكر (مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي من بأس الله حين أذنب بالاستمهال أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله وقد قرئ به أو بسبب أمر الله كما تدل له قراءة علي وابن عباس ، وزيد بن علي وعكرمة بأمر الله (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من أمن ونعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) بترك الشكر (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً) أي هلاكا (فَلا مَرَدَّ لَهُ) أي لم تغن المعقبات شيئا فلا راد لعذاب الله ولا ناقض لحكمه (وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ) أي من غير الله (مِنْ والٍ) (١١) أي مانع من عذاب الله الذي أراده بهم بتغيير ما بهم (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) وهو لمعان يظهر من خلال السحاب (خَوْفاً) أي خائفين من وقوع الصواعق (وَطَمَعاً) أي وطامعين في نزول الغيث ، أو ذا خوف لمن له في المطر ضرر كالمسافر ، وكمن يجفف التمر والزبيب والقمح وذا طمع لمن له فيه نفع كالحراث (وَيُنْشِئُ السَّحابَ) أي ويرفع الغمام المنسحب في الجو (الثِّقالَ) (١٢) بالماء (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ). قيل : الرعد اسم ملك موكل بالسحاب ، والصوت المسموع لنا هو صوته بالتسبيح ، وقيل : هو صوت الآلة الذي يتولد عند ضرب السحاب بها ، وعن ابن عباس رضياللهعنهما : أن اليهود سألت النبي صلىاللهعليهوسلم عن الرعد ما هو؟ فقال : «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق ـ أي آلات من نار ـ يسوق بها السحاب حيث شاء الله» قالوا : فما الصوت الذي نسمع؟ قال : «زجره السحاب» (١) ويقال : الرعد صوت السحاب وتسبيحه هو دلالته على وحدانية الله تعالى وفضله المستلزم لحمده (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أي وتسبح جميع الملائكة من هيبة الله تعالى. وفي رواية عن ابن عباس : الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه حيث يؤمر ، وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه وأنه يسبح الله تعالى ، فإذا
__________________
(١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ١٣ ، وأحمد في (م ١ / ص ٢٧٤).
سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر. (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ) وهي نيران تنشأ من السحاب (فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ) أي في شأن الله (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ) (١٣) أي العقاب نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل ، وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة فإنهما أتيا النبي صلىاللهعليهوسلم يخاصمانه ويريدان الفتك به صلىاللهعليهوسلم فقال أربد أخو لبيد : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم حديد؟ فلما رجع أرسل الله عليه صاعقة في يوم صحو صائف فأحرقته ، ورمى عامرا بغدة كغدة البعير فمات على ظهر فرسه. وعن الحسن أنه قال : كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلىاللهعليهوسلم نفرا يدعونه إلى الله تعالى ورسوله فقال لهم : أخبروني من رب محمد هذا الذي تدعونني إليه فهل هو من ذهب أم من فضة أم من حديد أم من نحاس؟ فاستعظموا مقالته فرجعوا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : «ارجعوا إليه» فرجعوا إليه فقال : أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه ، فرجعوا إليه صلىاللهعليهوسلم وقالوا : يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى بل أخبث منها فقال صلىاللهعليهوسلم : «ارجعوا إليه» فرجعوا إليه فبينما هم عنده ينازعونه ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فاحترق الكافر وهم جلوس عنده ، فرجعوا ليخبروا النبي صلىاللهعليهوسلم بالخبر ، فاستقبلهم الأصحاب فقالوا : احترق صاحبكم قالوا : من أين علمتم؟ قالوا : أوحى الله إلى النبي صلىاللهعليهوسلم قوله تعالى : (وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ) إلخ. (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ) أي لله الدعوة المطابقة للواقع حيث جعلها افتتاح الإسلام بحيث لا يقبل بدونها وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، وهي كلمة الإخلاص. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ) والأصنام الذين يعبدهم الكفار من غير الله لا يستجيبون لهم بشيء من طلباتهم إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد (لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ) أي ليبلغ الماء بنفسه من غير أن يغترف إلى فيه وما الماء ببالغ فيه أبدا لكونه جمادا لا يشعر بعطشه ، ولا يبسط يده إليه ، فكما لا يبلغ الماء في هذا الرجل العطشان كذلك لا تنفع الأصنام من عبدها (وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) (١٤) أي وما عبادة الكافرين إلا في ضياع لا منفعة فيها ، لأنهم إن عبدوا الأصنام لم يقدروا على نفعهم ، وإن عبدوا الله لم يقبل منهم لإشراكهم (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) أي ولله يعبد من في السموات ومن في الأرض من الملائكة ، وبعض المؤمنين من الثقلين حال كونهم طائعين بسهولة ونشاط وحال كونهم كارهين للعبادة بمشقة لصعوبة ذلك على بعض المؤمنين (وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (١٥) أي ولله يسجد ظلال من يسجد غدوة عن أيمانهم وعشية عن شمائلهم. (قُلْ) يا أشرف الخلق لقومك : (مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ) أمر الله رسوله بهذا الجواب إشعارا بأنه متعين للجوابية وبأنهم لا ينكرونه ألبتة ، ثم ألزمهم الحجة فقال : (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أي أبعد إقراركم هذا عبدتم من غير الله أربابا (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً) يستجلبونه (وَلا ضَرًّا) يدفعونه
عن أنفسهم فبالأولى أن يكونوا عاجزين عن تحصيل المنفعة للغير ، ودفع المضرة عن الغير ، فإذا عجزوا عن ذلك كانت عبادتهم محض العبث والسفه ، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) أي قل لهم : هل يستوي الجاهل بمستحق العبادة والعالم بذلك ، وهل يستوي الظّلمت والنّور أي قل لهم : هل يستوي الجاهل بمستحق العبادة والعالم بذلك ، وهل يستوي الجهل بالحجة والعلم بها (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم بسبب ذلك وقالوا : هؤلاء خلقوا كخلقه تعالى فاستحقوا العبادة كما استحقها ، أي هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا : إنها تشارك الله في كونها خالقة فوجب أن تشاركه في الألوهية واستحقاق العبادة ، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة إن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة ، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الألوهية محض الجهل (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فلا شريك له في الخلق فلا يشاركه في استحقاق العبادة أحد (وَهُوَ الْواحِدُ) أي المنفرد بالألوهية (الْقَهَّارُ) (١٦) لكل ما سواه (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ) أي من جهتها (ماءً فَسالَتْ) بذلك الماء (أَوْدِيَةٌ) أي أنهار (بِقَدَرِها) من الماء فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع الوادي كثر الماء (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ) أي الجاري (زَبَداً) أي غثاء (رابِياً) أي منتفخا فوق الماء (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) أي من الجواهر كالنحاس والذهب والفضة (ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) أي لطلب اتخاذ زينة أو اتخاذ متاع كالأواني (زَبَدٌ) أي خبث (مِثْلُهُ) أي مثل وسخ الماء في أن كلا منهما شيء من الأكدار (كَذلِكَ) أي مثل هذا التبيين للأمور الأربعة الماء والجوهر والزبدين ، (يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ) أي يبين الله مثل الإيمان والكفر (فَأَمَّا الزَّبَدُ) من الماء والجوهر (فَيَذْهَبُ جُفاءً) أي يرميه الماء إلى الساحل ويرميه الكير ، (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ) من الماء الصافي والفلز الخالص (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) فالماء : يثبت بعضه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار ، والفلز : يصاغ من بعضه أنواع الحلي ، ويتخذ من بعضه أصناف الآلات فينتفع بكل من ذلك مدة طويلة. والحاصل إن القرآن شبه بالماء فالله أنزله من سماء الكبرياء والإحسان. وشبهت القلوب المنورة بالأودية لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن ، كما أن الأودية يستقر فيها الماء فيحصل في كل قلب من أنوار علوم القرآن ما يليق به من قوة فهمه وقصوره كما يحصل في كل واد من مياه الأمطار ما يليق به من سعته وضيقه ، وكما أن الماء يعلوه وضر ، والفلز يخالطه خبث ، ثم إن ذلك يذهب ويبقى الخالص منه كذلك بيانات القرآن تختلط بها شبهات ، ثم تزول ويبقى العلم والدين في الآخر ، وشبهت القلوب المظلمة بالسيل أي فاحتملت القلوب المنورة الحق بقدر سعتها بالنور واحتملت القلوب المظلمة باطلا كثيرا بهواها. (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الضرب العجيب (يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) (١٧) أي يبين الله أمثال الحق والباطل فيجليها في غاية الوضوح (لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى) أي للذين أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والتزام
الشرائع الواردة على لسان رسوله المنفعة الدائمة الخالصة عن شوائب المضرة ، المقرونة بالإجلال ؛ وهي الجنة (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) أي والأشقياء الذين عاندوا الحق الجلي لو أن لهم ما في الأرض من أصناف الأموال جميعا لجعلوا ما في الأرض ، ومثله فداء أنفسهم من العذاب ، لأن محبوب كل إنسان ذاته فإذا كانت في ضرر وكان مالكا لكل شيء فإنه يرضى أن يجعل جميع ملكه فداء لها لأنه حب ما سواها ليكون وسيلة إلى مصالحها (أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ) بأن يحاسبوا بكل ذنب فلا يغفر منه شيء (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) (١٨) أي المستقر هي (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى) أي أفمن يعلم أن القرآن الذي مثل بالماء النازل من السماء وبالأبريز الخالص في المنفعة هو الحق كمن لا يعلم! (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (١٩) أي إنما يتعظ بالقرآن وينتفع بهذه الأمثلة ذوو العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ) أي بما كلف الله العبد به فيدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات والوفاء بالعقود في المعاملات وأداء الأمانات (وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) (٢٠) وهو ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختيار نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) وهو رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد فيدخل فيه صلة الرحم والقرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان وعيادة المريض وشهود الجنائز ، وإفشاء السلام على الناس ، والتبسم في وجوههم ، وكف الأذى عنهم ويدخل في العباد كل حيوان حتى الدجاجة والهرة (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) والخشية نوعان : خوف من أن يقع خلل في طاعاته ، وخوف هيبة ، وإن كان العبد في عين طاعته (وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) (٢١) فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا (وَالَّذِينَ صَبَرُوا) على فعل العبادات وعلى ثقل الأمراض والمضار والغموم وعلى ترك المشتهيات (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) أي طلبا لرضاه خاصة من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياء وسمعة ، ولا إلى جانب النفس زينة وعجبا ، فكما أن العاشق يرضى بضرب معشوقه لالتذاذه بالنظر إلى وجهه فكذلك العبد يرضى بالمحنة لاستغراقه في معرفة نور الله تعالى (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) وأفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات ولا يمتنع إدخال النوافل فيها (وَأَنْفَقُوا) نفقة واجبة ومندوبة (مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا) لمن لم يعرف بالمال أو لمن لا يتهم بترك الزكاة أو عند إعطائه من تمنعه المروءة من أخذه ظاهرا أو في التطوع (وَعَلانِيَةً) لغير ذلك (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي يدفعون المعصية بالتوبة ولا يجازون الشر بالشر بل يجازون الشر بالخير (أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) (٢٢) أي عاقبة الدنيا ومرجع أهلها (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) أي يدخل جنات عدن المنعوتون بتلك النعوت الجليلة ، ومن آمن كما آمنوا من أصولهم وإن علوا ذكورا كانوا أو إناثا ، ومن أزواجهم اللاتي متن في عصمتهم وذرياتهم وإن لم يعمل مثل أعمالهم ، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وإنما يلحق بهم من آمن
من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم كرامة لهم وتعظيما لشأنهم وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة وقوله : «جنات عدن» بيان لـ «عقبى» أو خبر مبتدأ مضمر. (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ) (٢٣) لكل واحد منهم خيمة من درة مجوفة لها أربعة آلاف باب لكل باب مصراع من ذهب يدخل عليهم من كل باب ملائكة يقولون لهم : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي سلمكم الله دعاء لهم وبشارة بدوام السلامة (بِما صَبَرْتُمْ) متعلق بعليكم أو بمحذوف أي هذه الكرامة العظمى بسبب صبركم على الطاعات ، وترك المحرمات ، وعلى المحن (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (٢٤) أي نعم عاقبة الدار التي كنتم عملتم فيها هذه الكرامات التي ترونها (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ) أي لا يعملون مقتضى الأدلة (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة ، أو المعنى يتركون فرائض الله من بعد توكيده (وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) أي ما أوجب الله وصله فيدخل فيه وصل الرسول بمعاونة دينه ووصل سائر من له حق (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالدعاء إلى غير دين الله وبالظلم في النفوس والأموال (أُولئِكَ) أي الموصوفون بالقبائح (لَهُمُ اللَّعْنَةُ) أي الأبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى نقمة (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (٢٥) أي سوء عاقبة الدنيا (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي يوسعه (لِمَنْ يَشاءُ) من عباده (وَيَقْدِرُ) أي يعطي من يشاء منهم بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء أي إن فتح باب الرزق في الدنيا لا تعلق له بالكفر والإيمان ، بل هو متعلق بمجرد مشيئته تعالى فقد يوسع على الكافر استدراجا ، ويضيق على المؤمن امتحانا لصبره وتكفيرا لذنوبه ، فالدنيا دار امتحان (وَفَرِحُوا) أي فرح من بسط الله له رزقه من كفار مكة فرح بطر (بِالْحَياةِ الدُّنْيا) لا فرح سرور بفضل الله تعالى (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ) (٢٦) أي إنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة ، والحال أن ما بطروا به في مقابلة ما أعرضوا عنه شيء قليل النفع سريع النفاد كمتاع البيت وزاد الراعي (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي أهل مكة (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أي هلا أنزل على محمد من ربه علامة لنبوته كما كانت للرسل الأولين (قُلْ) لهؤلاء المعاندين : (إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ) عن دينه (وَيَهْدِي إِلَيْهِ) أي يرشد إلى دينه (مَنْ أَنابَ) (٢٧) أي من أقبل إليه أي ما أعظم عنادكم في الآيات التي ظهرت على يد الرسول إن الله يضل من كان على صفتكم من شدة الشكيمة على الكفر فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت عليهم كل آية طلبوها ، ويهدي إليه بأدنى آية جاء بها الرسول من كان على خلاف صفتكم (الَّذِينَ آمَنُوا) بما جاء به الرسول (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ) أي بكلام الله أي إن علم المؤمنين بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلىاللهعليهوسلم نبيا حقا من عند الله وإن شكهم في أنهم أتوا بالطاعات كاملة يوجب الوجل في قلوبهم. (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (٢٨) أي إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الأزمان ، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا صافيا نورانيا لا يقبل التغير (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ).
روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة». ويقال : طوبى شجرة في الجنة ساقها من ذهب وثمرها من كل لون ، وثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها فتنبت الحلي والحلل وأصلها في دار النبي صلىاللهعليهوسلم ، وأغصانها متدليات في كل دار وغرفة في الجنة وتحتها كثبان المسك والعنبر والزعفران وينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل (وَحُسْنُ مَآبٍ) (٢٩) أي مقر (كَذلِكَ) أي مثل إرسالنا الأنبياء إلى أمم وإعطائنا إياهم كتبا تتلى عليهم (أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ) أي إلى جماعة كثيرة (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) أي قد تقدمتها أمم كثيرة (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ) أي على أمتك (الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) فلما ذا اقترحوا غيره (وَهُمْ) أي والحال أن أمتك (يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ) الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وفي إنزال هذا القرآن المعجز عليهم.
روى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلىاللهعليهوسلم : «اسجدوا للرحمن» أي اخضعوا بالصلاة وغيرها للرحمن أي الذي لا نعمة لكم إلا منه قالوا : وما الرحمن؟ متجاهلين في معرفته فضلا عن معرفة نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل. قال الله تعالى : (قُلْ) لهم يا أشرف الخلق : (هُوَ) أي الرحمن الذي أنكرتم معرفته (رَبِّي) أي خالقي ، ومبلغي إلى مراتب الكمال (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي لا مستحق للعبادة سواه. (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في جميع أموري لا على أحد سواه (وَإِلَيْهِ مَتابِ) (٣٠) أي مرجعي في الآخرة. (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ) أي زعزعت بتلاوته (الْجِبالُ) من أماكنها كما فعل ذلك بالطور لموسى عليهالسلام (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) أي شققت وجعلت أنهارا وعيونا كما فعل بالحجر حين ضربه موسى بعصاه أو جعلت قطعا بعيدة (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) بعد أن أحييت بقراءته عليها كما أحييت لعيسى عليهالسلام لكان هو هذا القرآن لكونه ينطوي على عجائب آثار قدرة الله تعالى.
روي أن أهل مكة منهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم الرسول صلىاللهعليهوسلم وعرض الإسلام عليهم ، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي : إن سرّك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى ينفسح المكان علينا ، لأنها ضيقة لمزارعنا ، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار ، ونزرع ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخّر له الجبال تسير معه ، أو سخر لنا الريح لنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ، ونرجع في يومنا كما سخرت لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان كما زعمت أو أحيي لنا جدك قصيا لنسأله أحق ما تقول أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً) إلخ (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) أي بل الله الأمر الذي يدور عليه فلك
الأكوان وجودا وعدما إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فالله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) أي أغفل المؤمنون عن كون الأمر جميعا لله تعالى فلم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هداية جميع الناس إلى دينه لهداهم ، لكنه تعالى لم يشأها فلم يظهر ما اقترحوا من الآيات قيل : لما سأل الكفار تلك الآيات طمع المؤمنون في إيمانهم فطلبوا نزولها ليؤمنوا ، وعلم الله أنهم لا يؤمنون برؤيتها (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من أهل مكة (تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا) من سوء أعمالهم (قارِعَةٌ) أي داهية تقرعهم بما ينزل الله عليهم في كل وقت من أنواع البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم (أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) أي أو تنزل تلك القارعة مكانا قريبا منهم فيفزعون منها (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) وهو موتهم أو القيامة (إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٣١) أي الوعد والمقصود من هذا تقوية قلب الرسول صلىاللهعليهوسلم وإزالة الحزن عنه (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي إن أقوام سائر الأنبياء استهزءوا بهم كما أن قومك استهزءوا بك (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي فتركتهم بعد الاستهزاء مدة طويلة في راحة وأمن (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) بالعقوبة (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) (٣٢) أي على أيّ حالة كان عقابي إياهم هل كان ظلما لهم أو كان عدلا (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) أي أفمن هو حافظ كل نفس مع ما عملت من خير وشر وهو الله القادر على كل الممكنات العالم بجميع الجزئيات والكليات كالأصنام التي لا تضر ولا تنفع : (وَجَعَلُوا) أي الكفار (لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) أي سموهم بالآلهة وهذا أمر على سبيل التهديد. والمعنى سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به فإنها لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها لحقارتها. (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) أي أتقدرون على أن تخبروا الله بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم الله تعالى أم تتفوهون بإظهار قول من غير اعتبار معنى؟ أي أتقولون بأفواهكم من غير فكر وأنتم ألباء فتفكروا في ذلك لتعلموا بطلانه! وإنّما خصّ بنفي الشريك عن الأرض وإن لم يكن له تعالى شريك ألبتة ، لأن الكفار ادعوا أن له تعالى شركاء في الأرض لا في غيرها. (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) أي تمويههم الأباطيل فإنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا وهم يعلمون بطلان ذلك وليس فيهم في الباطن إلا تقليد الآباء (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي هنا ، وفي «حم المؤمن» بضم الصاد أي منعوا عن سبيل الحق. والباقون بفتح الصاد أي أعرضوا عنه أو صرفوا غيرهم عنه. وقرئ بكسر الصاد على نقل حركة الدال المكسورة إليها. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) عن دينه بسوء اختياره (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (٣٣) أي موفق للهدى (لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) بالقتل والسبي واغتنام الأموال واللعن (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ) أي أشد من عذاب الدنيا بالقوة وكثرة الأنواع وعدم الانقطاع وعدم اختلاط شيء من الراحة (وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ) أي عذابه (مِنْ واقٍ) (٣٤) أي حافظ يعصمهم من ذلك (مَثَلُ الْجَنَّةِ) أي صفة الجنة (الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) عن
الكفر والمعاصي (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي أنهار الخمر والماء والعسل واللبن (أُكُلُها دائِمٌ) أي ثمرها لا ينقطع (وَظِلُّها) كذلك أيضا فليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة (تِلْكَ) أي الجنة (عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي منتهى أمرهم (وَعُقْبَى الْكافِرِينَ) أي آخر أمرهم (النَّارُ) (٣٥) لا غير (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي أعطيناهم علم التوراة والإنجيل ، وهم من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ، ومن أسلم من النصارى ؛ وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران ، وثمانية باليمن ، واثنان وثلاثون بالحبشة (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي بالقرآن لكونهم آمنوا به (وَمِنَ الْأَحْزابِ) أي بقية أهل الكتاب وسائر المشركين (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) أي بعض القرآن وهو الشرائع الحادثة (قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ) وحده فعبادة الله واجبة على المرء فبهذا يبطل القول بالجبر المحض ، وقول نفاة التكاليف ولا تمكن عبادة الله إلا بعد معرفة الله ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل. فهذا دليل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته وما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه (وَلا أُشْرِكَ بِهِ) وهذا يدل على نفي الشركاء فيبطل من أثبت معبودا سوى الله تعالى سواء قال : إن المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب ، أو الأصنام ، أو الأرواح العلوية ، أو يزدان وأهرمن على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية. (إِلَيْهِ) أي إلى الله خاصة (أَدْعُوا) خلقه فكما يجب عليه صلىاللهعليهوسلم الإتيان بالعبادة كذلك يجب عليه صلىاللهعليهوسلم الدعوة إلى عبودية الله تعالى. وهذا إشارة إلى نبوته صلىاللهعليهوسلم (وَإِلَيْهِ) أي إلى الله تعالى وحده (مَآبِ) (٣٦) أي مرجعي للجزاء. وهذا إشارة إلى النشر والحشر ، والبعث والقيامة. فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة عرف أنها محتوية على جميع المطالب في الدين. (وَكَذلِكَ) أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم (أَنْزَلْناهُ) أي ما أنزل إليك (حُكْماً) أي حاكما يحكم في القضايا والواقعات (عَرَبِيًّا) أي مترجما بلسان العرب (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) أي الكفار (بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) الفائض من ذلك الحكم العربي (ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍ) أي قريب ينفعك (وَلا واقٍ) (٣٧) أي مانع يمنعك من مصارع السوء.
روي أن المشركين دعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى ملة آبائه فهدده الله تعالى على اتباع أهوائهم في ذلك (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً) أي نساء فقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سرية وكان لأبيه داود مائة امرأة (وَذُرِّيَّةً) أي أولادا مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب (وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ) مما اقترح عليه (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادته (لِكُلِّ أَجَلٍ) أي لكل وقت من الأوقات (كِتابٌ) (٣٨) أي حكم معين مكتوب في صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ فقد أثبت فيها أن أمر كذا يكون في وقت كذا على ما تقتضيه الحكمة (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ) من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت (وَيُثْبِتُ) أي يبقيه على حاله (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) أي أصله وهو اللوح المحفوظ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو
مكتوب فيه كما هو. فالحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفصيل ، فعند الله كتابان كتاب يكتبه الملائكة على الخلق : وهو محل المحو والإثبات ، وكتاب كتبه القلم بنفسه في اللوح المحفوظ : وهو الباقي.
روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة». اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم.
فالشبهة الأولى : إنهم عابوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم بكثرة الزوجات وبأكل الطعام والمشي في الأسواق ، وبكونه من جنس البشر. وقالوا : لو كان محمد رسولا من عند الله لما اشتغل بالنسوة بل كان مشتغلا بالنسك والزهد وقالوا : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة ، وقالوا : لو كان محمد رسولا من الله لما أكل الطعام ولما مشى في الأسواق فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية أي إن الأنبياء الذين كانوا قبل محمد كانوا من جنس البشر فاتصفوا بصفاته من الزواج والأكل ونحو ذلك ولم يقدح ذلك في نبوتهم فكيف يجعلون ذلك قادحا في نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم.
والشبهة الثانية : قولهم : لو كان محمد رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبناه من المعجزات أتى به ، ولم يتوقف فأجاب الله تعالى عنه بقوله : (وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي إن المعجزة الواحدة كافية في إظهار الحجة ، فالزائدة عليها مفوضة إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.
والشبهة الثالثة : أنه صلىاللهعليهوسلم كان يخوفهم بنزول العذاب فيهم وظهور النصرة له ولأصحابه فلما تأخر ذلك طعنوا في نبوته صلىاللهعليهوسلم ، وقالوا : لو كان محمد نبيا لما ظهر كذبه فأجاب الله تعالى عنه بقوله : لكل أجل كتاب أي إن نزول العذاب على الكفار وظهور النصرة للأولياء قضى الله بحصولهما في أوقات مخصوصة ولكل حادث وقت معين ولكل أجل كتاب فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه صلىاللهعليهوسلم كاذبا.
والشبهة الرابعة : قولهم : لو كان محمد صادقا في دعوى الرسالة لم ينسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة لكنه حرفها كما في القبلة ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل فوجب أن لا يكون نبيا فأجاب الله عنه بقوله يمحو الله ما يشاء ويثبت : (وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ) أي إن نرك (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) به من العذاب في حياتك (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي نقبضنك قبل أن نرينك (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي سواء أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي في حياتك أو توفيناك قبل ظهوره ، فالواجب عليك تبليغ أحكام الله تعالى وأداء رسالته وأمانته ، فلا تهتم بما
وراء ذلك ، فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر ، ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية ، (وَعَلَيْنَا الْحِسابُ) (٤٠) أي وعلينا لا عليك محاسبة أعمالهم السيئة ومجازاتها. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) أي أأنكر أهل مكة نزول ما وعدناهم ولم يروا أنا نأخذ أرضهم نفتحها من نواحيها للمسلمين شيئا فشيئا ، ونلحقها بدار الإسلام ، ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا من ذلك؟! (وَاللهُ يَحْكُمُ) ما يشاء كما يشاء وقد حكم للإسلام بالعزة والإقبال وعلى الكفر بالذلة والإدبار (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي لا راد له (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٤١) أي فبعد زمن قليل يحاسبهم في الآخرة غب ما عذبهم في الدنيا بالقتل والأسر والإخراج من ديارهم (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي وقد مكر الكفار الذين مضوا من قبل كفار مكة بأنبيائهم فنمرود مكر بإبراهيم ، وفرعون مكر بموسى ، واليهود مكروا بعيسى كما مكر هؤلاء بك. (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً) أي إن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه تعالى وإرادته فوجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى (يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فلا قدرة للعبد على الفعل والترك (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ).
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «الكافر» على لفظ المفرد ، وقرأ جناح ابن حبيش «وسيعلم» على صيغة المجهول من الأعلام أي سيخبر (لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) (٤٢) أي لمن العاقبة الحميدة (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي اليهود وغيرهم (لَسْتَ مُرْسَلاً) من الله يا محمد (قُلْ) لهم يا أكرم الرسل : (كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فإنه تعالى قد أظهر المعجزات الدالة على كوني صادقا في دعوى الرسالة (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (٤٣) أي السماوي ككعب الأحبار وسلمان الفارسي وعبد الله بن سلام وتميم الداري ، وآصف بن برخيا فكل من كان عالما بالتوراة والإنجيل علم أن محمدا مرسل من عند الله.
وقرئ ومن عنده علم الكتاب بمن الجارة التي لابتداء الغاية أي ومن عند الله حصل علم القرآن لأن أحدا لا يعلمه إلا من تعليمه ، ثم على هذه القراءة. قرئ أيضا علم الكتاب على البناء للمفعول أي لما أمر الله نبيه أن يحتج عليهم بشهادة الله على رسالته ولا يكون ذلك إلا بإظهار القرآن ولا يعلم العبد كون القرآن معجزا إلا بعد العلم بما فيه من أسراره بين الله تعالى إن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله.
سورة إبراهيم
مكية ، اثنتان وخمسون آية ، ثمانمائة وإحدى وثلاثون
آية ، ثلاثة آلاف وخمسمائة وتسعة وثلاثون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر كِتابٌ) أي السورة المسماة بـ «الر» كتاب (أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ) يا أشرف الخلق (لِتُخْرِجَ النَّاسَ) كافة بدعائك إياهم (مِنَ الظُّلُماتِ) أي ظلمات الكفر والضلالة والجهل (إِلَى النُّورِ) أي الإيمان وهذه الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وطريق الحق واحد (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بتسهيله فإن الرسول لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه (إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (١) أي إلى دين الكامل القدوة المستحق للحمد في كل أفعاله (اللهِ).
قرأه نافع وابن عامر بالرفع (الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ملكا وملكا (وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) (٢) أي لما ترك الكفار عبادة الله الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما وعبدوا ما لا يملك ضرا ولا نفعا فالويل ثم الويل لمن كان كذلك أي يولولون أي يصيحون من عذاب غليظ ويقولون : يا ويلاه (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ) أي يختارون الدنيا على الآخرة فهم ضالون (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي يمنعون الناس عن قبول دين الله فهم مضلون (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي يطلبون لسبيل الله زيغا ويقولون لمن يريدون إضلاله : إنها زائغة غير مستقيمة فهذا نهاية الضلال والإضلال (أُولئِكَ) الموصوفون بتلك القبائح (فِي ضَلالٍ) عن طريق الحق (بَعِيدٍ) (٣) أي في غاية البعد عنه فلا يوجد ضلال أكمل من هذا الضلال (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) أي إلا متكلما بلغة من أرسل إليهم الرسول أيا كان وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من أصناف الخلق ، لأن رسالته عامة لجميع الخلق وهو صلىاللهعليهوسلم كان يخاطب كل قوم بلغتهم ، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية لأنه لم يصادف أنه خاطب أحدا من أهلها ولو خاطبه لكلمه بها (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ما كلفوا به بلغاتهم فيكون فهمهم لأسرار الشريعة أسهل
ووقوفهم على المقصود أكمل (فَيُضِلُّ اللهُ) عن دينه (مَنْ يَشاءُ) أي يمنع ألطافه تعالى به (وَيَهْدِي) لدينه بمنح الألطاف (مَنْ يَشاءُ) فتقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان ، وحصلت الهداية لأن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٤) فلا يغالب في مشيئته ولا يفعل شيئا إلا لحكمة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا) وهي معجزاته التي أظهرها لبني إسرائيل (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ) أي ظلمات الكفر (إِلَى النُّورِ) أي نور الإيمان فإن مفسرة لأرسلنا (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ) أي بنعم الله عليهم كانفلاق البحر وتظليل الغمام وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل فيما سلف من الأيام وببأس الله عليهم ، وهي أيامهم تحت قهر فرعون ، وبعذاب الله من كذب الرسل فيما سلف من الأيام كما نزل بعاد وثمود وغيرهم ليرغبوا في الوعد فيصدقوا وليحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في التذكير بالوقائع (لَآياتٍ) أي دلائل (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (٥). وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد الأمرين الصبر والشكر ، لأن الحال إما أن يكون حال بلية أو حال عطية فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه كان شكورا ، وإن جرى بما لا يلائم طبعه كان صبورا فالانتفاع بهذا التذكير لا يكون إلا لمن كان صابرا أو شاكرا (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي مستقرة عليكم (إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أي وقت إنجائه إياكم منهم (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) أي يطلبون منكم الأعمال الشاقة (وَيُذَبِّحُونَ) تذبيحا كثيرا (أَبْناءَكُمْ) صغارا (وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) أي يستخدمونهن كبارا بالاستحياء ويبقونهن منفردات عن الرجال (وَفِي ذلِكُمْ) أي المذكور من الأفعال الفظيعة (بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (٦) لا يطاق وفي الخلاص من ذلك نعمة عظيمة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) أي واذكروا حين أعلم ربكم في الكتاب وفي قراءة ابن مسعود رضياللهعنه وإذ قال ربكم : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) يا بني إسرائيل نعمة الإنجاء وإهلاك العدو وغير ذلك بالإيمان الخالص والعمل الصالح (لَأَزِيدَنَّكُمْ) نعمة إلى نعمة وحقيقة الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه ومزيد النعم الجسمانية أن كل من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر ، ومزيد النعم الروحانية أن النفس إذا اشتغلت بمطالعة أنواع فضل الله وإحسانه أوجب ذلك الاشتغال تأكد محبة العبد لله تعالى ، ثم قد يترقى العبد من ذلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعم فالشكر مقام شريف يوجب السعادة في الدين والدنيا. (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) أي أنكرتم نعمتي فعسى يصيبكم عذابي (إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) (٧) وكفران النعمة لا يكون إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمه من الله تعالى والجاهل بها جاهل بالله والجهل بالله من أعظم أنواع العذاب (وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا) نعمة تعالى ولم تشكروها (أَنْتُمْ) يا بني إسرائيل (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) لم يرجع ضرر الكفر إلا عليكم (فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌ) عن شكر
الشاكرين (حَمِيدٌ) (٨) أي مستحق للحمد في ذاته ، وإن لم يحمده أحد بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده (أَلَمْ يَأْتِكُمْ) يا بني إسرائيل (نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء المذكورين (لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) أي لا يعلم عددهم إلا الله لكثرتهم وهذه الجملة حال من الذين أو من الضمير المستكن في من بعدهم (جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي بالدلائل الواضحة على صدقهم وهذه الجملة تفسير لنبأ الذين من قبلكم (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) أي وعض الكفار أيديهم من الغيظ من شدة نفرتهم عن استماع كلام الرسل أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين إلى الرسل أي كفوا عن هذا الكلام واسكتوا (وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) على ادعائكم فإنهم ما أقروا بأن أوامر الرسل ومنهياتهم من الله تعالى (وَإِنَّا لَفِي شَكٍ) عظيم (مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ) من الإيمان بالله والتوحيد.
وقرئ «تدعونا» بإدغام النون (مُرِيبٍ) (٩) أي ذي قلق النفس (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌ) أي أفي وجود الله ووحدته شك وهو أظهر من كل ظاهر (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي مبدعهما وما فيهما (يَدْعُوكُمْ) إلى التوحيد بإرساله إيانا (لِيَغْفِرَ لَكُمْ) بسببه (مِنْ ذُنُوبِكُمْ) في الجاهلية (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي يؤخر موتكم إلى وقت معين عند الله إن آمنتم وإلا عاجلكم الله بالاستئصال (قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) من غير فضل (تُرِيدُونَ) بالدعوة (أَنْ تَصُدُّونا) أي تصرفونا (عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) أي عن عبادة ما استمر آباؤنا على عبادته (فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) (١٠) أي وإن كنتم رسلا من الله فأتونا بحجة ظاهرة تدل على صحة ما تدعونه من النبوة حتى نترك ما لم نزل نعبده قالوا ذلك عنادا فإن الرسل قد أتوهم بالآيات الظاهرة (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ) مجاراة معهم في أول مقالتهم (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كما تقولون (وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) بالنبوة فإنها عطية من الله من غير سبب (وَما كانَ لَنا) أي ما استقام لنا (أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ) أي بحجة (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادته (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) ومقصود الرسل بهذا القول حمل أنفسهم على التوكل فإن الكفار أخذوا في التخويف حتى قالوا للرسل : توكلوا أنتم على الله حتى تروا ما يفعل بكم فقالت الرسل : (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) أي أيّ عذر لنا في ترك التوكل على الله والحال أنه قد هدانا طرقه التي نعرفه بها ونعلم أن الأمور كلها بيده (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا) بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك فإن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (١٢) أمر الرسل في هذا أتباعهم بالتوكل بعد أمر أنفسهم به وذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر إلا بعد الإتيان به فالإنسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا ، فالناقص إما أن يكون ناقصا غير ساع في تنقيص حال غيره فهو ضال ، وإما أن يكون ساعيا في ذلك فهو مضل ، وإما خاليا عن الوصفين فهو مهتد. والكامل إما أن يكون غير قادر على تكميل الغير فهو ولي ، وإما قادرا على
ذلك فهو نبي فالولي : هو الإنسان الكامل ، والنبي : هو الإنسان الكامل المكمل. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي الغالون في الكفر (لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا) أي من مدينتنا (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أي لتصيرن داخلين في ملتنا (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ) أي الرسل (رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (١٣) (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ) أي أرض الظالمين وديارهم (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هلاكهم (ذلِكَ) أي إسكان الأرض ثابت (لِمَنْ خافَ مَقامِي) أي لمن خافني وخاف حفظي لأعماله (وَخافَ وَعِيدِ) (١٤) أي عذابي الموعود للكفار (وَاسْتَفْتَحُوا) أي طلب كل من الرسل والقوم النصرة على عدوه فنصر الله الرسل (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ) أي خسر عند الدعاء من النصرة كل متكبر عن عبادة الله (عَنِيدٍ) (١٥) أي منحرف عن الحق (مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ) أي من بعد هذه الخيبة جهنم يلقى فيها (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) (١٦) أي مما يسيل من جلود أهل النار من القبح والدم (يَتَجَرَّعُهُ) أي يتناوله جرعة جرعة على الاستمرار لغلبة العطش والحرارة عليه (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) أي لا يكاد أن يجريه في الحلق بل يستمسكه فيه لمرارته ونتنه فوصوله إلى الجوف ليس بإجازة (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) أي يجد ذلك الكافر ألم الموت من كل مكان من أعضائه حتى من أصول شعره وإبهام رجله والحال أنه لا يموت من ذلك العذاب (وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ) (١٧) أي ومن بعد ذلك العذاب عذاب أشد مما هو عليه لا ينقطع ولا يخف بسبب الاعتياد كما في عذاب الدنيا (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ) أي صفة أعمالهم الصالحة كصدقة وصلة رحم ، وإعتاق رقاب وفداء أسير ، وقري ضيف وبر والد ، وإغاثة ملهوف (كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ) أي ذرت (بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) أي شديد الريح (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) أي لا يجدون يوم القيامة أثرا مما عملوا في الدنيا من ثواب أو تخفيف عذاب كما لا يوجد من الرماد شيء إذا ذرته الريح وذلك لفقد شرط الأعمال وهو الإيمان (ذلِكَ) أي عملهم (هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (١٨) أي الضياع البعيد عن نيل الثواب (أَلَمْ تَرَ) أي قد أخبرت أيها المخاطب (أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) أي ملتبسا بالحكمة وليس عبثا.
وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات» على اسم الفاعل والإضافة (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أي يهلككم بالمرة (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (١٩) سواكم أطوع لله منكم. (وَما ذلِكَ) أي إذهابكم والإتيان ببدلكم (عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) (٢٠) أي بمتعسر لأن القادر لا يصعب عليه شيء (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً) أي ويخرجون من قبورهم إلى الله ليحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم (فَقالَ الضُّعَفاءُ) في الرأي وهم السفلة (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) عبادة الله وهم أكابرهم (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً) في الدنيا في تكذيب الرسل والإعراض عن نصيحتهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي فهل أنتم في هذا اليوم دافعون عنا بعض شيء هو عذاب الله؟ (قالُوا) أي القادة : (لَوْ
هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ) أي لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم طريق النجاة ودفعنا عنكم بعض العذاب ولكن سد الله عنا طريق الخلاص (سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا) مما لقينا (أَمْ صَبَرْنا) على ذلك أي الصياح ، فالتضرع والصبر مستويان علينا في عدم الإنجاء (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) (٢١) أي محل هرب من العقاب (وَقالَ الشَّيْطانُ) أي يقول إبليس رئيس الشياطين خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين (لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) أي فرغ منه بأن استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وقد قالوا له : اشفع لنا فإنك أضللتنا (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ) وهو الوعد بالبعث والجزاء على الأعمال فصدق في وعده إياكم (وَوَعَدْتُكُمْ) أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ولئن كان فالأصنام شفعاؤكم (فَأَخْلَفْتُكُمْ) أي كذبت لكم وتبين خلف وعدي (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) أي حجة تدل على صدقي أو قهر فأقهركم على الكفر والمعاصي (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ) أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي (فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) أي أجبتموني (فَلا تَلُومُونِي) بوعدي إياكم حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) حيث أجبتموني باختياركم حين دعوتكم بلا دليل فما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة وقد سمعتم دلائل الله ، وجاءتكم الرسل ، وكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي بمغيثكم من عذابكم (وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ) أي بمغيثي من عذابي (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) أي إني الآن تبرأت من إشراككم إياي مع الله في الطاعة من قبل هذا اليوم ، أي في الدنيا أي ، لأن الكفار كانوا يطيعون إبليس في أعمال الشر كما يطاع الله في أعمال الخير. ومعنى إشراكهم إبليس بالله تعالى طاعتهم لإبليس في تزيينه لهم في عبادة الأوثان. (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢٢) هذا تمام كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإغاثة فالوقف على من قبل حسن أو ابتداء كلام من حضرة الله تعالى إيقاظا للسامعين حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم فالوقف على من قبل تام كما هو عند أبي عمرو (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلق بأدخل أي أدخلتهم الملائكة بأمر ربهم (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) (٢٣) فإن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة ، والملائكة يحيونهم بها والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة.
وقرأ الحسن «وأدخل» على صيغة التكلم وعلى هذه القراءة فقوله : «بإذن» ربهم متعلق «بتحيتهم» أي تحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. (أَلَمْ تَرَ) أي ألم تخبر يا أشرف الخلق (كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً) أي كيف جعل الله كلمة طيبة وهي لا إله إلا الله مثلا وهي (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهي النخلة (أَصْلُها ثابِتٌ) أي ضارب بعروقه في الأرض (وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) (٢٤) أي أعلاها في الهواء (تُؤْتِي أُكُلَها) أي تعطي هذه الشجرة ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أي
كل وقت وكل ساعة ليلا أو نهارا شتاء أو صيفا ، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح ، والخلال والبسر ، والمنصف والرطب وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب فأكلها دائم في كل وقت (بِإِذْنِ رَبِّها) أي بإرادة خالقها كذلك كلمة التوحيد ثابتة في قلب المؤمن بالبرهان وعمل المؤمن المخلص يرفع إلى السماء وفي كل حين يعمل خيرا بأمر ربه وحكمة تمثيل كلمة التوحيد بالشجرة أن الشجرة تكون بثلاثة أشياء عرق راسخ ، وأصل قائم ، وفرع عال كذلك التوحيد يكون بثلاثة أشياء تصديق بالقلب ، وقول باللسان وعمل بالأبدان (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) أي يبين الله صفات التوحيد (لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٢٥) أي يتعظون لأن في ضرب الأمثال تصويرا للمعاني فيحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ) وهي الشرك بالله (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) كالحنظل والكشوت وهي نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض (اجْتُثَّتْ) أي استؤصلت (مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) لكون عروقها في وجه الأرض أي ليس لها أصل ولا عرق يغوص في الأرض فتسميتها شجرة للمشاكلة فكذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا قوة (ما لَها مِنْ قَرارٍ) (٢٦) أي ثبات على وجه الأرض فلا يقبل مع الشرك عمل (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) أي الذي يثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم وهو شهادة أن لا إله إلا الله (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) فلا يزالون عن تلك الشهادة إذا افتتنوا في دينهم كزكريا ويحيى ، وجرجيس ، وشمسون والذين فتنهم أصحاب الأخدود (وَفِي الْآخِرَةِ) أي في القبر حين يقال له : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك؟ فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام؟ ونبيي محمد صلىاللهعليهوسلم.
وحكي أن سهل بن عمار العملي يقول : رأيت يزيد بن هارون في منامي بعد موته فقلت : ما فعل الله بك؟ قال : أتاني في قبري ملكان فظان فقالا : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء فقلت لهما : ألمثلي يقال هذا وقد علّمت النّاس جوابكما ثمانين سنة! فذهبا ، وكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في دقائقها أتم وأكمل كان رسوخ هذه المعرفة في قلبه بعد الموت أقوى وأكمل.
قال ابن عباس : من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة هاهنا بالقبر ، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) أي يصرف الله المشركين عن قول لا إله إلا الله في الدنيا وفي القبر وعند خروجهم من القبور فإنهم إذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري (وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ) (٢٧) من الإضلال والتثبيت ومن صرف منكر ونكير (أَلَمْ تَرَ) أي ألم تنظر (إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً) كأهل مكة حيث أسكنهم الله حرمه الآمن ، ووسّع عليهم أبواب رزقه ،
وشرّفهم بمحمد صلىاللهعليهوسلم فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين فقتلوا وأسروا يوم بدر (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) أي أنزل بعض قريش المطعمون يوم بدر وهم بنو أمية وبنو المغيرة أتباعهم ، وهم بقية قريش بسبب إضلالهم إياهم (دارَ الْبَوارِ) (٢٨) أي دار الهلاك (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها) أي يدخلونها يوم القيامة مقاسين لحرها (وَبِئْسَ الْقَرارُ) (٢٩) أي بئس المنزل جهنم (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً) أي أشباها وشركاء في التسمية والحظ والعبادة (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) الذي هو التوحيد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء فاللام للعاقبة. والباقون بضمها فاللام إما للعاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ، أو للتعليل فالذين اتخذوا الأوثان يريدون إضلال غيرهم وتحقيق لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل : أول الفكر آخر العمل وكل ما حصل في العاقبة كان شبيها بالأمر المقصود في هذا المعنى (قُلْ تَمَتَّعُوا) بعبادتكم الأوثان وعيشوا بكفركم وهذا الأمر تهديد لهم (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ) أي مرجعكم يوم القيامة (إِلَى النَّارِ) (٣٠) ليس إلا (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) وهذان إما مجزومان في جواب أمر محذوف أي قل لهم أقيموا الصلاة فإن قلت لهم ذلك يقيموا الصلاة أو مجزومان بلام أمر مقدر ، أي ليقيموا الصلاة أي الواجبة ، (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ) أي أعطيناهم (سِرًّا وَعَلانِيَةً) أي أنفقوا إنفاق سر وعلانية. والمراد حث المؤمنين على الشكر لنعم الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية ، وعلى ترك التمتع بمتاع الدنيا كما هو صنيع الكفرة (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ) أي معاوضة (فِيهِ وَلا خِلالٌ) (٣١) أي مصادقة تنفع وهو يوم القيامة وإنما الانتفاع فيه للمؤمن بالعمل الصالح ، أو الإنفاق لوجه الله تعالى (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) وهما أصلان في دلالة وجود الصانع (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ) أي السحاب (ماءً) فلو لا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولو لا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه (فَأَخْرَجَ بِهِ) أي بذلك الماء (مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) تعيشون به فإذا علم المكلفون أن في تحصيل هذه المنافع القليلة تحمل المتاعب فالمنافع العظيمة الدائمة في الآخرة أولى بتحمل المشاق في طلبها (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ) أي السفن (لِتَجْرِيَ) أي الفلك جريا تابعا لإرادتكم (بِأَمْرِهِ) أي بمشيئته التي نيط بها كل شيء فإن الانتفاع بما ينبت من الأرض لا يكمل إلا بوجود الفلك لنقله إلى البلد الآخر المحتاج أهلها إليه (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ) (٣٢) أي لتنتفعوا بها في نحو الشرب وسقي الزراعات (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ) أي جاريين فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران في سيرهما إلى انقضاء عمر الدنيا ولولاهما لاختلت مصالح العالم بالكلية ، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) (٣٣) لمنامكم ومعاشكم (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) أي كل ما لم تصلح أحوالكم إلا به فكأنكم سألتموه أو من كل ما طلبتموه بلسان الحال. (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ) التي أنعم الله بها عليكم (لا تُحْصُوها) أي لا تطيقوا على عد أنواعها فضلا عن عد أفرادها فإنها غير متناهية (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (٣٤) أي فإن
الإنسان مجبول على النسيان والملالة ، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال ، وترك شكرها فذلك ظلم ، وإن لم ينسها فإنه يملها فيقع في كفران النعمة ، وأيضا إن نعم الله كثيرة فمتى حاول الإنسان التأمل في بعضها غفل عن الباقي. (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) أي مكة (آمِناً) من الخراب ومن الخوف لمن التجأ إليه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) (٣٥) أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام ومن البعد عن عبادة الأصنام. أو المراد أعصمنا من الشرك الخفي وهو عند الصوفية تعليق القلب بالوسائط وبالأسباب الظاهرة (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) أي إن الأصنام ضلّ بهن كثير من الناس أي لما حصل الإضلال عند عبادتها نسب إليها (فَمَنْ تَبِعَنِي) في ديني واعتقادي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي فإنه جار مجرى بعضي لقربه مني (وَمَنْ عَصانِي) أي خالف ديني (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٦) أي فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أي بعض ذريتي إسماعيل ومن سيولد له (بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي في واد ليس فيه زرع (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) أي المعظم الذي يهابه كل جبار أو الذي منع من الطوفان وهو مكة شرفها الله تعالى فلعله قال ذلك باعتبار ما سيؤول إليه أو باعتبار ما كان (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي يا ربنا إنما أسكنت قوما من ذريتي وهم إسماعيل وأولاده في هذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة نحو الكعبة (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أي فاجعل قلوب بعض الناس تسرع إلى ذريتي شوقا إليهم بنقل المعاشات إليهم بسبب التجارات بالنسك والطاعة لله تعالى.
وقرأ العامة «تهوي» بكسر الواو ، وقرأ أمير المؤمنين علي ، وزيد بن علي ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، ومجاهد بفتح الواو أي تحبهم. وقرئ على البناء للمفعول أي اجعل قلوب بعض الناس ممالة إليهم ، (وَارْزُقْهُمْ) أي ذريتي (مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (٣٧) تلك النعمة فإن إبراهيم عليهالسلام إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلاة وأداء الواجبات (رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) من الحاجات وغيرها فلا حاجة بنا إلى الدعاء ، إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك وافتقارا إلى ما عندك (وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (٣٨) وهذه الجملة من كلام الله تعالى تصديقا لإبراهيم عليهالسلام ، وهي اعتراض بين كلامي إبراهيم ، فالوقف على «نعلن» حسن كالوقف على «في السماء» (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) أي حال كوني بعد الكبر (إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ). روي أنه لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) (٣٩) أي لمجيب الدعاء وهو عالم بالمقصود (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) أي مثابرا عليها (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي واجعل بعض ذريتي كذلك (رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) (٤٠).
وقال ابن عباس : أي عبادتي. (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي) ما فرط مني من ترك الأولى في باب الدين وغير ذلك (وَلِوالِدَيَ) وهذا الاستغفار قبل تبين أمرهما. وقرأ ابن حسين «ولوالدي» بسكون الياء. وقرأ الحسين بن علي ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين «ولولدي» بفتحات ؛ وهما إسماعيل وإسحاق. وقرأ ابن يعمر «ولولدي» بضم الواو وسكون اللام وكسر الدال ؛ جمع ولد فالقراءات الشاذة ثلاثة (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) كافة أي من ذرية إبراهيم وغيرهم ففي هذا الدعاء بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة ، والله تعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم عليهالسلام. (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) (٤١) أي يوم يثبت محاسبة أعمال المكلفين على وجه العدل (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ) يا أشرف الخلق (غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) أي تارك عقوبة المشركين بما عملوا والمراد تثبيته صلىاللهعليهوسلم على ما كان عليه من أنه صلىاللهعليهوسلم لا يحسب الله غافلا والمقصود تنبيهه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم عليه تعالى أحد الأمور الثلاثة : إما أن يكون غافلا عن ذلك الظالم ، أو عاجزا عن الانتقام ، أو راضيا بذلك الظلم. وكل ذلك محال عليه تعالى فامتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ) بلا عذاب الاستئصال (لِيَوْمٍ) أي لأجل يوم (تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) (٤٢) أي تبقى مفتوحة لا تتحرك أجفانهم للدهشة (مُهْطِعِينَ) أي مسرعين نحو البلاء ناظرين إلى الداعي وهو جبريل حيث يدعو إلى الحشر من صخرة بيت المقدس (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) أي رافعي رؤوسهم إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) أي يدوم شخوص أبصارهم لدوام الحيرة في قلوبهم (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) (٤٣) أي خالية عن جميع الأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة لما تحققوه من العقاب وحصول هذه الصفات الخمس عند المحاسبة (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) أي وخوف الكفار يا أكرم الرسل أهوال يوم القيامة (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي كل من ظلم بالشرك (رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي أخر العذاب عنا وردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب (نُجِبْ دَعْوَتَكَ) لنا على ألسنة الرسل إلى التوحيد (وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) فيما جاءونا به أي نتدارك في الدنيا ما فاتنا من إجابة الدعوة واتباع الرسل فيقول الله لهم توبيخا (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ) أي أطلبتم هذا المطلوب وهل لم تكونوا خلفتم (مِنْ قَبْلُ) هذا اليوم أي في الدنيا (ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ) (٤٤) أي كانوا يقولون بالحلف لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ومن هذه الدار إلى دار المجازاة ، أما زوالهم من غنى إلى فقر ، ومن شباب إلى هرم ، ومن حياة إلى موت فلا ينكرونه (وَسَكَنْتُمْ) معطوف على أقسمتم (فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والمعصية وهم قوم نوح وعاد وثمود ، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر فإذا لم يعتبر كان مستحقا للتقريع (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ) أي وظهر لكم حالهم بمشاهدة الآثار وبتواتر الأخبار (كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ) من الإهلاك بما فعلوا من الفساد. وقرئ «وبين» على المجهول ، وقرئ أيضا «وتبين» بنون المتكلم ، أي أولم نبين لكم. (وَضَرَبْنا لَكُمُ
الْأَمْثالَ) (٤٥) أي بينا لكم الأمثال في القرآن مما يعلم به أنه تعالى قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل (وَقَدْ مَكَرُوا) أي المهلكون (مَكْرَهُمْ) حال من الضمير في فعلنا بهم أي فعلنا بهم ما فعلنا ، والحال أنهم قد مكروا في إبطال الحق مكرهم الذي جاوزوا فيه كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم (وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ) أي أخذه بهم بالعذاب الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون وهذه الجملة حال من الضمير في مكروا (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) (٤٦) أي وإن كان مكرهم في غاية العظم والشدة بحيث تزول منه الجبال فإن وصلية. وقيل : «إن» نافية و «اللام» لتأكيدها ، وينصره قراءة ابن مسعود رضياللهعنه وما كان مكرهم فالجملة حينئذ حال من الضمير في «مكروا» أي ومكروا مكرهم. والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الشرائع والمعجزات. وقيل : هي مخففة من «أن» أي وأنه كان مكرهم ليزول منه ما هو كالجبال في الثبات من الشرائع والمعجزات.
وقرأ الكسائي وحده «لتزول» بفتح اللام الفارقة ورفع الفعل. فالجملة حينئذ حال من قوله تعالى : (وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ) أي وعند الله المكر بهم. والحال أن مكرهم في غاية القوة بحيث تزول منه الجبال. (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) تفريع على ولا تحسبن الله إلخ فكأنه قيل : وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة وأخبرناك بما يلقونه من الشدائد وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا وبما أجبناهم به وقرعناهم بعدم تأملهم في أحوال من سبقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعد ما وعدنا رسلهم بإهلاكهم فدم على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا فمخلف إما متعد لاثنين مضاف لمفعوله الثاني ، وإما متعد لواحد مضاف لمفعوله ورسله مفعول لوعده (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي غالب لا يماكر (ذُو انتِقامٍ) (٤٧) لأوليائه من أعدائه (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) أي تغير في صفاتها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت (وَالسَّماواتُ) أي تبدل السموات غير السموات فتنتثر كواكبها ، وتكسف شمسها ، ويخسف قمرها وتكون السماء أبوابا ، وذكر شبيب بن إبراهيم بن حيدرة أن الأرض والسموات يبدلان كرتين إحداهما قبل نفخة الصعق فتنتثر أولا الكواكب وتكسف الشمس والقمر ، وتصير السماء كالمهل ، ثم تكشط عن رؤوسهم ، ثم تسير الجبال ، ثم تموج الأرض ، ثم تصير البحار نيرانا ، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر ، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء وبدلت السماء سماء أخرى من ذهب ، ودحيت الأرض ؛ أي مدت مد الأديم ، وأعيدت كما كانت فيها القبور أو البشر على ظهرها وفي بطنها ، وتبدل تبديلا ثانيا إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم ساهرة يحاسبون عليها وهي أرض بيضاء من فضة ، وحينئذ يقوم الناس على الصراط ، وعلى متن جهنم ؛ وهي أرض من نار ، فإذا جاوزوا الصراط وحصل أهل
الجنان من وراء الصراط في الجنان وأهل النيران في النار بدلت الأرض خبزا نقيا فأكلوا من تحت أرجلهم ، وعند دخولهم الجنة كانت الأرض قرصا واحدا يأكل منه جميع من دخل الجنة وإدامهم زيادة كبد ثور الجنة وزيادة كبد النون. وحاصل كلام القرطبي أن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكون قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي ملائكة سماء الدنيا ، وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة.
وقال الرازي : لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم ، ويجعل السموات الجنة (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) (٤٨) أي واذكروا يوم يبرز الخلائق جميعا من قبورهم للحساب والجزاء (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) أي وتبصر يا أكرم الخلق الكافرين (يَوْمَئِذٍ) أي يوم إذ برزوا له تعالى (مُقَرَّنِينَ) أي قرن بعضهم ببعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال (فِي الْأَصْفادِ) (٤٩) أي القيود (سَرابِيلُهُمْ) أي قمصانهم (مِنْ قَطِرانٍ) وهو ما يتحلب من شجر الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجربي. فيحرق الجرب بحرارته وقد تصل إلى الجوف. والمراد أنه تطلى به جلود أهل النار ليجتمع عليهم الأنواع الأربعة من العذاب لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه ، وإسراع النار في جلودهم (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (٥٠) أي تعلوها النار وخصّ الله هذا العضو بظهور آثار العقاب ، كما خصّ القلب بذلك في قوله تعالى : (نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة : ٦ ، ٧] لأن الرأس محل الفكر والوهم والخيال ، والقلب موضع العلم والجهل ، ولا يظهر أثر هذه الأحوال إلا في الوجه ولأنه مجمع الحواس ولخلوه عن القطران ويفعل الله بهم تلك الأمور الثلاثة (لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ) مجرمة (ما كَسَبَتْ) من أنواع الكفر والمعاصي جزاء موافقا لعملها (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٥١) فلا يشغله حساب عن حساب ولا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه (هذا) أي الموعظة التي في هذه السورة (بَلاغٌ) أي كفاية في الموعظة (لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) عطف على مقدر متعلق ببلاغ أي كفاية لهم لينتصحوا ولينذروا به أي بهذا البلاغ (وَلِيَعْلَمُوا) بما فيه من الأدلة (أَنَّما هُوَ) أي الله (إِلهٌ واحِدٌ) لا شريك له (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٥٢) أي وليتعظوا بذلك وهذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح.
سورة الحجر
مكية ، تسع وتسعون آية ، ستمائة وثمان وخمسون كلمة
ألفان وثمانمائة وثلاثة وثمانون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر) قال ابن عباس : أي أنا الله أرى (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (١) أي تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا ، وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان لسبيل الرشد والغي ، وللفرق بين الحق والباطل ؛ وهو الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا صلىاللهعليهوسلم ، وتنكير القرآن للتفخيم كتعريف الكتاب. فالمقصود الوصفان ، وقيل : «الواو» للقسم أي أقسم بالقرآن المبين بالحلال والحرام وبالأمر والنهي (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) (٢) أي إن الكافر بالقرآن كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم تمنى كونه في الدنيا منقادا لحكمه ، ومذعنا لأمره وذلك عند الموت ، وعند اسوداد وجوه الكفار ، وعند دخولهم النار ، وعند رؤيتهم خروج عصاة المسلمين من النار. فـ «ربّ» للتكثير باعتبار مرات التمني ، وللتقليل باعتبار أزمان الإفاقة فأزمان إفاقتهم قليلة بالنسبة لأزمان الدهشة ، وكونه للتقليل أبلغ في التهديد. ومعناه أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا لك عن هذا العمل فكيف كثيره وأيضا إنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في القليل.
وقرأ نافع وعاصم «ربما» بتخفيف الباء. والباقون بالتشديد (ذَرْهُمْ) أي اترك كفار مكة يا أشرف الرسل عن النهي عمّا هم عليه بالنصيحة إذ لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك بل مرهم بتناول ما يتناولونه (يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) أي يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) أي يشغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٣) عند الموت وفي القبر ويوم القيامة ماذا يفعل بهم وعن علي رضياللهعنه أنه قال : إنما أخشى عليكم اثنين طول الأمل واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ) من القرى بالخسف بها وبأهلها كما فعل ببعضها وبإخلائها عن أهلها غب إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما فعل ببعض آخر (إِلَّا وَلَها) في ذلك الشأن
(كِتابٌ مَعْلُومٌ) (٤) أي أجل مؤقت لهلاكها مكتوب في اللوح المحفوظ لا يغفل عنه (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ) من الأمم المهلكة وغيرهم (أَجَلَها) المكتوب في كتابها فلا يجيء هلاكها ولا موتها قبل مجيء كتابها (وَما يَسْتَأْخِرُونَ) (٥) عن أجلها (وَقالُوا) أي كفار مكة عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه استهزاء للنبي صلىاللهعليهوسلم : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) أي القرآن في زعمه (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) أي إنك لتقول قول المجانين حتى تدعي أن الله تعالى نزل عليك القرآن (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ) أي هلا أتيتنا بالملائكة يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك في الإنذار (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٧) في مقالتك إنك نبي وإن هذا القرآن من عند الله فأجاب الله تعالى عن قولهم بقوله تعالى : (ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ) أي فالحق في حق الكفار تنزيل الملائكة بعذاب الاستئصال كما فعل بأمثالهم من الأمم السالفة لا التنزيل بما اقترحوا من أخبارها لهم بصدق الرسول فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء من أفراد كل المؤمنين فكيف على أولئك الكفرة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «ما ننزل» بنون المتكلم وبكسر الزاي المشددة ، «والملائكة» بالنصب. وقرأ شعبة عن عاصم «ما تنزل» ببناء الفعل للمفعول «والملائكة» بالرفع. والباقون «تنزل الملائكة». (وَما كانُوا إِذاً) أي إذ نزلت عليهم الملائكة بالعذاب (مُنْظَرِينَ) (٨) أي مؤخرين ساعة أي ولو نزلنا الملائكة ما أخر عذابهم ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) الذي أنكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون (وَإِنَّا لَهُ) أي الذكر (لَحافِظُونَ) (٩) من الشياطين حتى لا يزيدوا فيه ولا ينقصوا منه ولا يغيروا حكمه.
ويقال : وإنا لمحمد لحافظون من الكفار والشياطين (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) رسلا (مِنْ قَبْلِكَ) يا أكرم الرسل (فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) (١٠) أي في أمم الأولين (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (١١) أي عادة هؤلاء الجهّال مع الرسل ذلك الاستهزاء كما يفعله هؤلاء الكفرة بك وهذا تسلية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم (كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (١٢) أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتاب نسلك الذكر في قلوب كفار مكة. (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي بالذكر. وهذا حال من ضمير نسلكه أو لا محل له من الإعراب تفسير للجملة السابقة. والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه ومع هذه الأحوال لا يؤمنون به عنادا منهم (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (١٣) أي وقد مضت سيرة الأولين بتكذيب الرسل ومضت سيرة الله فهم بإهلاكه إياهم بعد التكذيب ، وهذه الجملة استئناف جيء بها تكملة للتسلية وتهديدا لكفار مكة (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ) أي كفار مكة الذين اقترحوا نزول الملائكة (باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ) أي في ذلك
الباب (يَعْرُجُونَ) (١٤) أي يصعدون ويرون ما فيها من العجائب عيانا (لَقالُوا) لفرط عنادهم : (إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا) أي غشيت بالسحر. وقرأ ابن كثير بتخفيف الكاف. والباقون بتشديدها فهو يوجب تكثيرا أو حيرت من السكر كما يعضده قراءة من قرأ سكرت أي حارت (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (١٥) أي قد سحر محمد عقولنا كما قالوه عند ظهور سائر المعجزات من انشقاق القمر ومن القرآن الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله (وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً) أي محال تسير فيها الكواكب السيارة وهي المريخ بكسر الميم وهو كوكب في السماء الخامسة وله الحمل والعقرب والزهرة بضم ففتح وهي في السماء الثالثة ، ولها الثور والميزان وعطارد بفتح العين وهي في الثانية ، ولها الجوزاء والسنبلة والقمر ، وهو في الأولى ، وله السرطان والشمس وهي في الرابعة ، ولها الأسد والمشتري وهو في السادسة ، وله القوس والحوت وزحل وهو في السابعة ، وله الجدي والدلو وجملة البروج اثنا عشر ، ووجه دلالة البروج على وجود الصانع المختار هو أن طبائع هذه البروج مختلفة ، فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة ، وكل مركب لا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء بحسب الاختيار والحكمة فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار وهو المطلوب (وَزَيَّنَّاها) أي السماء بالشمس والقمر والنجوم (لِلنَّاظِرِينَ) (١٦) بأبصارهم وبصائرهم فيستدلون بها على قدره صانعها ووحدته (وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (١٧) أي مرمي بالشهاب فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس في أهلها ويقف على أحوالها (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) أي إلا من اختلس المسموع سرا من غير دخول (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ) أي لحقه شعلة نار ساطعة تنفصل من الكوكب (مُبِينٌ) (١٨) أي ظاهر أمره للمبصرين (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) أي بسطناها على وجه الماء (وَأَلْقَيْنا فِيها) أي على الأرض (رَواسِيَ) أي جبالا ثوابت لكيلا تميل بأهلها ولتكون دلالة للناس على طرق الأرض لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال (وَأَنْبَتْنا فِيها) أي الأرض (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (١٩) أي مستحسن مناسب أو موزون بوزن فالمعادن كلها موزونة وذلك مثل الذهب والفضة والحديد والرصاص وغير ذلك والنباتات ترجع عاقبتها إلى الوزن ، لأن الحبوب توزن وكذلك الفواكه في الأكثر (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها) أي الأرض (مَعايِشَ) أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما مما يتعلق به البقاء مدة حياتكم في الدنيا (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) (٢٠) أي وجعلنا لكم من لستم برازقيه من العيال والخدم والعبيد والدواب والطيور وما أشبهها ، فالناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقونهم وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الكل (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) أي إن جميع الممكنات مقدورة له تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء شبهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر في كونها مستورة عن علوم العالمين وكونها مهيأة لإيجاده بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت من غير تأخر بنفائس الأموال المخزونة في
الخزائن السلطانية (وَما نُنَزِّلُهُ) أي ما نوجد شيئا (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (٢١) أي إلا ملتبسا بمقدار معين تقتضيه الحكمة فقوله تعالى : (إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله تعالى : (وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) إشارة إلى أن كل ما يدخل في الوجود منها فهو متناه ومتى كان الخارج إلى الوجود منها متناهيا كان مختصا بوقت مقدر وبحيز معين وبصفات معينة بدلا عن أضدادها ، فتخصيص كل شيء بما اختص به لا بد له من حكمة تقتضي ذلك.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البحر والبر وهو تأويل قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ). (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) أي حوامل لأنها تحمل الماء وتمجه في السحاب (فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ) أي السحاب (ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) أي جعلناه لكم سقيا وفي هذا دلالة على جعل الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاؤوا (وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) (٢٢) أي نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله في الأرض وما أنتم على ذلك بقادرين. وقيل : ما أنتم بخازنين له بعد ما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزنه فيها لنجعلها سقيا لكم أي معدا لسقي أنفسكم ومواشيكم وأراضيكم مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا (وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) (٢٣) أي الباقون بعد فناء الخلق المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) أي من تقدم منكم ولادة وموتا (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) (٢٤) أي من تأخر ولادة وموتا.
وقال ابن عباس : في رواية عطاء معنى المستقدمين : أهل طاعة الله تعالى. ومعنى المستأخرين : المتخلفون عن طاعة الله تعالى (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ) للجزاء (إِنَّهُ حَكِيمٌ) أي متقن في أفعاله فيأتي بالأفعال على ما ينبغي وعالم بحقائق الأشياء على ما هي عليه (عَلِيمٌ) (٢٥) أي وسع علمه كل شيء (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) أي آدم (مِنْ صَلْصالٍ) أي من طين يابس غير مطبوخ يصوت عند نقره (مِنْ حَمَإٍ) أي كائن من طين متغير أسود بطول مجاورة الماء (مَسْنُونٍ) (٢٦) أي مصور بصورة الآدمي.
قال المفسرون : خلق الله تعالى آدم عليهالسلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالا كالخزف ، ولا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح (وَالْجَانَ) وهو أبو الجن والأصح أن الشياطين قسم من الجن فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى بالشيطان وكل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الاسم (خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ) أي من قبل خلق الإنسان (مِنْ نارِ السَّمُومِ) (٢٧) أي من نار الحر الشديد النافذ في المسام أو من نار الريح الحارة (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً) أي جسما كثيفا يلاقي بخلاف الجن والملائكة
فإنهم لا يلاقون للطف أجسامهم (مِنْ صَلْصالٍ) أي من طين يتصلصل (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٢٨) أي من طين منتن رطب (فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أي أتممت خلقه باليدين والرجلين والعينين وغير ذلك (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أي جعلت الروح فيه وليس ثمّ نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لإفاضة ما يحيا آدم به من الروح التي هي من أمره تعالى (فَقَعُوا) أي خروا (لَهُ) أي لذلك البشر (ساجِدِينَ) (٢٩) بوضع الجبهة على الأرض لا بالانحناء تعظيما له ، فالسجود كان لآدم في الحقيقة. أو المعنى اسجدوا لله تعالى بوضع الجبهة على الأرض ، وآدم عليهالسلام بمنزلة القبلة لذلك السجود حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى وحكمته (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) (٣٠) أي فخلقه فسواء فجعل فيه الحياة فسجد الملائكة. فمعنى «كلهم» أي لم يشذ منهم أحد ، ومعنى «أجمعون» أي لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ، أي فالكل سجدوا دفعة واحدة (إِلَّا إِبْلِيسَ) رئيسهم (أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (٣١) (قالَ) أي الله تعالى (يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (٣٢) أي أيّ سبب لك في أن لا تكون مع الساجدين لآدم (قالَ) أي إبليس : (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ) أي لا يصح مني أن أسجد (لِبَشَرٍ) أي جسم كثيف لأنه مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها وأنا روحاني لطيف (خَلَقْتَهُ) أي البشر (مِنْ صَلْصالٍ) ناشئ (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٣٣) (قالَ) الله تعالى : (فَاخْرُجْ مِنْها) أي من زمرة الملائكة المعززين ويقال : من رحمتي والفاء في جواب شرط مقدر أي فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) (٣٤) أي مطرود عن الرحمة (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ) أي الإبعاد عن الرحمة (إِلى يَوْمِ الدِّينِ) (٣٥) أي الجزاء أي إنك مدعو باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الحساب من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا بنسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه (قالَ) إبليس : (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي) أي أخرني ولا تمتني (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (٣٦) أي آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وأراد الملعون بهذا السؤال أن لا يذوق الموت لاستحالته بعد يوم البعث وأن يجد فسحة في إغوائهم (قالَ) الله تعالى : (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) (٣٧) أي المؤجلين (إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (٣٨) وهو وقت النفخة الأولى التي علم أنه يموت كل الخلائق فيه (قالَ) إبليس : (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لذرية آدم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٣٩) (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٤٠).
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام في كل القرآن أي الذين أخلصوا دينهم عن كل شائب يناقض التوحيد. وقرأ الباقون بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله تعالى بالتوفيق والعصمة وعصمهم من كيد إبليس قال تعالى : (قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) (٤١) أي هذا الإخلاص طريق يؤدي إلى كرامتي وثوابي من غير اعوجاج. وقرأ يعقوب «علي» بالرفع والتنوين على أنه صفة «لصراط» أي هذا الإخلاص طريق رفيع لا عوج فيه (إِنَّ عِبادِي) سواء كانوا
مخلصين أو لم يكونوا مخلصين (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) أي قدرة أصلا على الإغواء (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) (٤٢) ولما أوهم إبليس في كلامه أن له على بعض عباد الله تسلطا بالإغواء بين الله كذبه فيه وذكر أن إغواءه للغاوين ليس بطريق تصرفه بالإغواء بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ) أي لمصير المتبعين (أَجْمَعِينَ) (٤٣) (لَها) أي لجهنم (سَبْعَةُ أَبْوابٍ) أي سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي جهنم ثم لظى ، ثم الحطمة ، ثم السعير ، ثم سقر ، ثم الجحيم ، ثم الهاوية (لِكُلِّ بابٍ) أي دركة (مِنْهُمْ) أي الأتباع (جُزْءٌ) أي حزب معين (مَقْسُومٌ) (٤٤) أي مفرز من غيره ففي الدركة الأولى : أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ، ثم يخرجون منها. وفي الثانية : النصارى. وفي الثالثة : اليهود. وفي الرابعة : الصابئون. وفي الخامسة : المجوس. وفي السادسة : أهل الشرك. وفي السابعة : المنافقون.
والحاصل أن الله تعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل جزء منهم دركة من النار والسبب في التجزئة أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة فصارت مراتب العذاب مختلفة بذلك (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) من الكفر (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (٤٥) أي مستقرون فيهما لكل منهم عدة منهما (ادْخُلُوها بِسَلامٍ) أي ادخلوا الجنة سالمين من كل آفة (آمِنِينَ) (٤٦) من كل خوف ، أي لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم : ادخلوها بسلام آمنين. وقرئ «ادخلوها» أمرا من الله تعالى للملائكة بإدخالهم في الجنة. وقرأ الحسن «ادخلوها» مبينا للمفعول على صيغة الماضي المزيد فيه. (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ) أي عداوة كانت بينهم في الدنيا (إِخْواناً) حال من ضمير صدورهم أو من فاعل ادخلوها (عَلى سُرُرٍ) من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت تدور بهم الأسرة حيثما داروا (مُتَقابِلِينَ) (٤٧) في الزيارة أي إنهم إذا اجتمعوا ، ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير وهذا أبلغ في الإنس والإكرام (لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ) أي تعب لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولة عمل أصلا (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) (٤٨) لأن تمام النعمة بالخلود (نَبِّئْ عِبادِي) أي أخبر يا أشرف الرسل كل من كان معترفا بعبوديتي (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ) للعصاة من المؤمنين (الرَّحِيمُ) (٤٩) بهم (وَأَنَّ عَذابِي) للعصاة إن عذبت (هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) (٥٠).
وروي أن النبي صلىاللهعليهوسلم مرّ بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال : «أ تضحكون والنار بين أيديكم» (١) فنزل قوله تعالى : (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَنَبِّئْهُمْ) أي خبر يا سيد
__________________
(١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ : ٣٨٧) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٩٧٨٤) ، بما معناه.
المرسلين عبادي (عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) (٥١) وهم ملائكة على صور غلمان حسان منهم جبريل (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً) أي فسلموا سلاما ، أي قالوه تحية لإبراهيم (قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) (٥٢) أي خائفون. قال إبراهيم ذلك حين امتنعوا من أكل ما قربه إليهم من العجل الحنيذ ، لأن العادة أن الضيف إذا لم يأكل مما قدم له يكون خائنا (قالُوا لا تَوْجَلْ) أي لا تخف يا إبراهيم منا (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) أي ولد هو إسحاق (عَلِيمٍ) (٥٣) في صغره حليم في كبره (قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) بذلك (عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) أي بعد ما أصابني الكبر (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) (٥٤) أي فبأي أعجوبة تبشرونني؟! «فما» استفهام بمعنى التعجب. أراد إبراهيم بهذا السؤال أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة ، أو بعد قلبه شابا؟ فبينوا أن الله تعالى أعطاه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة.
قرأ نافع «تبشرون» بكسر النون خفيفة في كل القرآن. وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها. والباقون بفتح النون خفيفة (قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ) أي بطريقة هي حق وهو أمر الله تعالى (فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) (٥٥) أي من الآيسين من الولد فإن الله قادر على أن يخلق بشرا بغير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر (قالَ) إبراهيم : (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (٥٦) أي لا يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته. ومراد سيدنا إبراهيم بهذا القول نفي القنوط عن نفسه على أبلغ وجه أي ليس بي قنوط من رحمته تعالى ، وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة عليّ.
وقرأ أبو عمرو والكسائي «يقنط» بكسر النون ، وقرئ شاذا بضم النون. (قالَ) إبراهيم لجبريل وأعوانه : (فَما خَطْبُكُمْ) أي شأنكم الخطير سوى البشارة (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) (٥٧) (قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) (٥٨) لإهلاكهم (إِلَّا آلَ لُوطٍ) ابنتيه زاعورا وريثا وامرأته الصالحة (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) أي لوطا وآله (أَجْمَعِينَ) (٥٩) أي مما يصيب القوم (إِلَّا امْرَأَتَهُ) واعلة المنافقة (قَدَّرْنا) أي قضينا عليها (إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) (٦٠) أي الباقين مع الكفرة لتهلك معهم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم «قدرنا» بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل. وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» بسكون النون فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط وكان بينهما أربعة فراسخ (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ) (٦١) هم الملائكة الذين ضافوا إبراهيم (قالَ) لوط لهم : (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (٦٢) أي تنكركم نفسي فأخاف أن تصيبوني بشر ولا أعرف غرضكم ، لأي غرض دخلتم علي! (قالُوا) أي الملائكة : (بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) (٦٣) أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بالعذاب الذي هددت قومك به فيشكون في مجيئه لهم ويكذبونك وهو ما
يشفيك من عدوك وما فيه سرورك (وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ) أي بالأخبار بمجيء العذاب (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (٦٤) في مقالتنا إن العذاب نازل عليهم (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) أي فسر ببنتيك وامرأتك الصالحة في جزء من الليل عند السحر (وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ) أي امش خلفهم جهة صعر لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) إلى ورائه إذا سمع الصيحة لئلا ترتاعوا من عظيم ما نزل بهم من البلاء (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (٦٥) أي سيروا إلى المكان الذي أمركم الله بالذهاب إليه وهو صعر ، (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (٦٦) أي وأخبرنا لوطا عن ذلك الأمر إن آخر هؤلاء المجرمين مستأصل حال دخولهم في الصبح أي يتم استئصالهم حال ظهور الصبح حتى لا يبقى منهم أحد. (وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أي مدينة سذوم إلى دار لوط : (يَسْتَبْشِرُونَ) (٦٧) أي يظهرون السرور بأضياف لوط وقالوا : نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منه لأولئك المرد (قالَ) لهم لوط : (إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ) (٦٨) أي فلا تظهروا عاري عندهم فإن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي (وَاتَّقُوا اللهَ) في فعل الفاحشة (وَلا تُخْزُونِ) (٦٩) أي ولا تخجلوني (قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ) (٧٠) أي ألسنا قد نهيناك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة وكان لوط ينهاهم عنها بقدر وسعه (قالَ هؤُلاءِ بَناتِي) فتزوجوهن (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (٧١) قضاء الوطر (لَعَمْرُكَ) قسمي. وهذا قسم من الملائكة بحياة لوط عليهالسلام (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أي في شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم (يَعْمَهُونَ) (٧٢) أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أي صيحة عظيمة مهلكة (مُشْرِقِينَ) (٧٣) أي داخلين في وقت شروق الشمس (فَجَعَلْنا عالِيَها) أي المدينة (سافِلَها) وكانت قراهم أربعة فيها أربعمائة ألف مقاتل (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ) أي على أهل المدينة قبل تمام الانقلاب أو على من كان منهم خارجا عن المدينة بأن كان غائبا في سفر أو غيره (حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (٧٤) أي وحل مطبوخ بالنار عليه كتاب (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي فيما ذكر من قصة إبراهيم وقصة لوط (لَآياتٍ) أي لعبرات (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (٧٥) أي للمتفكرين (وَإِنَّها) أي مدينة قوم لوط (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) (٧٦) أي في طريق ثابت لم يخف والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في كون المدينة مشاهدة للناس في ذهابهم وإياهم (لَآيَةً) أي لعبرة عظيمة (لِلْمُؤْمِنِينَ) (٧٧) أي لكل من آمن بالله وصدق الأنبياء فإنهم عرفوا أن ما حاق بهم من العذاب لمخالفتهم لرسل الله تعالى أما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم (وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ) أي وإن الشأن كان أصحاب بقعة الأشجار ، وكانوا يسكنونها وكان أكثر شجرهم الدوم (لَظالِمِينَ) (٧٨) بتكذيبهم شعيبا عليهالسلام (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ).
روي أن الله تعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث
الله لهم سحابة كالظلة ، فالتجأوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها ، فبعث الله عليهم منها نارا ، فأحرقتهم جميعا. (وَإِنَّهُما) أي قريات لوط وقريات شعيب (لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) (٧٩) أي لفي طريق واضح يمر أهل مكة عليهما (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) (٨٠) أي صالحا وجملة المرسلين فالقوم براهمة منكرون لكل الرسل ، والحجر واد بين المدينة الشريفة والشام وآثاره باقية يمر عليها ركب الشام في ذهابه إلى الحجاز ؛ وكان ثمود يسكنونه. (وَآتَيْناهُمْ آياتِنا) أي أعطيناهم الناقة ، وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة ، وعظم جثتها وقرب ولادتها عند خروجها من الصخرة وكثرة لبنها وشربها (فَكانُوا عَنْها) أي تلك الآيات (مُعْرِضِينَ) (٨١) فلا يستدلون بها على صدق صالح عليهالسلام حتى قتلوا الناقة (وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ) (٨٢) من الانهدام ونقب اللصوص ، وتخريب الأعداء لوثاقتها (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) (٨٣) أي صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم عند الصباح (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٤) أي فلم يدفع عنهم ما كانوا يعملون من تحت تلك الجبال بنقرها بالمعول وجمع الأموال ما نزل بهم من البلاء (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ) أي إلا بسبب العدل فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك يا أكرم الرسل (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) فإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (٨٥) أي أعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم. والمقصود من هذا الكلام أن يظهر الرسول الخلق الحسن والعفو فلا يكون منسوخا (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (٨٦) أي إنه تعالى خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم وعلم كونهم كذلك لمحض إرادته (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) أي سبع آيات هي المثاني وهي الفاتحة وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة ، والحسن وأبي العالية ، ومجاهد ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة.
وروي أن النبي صلىاللهعليهوسلم قرأ الفاتحة وقال : «هي السبع المثاني». وقيل : سميت الفاتحة مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء ، وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء (وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٨٧) وهذا من عطف الكل على البعض فبعض الشيء مغاير لمجموعه فيكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف. ونقل عن ابن عباس وطاوس أن السبع المثاني هو القرآن كله. وعلى هذا فهو عطف أحد الوصفين على الآخر مع وحدة ذات الموصوف وإنما حسن العطف لاختلاف اللفظين فإن القرآن سبعة أسباع كل سبع صحيفة وكله مثان أمر ونهي ووعد ووعيد ، وحلال وحرام ، وناسخ ومنسوخ ، وحقيقة ومجاز ، ومحكم ومتشابه ، وخبر ما كان وما يكون ، ومدحة لقوم ومذمة لقوم. وسبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل أقبلت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز والطيب
والجواهر ، وسائر الأمتعة فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فقال الله تعالى لهم لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل السبع ويدل على صحة هذا قوله تعالى : (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) أي لا تنظرن بالرغبة إلى ما أعطيناه رجالا من الكفرة من متاع الدنيا وزخارفها فإن ما في الدنيا بالنسبة إلى ما أعطيت مستحقر (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي لا تحزن لأجل عدم إيمانهم (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) أي تواضع لهم ولين جانبك لهم (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) (٩٠) أي إني منذر آت بالبينات فأنذرتكم مثل ما نزل بالذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان ويقولون لمن سلكها : لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه مجنون ، وربما قالوا : ساحر ، وربما قالوا : شاعر ، وربما قالوا : كاهن. وسمّوا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق فأماتهم الله شر ميتة. (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (٩١) أي الذين جزأوا القرآن أجزاء فقالوا : سحر وشعر وكهانة ومفترى وأساطير الأولين. (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٩٢) يوم القيامة (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (٩٣) في الدنيا من قول وفعل وترك (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) أي أظهر ما تؤمر به وافرق بين الحق والباطل (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (٩٤) أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا ليس بمنسوخ ، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم (إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (٩٥) أي الذين يبالغون في الاستهزاء بك ، وفي إيذائك (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٩٦) ماذا يفعل بهم فأهلكهم الله في يوم وليلة وكانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والحرث بن قيس ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث فأما الوليد المخزومي فمر بنبال ، فأصاب النبل عرقا في عقبه فقطعه فمات ، وأما العاص السهمي فدخلت في أخمصه شوكة فقال : لدغت لدغت ، وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ، فمات. وأما الحرث السهمي : فإنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فشرب عليه الماء حتى انشق بطنه فمات. وأما الأسود بن المطلب : فرماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعته عينه ، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك. وأما الأسود بن عبد يغوث : فإنه خرج في يوم شديد الحر فأصابه السموم ، فاسود حتى عاد حبشيا فرجع إلى بيته فلم يفتحوا عليه الباب فنطع رأسه ببابه حتى مات وكلهم كانوا يقولون : قتلنا رب محمد صلىاللهعليهوسلم. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ) بحسب الطبيعة البشرية وإن كان جميع أموره صلىاللهعليهوسلم مفوضا لربه (بِما يَقُولُونَ) (٩٧) أي بسبب ما يقولون من كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي فافزع إلى الله تعالى فيما نابك من الغم بالتسبيح ملتبسا بحمده تعالى (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (٩٨) أي من المصلين وكان صلىاللهعليهوسلم إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (٩٩) أي الموت فإنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق أي واعبد ربك في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة.
سورة النحل
وتسمى سورة النعم. مكية ، إلا ثلاث آيات في آخرها ، مائة وثمان وعشرون آية ، ألف
وثمانمائة وخمس وأربعون كلمة ، سبعة آلاف وثمانمائة وأربعة وثلاثون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(أَتى أَمْرُ اللهِ) أي العذاب الموعود للكفرة. والحاصل أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى : أتى أمر الله أي قد حصل حكم الله بنزول العذاب من الأزل إلى الأبد وإنما لم يحصل المحكوم به لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي لا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت ولما قالت الكفار : إنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى : (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١) فنزه الله تعالى نفسه عن شركة الشركاء وأن يكون لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه ولما قال الكفار : إنه تعالى قضى على بعض عباده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ، ولكن كيف يمكنك يا محمد أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى! وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟ فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) أي جبريل ومن معه من الملائكة (بِالرُّوحِ) أي بكلام الله تعالى (مِنْ أَمْرِهِ) أي إن الروح هي أمره تعالى (عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) وهم الأنبياء (أَنْ أَنْذِرُوا) أي أعلموا الناس (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) (٢) بالإتيان بعبادتي.
وتقرير هذا الكلام أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ، ويأمر الله ذلك العبد الذي نزلت عليه الملائكة بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد وبالعبادة له ، وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة فبهذا الطريق صار ذلك العبد مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق فقوله تعالى : (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) إشارة إلى الأحكام الأصولية وقوله تعالى : (فَاتَّقُونِ) إشارة إلى الأحكام
الفروعية (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) أي أوجدهما على صفات خصصها بحكمته ولما احتج تعالى بخلق السموات والأرض على حدوثهما قال بعده : (تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٣) فالقائلون بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكا في القدم ، فنزه تعالى نفسه عن ذلك وبيّن أنه لا قديم إلا هو. فالمقصود من قوله أولا سبحانه وتعالى عما يشركون إبطال قول من يقول : إن الأصنام تشفع للكفار في دفع عقاب الله عنهم. والمقصود هاهنا إبطال قول من يقول أجسام السموات والأرض قديمة فنزه الله تعالى نفسه عن أن يشاركه غيره في القدم (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) منتنة (فَإِذا هُوَ) بعد قوة عقله وعظم فهمه (خَصِيمٌ) لربه (مُبِينٌ) (٤) أي ظاهر الخصومة منكر لخالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم وهذا إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفس الإنسان على وجود الصانع الحكيم فإن الانتقال من الحالة الخسيسة إلى الحالة العالية لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم (وَالْأَنْعامَ) أي الإبل والبقر والغنم (خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) أي ما يتدفأ به من اللباس المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار (وَمَنافِعُ) هي درها وركوبها والحراثة بها وغير ذلك (وَمِنْها) أي من لحومها (تَأْكُلُونَ) (٥) (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ) أي منظر حسن عند الناس (حِينَ تُرِيحُونَ) أي تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي (وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (٦) أي تخرجونها من حظائرها إلى المرعى بالغداة (وَتَحْمِلُ) أي الإبل (أَثْقالَكُمْ) أي أمتعتكم (إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) أي واصلين إليه على غير الإبل (إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) أي إلا بتعب النفس أو إلا بذهاب نصف قوة البدن ، والشق بكسر الشين وفتحها معناه المشقة والنصف (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٧) ولذلك أصبغ عليكم هذه النعم الجليلة ويسّر لكم الأمور الشاقة (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) أي وخلق هذه الأشياء للركوب وللمنظر الحسن ، واحتج بهذه الآية من يحرم لحوم الخيل وقالوا : لأن الله تعالى خصّ هذه بالركوب فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة ، وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل ، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق قالت : نحرنا على عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم فرسا ونحن بالمدينة أخرجه البخاري ومسلم.
روى الشيخان عن جابر رضياللهعنه : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨) أي ويخلق في الدنيا غير ما عدد من أصناف النعم.
روي عن ابن عباس أنه قال : إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليهالسلام كل سحر ، فيغتسل ، فيزداد نورا
إلى نور ، وجمالا إلى جمال ، وعظما إلى عظم ، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشة كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور ، وسبعون ألف ملك الكعبة ، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أي وعلى الله بيان استقامة الطريق وهو الإسلام (وَمِنْها) أي من السبيل (جائِرٌ) أي مائل عن الحق وهو أنواع الكفر والضلال (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (٩) إلى استقامة الطريق (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ) ولكل حي (مِنْهُ) أي الماء (شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ) أي من الماء ما ينبت على الأرض (فِيهِ) أي في الشجر (تُسِيمُونَ) (١٠) ترعون مواشيكم (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ) أي بالماء (الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ) والإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء وهو إما أن يكون من الحيوان أو من النبات والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات ، وأما الغذاء النباتي فقسمان : حبوب ، وفواكه. فالحبوب : هي ما به قوام بدن الإنسان. وأشرف الفواكه : الزيتون والنخيل والأعناب ، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ، ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج ، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه فظاهر. (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) مما لا يمكن على الناس تفصيل أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في إنزال الماء وإنبات ما ذكر (لَآيَةً) دالة على تفرده تعالى بالألوهية (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (١١) ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض ، فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فيصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض ، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه أحد في شيء من صفات الكمال (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ).
قرأ ابن عامر «والشمس والقمر والنجوم» بالرفع على الابتداء و «مسخرات» خبرها. وقرأ حفص عن عاصم و «النجوم» بالرفع. والباقون بالنصب في الجميع و «مسخرات» حال منه ، أي أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحهم حال كونها مسخرات لله تعالى (بِأَمْرِهِ) أي بإرادته كيف شاء (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي تسخير الليل وما بعده (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (١٢) أي يعلمون أن تسخيرها من الله تعالى (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي وسخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوان ونبات (مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ) أي اختلاف ما في الأرض (لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (١٣) أي يتعظون فإن اختلاف طبائع ما في الأرض وأشكاله مع اتحاد مواده إنما هو بصنع حكيم عليم قادر مختار منزه عن كونه جسمانيا وذلك هو الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من
الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً) أي سمكا (طَرِيًّا) والتعبير عن السمك باللحم مع كونه حيوانا لانحصار الانتفاع به في الأكل ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيه على طلب المسارعة إلى أكله لسرعة فساده (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً) أي لؤلؤا ومرجانا (تَلْبَسُونَها) أي تلبسها نساؤكم لأجلكم فإن زينة النساء بالحلي إنما هو لأجل الرجال فهي حلية لكم بهذا الاعتبار (وَتَرَى الْفُلْكَ) أي تبصر السفن (مَواخِرَ فِيهِ) أي جواري في البحر مقبلة ومدبرة ، ومعترضة بريح واحدة تشقه بحيزومها (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي لتركبوها للوصول إلى البلدان الشاسعة فتطلبوا الرزق بالتجارة وغيرها من فضل الله تعالى (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٤) أي تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) أي جعل فيها جبالا ثوابت (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أي كراهة أن تميل بكم الأرض وتضطرب (وَأَنْهاراً) أي جعل في الأرض أنهارا جارية لمنافعكم (وَسُبُلاً) أي جعل فيها طرقا (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥) أي لكي تهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم (وَعَلاماتٍ) أي جعل في الأرض أمارات الطرق التي يستدل بها المارون : وهي الجبال والرياح والتراب فإن جماعة يشمون التراب ويتعرفون بذلك الشم الطرق (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (١٦) بالليل في البراري والبحار.
وقال السدي : هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي (أَفَمَنْ يَخْلُقُ) هذه الأشياء وهو الله تعالى (كَمَنْ لا يَخْلُقُ) شيئا أصلا وهو الأصنام (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٧) أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تفكر ولا إلى شيء سوى التذكر فيكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة ويترك عبادة من يستحقها (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) أي إنكم لا تعرفونها على سبيل التمام وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام ومما يدل قطعا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل ، ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك ، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان وجعلها مهيأة لانتفاعك بها حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلا عن سائر وجوه الإحسان ، ثم الطريق إلى الشكر أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها (إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ) للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه (رَحِيمٌ) (١٨) بكم حيث لم يقطع نعمه عنكم بسبب تقصيركم (وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ) أي تضمرونه من العقائد والأعمال (وَما تُعْلِنُونَ) (١٩) أي تظهرونه منهما وهذه
الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلا فكيف تحسن عبادتها (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً) أي والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله لا يقدرون أن يخلقوا شيئا.
قرأ حفص عن عاصم «يسرون» ، و «يعلنون» ، و «يدعون» بالياء على الغيبة. لكن نقل عن السمين أن قراءة الياء التحتية شاذة في الفعلين الأولين. وقرأ أبو بكر عن عاصم «يدعون» خاصة بالياء على المغايبة. وقرئ على صيغة المبني للمفعول. (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (٢٠) أي أن الأصنام مخلوقة لله تعالى منحوتة من الحجارة وغيرها (أَمُوتُ) أي جمادات لا روح فيها (غَيْرُ أَحْياءٍ) أي لا تأتيها الحياة أصلا (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (٢١) أي وما يشعر أولئك الآلهة متى يبعث عبدتهم من القبور وفي هذا تهكم بالمشركين في أن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف وقت جزائهم على عبادتهم.
وقيل : المعنى أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى.
قال ابن عباس : إن الله تعالى يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار (إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) لا يشاركه شيء في شيء (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ولا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) لوحدانية الله تعالى ولكل كلام يخالف قولهم (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٢٢) عن الرجوع من الباطل إلى الحق (لا جَرَمَ) أي حقا (أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ) من قلوبهم (وَما يُعْلِنُونَ) من استكبارهم (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (٢٣) على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول صلىاللهعليهوسلم (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) أي وإذا قال وفود الحاج لأولئك المنكرين المستكبرين عمّا أنزل الله تعالى على محمد عليهالسلام (قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٢٤) أي هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أكاذيب الأولين ليس فيه شيء من العلوم والحقائق (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ) أي آثامهم الخاصة بهم وهي آثام ضلالهم (كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي لم يخفف من عقابهم شيء يوم القيامة بمصيبة أصابتهم في الدنيا فقوله : «ليحملوا» متعلق «بقالوا» فـ «اللام» للعاقبة. وقوله : «يوم القيامة» ظرف «ليحملوا». (وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) أي وليحملوا أيضا من جنس آثام من ضل بإضلالهم أي فيحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي إن هؤلاء الرؤساء يقدمون على الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته (أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) (٢٥) أي بئس ما يحملونه من الذنوب حملهم هذا (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) أي قد رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فأهلكهم الله تعالى وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنيانا شديدا ودعّموه فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم سقف بنيانهم ، فأهلكهم. شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد وفي إبطاله تعالى تلك الحيل ،
وجعله تعالى إياها أسبابا لهلاكهم بحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فضعضعت تلك الأساطين ، فسقط عليهم السقف ، فهلكوا. فهو مثل ضربه الله تعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره ومنه المثل السائر على ألسنة الناس من حفر لأخيه قليبا وقع فيه قريبا. (وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) (٢٦) أي إنهم اعتمدوا على منصوباتهم ثم تولد البلاء منها بأعيانها فهؤلاء الماكرون القائلون : إن القرآن أساطير الأولين سيأتيهم العذاب العاجل من جهة لا تخطر ببالهم مثل ما أتاهم (ثُمَ) الله تعالى (يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ) أي يذل الكفار بعذاب (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) أي يقول الله لهم تفضيحا أين شركائي في زعمكم الذين كنتم تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأن الشركاء حين بينوا لكم بطلانها. وقرأ نافع «تشاقون» بكسر النون (قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي يقول المؤمنون الذين أوتوا علما بدلائل التوحيد حين يرون خزي الكفار وهم في الموقف : (إِنَّ الْخِزْيَ) أي الفضيحة (الْيَوْمَ وَالسُّوءَ) أي العذاب (عَلَى الْكافِرِينَ) (٢٧) (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي عزرائيل وأعوانه (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي مستمرين على الكفار فإنهم ظلموا أنفسهم حيث عرضوها للعذاب المخلد. وقرأ حمزة «يتوفاهم» بالياء مع الإمالة في الموضعين (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) أي أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت قائلين : (ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) أي شرك في زعمنا فتقول الملائكة (بَلى) كنتم تعملون أعظم الشرك (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٢٨) من الشرك فلا فائدة لكم في إنكاركم (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ) أي ليدخل كل صنف من الكفرة في طبقة هو موعود بها. والمراد دخولهم فيها في وقته فإن ذلك تخويف عظيم وإن تراخى المخوف به لا دخول القبر الذي هو حفرة من حفر النيران (خالِدِينَ فِيها) أي دركات جهنم لا يخرجون منها (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (٢٩) عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي خافوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله (ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً) أي أنزل خيرا.
قال المفسرون : كان في أيام الموسم يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون : إنه ساحر وكاهن وكذاب. فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه. فيقولون خيرا. أي أنزل خيرا والذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) أي قالوا : لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق (فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) أي ثناء ورفعة وتعظيم ، وهذه الجملة بدل من قوله : خيرا أو تفسيرا له وذلك أن الخير هو الوحي الذي أنزل الله تعالى فيه قوله من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة وقوله تعالى : «في هذه الدنيا» متعلق بقوله : «حسنة». (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) مما حصل لهم في الدنيا ، (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) (٣٠) والمخصوص بالمدح إما محذوف تقديره دار الآخرة أو هي دار الدنيا ، لأن المتقين يتزودون فيها للآخرة وأما قوله تعالى : (جَنَّاتُ عَدْنٍ) وهذه تدل على القصور والبساتين وعلى الدوام
(يَدْخُلُونَها) يوم القيامة صفة لجنات أو حال (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي أنهار الخمر والماء والعسل واللبن وهذه تدل على أن هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ) من أنواع المشتهيات والمتمنيات وهذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الجزاء الأوفى (يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ) (٣١) أي كل من يتقى من الشرك والمعاصي (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي قبضتهم (طَيِّبِينَ) أي طاهرين من الكفر مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت (يَقُولُونَ) أي الملائكة عند الموت وهذه حال من الملائكة وطيبين حال من المفعول (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي لا يلحقكم مكروه. وعن محمد بن كعب القرظي قال : إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال : السلام عليك يا ولي الله الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) أي جنات عدن وهي خاصة لكم كأنكم فيها ، والمراد دخولهم فيها في وقته فإن ذلك بشارة عظيمة ، وإن تراخى المبشر به لا دخول القبر الذي هو روضة من رياض الجنة فإن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٣٢) أي بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي ما ينتظر الكفار الذين طعنوا في القرآن وأنكروا النبوة (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) لقبض أرواحهم بالتهديد (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي عذاب ربك في الدنيا بهلاكهم (كَذلِكَ) أي مثل فعل هؤلاء من الشرك والتكذيب والاستهزاء (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الأمم فأصابهم العذاب المعجل (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ) بذلك فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٣٣) بأن كذبوا الرسل فاستحقوا ما نزل بهم (فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) أي عقاب سيئات أعمالهم (وَحاقَ) أي وأحاط (بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٣٤) أي عقاب استهزائهم من جوانبهم (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي من أهل مكة للرسول صلىاللهعليهوسلم تكذيبا له وطعنا في الرسالة (لَوْ شاءَ اللهُ) عدم عبادتنا لشيء غيره (ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا) الذين نقتدي بهم في ديننا (وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) من البحيرة والسائبة ، والوصيلة والحامي وإشراكنا بالله الأوثان ، وتحريمنا الأنعام ، والحرث بمشيئته تعالى فهو راض بذلك ، وحينئذ فلا فائدة في مجيئك إلينا بالأمر والنهي وفي إرسالك (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الفعل الشنيع (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الأمم فأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله ، وجادلوهم بالباطل حين نهوهم عن الخطأ ، وهدوهم إلى الحق (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٣٥) أي ليست وظيفة الرسل إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحا فهو واجب عليهم ، وأما حصول الإيمان فلا يتعلق بالرسول (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ) من الأمم السالفة (رَسُولاً) خاصا بهم كما بعثناك إلى قومك (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) وحدوه (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) أي اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، أو اجتنبوا طاعة الشيطان
في دعائه لكم إلى الضلالة (فَمِنْهُمْ) أي من تلك الأمم (مَنْ هَدَى اللهُ) إلى الحق الذي هو عبادته (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ) أي ثبتت (عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) فلم يجب الرسول إلى الإيمان فضل عن الحق وعمي عن الصدق ، ووقع في الكفر (فَسِيرُوا) يا معشر كفار قريش (فِي الْأَرْضِ) أي فإن كنتم في شك من أخبار الرسل فسيروا في الأرض (فَانْظُرُوا) في أكنافها واعتبروا (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (٣٦) بالرسل من عاد وثمود وأمثالهم لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم (إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ) أي إن تطلب يا سيد الرسل توحيد كفار قريش بجهدك فلا تقدر على ذلك (فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ) أي لأنه تعالى لا يخلق الهداية قسرا فيمن يخلق فيه الضلالة لسوء اختياره. وقرئ «لا يهدي» بالبناء للمفعول (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٣٧) أي وليس لهم أحد يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة من دفع العذاب عنهم (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) أي حلف الذين أشركوا غاية إيمانهم وإذا حلف الرجل بالله فقد حلف جهد يمينه فإن الكفار كانوا يحلفون بآبائهم وآلهتهم فإذا كان الأمر عظيما حلفوا بالله وهذا عطف على قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إعلاما بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين (لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) فإنهم يجدون في عقولهم أن الشيء إذا صار عدما محضا لا يعود بعينه ، بل العائد يكون شيئا آخر ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغ رد بقوله (بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا) أي بلى يبعثهم الله بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه ثابتا على الله فينجزه لامتناع الخلف في وعده (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) أي أهل مكة (لا يَعْلَمُونَ) (٣٨) أنهم يبعثون لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناع البعث ولجهلهم بشئون الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) أي بلى يبعثهم ليبين لمن يموت (الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أمور البعث وغيرها من أمور الدين فيثيب المحق من المؤمنين ويعذب المبطل من الكافرين (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله بالإشراك وإنكار البعث والنبوة يوم القيامة (أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ) (٣٩) فيما أقسموا فيه وفي كل ما يقولون (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ) أي شيء كان (إِذا أَرَدْناهُ) أي وقت إرادتنا لوجوده (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) أي أحدث وهو خبر المبتدأ (فَيَكُونُ) (٤٠) أي فيحدث عقب ذلك من غير توقف ، وهذا تمثيل لنفي الكلام والتعب فليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور بل هو تمثيل لسهولة حصول المقدورات عند تعلق إرادته تعالى بها ، وتصوير لسرعة حدوثها ، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم ، ولو أراد الله خلق الدنيا وما فيها في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق إرادتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) من مكة إلى المدينة (فِي اللهِ) أي لإظهار دينه (مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) أي أرضا كريمة آمنة وهي المدينة وهم أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة وعلى هذا يكون نزول الآية في أصحاب الهجرتين فيكون نزولها في المدينة بين الهجرتين.
وقال ابن عباس رضياللهعنهما : نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال ، وعمار ، وخباب ، وعابس وجبير أخذهم المشركون بمكة يعذبونهم ليرجعوا عن الإسلام إلى الكفر فأما بلال فيخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول : أحد أحد ، فاشتراه منهم أبو بكر وأعتقه ، وأما صهيب فقال : أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم ، فافتدى منهم وهاجر ، وأما سائرهم فقد قالوا : بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا ، فبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم فلذلك غلبوا على أهل مكة وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب ، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أكبر (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) أي وللأجر الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة أعظم من الأجر الكائن في الدنيا (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٤١) أي لو علم الكفار أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين (الَّذِينَ صَبَرُوا) على أذية الكفار ومفارقة الأهل والوطن وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٤٢) أي إليه خاصة يفوّضون الأمر كله معرضين عما سواه (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ) يا أكرم الرسل إلى الأمم من طوائف البشر (إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) بواسطة الملائكة وهذا رد لقريش حين قالوا : الله أعلى وأعظم من أن يكون رسوله واحدا من البشر ، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لبعث ملكا. (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي أهل العلم بأخبار الماضين فإذا سألوهم فلا بد أن يجيبوا بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا فإذا أخبروهم بذلك زالت الشبهة من قلوبهم (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٤٣) أن الرسل من البشر (بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ) متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجالا أي رجالا ملتبسين بالمعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وبالتكاليف التي يبلغونها من الله تعالى إلى العباد ، أو متعلق بيوحى ، أي يوحى إليهم بالحجج الواضحة وبالكتب ، أو متعلق بذلك ، أي فاسألوا أهل العلم بالحجج وبالكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، أو متعلق بلا تعلمون أي إن كنتم لا تعلمون الله لم يرسل الرسل إلا إنسيا بالعلامات وبخبر كتب الأولين فاسألوا كل من يذكر بعلم وتحقيق ، واسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) أي القرآن سمي ذكرا ، لأن فيه تنبيها للغافلين (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) كافة (ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال الأمم المهلكة بأفانين العذاب على حسب أعمالهم الموجبة لذلك (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٤) فيما نزل إليهم فيتنبهوا لما فيه من العبر ، ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ) أي سعوا من أهل مكة ومن حول المدينة في إيذاء الرسول صلىاللهعليهوسلم وأصحابه على سبيل الخفية (أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ) كما خسف بقارون
وأصحابه (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) (٤٥) أي في حال غفلتهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط (أَوْ يَأْخُذَهُمْ) بالعقوبة (فِي تَقَلُّبِهِمْ) أي في أسفارهم وحركتهم إقبالا وإدبارا (فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٤٦) أي وهم لا يعجزون الله بسبب سفرهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ) أي على أن ينقص شيئا بعد شيء في أموالهم وأنفسهم حتى يهلكوا ، أو على مخافة من العذاب بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٤٧) حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ) أي ألم ينظر أهل مكة ولم يروا بأبصارهم إلى جسم قائم له ظل من جبل وشجر وبناء يرجع ظلاله من المشرق ومن المغرب واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد (وَهُمْ داخِرُونَ) (٤٨) أي منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره ولما وصفت الظلال بالانقياد لأمره تعالى أشبهت العقلاء ، فعبر عنها بلفظ «من يعقل». وقرأ حمزة والكسائي «تروا» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده «تتفيؤا» بالتاء. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ) من الشمس والقمر والنجوم (وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) عطف على «ما في السموات». ولما بيّن الله تعالى أولا أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى. بيّن بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى فأخسها الدواب وأشرفها الملائكة. وذلك دليل على أن كل المخلوقات منقادة لله تعالى. (وَهُمْ) أي الملائكة مع علو شأنهم (لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٤٩) عن عبادته تعالى (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) وهذه الجملة بيان لقوله : «لا يستكبرون» أو حال من ضميره ، أي خائفين لمالك أمرهم خوف هيبة وإجلال وهو فوقهم بالقهر (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (٥٠) به من الطاعات والتدبيرات فبواطنهم وظواهرهم مبرأة من الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة (وَقالَ اللهُ) لجميع المكلفين : (لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ) أي لا تعبدوا الله والأصنام ولما بين الله تعالى أولا أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح ، أو من عالم الأجسام فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك. والمقصود من التكرير تأكيد التنفير عن الإشراك بالله ، وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح (إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) أي لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله وقد ثبت أن وجود الإلهين محال ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (٥١) أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبوني لا غير فإني ذلك الواحد الذي يسجد له ما في السموات والأرض ولما كان الإله واحدا والواجب لذاته واحدا كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه وإيجاده فثبت أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ووجب أن يكون جميع المخلوقات في ملكه وتصرفه وتحت قهره. وذلك قوله تعالى : (وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي خلقا وملكا (وَلَهُ الدِّينُ واصِباً) أي لله تعالى الطاعة دائما فليس من أحد يطاع إلا انقطعت تلك الطاعة بالموت أو بسبب في حال الحياة إلا الله تعالى فإن طاعته واجبة
أبدا ، وفي الآية دقيقة أخرى فمعنى قوله تعالى : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أن كل ما سوى الله محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم إلى مخصص ، ومعنى قوله تعالى : (وَلَهُ الدِّينُ واصِباً) أن هذا الاحتياج إلى المرجح حاصل دائما أبدا ، لأن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح ، لأن علة الحاجة هي الإمكان وهو من لوازم الماهية فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها (أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ) (٥٢) أي إنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد ، وأن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه ، وفي وقت دوامه فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله أو رهبة من غير الله تعالى (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) أي أيّ شيء يصاحبكم من نعمة أية نعمة كانت فهي من الله فيجب على العاقل أن لا يخاف إلا الله وأن لا يشكر إلا الله (ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) كالأسقام (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) (٥٣) أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة في كشفه لا إلى غيره (ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ) أي إذا فريق كافر وهم أنتم (بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (٥٤) غيره وهذا ضلال كامل (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) أي إن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا كفران نعمة إزالة المكروه عنهم. وقيل : إن هذه «اللام» لام الأمر الوارد للتهديد ، كقوله تعالى : (فَتَمَتَّعُوا) أي عيشوا في الكفر (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٥٥) عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب (وَيَجْعَلُونَ) أي المشركون (لِما لا يَعْلَمُونَ) أي للأصنام التي لا يعلم المشركون أنها تضر من حيث عبادتها ولا تنفع (نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من الزرع والأنعام وغيرهما تقربا إليها (تَاللهِ لَتُسْئَلُنَ) يوم القيامة سؤال توبيخ (عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) (٥٦) أي تكذبون على الله من أنه أمركم بذلك الجعل (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ) أي يقول خزاعة وكنانة الملائكة بنات الله (سُبْحانَهُ) نزه الله ذاته عن نسبة الولد إليه وأمر الله تعالى الخلق بالتعجب من جراءتهم على وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى (وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) (٥٧) ويجعلون لأنفسهم ما يختارون من البنين (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى) أي والحال أنه إذا أخبر بولادة الأنثى (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) أي صار وجهه متغيرا تغير معتم من الحياء من الناس (وَهُوَ كَظِيمٌ) (٥٨) أي ممتلئ غما وحزنا وغيظا من زوجته فكيف ينسب البنات إليه تعالى! وجملة «وإذا بشر» حال من الواو في «ويجعلون». (يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ) أي يختفي من قومه (مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ) أي من أجل كراهية الأنثى التي أخبر بها من حيث كونها لا تكتسب ، وكونها يخاف عليها الزنا ، وكان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته اختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا فرح به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما يدبر فيها ماذا يصنع بها ، وذلك قوله تعالى : (أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ) أي أيحفظ ما بشر به من الأنثى مع رضاه بذل نفسه (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ) أي أم يخفيه في التراب بالوأد فالعرب كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ، ومنهم من يذبحها وهم
كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية وتارة خوفا من الفقر ولزوم النفقة (أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (٥٩) حكمهم هذا حيث يجعلون له تعالى ما عادته عندهم حقارة. والحال أنهم يتباعدون عنه (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي بالبعث بعد الموت (مَثَلُ السَّوْءِ) أي الصفة القبيحة وهي احتياجهم إلى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم وللاستعلاء به وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار مع احتياجهم إليهن للنكاح (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) أي الصفة المقدسة وهي صفة الألوهية المنزهة عن صفات المخلوقين وعن الولد (وَهُوَ الْعَزِيزُ) أي المنفرد بكمال القدرة (الْحَكِيمُ) (٦٠) أي الذي يفعل ما يفعل بالحكمة البالغة (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها) أي الأرض (مِنْ دَابَّةٍ) أي لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لا يبقى لهم نسل فيلزم أن لا يبقى في العالم أحد من الناس فحينئذ لا يبقى في الأرض أحد من الدواب أيضا ، لأنها مخلوقة لمنافع البشر (وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي معين عند الله تعالى لأعمارهم ليتوالدوا (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ) عن ذلك الأجل (ساعَةً) أي فذة (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٦١) وإنما ذكر الاستقدام مع أنه لا يتصور عند مجيء الأجل مبالغة في بيان عدم الاستئخار بنظمه في سلك ما يمتنع (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) أي وينسبون إليه تعالى البنات التي يكرهونها لأنفسهم (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) بدل من الكذب أي يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب إثبات البنات له تعالى وبأنهم على الدين الحق (لا جَرَمَ) أي ثبت (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) التي ليس وراء عذابها عذاب (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) (٦٢) أي متروكون في النار. وقرأ نافع وقتيبة عن الكسائي بكسر الراء أي مفرطين على أنفسهم في الذنوب (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا) رسلا (إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) فدعوهم إلى الحق (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) القبيحة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) أي فالشيطان متول أمورهم في الدنيا بإغوائهم وقرينهم في النار (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦٣) هو عذاب النار (وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي إلا لتبين للناس بواسطة بيانات القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها من التوحيد والشرك والجبر والقدر وأحوال المعاد والأحكام كتحريم الميتة وتحليل نحو البحيرة (وَهُدىً وَرَحْمَةً) أي وللهداية من الضلالة وللرحمة من العذاب (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٦٤) بالقرآن لأنهم المغتنمون آثاره (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) أي والله خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ، ويصير ذلك الماء سببا لنبات الزرع والشجر ولخروج النور والثمر (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في إنزال الماء وإحياء الأرض اليابسة (لَآيَةً) دالة على وحدته تعالى وعلمه وقدرته وحكمته (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (٦٥) هذه المواعظ سماع تفكر ، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً) عظيمة إذا تفكرتم فيها (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) أي الأنعام.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي «نسقيكم» بضم النون.
والباقون بالفتح. (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ) أي روث في الكرش (وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً) أي لا يخالطه الفرث ولا الدم وقوله : «لبنا» مفعول ثان. وقوله : «من بين» حال من «ما» التي للتبعيض ، أو للابتداء ، أو من لبنا. وعن ابن عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما ، وأوسطه لبنا فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو (سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) (٦٦) أي جاريا في حلوقهم لذيذا فلا يغص أحد باللبن (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ) أي ونسقيكم من عصير ثمرات النخيل والأعناب (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) أي خمرا (وَرِزْقاً حَسَناً) كالدبس والخل ، والتمر والزبيب والله تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع ، وخاطب بها المشركين والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم ، ثم نبه في هذه الآية على تحريمها ، لأنه ميّز بينهما وبين الرزق الحسن في الذكر ، فوجب أن لا تكون الخمر رزقا حسنا والخمر يكون حسنا بحسب الشهوة ولا يكون حسنا بحسب الشريعة ، وهذه الآية جامعة بين العتاب والمنة ، وهذا إذا كانت الخمر محرمة قبل نزولها وإن كانت سابقة النزول على تحريم الخمر فهي دالة على كراهتها (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في إخراج اللبن من بين الروث والدم وفي إخراج الخمر والرزق الحسن من الثمرات (لَآيَةً) دالة على قدرته تعالى (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٦٧) أي يستعملون عقولهم بالتأمل في الآيات فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) أي ألهم ربك النحل : (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً) أي أوكارا (وَمِنَ الشَّجَرِ) أي مما يوافق مصالحك ويليق بك (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (٦٨) أي مما يرفعه الناس ويبنونه لك ، أي إن الله قدّر في أنفس النحل الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر ، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيها فرج خالية ضائعة. فإلهام ذلك الحيوان الضعيف بهذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب ، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات مثل المسطر والفرجار. (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي من كل ثمرة تشتهيها مرها وحلوها (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) أي فإذا أكلتها فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك (ذُلُلاً) حال من السبل أي مسخرة لك أو من الضمير في «اسلكي» ، أي فاسلكي منقادة لما أمرت به ، ولذا يقسم يعسوبها أعمالها بينها فبعض يعمل الشمع وبعض يعمل العسل وبعض يستقي الماء ويصبه في البيت ، وبعض يبني البيوت. (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ) أي عسل (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) من أبيض وأسود ، وأصفر وأحمر على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار ، أو بحسب اختلاف الفصل أو سن النحل فيستحيل المأكول في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى ، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب (فِيهِ) أي في ذلك الشراب (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) من الأوجاع لا سيما البلغمية فإنه فيها عظيم النفع. وعن ابن مسعود : العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور فعليكم بالشفاءين
العسل والقرآن. (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة وفي اهتدائها إلى جمع الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق (لَآيَةً) أي لعبرة (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٦٩) فإن من تفكّر في شؤون النحل جزم قطعا بأن لها خالقا قادرا حكيما يلهمها ذلك (وَاللهُ خَلَقَكُمْ) فإن خالق الأبدان هو الله تعالى (ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ) أي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم فإن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله تعالى وبتقديره (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي أحقره وهو الهرم.
قال العلماء : عمر الإنسان له أربع مراتب :
أولها : سن النشوء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب.
وثانيها : سن الوقوف وهي من ذلك إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل.
وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة وهو من ذلك إلى ستين سنة.
ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة وهو من ذلك إلى خمسة وستين سنة وفيه يتبين النقص والهرم.
قال علي بن أبي طالب : أرذل العمر خمسة وسبعون سنة. وقال قتادة : تسعون سنة. وقال السدي : إنه الخرف أي زوال العقل. وقيل : والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى. وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان العقل وسوء الفهم وفي النسيان (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بمقادير أعمالكم (قَدِيرٌ) (٧٠) على تحويلكم من حال إلى حال وكان الإنسان ميتا حين كان نطفة ، ثم صار حيا ، ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا كان عود الموت جائزا فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة وجب أن يكون عود الحياة جائزا في المرة الثانية ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن القول بالبعث والنشر والحشر حق. (وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) أي فاوت بينكم في الرزق كما فاوت بينكم في الذكاء ، والبلادة ، والحسن ، والقبح ، والصحة ، والسقم (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) أي فليس الذين فضلوا في الرزق على غيرهم بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية والمرزوقية.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن عيسى ابن مريم ابن الله فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونون سواء فكيف جعلتم عبدي عيسى ابنا لي وشريكا بي في الإلهية (أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (٧١) فإن من أثبت لله شريكا فقد أسند إليه بعض الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى ، وأيضا إن أهل الطبائع وأهل
النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «تجحدون» بالتاء على الخطاب (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي من جنسكم (أَزْواجاً) أي زوجات لتأنسوا بها وتقيموا بها مصالحكم.
قال الأطباء : والتفاوت بين الذكر والأنثى إن الذكر أسخن مزاجا ، والأنثى أكثر رطوبة ، فالمني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة. وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد أنثى في طبيعة الذكور (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ) أي من نسائكم (بَنِينَ وَحَفَدَةً) أي خدما يسرعون في طاعتكم وهم إما أولاد الأولاد وإما البنات فإنهن يخدمن البيوت أتم خدمة وإما الأختان على البنات أي فيحصل لهم الأختان بسبب البنات (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي بعض اللذائذ من النبات والحيوان فالمرزوق في الدنيا أنموذج لما في الآخرة وكل الطيبات في الجنة (أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ) أي أيكفرون بالله الذي شأنه ذلك المذكور ويؤمنون بالباطل بأن يحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ، ويبيحوا لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب أي لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة (وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (٧٢) أي وبأنعام الله في تحليل الطيبات وتحريم الخبيثات يجحدون (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً) أي أيعبدون الأصنام التي لا تملك لعبدتهم رزقا من المطر والنبات لا قليلا ولا كثير ، فشيئا بدل من رزقا (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) (٧٣) أي وليس للأصنام استطاعة تحصيل الملك وهذا معطوف على ما لا يملك وعبر عن الأصنام بلفظ ما اعتبارا للحقيقة ، وبلفظ جمع العقلاء اعتبارا لاعتقادهم فيها أنها آلهة (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) أي لا تشبهوا الله تعالى بخلقه في شأن من الشؤون فإن عبدة الأوثان كانوا يقولون : إن إله العالم أعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر خدم الملك وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا هاهنا فعند هذا قال الله تعالى لهم : اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تجعلوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله القدير الحكيم (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ) أن خطأ قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك ، لأن هذا الدليل قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٧٤) ذلك فتقعون في مهاوي الضلال (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) بالعبد والحر (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) من التصرفات (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) أي
مستحسنا عند الناس مرضيا (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً) أي حال السر والجهر (هَلْ يَسْتَوُونَ) أي هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله تعالى ، وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذل منه وهو الأصنام. والمعنى لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على التصرف ، وحرا غنيا كريما كثير الإنفاق في كل وقت ، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الصورة البشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق وبين الأصنام التي لا تقدر ألبتة. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي كل الحمد له تعالى لأنه معطي جميع النعم لا يستحقه أحد غيره فضلا عن استحقاق العبادة (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٧٥) إن كل الحمد لله وحده فيسندون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها ، وبعض الكفار يعلمون ذلك وإنما لا يعلمون سبب الحمد عنادا كقوله تعالى : يعرفون نعمة الله ، ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ) أي الذي لا يحسن الكلام ولا يعقل (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) للعجز التام وللنقصان الكامل (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي هذا الأبكم ثقيل على من يعوله (أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ) أي أينما يرسله من يلي أمره في وجه معين لا يأت بمطلوب لأنه عاجز لا يحسن شيئا ولا يفهم (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ) أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع (وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) أي من هو منطيق فهم ينفع الناس بحثهم على العدل (وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٧٦) أي وهو عادل مبرأ عن العبث وإذا ثبت في بديهة العقل أن الأبكم العاجز لا يساوي الناطق القادر الكامل في الفضل والشرف مع استوائهما في البشرية ، فلأن نحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية أولى. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ولله تعالى خاصة الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين قاطبة ، فإن علمه تعالى حضوري وتحقق الغيب في أنفسها علم بالنسبة إليه تعالى. وهذا بيان كمال العلم. (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) أي وما أمر إقامة الساعة وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين ، وتبديل صور الأكوان أجمعين إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها في سهولته! (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أي بل أمر إقامة الساعة أقرب من طرف العين في السرعة بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة فالله تعالى يحيي الخلق دفعة ، وهي في جزء غير منقسم ، وهذا بيان كمال القدرة (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٧٧) فإن الله تعالى متى أراد شيئا إيجاده أو إعدامه حصل في أسرع ما كان (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) أي غير عارفين شيئا أصلا (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها المعرفة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٧٨) أي لكي تستعملوها في شكر ما أنعم الله به عليكم طورا غبّ
طور فتسمعوا مواعظ الله وتبصروا دلائل الله وتعقلوا عظمة الله (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ) أي ألم ينظر كفار مكة بأبصارهم إليها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تروا» بالتاء على خطاب العامة (مُسَخَّراتٍ) أي مذللات للطيران (فِي جَوِّ السَّماءِ) أي في الهواء المتباعد من الأرض.
قال كعب الأحبار : إن الطير ترتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلا ، ولا ترتفع فوق ذلك (ما يُمْسِكُهُنَ) في الجو حين قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن (إِلَّا اللهُ) بقدرته الواسعة فإن جسد الطير ثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، فبقاؤه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره ، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. (إِنَّ فِي ذلِكَ) ـ أي تسخير الطير للطيران بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك فإذا بسطت أجنحتها وأذنابها تخرق ما بين يديها من الهواء ـ (لَآياتٍ) أي لعلامات لوحدانية الله تعالى (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٧٩) أي يصدقون أن إمساكهن من الله تعالى فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره مرة أخرى ، وخلق الهواء خلقة رقيقة يسهل الطيران بسبب خرقه ، ولو لا ذلك لما أمكن الطيران (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تبنونها (سَكَناً) أي موضعا تسكنون فيه (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً) مغايرة لبيوتكم المعهودة هي الخيام (تَسْتَخِفُّونَها) أي تجدونها خفيفة عليكم في حملها ونقلها ونقضها في أسفاركم ، (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) أي وقت سيركم في أسفاركم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وبفتح العين. (وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) أي وقت نزولكم في الضرب (وَمِنْ أَصْوافِها) أي الأنعام (وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً) أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية (وَمَتاعاً) أي ما ينتفع به في البيت خاصة ويتزين به (إِلى حِينٍ) (٨٠) أي إلى وقت البلاء (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ) من غير صنع من جهتكم (ظِلالاً) أي ما يستظلون به من شدة الحر ؛ وهي ظلال الجدران والأشجار والجبال والغمام. (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً) أي مواضع تستكنون فيها من شدة البرد والحر من الكهوف والغيران والسروب (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ) أي ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) في الصيف والبرد في الشتاء ولم يذكر الله تعالى وقاية البرد لتقدمه في قوله تعالى فيها دفء (وَسَرابِيلَ) أي جواشن (تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) أي الشدة التي تصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الطعن والضرب والرمي (كَذلِكَ) أي مثل ما خلق الله هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ) في الدنيا (عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ) يا أهل مكة (تُسْلِمُونَ) (٨١) أي تؤمنون به تعالى وتنقادون لأمره. وقرئ «تسلمون» بفتح التاء واللام ، أي لكي تسلموا من الجراحات أو من الشرك (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن الإسلام وآثروا متابعة الآباء فلا نقص من جهتك (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٨٢) أي لأن وظيفتك هي البلاغ الواضح فقد فعلته (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ) أي يقرون أن هذه النعم كلها من الله (ثُمَّ يُنْكِرُونَها) أي لا يشكرونها بالتوحيد لأنهم قالوا : إنما
حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام (وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) (٨٣) أي المنكرون بقلوبهم غير مقرين بأن هذه النعم من الله (وَيَوْمَ نَبْعَثُ) أي وخوفهم يوم نأتي (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) يشهد لهم بالإيمان وعليهم بالكفر وهو نبيها ، (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار وفي كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (٨٤) أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم بالعبادات فلا يقال لهم : ارضوا ربكم بالتوبة لأن الآخرة ليست بدار عمل وإنما هي دار الجزاء (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم بالكفر (الْعَذابَ) أي عذاب جهنم بعد شهادة الشهداء (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) ذلك العذاب (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (٨٥) أي يمهلون فعذابهم يكون دائما لأن التوبة هناك غير موجودة (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي إذا أبصروا يوم القيامة (شُرَكاءَهُمْ) أي الأصنام التي يسمونها شركاء الله تعالى (قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) أي آلهتنا (الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا) أي نعبدهم (مِنْ دُونِكَ) أي هؤلاء الذين كنا نقول : إنهم شركاء الله في المعبودية (فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) (٨٦) أي فبادر شركاؤهم بالجواب إلى المشركين بقولهم : إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة وإنكم عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم.
والمعنى أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول (وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ) أي أسرع المشركون إلى الله يومئذ الانقياد لحكم الله فأقروا بالبراءة عن الشركاء وبربوبية الله بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عنه لما عجزوا عن الجواب لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٨٧) أي ذهب عنهم افتراؤهم على الله من أن لله شريكا وبطل أملهم من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا) في أنفسهم (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي منعوا الناس عن الدخول في الإسلام وحملوهم على الكفر (زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ) أي بحيات وعقارب ، وجوع وعطش ، وزمهرير وغير ذلك فيخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار (بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) (٨٨) بذلك الصد (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وهو أعضاؤهم. فالله تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى إنها تشهد عليه وهي العينان والأذنان ، والرجلان ، واليدان ، والجلد واللسان (وَجِئْنا بِكَ) يا سيد الرسل (شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ) أي الأمم كلهم (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) من أمور الدين ينص فيه على بعضها وبإحالته لبعضها على السنّة أو على الإجماع ، أو على القياس فكانت السنّة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب (وَهُدىً وَرَحْمَةً) للعالمين فإن حرمان الكفرة من مغانم آثار الكتاب من تفريطهم لا من جهة الكتاب (وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) (٨٩) خاصة لأنهم المنتفعون بذلك (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) أي بالتوسط في الأمور وهو رأس الفضائل كلها فيندرج تحته فضيلة القوة العقلية ، فالحكمة
متوسطة بين الحرمزة والبلادة ، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية ، فالعفة متوسطة بين الخلاعة والخمود وفضيلة القوة الغضبية السبعية فالشجاعة متوسطة بين التهور والجبن ويندرج فيه أيضا الحكم الاعتقادية ، فالتوحيد متوسط بين التعطيل والتشريك ، فنفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك. والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول : لا إله إلا الله ، والقول بالكسب متوسط بين الجبر والقدر فإن القول : بأن العبد ليس له قدرة واختيار جبر محض. والقول : بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض. والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه ، والقول : بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة ، والقول : بأنه تعالى يخلد في النار عبده الآتي بالمعصية الواحدة تشديد عظيم والعدل هو القول بأنه تعالى يخرج من النار كل من اعتقد أنه لا إله إلا الله ويندرج تحته أيضا الحكم العملية ، فالتعبد بأداء الواجبات متوسط بين البطالة والترهب. والختان : مأمور به في شريعتنا ، فإن إبقاء الجلدة مبالغة في تقوية اللذة والإخصاء وقطع الآلات كما عليه المانوية إفراط ، فكانت الشريعة إنما أمرت بالختان سعيا في تقليل تلك اللذة حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال ، لئلا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع ويندرج تحته أيضا الحكم الخلقية ، فالجود متوسط بين البخل والتبذير وشريعة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم وسط بين التشديد والتساهل قال الله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) [البقرة : ١٤٣] أي متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور. ولما بالغ رسول الله صلىاللهعليهوسلم في العبادات قال تعالى : (طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) [طه : ١] ولما أخذ قوم في المساهلة قال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) [المؤمنون : ١١٥] والمطلوب رعاية العدل بين طرفي الإفراط والتفريط (وَالْإِحْسانِ) أي المبالغة في أداء الطاعات إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل ، وإما بحسب الكيفية كالاستغراق في شهود مقامات الربوبية.
والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب والإحسان عبارة عن الزيادة في ذلك (وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) أي إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه.
قال صلىاللهعليهوسلم : «إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم» (١) (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) أي المعاصي كلها (وَالْمُنْكَرِ) وهو ما لا يعرف في شريعة (وَالْبَغْيِ) أي الاستعلاء على الناس والترفع.
والحاصل أن الفحشاء هي الإفراط في متابعة القوة الشهوية ، فهي إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة ، وأن المنكر هو الإفراط في إظهار آثار القوة الغضبية
__________________
(١) رواه ابن حبان في المجروحين (٣ : ١٤٩) ، وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (٢٥٣).
السبعية فهي إنما تسعى في الإيذاء إلى سائر الناس وإيصال البلاء إليهم ، فالناس ينكرون تلك الحالة ، وأن البغي من آثار القوة الوهمية الشيطانية ، فهي إنما تسعى في التطاول على الناس والترفع عليهم وإظهار الرياسة والتقدم (يَعِظُكُمْ) أي يأمركم بتلك الثلاثة وينهاكم عن هذه الثلاثة (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٩٠) أي لإرادة أن تتذكروا طاعته تعالى ؛ وهذا يدل على أن الله تعالى يطلب الإيمان من الكل. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ) وهو العهد الذي يلتزمه الإنسان باختياره فيدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله وعهد الجهاد وعهد الوفاء بالمنذورات والأشياء المؤكدة باليمين. (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) بالقصد ففرق بين اليمين المؤكد بالعزم وبين لغو اليمين (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) أي شاهدا ، فإن من حلف بالله قد جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف ، وهذه واو الحال أي لا تنقضوا الأيمان وقد قلتم الله شاهد علينا بالوفاء (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) (٩١) من النقض والوفاء فيجازيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر وفي هذا ترغيب وترهيب (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) أي من بعد قوة العزل بفتلها وإبرامها (أَنْكاثاً) أي أنقاضا وهو مفعول ثان لنقضت بمعنى جعلت أو حال من عزلها مؤكدة لعاملها أي منكوثا.
قيل : المشبه به معين وهي امرأة في مكة اسمها : رائطة بنت سعد بن تيم. وقيل : تلقب بجعرانة ، وكانت حمقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وسنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها ، فكانت تغزل الصوف والوبر هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً) أي مكرا (بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) وهو استفهام بمعنى الإنكار. والمعنى أتصيرون أيمانكم غشا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى؟
قال مجاهد : كان قريش يحالفون الحلفاء ثم إذا وجدوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم مع الحلفاء وعاهدوا أعداء حلفائهم (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ) أي يعاملكم بالأكثر معاملة من يختبركم لينظر أتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله أم تغترون بكثرة قوم (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٩٢) في الدنيا أي حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب (وَلَوْ شاءَ اللهُ) مشيئة قسر (لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) متفقة على الإسلام (وَلكِنْ) لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم لقضية حكمة يعلمها الله ولذلك (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ).
وروى الواحدي أن عزيرا قال : يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء ، فقال : يا عزيز أعرض عن هذا. فأعاده ثانيا ، فقال : أعرض عن هذا. فأعاده ثالثا فقال : أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة (وَلَتُسْئَلُنَ) جميعا يوم القيامة (عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٩٣) في
الدنيا وهذا إشارة إلى الكسب الذي عليه يدور أمر الهداية والضلال (وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً) أي خديعة (بَيْنَكُمْ) أي لا تنقضوا عهدكم مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الإيمان به وبشرائعه (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) على الطريق الحق بالإيمان أي فتزلوا عن طاعة الله فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات العالية ووقع في الضلالة (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) أي العذاب في الدنيا (بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي بامتناعكم عن دين الله وبصرفكم الناس عنه بأيمانكم التي أردتم بها خفاء الحق (وَلَكُمْ) مع ذلك في الآخرة (عَذابٌ عَظِيمٌ) (٩٤) أي غير منفك إذا متم على ذلك (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ) أي لا تأخذوا بمقابلة بيعة رسول الله صلىاللهعليهوسلم (ثَمَناً قَلِيلاً) أي عرض الدنيا ؛ وكانت قريش يعدون ضعفة المسلمين على الارتداد بحطام الدنيا ، أي إنكم وإن وجدتم على نقض عهد الإسلام خيرا من خيرات الدنيا لا تلتفوا إليه وإن كان كثيرا ، لأن الذي أعده الله تعالى على الاستمرار على الإسلام أفضل مما تجدونه في الدنيا على نقض عهد الإسلام (إِنَّما عِنْدَ اللهِ) من ثواب الدارين الغنيمة والثواب الأخروي (هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) مما يعدونه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٩٥) تفاوت ما بين العوضين (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) وإن جمّ عدده (وَما عِنْدَ اللهِ) من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية (باقٍ) لا نفاد له. (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) على مشاق التزام شرائع الإسلام (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٩٦) أي بحسب أحسن أفراد أعمالهم. والمعنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل ؛ وفي هذا من العدة الجميلة باغتفار ما قد يطرأ عليهم في أثناء الصبر من بعض جزع وينظمه في سلك الصبر الجميل.
وقرأ ابن كثير وعاصم «ولنجزينهم» بنون العظمة على طريقة الالتفات. والباقون بالياء من غير التفات «واللام» لام قسم أي والله ليجزين الله (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) في الدنيا فيعيش عيشا طيبا فالموسر ظاهر ، والمعسر يطيب عيشه بالقناعة ، والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم ، فإن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا ، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فيصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) في الآخرة (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٩٧) أي بجزاء أحسن من أعمالهم (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) أي فإذا أردت قراءة القرآن فاسأل الله أن يعصمك من وساوس الشيطان المطرود من رحمة الله لئلا يوسوسك في القراءة ، أي فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا الأمر للندب عند الجمهور وللوجوب عند عطاء وحيث أمر النبي صلىاللهعليهوسلم بالاستعاذة عند قراءة القرآن فما ظنكم بمن عداه صلىاللهعليهوسلم فيمن عدا القراءة من الأعمال! (إِنَّهُ) أي الشيطان (لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ) أي تسلط (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٩٩)
أي وإلى ربهم يفوضون أمورهم وبه يعوذون في كل ما يأتون ويذرون فإن وسوسته لا تؤثر فيهم ودعوته غير مستجابة عندهم (إِنَّما سُلْطانُهُ) أي ولايته بدعوته (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي يطيعونه (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ) أي بربهم (مُشْرِكُونَ) (١٠٠) أي والذين هم بسبب حمل الشيطان إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) من التغليظ والتخفيف في مصالح العباد وما الشرائع إلا مصالح للعباد في المعاش والمعاد فالمصالح تدور.
وهذه الجملة اعتراضية بين الشرط وجوابه لتوبيخ الكفرة على كونهم ينسبون رسول الله إلى الافتراء في التبديل وللتنبيه على فساد رأيهم. (قالُوا) أي الكفار من أهل مكة للنبي صلىاللهعليهوسلم : (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) أي مختلق من تلقاء نفسك.
قال ابن عباس رضياللهعنهما : إذا نزلت آية فيها شدة ، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه ، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٠١) إن الله لا يأمر عباده إلا بما يصلح لهم وإن في النسخ حكما بالغة وإسناد هذا الحكم إلى الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا (قُلْ نَزَّلَهُ) أي القرآن (رُوحُ الْقُدُسِ) أي الروح المطهر من الأدناس البشرية وهو جبريل (مِنْ رَبِّكَ) يا أكرم الخلق (بِالْحَقِ) أي بالموافق للحكمة (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) على الإيمان بأن القرآن كلام الله فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم (وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) (١٠٢) وهذان معطوفان على «ليثبت» ، فهما منصوبان باعتبار محله ، ومجروران باعتبار المصدر المؤول. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ) أي كفار مكة (يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) أي إنما يعلم محمدا القرآن بشر لا جبريل كما يدّعى.
قال عبد الله بن مسلم الحضرمي : عنوا عبدين لنا أحدهما يقال له : يسار ، والآخر جبر وكانا يصنعان السيف بمكة ويقرءان التوراة والإنجيل وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمر عليهما ويسمع ما يقرءانه فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى : (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (١٠٣) أي كلام الذي ينسبون إليه عبراني لم يتكلم بالعربية ولم يأت بفصيح الكلام وهذا القرآن كلام عربي ذو بيان وفصاحة ، فكيف يعلم محمدا وهو جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم عنه ؛ وأنتم أهل الفصاحة! فكيف يقدر من هو أعجمي على مثل هذا القرآن وأين فصاحة هذا القرآن من عجمه هذا الذي تشيرون إليه؟! فثبت بهذا الدليل أن القرآن وحي أوحاه الله إلى محمد وليس هو من تعليم الذي تشيرون إليه ، ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو
وحي من الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ) أي لا يصدقون أنها من عند الله بل يسمونها افتراء أو معلمة من البشر (لا يَهْدِيهِمُ اللهُ) إلى طريق الجنة (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٠٤) أي بل يسوقهم إلى النار (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ) أي إن المفتري هو الذي يكذب بآيات الله ويقول : إنها افتراء ومعلمة من البشر وهذا رد لقولهم : إنما أنت مفتر وقلب للأمر عليهم ببيان أنهم هم المفترون (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) (١٠٥) أي الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيات الله تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ) أي من تلفظ بكلمة الكفر من بعد إيمانه به تعالى فعليه غضب من الله. «فمن» موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) على التلفظ بالكفر فتلفظ به بأمر لا طاقة له به كالتخويف بالقتل وكالضرب الشديد ، وكالإيلامات القوية مما يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) أي والحال أن قلبه لم تتغير عقيدته وهذا دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي ولكن من اعتقد الكفر وانشرح به قلبا (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٠٦).
روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها ، فماتت وقتل ياسر. وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه» (١). فأتى عمار رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمسح عينه.
وقال مالك : إن عادوا لك فقل لهم ما قلت فنزلت هذه الآية (ذلِكَ) أي الكفر بعد الإيمان ، (بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ) أي بسبب أنهم رجّحوا الدنيا على الآخرة (وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (١٠٧) أي وبأنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر (أُولئِكَ) الموصوفون بتلك القبائح (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) فأبت عن التأمل في الحق وإدراكه (وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٠٨) عمّا يراد بهم في الآخرة من العذاب ، فلا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر عواقب الأمور (لا جَرَمَ) أي حق (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ) (١٠٩) حيث صرفوا أعمارهم فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا) إلى المدينة أي ناصرهم (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) أي عذبوا. نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة أو من أمه وفي أبي
__________________
(١) رواه أبي نعيم في حلية الأولياء (١ : ١٣٩) ، وابن حجر في فتح الباري (٧ : ٩٢) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٣٥٤٠) ، والواحدي في أسباب النزول (١٩٠).
جندل بن سهل والوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعبد الله بن أسد الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا.
وقرأ ابن عامر «فتنوا» بالبناء للفاعل ، أي عذبوا المؤمنين ، كعامر بن الحضرمي أكره مولاه جبرا الرومي حتى ارتد ثم أسلما وحسن إسلامهما وهاجروا (ثُمَّ جاهَدُوا) في سبيل الله (وَصَبَرُوا) على الطاعة والمرازي. (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها) أي من بعد. هذه الأعمال الثلاثة (لَغَفُورٌ) لما فعلوا من قبل (رَحِيمٌ) (١١٠) فينعم عليهم مجازاة على ما صنعوا من بعد وهذه الآية إن كانت نازلة فيمن أظهر الكفر ، فالمراد أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لا يكره فلا إثم له في ذلك. وإن كانت واردة فيمن ارتد ، فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يحصلان له الغفران والرحمة ويزيلان العتاب. (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) فالظرف منصوب برحيم أو بمحذوف أي ذكرهم يوم يأتي كل إنسان يعتذر عن ذاته ويسعى في خلاصه من العذاب كقولهم : هؤلاء أضلونا السبيلا. وقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين ، ونحو ذلك من الاعتذارات.
وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال : ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد ، فيقول الروح : يا رب لم يكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها ، فضعف عليه العذاب. فيقول الجسد : يا رب أنت خلقتني كالخشبة ليس لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ، ولا عين أبصر بها فجاء هذا الروح كشعاع النور فبه نطق لساني وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي ، فيضرب الله لهما مثلا : أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار ، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لا يتناوله فحمل الأعمى المقعد فأصابا الثمر فعلى من يكون العذاب؟! قالا : عليهما ، قال الله تعالى : عليكما جميعا العذاب (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ) أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت كاملا (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١١١) بالعقاب بغير ذنب ، وبالزيادة في العقاب على الذنوب. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً) أي جعل الله مثلا أهل قرية مكة (كانَتْ آمِنَةً) أي كان أهلها ذوي أمن فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف من العدو ، (مُطْمَئِنَّةً) أي كان أهلها صحاحا ، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائما لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه فلا يحتاجون إلى الانتقال منه بسبب الأمراض (يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ) أي يأتي أهل تلك القرية أقوات واسعة من نواحيها من بر وبحر فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب ضيق الرزق. قالت العقلاء من بحر الرجز :
|
ثلاثة ليس لها نهاية |
|
الأمن والصحة والكفاية |
(فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ) أي كفر أهلها بنعمه تعالى وهي : نعمة الأمن والصحة والرزق الواسع ، (فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) أي أذاق الله أهلها ضرر الجوع والخوف من حرب
محمد صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ، فإن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع والخوف نوعان :
أحدهما : أنه لما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع والخوف فأشبها الطعام.
وثانيهما : أن أثر الجوع والخوف لما اشتد صار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس ، وقد ظهر أثرهما عليهم من الهزال وصفرة اللون ، ونهكة البدن ، وسوء الحال ، وكسوف البال. ويشبه أيضا أثر الخوف باللباس في الإحاطة واللزوم ، وأثر الجوع بالطعام المر البشع في الكراهة. (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) من تكذيب النبي صلىاللهعليهوسلم وإخراجه من مكة والهمّ بقتله. فالله تعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين ، فقطع عنهم المطر وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة والعلهز وهو وبر يخلط بالدم والقد وهو جلد الماعز الصغير حتى كان ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ، وأما خوفهم فهو لأن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم ، ثم إن رؤساء مكة أرسلوا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم أبا سفيان بن حرب في جماعة فقدموا المدينة عليه ، وقال له أبو سفيان : يا محمد إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعا لهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. وهذه الآية نزلت في المدينة ، لأن الله تعالى وصف القرية بصفات ست كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة فضربها الله مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم فيصيبهم مثل ما أصابهم من الجوع والخوف ، والنبي صلىاللهعليهوسلم لم يؤمر بالقتال وهو بمكة وإنما أمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة ، فكان يبعث السرايا إلى حول مكة يخوفهم بذلك وهو بالمدينة. (وَلَقَدْ جاءَهُمْ) أي جاء أهل تلك القرية وهي مكة (رَسُولٌ مِنْهُمْ) أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه ، فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة ، وأنذرهم سوء عاقبة ما يأتون وما يذرون (فَكَذَّبُوهُ) في رسالته (فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ) بالجوع الذي كان بمكة (وَهُمْ ظالِمُونَ) (١١٣) أي والحال أنهم كافرون بتكذيب رسول الله (فَكُلُوا) يا معشر المسلمين (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي من الغنائم (حَلالاً طَيِّباً) أي إنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب ، وهو الغنيمة ، واتركوا الخبائث ، وهي الميتة والدم (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ) أي واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (١١٤) أي تطيعون (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) فهذه الآية دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع : فالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع داخلة في الميتة ، وما ذبح على النصب داخل تحت قوله تعالى : (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ). (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١١٥) أي فمن دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك غير ظالم على مضطر آخر ولا متجاوز
قدر الضرورة وسد الرمق ، فالله لا يؤاخذه بذلك (وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل ذكر ألسنتكم الكذب ولتعودها به (لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) وهذا بدل من التعليل الأول أي إنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى ويقولون : إن الله أمرنا بذلك. (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) في أمر من الأمور (لا يُفْلِحُونَ) (١١٦) أي لا يفوزون بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة (مَتاعٌ قَلِيلٌ) أي منفعتهم في أفعال الجاهلية منفعة قليلة (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذابٌ أَلِيمٌ) (١١٧) (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا) خاصة (حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ) يا أشرف المرسلين (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل تحريمنا على أهل ملتك ما عدا ذلك من المحرمات وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام (وَما ظَلَمْناهُمْ) بتحريم ذلك (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١١٨) حيث فعلوا ما يؤدي إلى ذلك التحريم (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ) أي الكفر والمعاصي (بِجَهالَةٍ) أي بسبب جهالة ، لأن أحدا لا يختار الكفر ما لم يعتقد كونه حقا ، ولا يفعل المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل فكل من عمل السوء يكون بسبب الجهالة. (ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي عمل السوء (وَأَصْلَحُوا) بأن آمنوا وأطاعوا الله (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها) أي التوبة (لَغَفُورٌ) لذلك السوء (رَحِيمٌ) (١١٩) يثيب على طاعتهم تركا وفعلا أي لما بالغ الله في تهديد المشركين على أنواع قبائحهم من إنكار البعث والنبوة وكون القرآن من عند الله ، وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه بين الله أن أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا وآمنوا فالله يخلصهم من العذاب (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) على انفراده لكماله في صفات الخير وجمعه الفضائل ، وهو رئيس أهل التوحيد ، لأنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم كانوا كفارا ولذلك وصفه بتسع صفات. (قانِتاً لِلَّهِ) أي مطيعا له تعالى قائما بأمره. (حَنِيفاً) أي مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق لا يزول عنه (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٢٠) في أمر من أمور دينهم فإنه كان من الموحدين في الصغر والكبر (شاكِراً لِأَنْعُمِهِ).
روي أن إبراهيم عليهالسلام كان لا يتغذى إلا مع ضيف ، فلم يجد ذات يوم ضيفا ، فأخر غذاءه ، فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر ، فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام ، فقال : الآن يجب علي مؤاكلتكم فلو لا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء. (اجْتَباهُ) أي اصطفاه للنبوة (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٢١) أي هداه في الدعوة إلى طريق موصل إلى الله تعالى وهو ملة الإسلام. (وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) أي ولدا صالحا وسيرة حسنة عند كل أهل الأديان ، فجميع الملل يترصون عن إبراهيم ولا يكفر به أحد. (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (١٢٢) أي لمن أصحاب الدرجات العالية في الجنة (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) يا سيد المرسلين مع علو طبقتك (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أي في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإتيان الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن
(حَنِيفاً) أي مائلا عن الباطل حال من إبراهيم ، (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٢٣) وهذا تكرير لما سبق لزيادة تأكيد في الرد على المشركين حيث زعموا أنهم كانوا على ملة إبراهيم. (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي إنما فرض تعظيم يوم السبت على الذين خالفوا نبيهم موسى عليهالسلام لأجل يوم السبت ، فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ تعالى بالتكوين من يوم الأحد ، وتمّ في يوم الجمعة. وكان يوم السبت يوم الفراغ فأمر سيدنا موسى عليهالسلام اليهود أن يعظموا يوم الجمعة ـ كما هو ملة إبراهيم عليهالسلام ـ بالتفرغ للعبادة فيه وترك الأشغال ، فيكون عيدا ، فخالفوا كلهم وقالوا : نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فاختاروا السبت ، فأذن الله تعالى لهم فيه وشدّد عليهم بتحريم الاصطياد فيه. وقالت النصارى : مبدأ التكوين هو يوم الأحد فنجعل هذا اليوم عيدا لنا وقد جاءهم عيسى عليهالسلام بالجمعة أيضا فقالوا : لا نريد أن يكون عيد اليهود بعد عيدنا ، واتخذوا الأحد عيدا لهم وقلنا معشر الأمة المحمدية : يوم الجمعة هو يوم الكمال فحصول التمام يوجب الفرح الكامل ، فهو أحق بالتعظيم ، وبجعله عيدا. وأيضا إن الله تعالى خلق في يوم الجمعة أبا البشر آدم عليهالسلام وهو أشرف خلقه وتاب عليه فيه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب ، ولأن الله تعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة ولم يختاروه لأنفسهم. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٢٤) في الدين فإنه تعالى سيحكم للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب. (ادْعُ) يا أشرف الرسل من بعثت إليهم من الأمة قاطبة (إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) أي إلى دينه (بِالْحِكْمَةِ) أي الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية وهذه أشرف الدرجات ، وهي التي قال الله تعالى في صفتها : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) [البقرة : ٢٦٩] (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) أي الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي بدليل مركب من مقدمات مقبولة فالناس على ثلاثة أقسام :
الأول : أصحاب العقول الصحيحة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها.
والثاني : أصحاب النظر السليم الذين لم يبلغوا حدّ الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان.
والثالث : الذين تغلب على طباعهم المخاصمة لا طلب العلوم اليقينية فقوله تعالى : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) إلخ. معناه : ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها ، وهم خواص الصحابة وغيرهم. وادع عوام الخلق بالدلائل الإقناعية الظنية ؛ وهم أرباب السلامة ، وفيهم الكثرة ، وتكلّم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل ؛ وهي التي تفيد إفحامهم وإلزامهم. والجدل ليس من باب الدعوة ،
بل المقصود منه قطع الجدل عن باب الدعوة ، لأنها لا تحصل به أي ولما أمر الله محمدا صلىاللهعليهوسلم باتباع إبراهيم بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه وهو أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) الذي أمرك بدعوة الخلق إليه وأعرض عن قبوله (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١٢٥) إليه أي إنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة ، وحصول الهداية لا يتعلق بك فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس المظلمة الكدرة وباهتداء النفوس المشرقة الصافية (وَإِنْ عاقَبْتُمْ) أي إن أردتم المعاقبة (فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) أي بمثل ما فعل بكم ولا تزيدوا عليه. وقد مر أنه تعالى أمر محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وتلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم ، وبالحكم عليه بالضلالة وذلك مما يشوش قلوبهم ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة وبالضرب ثانيا ، وبالشتم ثالثا ، ثم إن ذلك الداعي إذا عرف ذلك يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء بالقتل أو بالضرب ، فعند هذا أمر الله الداعي في هذا المقام برعاية العدل وترك الزيادة ظلم وهو ممنوع في عدل الله ورحمته والله تعالى أمر في هذه الآية برعاية الإنصاف فيدخل فيها ما روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما رأى عمه حمزة قد مثل به المشركون في أحد فقطعوا أنفه وأذنيه وذكره وأنثييه وفجروا بطنه قال : «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك» (١) فنزلت هذه الآية فكفر عن يمينه وكف عما أراده (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) عن المعاقبة بالمثل (لَهُوَ) أي الصبر (خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (١٢٦) لأن الرحمة أفضل من القسوة والنفع أفضل من الإيلام. والمقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى وطلب ترك الزيادة من الظالم وهذا ليس بمنسوخ (وَاصْبِرْ) على ما أصابك من جهتهم من فنون الأذية (وَما صَبْرُكَ) بشيء من الأشياء (إِلَّا بِاللهِ) أي بذكره وبالاستغراق في مراقبة شؤونه تعالى وبالتبتل إليه تعالى بمجامع الهمة (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي الكافرين بسبب إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) أي غم.
وقرأ ابن كثير بكسر الضاد (مِمَّا يَمْكُرُونَ) (١٢٧) أي من مكرهم بك في المستقبل فالضيق إذا قوى صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (١٢٨) وهذا يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله. والمراد بالمعية هي بالرحمة والفضل والرتبة.
__________________
(١) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٤ : ٥٠٧).
سورة الإسراء
سورة بني إسرائيل ، وتسمى سورة الإسراء ، و (سُبْحانَ) مكية ، غير قوله :
(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) إلى قوله : (سُلْطاناً نَصِيراً) فهذه الآيات الثمانية
مدنيات ، مائة وإحدى عشر آية ، ألف وخمسمائة وتسعة وخمسون كلمة
ستة آلاف وستمائة واثنان وأربعون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) أي تبرأ عن الشريك من سير عبده محمدا صلىاللهعليهوسلم (لَيْلاً) أي في جزء قليل من الليل (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي من حرم مكة من بيت أم هانئ بنت أبي طالب (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي الأبعد من الأرض وأقرب إلى السماء ؛ وهو مسجد بيت المقدس وسمي أقصى ، لأنه أبعد المساجد التي تزار ويطلب بها الأجر من المسجد الحرام.
وروي أن عبد الله بن سلام قال في حضرة النبي صلىاللهعليهوسلم عند قراءته هذه الآية لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص فقال صلىاللهعليهوسلم : «صدقت» ثم قال : «ويقال له البيت المقدس والزيتون ولا يقال له الحرم» اه. والحكمة في إسرائه صلىاللهعليهوسلم إلى بيت المقدس ليحصل له العروج إلى السماء مستويا من غير تعريج لما روي عن كعب أن باب السماء الذي يقال له : مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس قال : وهو أقرب من الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل : الحكمة في ذلك أن الشام خيرة الله تعالى من أرضه كما في حديث صحيح فهي أفضل الأرض بعد الحرمين وأول إقليم ظهر فيه ملكه صلىاللهعليهوسلم.
وروي أن صخرة بيت المقدس من جنة الفردوس. وقيل : الحكمة في ذلك لإظهار الحق على من عاند ، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعانده سبيلا إلى الإيضاح فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا علموا أنه صلىاللهعليهوسلم لم يكن رآها قبل ذلك لما أخبرهم بها حصل التحقق بصدقه فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس في ليلة وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ذلك من خبر المعراج إلى السموات. وقيل : الحكمة في ذلك ليجمع الله له صلىاللهعليهوسلم بين القبلتين (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) أي المسجد الأقصى من أرض الشام بركة
قوله تعالى : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى) إلخ. معنى التنزيه والتعجب أشار الله تعالى بذلك إلى أعجب أمر جرى بينه تعالى وبين أفضل خلقه (لِنُرِيَهُ) أي محمدا صلىاللهعليهوسلم (مِنْ آياتِنا) أي بعض عجائب قدرتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ، وثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، فحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلىاللهعليهوسلم ممكن ، وحينئذ يلزم أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، لكن يبقى التعجب ، لأنه حاصل في جميع المعجزات. فانقلاب العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألفا من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات ، فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار ، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات ؛ وهو فرع على تسليم أصل النبوة. وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإبطال فكذا هاهنا فثبت أن المعراج ممكن غير ممتنع (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١) أي إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد صلىاللهعليهوسلم وأحواله بلا إذن ، البصير بأفعاله بلا عين فيكرمه ويقربه بحسب ذلك أي فهو عالم بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى ، مقرونة بالصدق والصفا ، متأهلة للقرب والزلفى ويقال : إنه تعالى هو السميع لمقالة قريش البصير بهم.
روي عن ابن عباس أنه صلىاللهعليهوسلم كان نائما في بيت أم هاني بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته ، وقص القصة على أم هانئ وقال : «مثل لي النبيون فصليت بهم» فلما قام ليخرج إلى المسجد تشبثت هي بثوبه صلىاللهعليهوسلم فقال مالك : قالت : أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم ، قال : «وإن كذبوني». فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره بحديث الإسراء ، فقال أبو جهل : يا معشر كعب بن لؤي بن غالب ، هلم فحدّثهم ، فمن مصفّق ، وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا ، وارتد ناس ممن كان آمن به صلىاللهعليهوسلم وذهب رجال إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق. قالوا : أتصدقه على ذلك؟ قال : إني أصدقه على أبعد من ذلك أي كأنه قال : لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟ ثم جاء أبو بكر إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل فكلما ذكر صلىاللهعليهوسلم شيئا قال له أبو بكر : صدقت. فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا. فقال له الرسول : «وأنا أشهد أنك الصدّيق حقا» ويقال : إن هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو خاصة السميع لكلامنا البصير لذاتنا فهو السميع أذنا وقلبا بالإجابة لنا والقبول لأوامرنا البصير بصرا وبصيرة ، وتوسيط ضمير الفصل للإشعار باختصاصه صلىاللهعليهوسلم وحده بهذه الكرامة ، ولهذا عقب الله تعالى بقوله هذا : (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) أي التوراة أي لما ذكر الله تعالى تشريف محمد صلىاللهعليهوسلم بالإسراء ذكر عقبه تشريف موسى عليهالسلام بإنزال التوراة عليه مع ما فيه من دعوته عليهالسلام
إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعا بين الأمرين المتحدين في المعنى. أي آتيناه التوراة بعد ما أسرينا به إلى الطور. (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) والضمير يعود إلى الكتاب أو إلى موسى أي جعلنا موسى يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق (أَلَّا تَتَّخِذُوا) فلا ناهية و «أن» بمعنى أي التفسيرية أو زائدة و «تتخذوا» على إضمار القول أي فقلنا : لا تتخذوا وقرأ أبو عمرو «أن لا يتخذوا» بالياء خبرا عن بني إسرائيل فإن مصدرية ولا نافية ولام التعليل مقدرة والمعنى آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا (مِنْ دُونِي وَكِيلاً) (٢) أي ربا تفوضون إليه أموركم (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) نصب على الاختصاص على قراءة النهي وعلى مفعول «يتخذوا» الأول ومن دوني حال من وكيلا والتقدير : لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح ، من دوني وكيلا فالناس كلهم ذرية نوح ، لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين سام وحام ويافث ، فالناس كلهم من ذرية أولئك (إِنَّهُ) أي نوحا (كانَ عَبْداً شَكُوراً) (٣) أي كثير الشكر في جميع حالاته وفي هذا إعلام بأن إنجاء من معه كان ببركة شكره ، وحث للذرية على الاقتداء به ، وزجر لهم عن الشرك. والمعنى ولا تشركوا بي ، لأن نوحا كان عبدا شكورا وأنتم من ذريته فاقتدوا به كما أن آباءكم اقتدوا به ، وإنما يكون العبد شكورا إذا كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله تعالى.
روي أن نوحا عليهالسلام كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال : الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه. وإذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجا آثره به. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) أي أخبرناهم في التوراة بحصول الفساد مرتين (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ) أي أرض الشام (مَرَّتَيْنِ) الأولى مخالفة حكم التوراة وحبس أرمياء عليهالسلام حين أنذرهم سخط الله تعالى وقتل شعياء نبي الله في الشجرة ، وذلك أنه لما مات صدقيا ملكهم تنافسوا في الملك وقتل بعضهم بعضا ، وهم لا يسمعون من نبيهم فقال الله تعالى له : «قم في قومك» فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوا عليه ليقتلوه ، فهرب ، فانفلقت له شجرة ، فدخل فيها ، وأدركه الشيطان ، فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها ، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها والثاني قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام. (وَلَتَعْلُنَ) أي لتغلبن الناس بغير الحق (عُلُوًّا كَبِيراً) (٤) أي مجاوزا للحدود ويقال لكل متجبر : قد علا. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) أولى مرتي الفساد (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ) أي قتال (شَدِيدٍ) عن حذيفة قال : قلت : يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هو من أجل
البيوت ابتناه الله تعالى لسليمان بن داود عليهمالسلام من ذهب وفضة ، ودرّ وياقوت وزمرد» وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخّر له الجن يأتونه بالذهب والفضة من المعادن ، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد ، وسخّر له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة : فقلت : يا رسول الله كيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر ، وهو من المجوس ، وكان ملكه سبعمائة سنة» (١). وهو قوله تعالى : (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ). (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) أي فترددوا في أوساط الديار ، ودخلوا بيت المقدس ، وقتلوا الرجال ، وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام. (وَكانَ) أي ذلك البعث (وَعْداً مَفْعُولاً) (٥) أي منجزا (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ) أي الدولة (عَلَيْهِمْ) أي على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنة حين تبتم عن ذنوبكم ورجعتم عن الإفساد بظهور كورش الهمذاني على بختنصر. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ) كثيرة بعد ما نهبت أموالكم (وَبَنِينَ) بعد ما سبيت أولادكم (وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) (٦) أي رجالا وعددا ، أي ثم إن الله عزوجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس وهو كورش الهمذاني أن تسير إلى المجوس في أرض بابل وأن تستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل ، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنفذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس ، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من البيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة (إِنْ أَحْسَنْتُمْ) بفعل الطاعات (أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) فإنّ ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات ، (وَإِنْ أَسَأْتُمْ) بفعل المحرمات (فَلَها) أي فقد أسأتم إلى أنفسكم فإن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي وعد المرة الآخرة بعثنا تطوس بن إسبيانوس الرومي مع جنوده (لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) أي ليجعلوا آثار الحزن ظاهرة في وجوهكم.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة «ليسوء» بالتوحيد أي ليحزن الله ، أو الوعد أو البعث وجوهكم ، وقرأ الكسائي «لنسوء» بنون العظمة (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) أي بيت المقدس (كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي كما دخل الأعداء فيه في أول مرة (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا) أي ليهلكوا البلاد التي علوا عليها (تَتْبِيراً) (٧) أي إهلاكا ، أي فلما رجعت بنو إسرائيل إلى البيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر ، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم ،
__________________
(١) رواه الشجري في الأمالي (٢ : ٢٣١) ، والطبراني في المعجم الكبير (١٠ : ١٧٩).
وأخذ أموالهم ونساءهم ، وأخذ جميع ما في بيت المقدس ، واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب ، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسي بها على بابل حتى ينقل إلى بيت المقدس (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي لعل ربكم أن يرحمكم بعد المرة الآخرة إن تبتم توبة أخرى من المعاصي يا بني إسرائيل (وَإِنْ عُدْتُمْ) إلى الفساد مرة أخرى (عُدْنا) إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى ، وإن عدتم إلى الإحسان عدنا إلى الرحمة ، وقد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد صلىاللهعليهوسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب فجرى القتل والجلاء على قريظة وبني النضير وبني قينقاع ويهود خيبر ، والباقي منهم مقهورون بضرب الجزية (وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) (٨) أي سجنا لا يستطيعون الخروج منها أبدا (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ) الذي آتيناكه (يَهْدِي) كل الناس (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) أي للطريقة التي هي أقوم الطرائق وهي ملة الإسلام فبعضهم يصل بهدايته وهم المؤمنون وبعضهم لا وهم الكافرون (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ) من التقوى والإحسان (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (٩) أي بأن لهم في مقابلة تلك الأعمال أجرا كبيرا بحسب الذات وبحسب التضعيف (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٠) وهو عذاب جهنم وهذا عطف على قوله : «أن لهم» فالقرآن يبشر المؤمنين ببشارتين بأجر كبير وبتعذيب أعدائهم.
واعلم أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين وأن بعضهم قال : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) في الإلحاح ، أي إن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه مع أن ذلك الشيء يكون منبع ضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه مغترا بظاهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها.
روي أن النضر بن الحرث قال : اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه ، وضربت رقبته يوم بدر. وقيل : المراد أن الإنسان في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. (وَكانَ الْإِنْسانُ) بحسب جبلته (عَجُولاً) (١١) أي ضجرا لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يطرأ عليه فإن كل أحد من الناس لا يخلو عن عجلة ولو تركها لكان تركها أصلح في الدنيا والدين. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) أي علامتين دالتين على تمام علمنا وكمال قدرتنا ، فلما بيّن الله تعالى أن هذا القرآن يدل على الطريق الأقوم ذكر الدلائل الدالة على وحدته تعالى. وهو عجائب العالم العلوي والسفلي فالقرآن نعم الدين ووجود الليل والنهار نعم الدنيا ، فلولاهما لما حصل للخلق
الراحة والكسب والقرآن ممتزج من المحكم والمتشابه ، فكذلك الدهر مركب من الليل والنهار ، فالمحكم كالنهار ، والمتشابه كالليل ، فكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يحصل الانتفاع به إلا بالليل والنهار (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وهي القمر ، لأنه يبدو في أول الأمر على صورة الهلال ، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ، ثم يشرع في الانتقاص قليلا قليلا إلى أن يعود إلى المحاق (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ) وهي الشمس (مُبْصِرَةً) أي مضيئة ذات أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة فالإضاءة سبب لحصول الإبصار (لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) أي لتطلبوا في الليل والنهار فضل ربكم من الرزق الحلال بالكسب ومن الثواب الجزيل بأداء الطاعات والاحتراز عن المنهيات (وَلِتَعْلَمُوا) بتعاقبهما (عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ) أي حساب ما دون السنين من الشهور والأيام والساعات لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية (وَكُلَّ شَيْءٍ) تفتقرون إليه في مصالح دينكم ودنياكم (فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً) (١٢) أي بيّناه في القرآن تبيينا بليغا لا شبهة فيه ، فظهر كون القرآن يهدي للتي هي أقوم ظهورا بيّنا (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ) أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر (فِي عُنُقِهِ) وذكر العنق كناية عن شدة اللزوم ، أي ألزمناه عمله كلزوم القلادة أو الفاء للصفة بحيث لا يفارقه عمله أبدا فإن كان خيرا كان زينة له كالطوق ، وإن كان شرا كان شينا له كالغل على رقبته. وإنما يكنى العمل بالطير لأن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل اعتبروا أحوال الطير ، فهل يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك فيستدلون بكل واحد منها على الخير والشر والسعادة والنحوسة فلما كثر ذلك منهم سمي نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه. وقيل : المراد بالطائر صحيفة الأعمال التي كتبتها الملائكة الحفظة ، فإذا مات العبد طويت تلك الصحيفة وجعلت معه في قبره حتى تخرج له يوم القيامة.
وروي عن ابن مسعود رضياللهعنه أنه قال : يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت إذا أدخل قبره قال : «يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول : يا عبد الله اكتب عملك ، فيقول : ليس معي دواة ولا قرطاس ولا قلم ، فيقول : كفنك قرطاسك ، ومدادك ريقك وقلمك إصبعك فيقطع له قطعة من كفنه ، ثم يشرع العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد ، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه». ثم قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» (١) أي عمله فيه وقيل : المراد بالطائر كتاب إجابته في القبر لمنكر ونكير (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً) أي مكتوبا فيه عمله (يَلْقاهُ) أي يلقى الإنسان.
__________________
(١) رواه الخطيب الهندي في الفقيه والمتفقه (١١).
وقرأ ابن عامر «يلقاه» بضم الياء وفتح اللام ، والقاف المشددة أي يعطاه (مَنْشُوراً) (١٣) أي مفتوحا ويقال له : (اقْرَأْ كِتابَكَ).
قال الحسن وقتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. وقال بكر بن عبد الله : يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله تعالى : اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره. (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (١٤) أي محاسبا. قال الحسن : ومن عدل الله في حقك جعلك حسيب نفسك.
وقال السدي : يقول الكافر يومئذ له تعالى : إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له : (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً). (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) أي من اهتدى بهداية القرآن وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى من لم يهتد فإن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) أي ومن ضل عن الطريقة التي يهديه إليها فإنما وبال ضلاله عليها لا على من لم يباشره (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي لا تحمل نفس حاملة للإثم إثم نفس أخرى بطيبة النفس حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن إثمها ، ولكن يحمل عليها بالقصاص فلا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى فكل أحد مختص بذنب نفسه ، وهذا قطع لأطماع الكفار حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالعقاب على أسلافهم الذين قلدوهم الدين الفاسد (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ) قوما بالهلاك (حَتَّى نَبْعَثَ) إليهم (رَسُولاً) (١٥) يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج ، ويمهد الشرائع. وأهل الفترتين بين نوح وإدريس وبين عيسى ومحمد عليهمالسلام ثلاثة عشر قسما ستة سعداء وأربعة أشقياء وثلاثة تحت المشيئة. فأما السعداء : فقسم وحّد الله تعالى بنور وجده في قلبه كقس بن ساعدة فإنه كان إذا سئل هل لهذا العالم إله قال : البعرة تدل على البعير ، وأثر الأقدام يدل على المسير. وقسم وحّد الله تعالى بما تجلى لقلبه من النور الذي لا يقدر على دفعه. وقسم ألقي في نفسه ، واطلع من كشفه على منزلة محمد صلىاللهعليهوسلم فآمن به في عالم الغيب. وقسم اتبع ملة حق ممن تقدمه. وقسم طالع في كتب الأنبياء فعرف شرف محمد صلىاللهعليهوسلم فآمن به وقسم آمن بنبيه الذي أرسل إليه وأدرك رسالة محمد صلىاللهعليهوسلم وآمن به فله أجران. وأما الأشقياء : فقسم عطل بلا نظر بل بتقليد. وقسم عطل بعد ما أثبت بلا استقصاء نظر. وقسم أشرك عن تقليد محض. وقسم علم الحق وعانده. وأما الذي تحت المشيئة : فقسم عطل فلم يقر بوجود الإله عن نظر ناقص لضعف في طبائعه. وقسم أشرك عن نظر أخطأ فيه. وقسم عطل بعد ما أثبت بغير نظر قوي. ونقل عن السيوطي أن أبوي النبي صلىاللهعليهوسلم لم تبلغهما الدعوة والله تعالى يقول :
(وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها) أي وإذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بعذاب الاستئصال أمرنا على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها رؤساءها بالأعمال الصالحات وهي الإيمان والطاعة.
وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس «أمرنا مترفيها» بمد الهمزة أي كثرنا أغنياءها وفساقها. وعن أبي عمرو «أمرنا» بتشديد الميم أي جعلنا جبابرتها أمراء. (فَفَسَقُوا فِيها) أي فخرجوا عما أمرهم الله وعملوا المعاصي فيها (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) أي فثبت عليها ما توعدناهم به على لسان رسولنا من الإهلاك (فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٦) أي فأهلكناها إهلاك الاستئصال (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) أي وكثيرا أهلكنا من الأمم الماضية من بعد قوم نوح فإن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون من القرون الذين كانوا بعد نوح وهم عاد وثمود وغيرهم وإنما قال تعالى : (مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) لأنه أول من كذبه قومه وخوّف تعالى بهذه الآية كفار مكة (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) (١٧) فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادرا على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه فإنه منزه عن الظلم ، وهذه بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف عظيم لأهل المعصية (مَنْ كانَ يُرِيدُ) بالذي يعمله (الْعاجِلَةَ) أي الدار العاجلة فقط (عَجَّلْنا لَهُ فِيها) أي في تلك الدار (ما نَشاءُ) تعجيله له من نعيمها (لِمَنْ نُرِيدُ) تعجيل ما نشاء له وهذا بدل من الضمير بإعادة الجار بدل بعض من كل فلا يجد كل واحد جميع ما يهواه فإن كثيرا من الكفار يعرضون عن الدين في طلب الدنيا ، ثم يبقون محرومين عن الدنيا والدين (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ) في الآخرة مكان ما عجلناه (جَهَنَّمَ) وما فيها من أنواع العذاب (يَصْلاها) أي يدخلها (مَذْمُوماً) أي مهانا بالذم (مَدْحُوراً) (١٨) أي مطرودا من رحمة الله تعالى.
قيل : نزلت هذه الآية في مرثد بن ثمامة (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ) أي أراد بعمله ثواب الآخرة (وَسَعى لَها) أي للدار الآخرة (سَعْيَها) بأن يكون العمل من باب القرب والطاعات (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إيمانا صحيحا (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ) أي عملهم (مَشْكُوراً) (١٩) أي مقبولا عند الله أحسن القبول. قيل : نزلت هذه الآية في بلال المؤذن (كُلًّا) أي كل واحد من الفريقين مريد الدنيا ومريد الآخرة (نُمِدُّ) أي نزيد بالعطاء (هؤُلاءِ) أي الذين يريدون الدنيا (وَهَؤُلاءِ) أي الذين يريدون الآخرة وهذان بدلان من كلا فإن الله يوسع عليهما في الرزق من الأموال والأولاد وغير ما من أسباب العز والزينة في الدنيا (مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) أي من معطاه الواسع وهذا متعلق «بنمد» (رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ) أي معطاه في الدنيا (مَحْظُوراً) (٢٠) أي ممنوعا من أحد ، مؤمنا كان أو
كافرا ، لأن الكل مخلوقون في دار العمل فأزاح تعالى العذر عن الكل ، وأوصل تعالى متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح (انْظُرْ) أيها الإنسان بنظر الاعتبار (كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) فيما أمددناهم به من العطايا في الدنيا فمن وضيع ورفيع ، وضالع وضليع ، ومالك ومملوك ، وموسر وصعلوك (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ) من درجات الدنيا فإن درجات الآخرة باقية غير متناهية ونعم الدنيا فانية متناهية (وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) (٢١) من تفضيل درجات الدنيا أي التفاوت في الآخرة أكبر ، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها ، ثم ذكر الله تعالى من أنواع التكاليف خمسة وعشرين نوعا بعضها أصلي وبعضها فرعي وهي : تفصيل لثلاثة شروط لأهل الثواب وهي إرادة الآخرة بالعمل ، وأن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة وأن يكون مؤمنا فقال : (لا تَجْعَلْ) أيها الإنسان (مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ) أي فتمكث في الناس أو فتعجز عن سعادة الآخرة أو فتصير (مَذْمُوماً) من الملائكة والمؤمنين (مَخْذُولاً) (٢٢) من الله تعالى (وَقَضى رَبُّكَ) أي أمر أمرا جزما.
وقرأ علي وابن عباس وعبد الله «ووصى ربك» ، (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فـ «أن» إما مفسرة أو مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و «لا» ناهية (وَبِالْوالِدَيْنِ) أي أحسنوا بهما (إِحْساناً) عظيما كاملا فإن إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ومع ذلك لا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء وفي الأمثال المشهورة أن البادئ بالبر لا يكافأ (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) أي إن يبلغا إلى حالة الضعف وهما عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر فلا تتضجر لواحد منهما بما تستقذر منه ولا تستثقل من مؤنه ، أي ولا تقل له كلاما رديئا إذا وجدت منه رائحة تؤذيك كما أنهما لا يتقذران منك حين كنت تخرأ أو تبول.
وقرأ حمزة والكسائي «يبلغان» فأحدهما بدل من ضمير التثنية. وقرأ ابن كثير وابن عامر «أف» بفتح الفاء من غير تنوين ونافع وحفص بكسر الفاء مع التنوين. والباقون بكسر الفاء من غير تنوين. (وَلا تَنْهَرْهُما) أي لا تغلظ لهما في الكلام. والمراد من قوله تعالى : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) لمنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ومن قوله (وَلا تَنْهَرْهُما) المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) (٢٣) أي لينا حسنا بأن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ) أي لين لهما جانبك المذلول. والمراد افعل التواضع لهما (مِنَ الرَّحْمَةِ) أي من أجل فرط عطفك عليهما ورقتك لهما بسبب ضعفهما لا لأجل خوفك من العار. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) (٢٤) أي ادع لهما بالرحمة ولو خمس مرات في اليوم والليلة بأن تقول : رب ارحمهما برحمتك الدنيوية والأخروية رحمة مثل تربيتهما
إياي في صغري؟ ويجوز أن تكون الكاف للتعليل ، أي لأجل تربيتهما لي (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) من الإخلاص وعدمه في برهما (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ) أي صادقين في نية البر بالوالدين إن كنتم رجاعين إلى الله تعالى (فَإِنَّهُ) تعالى (كانَ لِلْأَوَّابِينَ) أي للرجاعين إليه تعالى عما فرط منهم (غَفُوراً) (٢٥) فيكفر عنهم سيئاتهم (وَآتِ ذَا الْقُرْبى) أي أعط ذا القرابة من جهة الأب والأم وإن بعد (حَقَّهُ) من صلة الرحم بالمال أو غيره (وَالْمِسْكِينَ) أي أعط المسكين حقه من الإحسان إليه (وَابْنَ السَّبِيلِ) أي أعط الضيف النازل بك حقه وهو إكرامه ثلاثة أيام (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) (٢٦) وهو إنفاق المال في المعصية وفي الفخر والسمعة (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) أي أتباعهم في الصرف في المعاصي (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) (٢٧) فإنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض ، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى فكان المبذرون موافقين للشياطين في تلك الصفة (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها) أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد لكونك كنت فقيرا في وقت طلبهم منك (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) (٢٨) أي لينا سهلا بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق أو تقول لهم الله يسهل.
وروي أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل يقول : يرزقنا الله تعالى وإياكم من فضله اه. وقوله تعالى : (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها) كناية عن الفقر ، لأن فاقد المال يطلب رحمة الله فسمى الفقر بابتغاء رحمة الله من إطلاق اسم المسبب عن اسم السبب (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) أي لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك (وَلا تَبْسُطْها) في الإنفاق (كُلَّ الْبَسْطِ) أي في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات أي ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يدك شيء (فَتَقْعُدَ مَلُوماً) أي فتصير ملوما عند الله وعند أصحابك فهم يلومونك على تضييع المال بالكلية ، وإبقاء الأهل والولد في الضر وتبقى ملوما عند نفسك بسبب سوء تدبيرك وترك الحزم في مهمات معاشك (مَحْسُوراً) (٢٩) أي نادما أو منقطعا عنك الأحباب بسبب ذهاب الأسباب (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) أي إن الله يوسع الرزق على البعض ويضيقه على البعض الآخر وهو يربي المربوب ويدفع حاجاته على مقدار الصلاح فعلى العباد أن يقتصدوا في الإنفاق وأن يستنوا بسنته تعالى (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) (٣٠) فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ويعلم أن مصلحة كل إنسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر فالتفاوت في أرزاق العباد لأجل رعاية الصلاح لا لأجل البخل (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) أي خشية وقوع فقر بكم فقتل الأولاد ، إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله وإن كان لأجل الغيرة على النبات فهو سعي في تخريب العالم. فالأول : ضد التعظيم لأمر الله تعالى. والثاني : ضد الشفقة على خلق الله.
قال بعضهم : والذي حملهم على قتل الأولاد البخل وطول الأمل (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) أي نرزقهم من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيطرأ عليكم ما تخشونه من الفقر (إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) (٣١) أي ذنبا عظيما.
وقرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء. وقرأ ابن عامر بفتح الخاء والطاء مع القصر بمعنى ضد الصواب. وقرأ ابن كثير بفتح الخاء والطاء مع المد (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) بإتيان مقدماته (إِنَّهُ) أي الزنا (كانَ فاحِشَةً) أي ظاهرة القبح لاشتماله على فساد الأنساب وعلى التقاتل فإن الإنسان لا يعرف أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره فلا يقوم بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد وانقطاع النسل وخراب العالم (وَساءَ سَبِيلاً) (٣٢) لأنه لا يبقى فرق بين الإنسان والبهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث فالله تعالى وصف الزنا في آية أخرى بصفات ثلاثة ، فالذي لم يذكر هنا كونه مقتا فإن المرأة إذا تمرنت على الزنا يستقذرها كل طبع سليم وكل خاطر سليم وإذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق فحينئذ لا تحصل لها الألفة ولا يتم الازدواج (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) قتلها بالإسلام والعهد (إِلَّا بِالْحَقِ) أي بسبب الحق وهو عند القصاص فهو متعلق بلا تقتلوا (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً) بغير حق يبيح القتل للقاتل (فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ) من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث (سُلْطاناً) أي استيلاء على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) أي فلا يسرف الولي في أمر القتل بأن يزيد على القتل المثلة وقطع الأعضاء أو بأن يقتل غير القاتل من أقاربه ، أو بأن يقتل الاثنين مكان الواحد أو بأن يقتل القاتل مع أخذ الدية. وقيل : المعنى ولا يسرف القاتل الظالم والإسراف هو إقدامه على القتل بالظلم. وقرأ حمزة والكسائي «فلا تسرف» بالتاء على الخطاب ، أي لا تسرف في القتل أيها الولي ، أي اكتف باستيفاء القصاص ولا تطلب الزيادة. أو لا تسرف أيها الإنسان أي لا تفعل القتل الذي هو ظلم محض ، فإنك إن قتلت مظلوما استولى في القصاص منك. ويعضد هذا قراءة «ولا تسرفوا». (إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) (٣٣).
قال مجاهد : إن المقتول المظلوم كان منصورا في الدنيا بإيجاب القود على قاتله ، وفي الآخرة بكثرة الثواب له وبكثرة العقاب لقاتله.
وقال قتادة : إن ولي المقتول كان منصورا على القاتل حيث أوجب الله له القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فليكتف بهذا القدر ولا يطمع في الزيادة. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وهي حفظه وإرباحه (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي حتى يبلغ إلى حيث يمكنه بسبب رشده القيام بمصالح ماله فحينئذ تزول ولاية غيره عنه فإن بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) سواء جرى بينكم وبين ربكم أو جرى بينكم وبين الناس (إِنَّ الْعَهْدَ
كانَ مَسْؤُلاً) (٣٤) أي مسؤولا عنه فيسأل الناكث ويعاتب عليه يوم القيامة (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ) أي أتموه (إِذا كِلْتُمْ) لغيركم (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي بميزان العدل بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين. (ذلِكَ) أي الوزن بالميزان المعتدل وإيفاء الكيل والعهد (خَيْرٌ) في الدنيا ، فإنه يوجب الذكر الجميل بين الناس (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٣٥) أي عاقبة في الآخرة فإنه يخلص من العقاب الشديد (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي لا تكن أيها الإنسان في اتباع ما لا علم لك به من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده. والمراد بالعلم هو الظن المستفاد من سند (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ) أي كل واحد من تلك الأعضاء (كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (٣٦) أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه أي عما فعل به صاحبه ولا يبعد أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء ، ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها وفي هذا دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية.
روي عن شكل بن حميد قال : أتيت النبي صلىاللهعليهوسلم فقلت : يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال : «قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي» (١) قال : فحفظتها (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) أي ذا شدة فرح أي لا تمش مشيا يدل على الكبرياء والعظمة (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ) أي لن تنقبها بشدة وطأتك (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً) (٣٧) أي لن يبلغ طولك الجبال. والمعنى تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله فلا يليق بك التكبر (كُلُّ ذلِكَ) أي المذكور من الخصال الخمس والعشرين (كانَ سَيِّئُهُ) بضم الهمزة والهاء أي السيء منه وهي المنهيات الاثنا عشر (عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) (٣٨) أي محرما مبغوضا فاعله معاقبا عليه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «سيئة» بالتاء وبالنصب ، وهو خبر كان وعند ربك صفة لسيئة ومكروها خبر ثان لكان. والمعنى كل ما تقدم من المنهيات وهي اثنتا عشرة خصلة كان سيئة أي ذنبا (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ) أي ذلك التكاليف الأربعة والعشرون نوعا بعض ما أوحى إليك ربك (مِنَ الْحِكْمَةِ) التي هي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وهذا خبر ثان (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً) يلومك نفسك وغيرها (مَدْحُوراً) (٣٩) أي مبعدا من رحمة الله تعالى (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) أي اختاركم ربكم فخصكم بالذكور (وَاتَّخَذَ) لنفسه (مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) أي إن كفار مكة اعتقدوا أن أشرف الأولاد البنون : وأخسهم البنات ، ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية نقصهم ، وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن الله هو الموصوف
__________________
(١) رواه النسائي في كتاب الاستعاذة ، باب : الاستعاذة من شر السمع والبصر.
بالكمال الذي لا نهاية له وذلك يدل على نهاية جهلهم (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ) بسبب ذلك الاعتقاد (قَوْلاً عَظِيماً) (٤٠) في الفرية على الله حيث تجعلونه تعالى من نوع الأجسام ، ثم تنسبون إليه ما تكرهون من أخس الأولاد ، ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان (وَلَقَدْ صَرَّفْنا) أي كررنا هذه الدلائل (فِي هذَا الْقُرْآنِ) أي في مواضع منه (لِيَذَّكَّرُوا) بفتح الذال والكاف وتشديدهما أي ليعرفوا بطلان ما يقولونه. وقرأ حمزة والكسائي «ليذكروا» ساكنة الذال مضمومة الكاف أي ليفهموا ما في القرآن أو ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه. (وَما يَزِيدُهُمْ) أي والحال ما يزيدهم ذلك التكرير (إِلَّا نُفُوراً) (٤١) أي تباعدا عن الإيمان ، وهذا دليل على أن الله ما أراد الإيمان من الكفار (قُلْ) في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى : (لَوْ كانَ مَعَهُ) تعالى (آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) أي كونا موافقا لما يقولون : (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (٤٢) أي لطلبوا إلى من له الملك سبيلا بالمغالبة كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض. وقيل : المعنى لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى كما تقولون لطلبت لأنفسها المراتب العالية فلما لم تقدر على ذلك فكيف يدرك في العقل أن تقربكم إلى الله منزلة (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) (٤٣) أي تنزه الله وارتفع بصفات الكمال عن الشركاء والنقائص ارتفاعا عظيما (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ) أي تنزه الله تعالى السموات السبع والأرض عن كل نقص بدلالة أحوالها على توحيد الله تعالى وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ، ويصير لها بمنزلة التسبيح ، وتسبح العقلاء بلسان المقال.
وقرأ ابن كثير «كما يقولون» و «عما يقولون» و «يسبح» بالياء في هذه الثلاثة. وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول بالتاء على الخطاب. وفي الثاني والثالث بالياء. وقرأ حفص عن عاصم الأولين بالياء على الحكاية والأخير بالتاء. وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) أي ما من شيء من الأشياء حيوانا كان أو نباتا أو جمادا إلا ينزهه تعالى متلبسا بحمده بلسان الحال عما لا يليق بذاته تعالى من لوازم الإمكان فالأكوان بأسرها شاهدة بتلك النزاهة (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ) أيها المشركون (تَسْبِيحَهُمْ) فإن الكفار وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم لم يتفكروا في أنواع الدلائل ولم يعلموا كمال قدرته تعالى فاستبعدوا كونه تعالى قادرا على النشر والحشر فهم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، لأنهم أثبتوا لله شركاء وزوجا وولدا.
وقرئ «لا يفقهون» على صيغة المبني للمفعول مع فتح الفاء وتشديد القاف. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً) ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة مع غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم ولذا كان (غَفُوراً) (٤٤) لمن تاب منكم (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) بمكة (جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي المنكرين للبعث (حِجاباً مَسْتُوراً) (٤٥).
روى ابن عباس أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلىاللهعليهوسلم ويستمعون إلى حديثه فقال النضر : يوما ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفته تتحرك بشيء. وقال أبو سفيان : إني لا أرى بعض ما يقوله حقا ، وقال أبو جهل : هو مجنون. وقال أبو لهب : هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى : هو شاعر. فنزلت هذه الآية ، والله تعالى خلق حجابا في عيونهم يمنعهم عن رؤية النبي صلىاللهعليهوسلم وعن إدراك ما عليه من النبوة وعن فهم قدره الجليل وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فكان مستورا من هذا الوجه (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي موانع من (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي يفهموا القرآن حق الفهم (وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) أي صمما مانعا من سماعه اللائق به أي كان بعضهم يحجب بصره عن رؤية النبي إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن وبعضهم يحجب قلبه عن إدراك القرآن ويحجب سمعه عن سماعه (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ) أي غير مقرون بآلهتهم في الألوهية ، وهذا منصوب على الحال من ربك أو على الظرف (وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) (٤٦) أي متباعدين عن قولك أي كان الكفار عند استماع القرآن على حالتين ، فإذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله بقوا متحيرين لا يفهمون منه شيئا ، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله تركوا ذلك المجلس ولا يستطيعون سماع القرآن (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ) إلى قراءة القرآن (بِهِ) أي بسببه من الهزء والتكذيب (إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) أي إلى قراءتك.
وروي أنه صلىاللهعليهوسلم كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان وعن يساره رجلان وعن يساره رجلان من ولد قصي أو من بني عبد الدار فيصفقون ويصفرون ، ويخلطون عليه بالأشعار. (وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (٤٧) أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم إذ هم ذوو نجوى ، إذ يقول المشركون بعضهم لبعض : إنكم إن اتبعتم محمدا فقد اتبعتم رجلا زال عقله عن حدّ الاعتدال.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أمر عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل على ذلك ودخل عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم. وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : «قولوا : لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتنقاد لكم العجم» فأبوا عليه ذلك وكانوا عند استماعهم من النبي صلىاللهعليهوسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون بينهم متناجين : هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول فأخبر الله تعالى بأنهم يقولون : ما تتبعون إن وجد منكم الأتباع إلا رجلا مخدوعا من قبل الشيطان فإنه يتخيل له فيظن أنه ملك ومن جهة الناس فإن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك يخدعونه بهذه الحكايات (انْظُرْ) يا أشرف الرسل (كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ) فكل أحد شبهك بشيء آخر فقالوا : إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون (فَضَلُّوا) في جميع ذلك القول عن طريق الحق (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) (٤٨) إلى طعن يمكن أن
يقبله أحد فيأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد (وَقالُوا أَإِذا كُنَّا) أي صرنا (عِظاماً) بالية (وَرُفاتاً) أي ترابا رميما (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) (٤٩) أي مخلوقين تجدد الروح فينا بعد الموت. (قُلْ) لهم يا أكرم الرسل : (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) (٥٠) (أَوْ خَلْقاً) آخر (مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ). والمعنى لو تكونون حجارة مع أنها لا تقبل الحياة ، بحال أو حديدا مع أنه أصلب من الحجارة أو خلقا غيرهما كائنا من الأشياء التي تعظم في اعتقادكم عن قبول الحياة ، كالسماوات والأرض ، فلا بد من إيجاد الحياة فيكم فإن قدرته تعالى لا تعجز عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض فكيف إذا كنتم عظاما ممزقة وقد كانت طرية موصوفة بالحياة من قبل والشيء أقبل لما اعتيد فيه مما لم يعتد (فَسَيَقُولُونَ) تماديا في الاستهزاء (مَنْ يُعِيدُنا) أي من الذي يقدر على إعادة الحياة إلينا إذا صرنا كذلك (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي قل إرشادا لهم إلى طريقة الاستدلال فالذي ابتدأ خلقكم أول مرة من غير مثال يعيدكم إلى الحياة بالقدرة التي ابتدأكم بها فكما لم تعجز تلك عن البداءة لا تعجز عن الإعادة (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) أي فسيحركونها جهتك تعجبا وتكذيبا لقولك (وَيَقُولُونَ) استهزاء (مَتى هُوَ) أي الذي وعدتنا من الإعادة (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ) ذلك (قَرِيباً) (٥١) إذ كل آت قريب (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) على لسان إسرافيل بالنداء الذي يسمعكم من القبور وهو النفخة الأخيرة ، فإن إسرافيل ينادي : أيتها الأجسام البالية ، والعظام النخرة ، والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه (فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ). قال سعيد بن جبير : أي فيخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ، ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك.
قال المفسرون : حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال الزمخشري : بحمده حال منهم أي حامدين وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث (وَتَظُنُّونَ) عند ما ترون الأهوال الهائلة (إِنْ لَبِثْتُمْ) أي ما مكثتم في القبور أو في الدنيا (إِلَّا قَلِيلاً) (٥٢) كالذي مر على قرية (وَقُلْ لِعِبادِي) أي المؤمنين إذا أردتم إتيان الحجة على المخالفين فاذكروها غير مخلوطة بالشتم والسب فيقابلونهم بمثله ولا يخاشنوهم بل (يَقُولُوا) لهم الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) كأن يقولوا : يهديكم الله. وقيل : نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله تعالى بالعفو (إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) أي يهيج الشر بين الناس ويغري بعضهم على بعض لتقع بينهم المخاصمة (إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ) في قديم الزمان (لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً) (٥٣) أي ظاهر العداوة (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) أي بعاقبة أمركم (إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) بأن يوفقكم للإيمان والمعرفة إلى أن تموتوا فينجيكم من العذاب (أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ، ولا تصروا على الباطل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية. ويقال : هذه تفسير للتي هي أحسن أي قولوا لهم : هذه الكلمة ولا تقولوا أيها المؤمنون للمشركين : إنكم من أهل
النار ، فإنه مما يهيجهم على الشر مع أن عاقبة أمرهم مغيبة عنكم فعسى يهديهم الله إلى الإيمان. ويقال : إن يشأ ينجكم منهم ، وإن يشأ يسلطهم عليكم. (وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (٥٤) أي موكولا إليك أمرهم فتقسرهم على الإيمان ، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة عليهم ، فإن اللين عند الدعوة يؤثر في القلب ، ويفيد حصول المقصود. (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي بأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن يستحق ذلك وهو رد عليهم إذ قالوا : بعيد أن يكون يتيم أبي طالب نبيا ولا يجوز إطلاق يتيم على النبي صلىاللهعليهوسلم لإشعاره بالتحقير حتى أفتى بعض المالكية بقتل قائله كما في الشفاء (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) بالفضائل النفسانية لا بكثرة الأموال والأتباع وهذا إشارة إلى تفضيل رسول الله سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (٥٥) فيه ذكر فضل سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم وكونه خاتم النبيين وأمته خير الأمم ، وكون الأرض يرثها عباد الله الصالحون وهم محمد وأمته وهذا بيان أن تفضيل داود بإيتاء الزبور لا بإيتاء الملك والسلطنة ورد لقول اليهود لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة أي فإذا أعطى الله تعالى التوراة فلم يبعد أن يعطي داود زبورا وعيسى الإنجيل ، ومحمدا القرآن ، ولم يبعد أن يفضل محمدا على جميع الخلق فكيف تنكر اليهود ذلك وكفار قريش فضل محمد وإعطاءه القرآن؟! (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) أي قل يا أشرف الخلق للكفار : ادعوا عند الشدة الذين عبدتم من دون الله كعيسى ومريم وعزير ، وطائفة من الملائكة ، وطائفة من الجن (فَلا يَمْلِكُونَ) أي لا يستطيعون (كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ) أي رفع الشدة عنكم (وَلا تَحْوِيلاً) (٥٦) للضر إلى غيركم (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ) أي الذين يتألهونهم (يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) أي يحرص من هو أقرب إلى ربهم القربة بالطاعة إليه فأولئك مبتدأ وخبره يبتغون والذين عطف بيان والوسيلة مفعول ليبتغون وإلى ربهم متعلق بالوسيلة وأي موصولة بدل من فاعل يبتغون. وقيل : إن اسم الموصول خبر لاسم الإشارة ويبتغون حال من فاعل يدعون ، والمعنى أولئك المعبودون لهم يعبدون ربهم يطلبون بتلك العبادة القربة إلى ربهم والفضيلة عنده وهم أقرب إليه (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ) بها (وَيَخافُونَ عَذابَهُ) بتركها كدأب سائر العباد فأين هم من كشف الضر! فكيف يكونون آلهة؟ (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً) (٥٧) أي يجب الحذر عنه (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً) أي وما من قرية طائعة أهلها أو عاصية إلا وتهلك إما بالموت ، وإما بالعذاب. فالصالحة : يكون إهلاكها بالموت. والطالحة : يكون إهلاكها بالعذاب بنحو السيف. أو المعنى ما من قرية من قرى الكفار إلا وتخرب إما بالاستئصال بالكلية أو تعذب بعذاب شديد دون ذلك كقتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال ، وأخذ الجزية وبفنون العقوبات الأخروية (كانَ ذلِكَ) أي الإهلاك والتعذيب (فِي الْكِتابِ) أي اللوح المحفوظ (مَسْطُوراً) (٥٨) أي مكتوبا وقد بين فيه أسباب ذلك ووقته.
وروي عن بعضهم أن خراب مكة من الحبشة ، وخراب المدينة بالجوع ، والبصرة بالغرق ، والكوفة بالترك ، وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان. وعن أبي هريرة أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا» (١) المدينة. (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) أي ما منعنا من إرسال المعجزات التي طلبتها قريش من إحياء الموتى وقلب الصفا ذهبا ، وإزالة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها إلا تكذيب الأولين بالمعجزات حين جاءتهم باقتراحهم فيستحقوا عذاب الاستئصال ، أي لو أظهر الله تلك المعجزات المقترحة لقريش ، ثم لم يؤمنوا بها صاروا مستحقين لعذاب الاستئصال لكن إنزاله على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى علم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم فلهذه المصلحة ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم (وَآتَيْنا ثَمُودَ) باقتراحهم (النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) بكسر الصاد أي مبنية لنبوة صالح (فَظَلَمُوا بِها) أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها وأقبلوا أنفسهم للهلاك بعقرها (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ) المقترحة (إِلَّا تَخْوِيفاً) (٥٩) من نزول العذاب المستأصل على المقترحين فإن لم يخافوا ذلك نزل أو ما نرسل بعير مقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب الآخرة ، فإن أمر المكذبين بها مؤخر إلى يوم القيامة (وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ) أي واذكر يا أشرف الخلق إذ بشرناك بأن الله يغلب أهل مكة ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، وهذه بشارة بوقعة بدر وعبر الله بالماضي ، لأن كل ما أخبر الله بوقوعه فهو واجب الوقوع فكان كالواقع (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ) ليلة المعراج وهي ما رآه النبي صلىاللهعليهوسلم على اليقظة بعيني رأسه من عجائب الأرض والسماء (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) أي إلا امتحانا لأهل مكة لأن النبي صلىاللهعليهوسلم لما ذكر لهم قصة الإسراء فمنهم من كذبه ومنهم من كفر بعد إسلامه ومنهم من نافق ومنهم من توقف في حاله ومنهم من تردد في قلبه ومنهم من صدق كلامه صلىاللهعليهوسلم وازداد المخلصون إيمانا (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) أي المذمومة (فِي الْقُرْآنِ) وهي الزقوم أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس حيث قالوا : إن محمدا يزعم أن نار جهنم تحرق الحجارة ، ثم يقول : ينبت فيها الشجر فكيف تنبت في النار شجرة رطبة وهي تحرق الشجر ، فينسبون لله العجز عن خلق شجرة في النار غافلين عن قدرته تعالى على كل شيء ، فإن النعامة تبتلع الجمر والحديد المحمّى بالنار ولا يحرقها ، وأن السمندل وهي دويبة في بلاد الترك يتخذ من وبره مناديل فإذا اتسخت طرحت في النار فيذهب وسخها وتبقى هي سالمة لا تعمل فيها النار (وَنُخَوِّفُهُمْ) بشجرة الزقوم وبعذاب الدنيا والآخرة (فَما يَزِيدُهُمْ) ذلك التخويف (إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (٦٠) أي إلا تماديا في المعصية وتجاوزا عن الحد فلو أنا أرسلنا بما اقترحوه من الآيات لازدادوا تماديا في العناد فأهلكوا بعذاب الاستئصال كعادة من قبلهم وقد حكمنا بتأخير
__________________
(١) رواه الترمذي في المناقب ، باب : ٦٧.
العقوبة العامة لهذه الأمة إلى الطامة الكبرى (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ) الذين كانوا في الأرض (اسْجُدُوا لِآدَمَ) بوضع الجبهة عليه ، إما هو المسجود له أو هو قبلة للسجود والمسجود له هو الله تعالى (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) وكان داخلا تحت الأمر بالسجود لأنه مندرج تحت زمرتهم (قالَ) عند ما وبخه الله تعالى : (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) (٦١) أي من طين. (قالَ) أي إبليس بعد الاستنظار : (أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ) أي أخبرني عن هذا الذي فضلته علي بأمرك لي بالسجود له لم فضلته علي وأنا خير منه من حيث أنا مخلوق من العنصر العالي (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) حيا (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) أي لأستأصلنهم بالإغواء أو لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها (إِلَّا قَلِيلاً) (٦٢) لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. قرأ ابن كثير «أخرتن» بإثبات ياء المتكلم في الوصل والوقف. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف. (قالَ) تعالى له : (اذْهَبْ) أي امض لشأنك الذي اخترته. واعلم (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) أي من ذرية آدم في دينك (فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) أي جزاؤك ومن تبعك (جَزاءً مَوْفُوراً) (٦٣) أي مكملا فكل معصية توجد يحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل لأنه هو الأصل فيها فلذلك يخاطب بالوعيد. (وَاسْتَفْزِزْ) أي استزل (مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ) استزلاله (بِصَوْتِكَ) أي بدعائك إلى معصية الله تعالى (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) أي واجمع عليهم مصحوبا بجنودك الركاب والمشاة ، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : كل راكب أو ماش في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده.
وقرأ حفص عن عاصم «ورجلك» بكسر الجيم. وقرأ غيره بالضم أو بالسكون. (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ) أي في كل تصرف قبيح فيها (وَالْأَوْلادِ) أي في الأفعال القبيحة والحرف الذميمة والأديان الزائغة والأسماء المنكرة (وَعِدْهُمْ) أي بالأماني الباطلة (وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) (٦٤) أي ما يعدهم من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور. وهذه الجملة اعتراض واقع بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان. (إِنَّ عِبادِي) المخلصين (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) أي غلبة وقدرة على إغوائهم (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) (٦٥) أي حفيظا. فإن الشيطان وإن كان قادرا على الوسوسة فإن الله أرحم بعباده فهو يدفع عنهم كيد الشيطان (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) أي الذي يسوق لمنافعكم السفن على وجه البحر (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي رزقه تعالى بالتجارة وغيرها (إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) (٦٦) حيث سهل عليكم ما يعسر من أسباب ما تحتاجون إليه (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) أي خوف الغرق (فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ) أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تعبدون من دون الله (إِلَّا إِيَّاهُ) تعالى فتسألون من الله تعالى النجاة لأنكم تعلمون أنه لا ينجيكم سواه. (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ) من الغرق وأخرجكم من البحر (إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) عن الشكر والتوحيد ورجعتم إلى الإشراك ، (وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً) (٦٧) أي منكرا لنعم الله. (أَفَأَمِنْتُمْ
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ) أي أنجوتم من هول البحر فأمنتم أن نغور البر بكم. (جانِبَ الْبَرِّ) الذي أنتم فيه ونصيركم تحت الثرى كما خسف بقارون. (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ) من فوقكم (حاصِباً) أي ريحا ترمي حجارة كما أرسل على قوم لوط (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً) (٦٨) أي حافظا يحفظكم من ذلك (أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ) أي في البحر (تارَةً أُخْرى) بأسباب تلجئكم إلى أن تركبوه وإن كرهتم (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً) أي كاسرا (مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ) بعد كسر فلككم في البحر (بِما كَفَرْتُمْ) أي بسبب إشراككم وكفرانكم لنعمة الإنجاء (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً) (٦٩) أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا بكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هذه الخمسة «أن نخسف» ، «أو نرسل» ، «أن نعيدكم» ، «فنرسل» ، «فنغرقكم» بنون العظمة على سبيل الالتفات. والباقون بياء الغيبة. (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) بالصورة والقامة المعتدلة والتسلط على ما في الأرض والتمتع به والتمكن من الصناعات والعلم والنطق وتناول الطعام باليد وغير ذلك (وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ) على الدواب وغيرها (وَالْبَحْرِ) على السفن (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي من أنواع المستلذات الحيوانية كاللحم والسمن واللبن والنباتية ، كالثمار والحبوب (وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (٧٠) أي فضلناهم على غير الملائكة تفضيلا عظيما بالعقل والقوى المدركة التي يتميز بها الحق من الباطل والحسن من القبيح فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد الحقة (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) أي بمن اقتدوا به.
روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم : «أنه ينادى يوم القيامة : يا أمة إبراهيم ، يا أمة موسى ، يا أمة عيسى ، يا أمة محمد ، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ، ثم ينادي يا أتباع فرعون ، يا أتباع نمروذ ، يا أتباع ثمود». وقال الضحاك وابن زيد : أي بكتابهم الذي أنزل عليهم فينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. وقال الربيع وأبو العالية والحسن : أي بكتاب أعمالهم كأن يقال : يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر. وقيل : بمذاهبهم فيقال : يا حنفي ، يا شافعي ، يا معتزلي ، يا قدري ، ونحو ذلك. وقرئ «يدعي كل أناس» على البناء للمفعول. (فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) وهم أولو البصائر في الدنيا (فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ) الذي أعطوه تبجحا بما سطر فيه من الحسنات (وَلا يُظْلَمُونَ) أي لا ينقصون من أجور أعمالهم المكتوبة في كتبهم (فَتِيلاً) (٧١) أي قدر فتيل ، وهو القشرة التي في شق النواة (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) أي من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة الله في خلق السموات والأرض والبحار ، والجبال ، والناس ، والدواب ، وعن الشكر عن النعم المذكورة في الآيات المتقدمة فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة ويستولي الخوف والدهشة على قلبه فيثقل لسانه عن قراءة كتابه. (وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (٧٢) من الأعمى لتعطل الآلات
بالكلية (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) أي إن الشأن قاربوا أن يزيلوك عن حكم القرآن (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) أي لتكذب علينا غير الذي أوحينا إليك (وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) (٧٣) أي لو اتبعت أهواءهم لكنت وليا لهم ولخرجت من ولايتي.
قال ابن عباس في رواية عطاء : قدم وفد ثقيف على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها ، فأبى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ذلك ولم يجبهم ، فكرروا ذلك الالتماس وقالوا : إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل : الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلىاللهعليهوسلم عنهم وداخلهم الطمع ، فصاح عليهم عمر وقال : أما ترون رسول الله صلىاللهعليهوسلم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (٧٤) أي لو لا تثبيتنا إياك على الحق بعصمتنا إياك لقاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا فيما طلبوك (إِذاً) لو قاربت الميل من قلبك (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) أي لصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة ، (ثُمَ) إذا أذقناك العذاب المضاعف (لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) (٧٥) أي أحدا يخلصك من عذابنا (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) أي ليستزلونك (مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) (٧٦) أي وإذا لو أخرجوك لا يلبثون بعد إخراجك إلا زمانا قليلا حتى نهلكهم.
قال ابن عباس : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا : يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم ، فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم ، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله صلىاللهعليهوسلم على أميال من المدينة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله ، فنزلت هذه الآية ، فرجع ، ثم قتل منهم بني قريظة وأجلي بني النضير بعذر من قليل وعلى هذا فالآية مدنية. والمراد بالأرض : أرض المدينة ، وهذا قول الكلبي :
وقال قتادة ومجاهد : همّ المشركون أن يخرجوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم من مكة فكفهم الله تعالى عنه حتى أمره بالهجرة ، فخرج بنفسه ، فأهلكوا ببدر بعد هجرته صلىاللهعليهوسلم. وعلى هذا فالآية مكية والمراد بالأرض : أرض مكة. وهذا اختيار الزجاج.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة «خلفك» بفتح الخاء وسكون اللام. والباقون «خلافك» بكسر الخاء وفتح اللام مع المد (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا) أي سننا سنته فيمن قد أرسلنا قبلك أي إن عادة الله أن يهلك كل قوم أخرجوا نبيهم من بينهم (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً) (٧٧) أي تغييرا أي إن ما
أجرى الله تعالى به العادة لا يقدر أحد أن يبدل تلك العادة (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي لأجل زوال الشمس عن كبد السماء (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي إلى اجتماع ظلمة الليل وهو وقت صلاة العشاء. والمعنى أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى ظلمة الليل بأن تديم كل صلاة في وقتها فيدخل في هذا الظهر والعصر والمغرب. (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي أقم صلاة الفجر (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (٧٨) تحضره الملائكة الكاتبون والحفظة ، فإنهم يتعاقبون على ابن آدم في صلاة الصبح وصلاة العصر وتشهده شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء ، وتبدل النوم بالانتباه ، فتشهد العقول بأنه لا يقدر على تقليب كلية هذا العالم إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة ، وتشهده الجماعة الكثيرة (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) أي وقم بعض الليل فاترك النوم في ذلك الوقت للصلاة.
وقيل : المعنى تهجد بالقرآن بعض الليل أي صل في ذلك بالقرآن (نافِلَةً لَكَ) أي زيادة لك في كثرة الثواب وارتفاع الدرجات مختصة بك فإن كل طاعة يأتي بها النبي صلىاللهعليهوسلم سوى المكتوبة لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة ، لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ، فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعات لهم لتكفير الذنوب فلهذا السبب قال تعالى : نافلة لك أي إن الطاعات هذه زوائد في حقك لا في غيرك كما نقل عن مجاهد والسدي ، ومن قال : إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلىاللهعليهوسلم قالوا : معنى نافلة لك أن صلاة الليل فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خاصة بك دون أمتك (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) أي إن يقيمك ربك مقاما محمودا عندك وعند جميع الناس.
وروى أبو هريرة : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي». (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) أي في المدينة (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) أي من مكة إليها وذلك حين أمر النبي بالهجرة كما قاله ابن عباس والحسن. أو المعنى وأخرجني من المدينة إلى مكة غالبا عليها بفتحها. وقيل : الأكمل مما سبق أن يقال : رب أدخلني في الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص وحضور قلبي بذكرك ، ومع القيام بلوازم شكرك. والأكمل من ذلك أن يقال : رب أدخلني في القيام بمهمات أداء شريعتك ، وأخرجني بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى علي منها تبعة والأعلى مما سبق أن يقال : رب أدخلني في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك ، ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الفرد المنزه عن التغيرات. وقيل : رب أدخلني القبر إدخالا مرضيا وأخرجني منه عند البعث إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة. (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) (٨٠)
أي اجعل لي في هذا البلد من لدنك قوة ظاهرة في تثبيت دينك وإظهار شرعك أو اجعل لي من عندك حجة بينة تنصرني بها على جميع من يخالفني (وَقُلْ جاءَ الْحَقُ) أي ظهر الإسلام (وَزَهَقَ الْباطِلُ) أي هلك الشرك وتسويلات الشيطان (إِنَّ الْباطِلَ) أي أيّ باطل كان (كانَ) بجبلته (زَهُوقاً) (٨١) زائلا على أسرع الوجوه (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ) من جميع الأمراض الظاهرة والباطنة (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) لأن القرآن يعلم كيفية اكتساب العلوم العالية والأخلاق الفاضلة التي يصل بها الإنسان إلى قرب رب العالمين (وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) (٨٢) أي لا يزيد القرآن المشركين إلا هلاكا بتكذيبهم (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) بأن وصل إلى مطلوبه (أَعْرَضَ) أي اغتر وصار غافلا عن طاعة الله (وَنَأى بِجانِبِهِ) أي تباعد من أهل الحق ولم يقتد بهم تعظما لنفسه كديدن المستكبرين (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) أي أصابه بلاء (كانَ يَؤُساً) (٨٣) أي قنوطا من رحمة الله حزينا ولم يتفرغ لذكر الله تعالى (قُلْ كُلٌ) أي كل أحد (يَعْمَلُ) عمله (عَلى شاكِلَتِهِ) أي طريقته التي توافق حاله في الهدى والضلالة فإن كانت نفسه طاهرة صدرت عنه أفعال جميلة ، وإن كانت نفسه خبيثة صدرت عنه أفعال رديئة (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً) (٨٤) أي أصوب طريقا (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) الذي هو سبب حياة البدن بنفخه فيه (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي من فعل ربي أو من علم ربي فإنه مما اختص الله تعالى بعلمه.
روي أن اليهود قالوا لقريش : سلوا محمدا عن أصحاب الكهف. وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها جميعا أو سكت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين صلىاللهعليهوسلم لهم القصتين وأبهم شأن الروح وهو مبهم في التوراة (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) فإن عقول الخلق عاجزة عن معرفة حقيقة الروح ، وقال بعضهم جاء في الخبر في بعض الروايات أن الله تعالى خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم ولكنه جعلها محصورة في عالمين وهما الخلق والأمر كما قال تعالى : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [الأعراف : ٥٤] فعبر عن عالم الدنيا وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة السمع والبصر ، والشم والذوق ، واللمس بالخلق. وعبر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة العقل والقلب والسر والروح والخفي بالأمر فعالم الأمر هو الأوليات التي خلقها الله تعالى للبقاء بمحض الأمر التكويني من غير تحصيل من أصل وهي الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسي ، والجنة والنار وسمي عالم الأمر أمرا ، لأن الله أوجده بلا واسطة شيء بل بأمر كن من لا شيء. ولما كان أمره تعالى قديما فما يكون بالأمر القديم كان باقيا ، وإن كان حادثا. وسمي عالم الخلق خلقا ، لأنه تعالى أوجده بوسائط شيء مخلوق خلقه للفناء ، فمعنى الروح من أمر ربي أنه من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء اهـ. فلا يمكن تعريف الروح بمباديه ولا يحيط بكنهه دائرة إدراك البشر وإنّما الممكن هذا القدر الإجمالي ولذا قال تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) أي وما
أعطيتم من العلم فيما عند الله إلا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من القرآن أي لنزيلن العلم به عن القلوب وعن المصاحف (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ) أي القرآن (عَلَيْنا وَكِيلاً) (٨٦) أي من تتوكل عليه في استرداد شيء منه محفوظا مسطورا (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة رحمة من ربك فعند ذلك يرفع من الصدور والمصاحف (إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) (٨٧) بإبقاء العلم والقرآن عليك وبجعلك سيد ولد آدم وخاتم النبيين وإعطائك المقام المحمود. (قُلْ) لمن يزعمون أن القرآن من كلام البشر : (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) أي لئن اتفق الإنس والجن والملائكة على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ؛ في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى لا يقدرون على إتيان مثله ، وتخصيص الثقلين بالذكر ، لأن المنكر في كونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما ، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. (وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٨٨) أي معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه (وَلَقَدْ صَرَّفْنا) أي كررنا بوجوه مختلفة توجب زيادة بيان (لِلنَّاسِ) أي لأهل مكة (فِي هذَا الْقُرْآنِ) المنعوت بالنعوت الفاضلة (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي من كل معنى بديع يشبه المثل في الغرابة ليتلقوه بالقبول (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ) أي فلم يرض أكثر أهل مكة (إِلَّا كُفُوراً) (٨٩) أي جحودا للحق (وَقالُوا) عند ظهور عجزهم بالقرآن وغيره من المعجزات الباهرة : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ) أي أرض مكة (يَنْبُوعاً) (٩٠) أي عينا لا ينضب ماؤها (أَوْ تَكُونَ لَكَ) وحدك (جَنَّةٌ) أي بستان تستر أشجاره ما تحتها من العرصة (مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ) أي وأشجار عنب وعبر بالثمرة لأن الانتفاع بغيرها من الكرم قليل (فَتُفَجِّرَ) أي أنت (الْأَنْهارَ خِلالَها) أي وسطها (تَفْجِيراً) (٩١) والمراد إجراء الأنهار في وسط البستان عند سقيها أو إدامة إجرائها و «تفجر» الأولى تكون بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم عند عاصم وحمزة والكسائي ، وبضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم المشددة عن الباقين. ولم تختلف السبعة في «تفجر» الثانية أنها مشددة. (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ) بقولك : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء (عَلَيْنا كِسَفاً) أي قطعا بالعذاب (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً) (٩٢) أي مقابلين ومرئيين لنا (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) أي ذهب وفضة كامل الحسن (أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ) أي تصعد إليها (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ) أي لصعودك إلى السماء أصلا (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً) من الله (نَقْرَؤُهُ) فيه أنك رسول الله إلينا أي لما ظهر لهم كون القرآن معجزا التمسوا من رسول الله صلىاللهعليهوسلم ستة أنواع من المعجزات كما حكي عن ابن عباس أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى رسول الله وهو جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا : يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسيّر جبالها لننتفع بها وفجر لنا فيها عيونا نزرع فيها فقال : «لا أقدر عليه» فقال قائل منهم : أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا؟! فقال : «لا أقدر عليه». فقيل : أو يكون لك بيت
من زخرف فيغنيك عنا؟! فقال : «لا أقدر عليه» فقيل له : أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك؟ فقال : «لا أستطيع». قالوا : فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا. فقال : عبد الله بن أمية المخزومي وهو ابن عاتكة عمته صلىاللهعليهوسلم : لا أومن بك أبدا حتى تشد سلما إلى السماء فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بنسخة منشورة معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ، ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا؟ فانصرف رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى أهله حزينا فأنزل الله تعالى هذه الآية (قُلْ).
وقرأ ابن كثير وابن عامر «قال» بصيغة الماضي : (سُبْحانَ رَبِّي) أي أنزه ربي عن أن يكون له إتيان وذهاب وأتعجب من اقتراحاتهم (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (٩٣) أي مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة كسائر الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات (وَما مَنَعَ النَّاسَ) أي أهل مكة (أَنْ يُؤْمِنُوا) بنبوتك (إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى) أي القرآن (إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً) (٩٤) إلينا أي وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الوحي إلا اعتقادهم أن الله تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون من الملائكة وإنكارهم أن يكون من جنس البشر (قُلْ) لهم من جهتنا جوابا لقولهم : (لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ) عليها (مُطْمَئِنِّينَ) أي قارين فيها من غير أن يعرجوا في السماء (لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً) (٩٥) أي لو كان أهل الأرض ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر لتمكنهم من الاجتماع والفهم منه لمماثلتهم له في الجنس (قُلْ) لهم : (كَفى بِاللهِ) وحده (شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) بأني رسوله إليكم (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) (٩٦) أي محيطا ببواطن أحوالهم وظواهرها ، أي فإنكم إنما أنكرتم هذا لمحض الحسد والاستنكاف من الانقياد للحق (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) بحذف الياء من الرسم هنا ، وفي الكهف. وأما في النطق فقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا. وحذفها الباقون في الحالين. (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ) أي أنصارا (مِنْ دُونِهِ) تعالى يهدونهم إلى طريق الحق أي فمن سبق لهم حكم الله بالإيمان وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال وأن يوجد من يصرفهم عنه (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ) فقد روي أنه قيل لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : كيف يمشون على وجوههم؟ قال : «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» (١). (عُمْياً) لا يبصرون ما يسر
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ٢٥ ، ومسلم في كتاب المنافقين ، باب : ٥٤ ، والترمذي في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ١٧ ، وأحمد في (م ٢ : ٣٥٤).
أعينهم (وَبُكْماً) لا ينطقون ما يقبل منهم (وَصُمًّا) لا يسمعون ما يلذ مسامعهم (مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ) أي سكن لهبها بعد أكل جلودهم ولحومهم بأن لم يبق فيهم ما تتعلق به النار (زِدْناهُمْ سَعِيراً) (٩٧) أي توقدا بإعادة الجلود واللحوم ولعل ذلك عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الفناء بتكريرها مرة بعد أخرى ليروها عيانا حيث لم يعلموها برهانا (ذلِكَ) العذاب (جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا) الدالة على صحة الإعادة دلالة واضحة (وَقالُوا) منكرين لقدرتنا (أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً) أي ترابا رميما (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) (٩٨) أي بعثا جديدا (أَوَلَمْ يَرَوْا) أي ألم يتفكروا ولم يبصروا بعيون قلوبهم (أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ) أي يعيد بالإحياء (مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ) أي وقتا معلوما عند الله لا شك فيه عند المؤمنين وهو يوم القيامة (فَأَبَى الظَّالِمُونَ) أي لم يقبل المشركون بعد هذه الدلائل الظاهرة (إِلَّا كُفُوراً) (٩٩) أي جحودا للأجل (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) أي خزائن رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات (إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ) ما ملكتم (خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) أي مخافة الفقر فلا فائدة في إسعافكم بذلك المطلوب الذي التمستموه (وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً) (١٠٠) أي بخيلا (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ) أي واضحات الدلالة على نبوته وهي اليد والعصا ، والجراد والقمل ، والضفادع والدم ، والطوفان والسنون ، ونقص الثمرات (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي فاسأل يا أشرف الرسل بني إسرائيل الذين كانوا في زمانك عن موسى فيما جرى بينه وبين فرعون وقومه ، ليظهر صدق ما ذكرته عند المشركين ، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. وهذه الجملة اعتراضية بين العامل والمعمول (إِذْ جاءَهُمْ) أي حين جاء موسى بني إسرائيل الذين كانوا في زمانه عليهالسلام وهذا الظرف متعلق بآتينا فأظهر ما آتيناه من الآيات عند فرعون وبلغه ما أرسل به (فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً) (١٠١) أي مغلوب العقل (قالَ) لفرعون : (لَقَدْ عَلِمْتَ).
قرأ الكسائي بضم التاء. والباقون بفتحها ، فالضم قراءة على والفتح قراءة ابن عباس (ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ) الآيات عليّ (إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) أي أدلة ظاهرة يستدل بها على صدقي ولكنك تنكرها للحسد وحب الدنيا (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ) أي لأعلمك (يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (١٠٢) أي ملعونا ممنوعا من الخير (فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ) أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه (مِنَ الْأَرْضِ) بالقتل (فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً) (١٠٣) في البحر (وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد إغراقه (لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) أي أرض الشام ومصر (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي البعث بعد الموت (جِئْنا بِكُمْ) من قبوركم إلى المحشر (لَفِيفاً) (١٠٤) أي مختلطين أنتم وهم فيختلط جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر ، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) أي ما أردنا بإنزال القرآن إلا إثبات الحق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك حصل هذا المعنى ووصل إليهم بعد إنزاله عليك ليس فيه تبديل أو يقال : وما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحكمة
المقتضية لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها. (وَما أَرْسَلْناكَ) يا أفضل الخلق (إِلَّا مُبَشِّراً) للمطيع بالثواب (وَنَذِيراً) (١٠٥) للعاصي بالعقاب فهؤلاء الجهال الذين اقترحوا عليك تلك المعجزات وتمردوا عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ).
وقرأ العامة بتخفيف الراء ، أي بينا حلاله وحرامه أو فرقنا فيه بين الحق والباطل ، وقرأ علي وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد أي فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام ، ومواعظ وأمثال ، وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. أو نزلناه مفرقا في ثلاثة وعشرين سنة ، أو في عشرين سنة على الخلاف في تقارن النبوة والرسالة وتعاقبهما (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ) بضم الميم وفتحها أي على تأن لتكون الإحاطة على دقائقه وحقائقه أسهل (وَنَزَّلْناهُ) من عندنا (تَنْزِيلاً) (١٠٦) متفرقا آية وآيتين وثلاثا وهكذا بحسب ما تقتضيه الحكمة وما يحصل من الواقعات (قُلْ) للذين اقترحوا تلك المعجزات : (آمِنُوا بِهِ) أي القرآن (أَوْ لا تُؤْمِنُوا) فإن إيمانكم به لا يزيده كمالا وامتناعكم عن الإيمان به لا يورثه نقصا (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل نزول القرآن منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي (إِذا يُتْلى) أي القرآن (عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ) أي يسقطون على وجوههم بغاية الخوف (سُجَّداً) (١٠٧) لله شكرا على إنجاز وعده في تلك الكتب من بعثتك ونزول القرآن (وَيَقُولُونَ) في سجودهم (سُبْحانَ رَبِّنا) أي تنزيها له عن خلف وعده (إِنْ) أي إن الشأن (كانَ وَعْدُ رَبِّنا) بإنزال القرآن وبعث محمد صلىاللهعليهوسلم (لَمَفْعُولاً) (١٠٨) أي منجزا (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ) للسجود لما أثر فيهم من مواعظ القرآن (يَبْكُونَ) من خشية الله (وَيَزِيدُهُمْ) أي القرآن أو البكاء أو السجود أو المتلو (خُشُوعاً) (١٠٩) أي تواضعا لله كما يزيدهم يقينا بالله تعالى (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) أي سموا المعبود بحق بهذا الاسم.
قال ابن عباس : سجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده : «يا الله يا رحمن». فقال أبو جهل : إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية أي إن شئتم قولوا : يا الله ، وإن شئتم قولوا : يا رحمن (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) أي أيّ هذين الاسمين سميتم فهو حسن ، لأن للمسمى بذلك الأسماء الحسنى. ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس والتمجيد والتعظيم وعلى صفات الجلال والكمال (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) أي بقراءة صلاتك (وَلا تُخافِتْ بِها) أي بقراءتها.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون
فيسبوا الله عدوا بغير علم ، ولا تخافت بها فلا تسمع أصحابك (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ) أي اطلب بين الجهر والمخافتة (سَبِيلاً) (١١٠) أي أمرا وسطا.
روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم طاف بالليل على دور الصحابة وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته ، وكان عمر يرفع صوته فلما حاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لأبي بكر : «لم تخفي صوتك؟» فقال : أناجي ربي وقد علم حاجتي وقال لعمر : «لم ترفع صوتك؟» فقال : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي صلىاللهعليهوسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا ، وعمر أن يخفض صوته قليلا. (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مليح حيث قالوا : عزير ابن الله والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله فكل من له ولد وهو محدث محتاج فلا يقدر على كمال الأنعام فلا يستحق كمال الحمد وكل من له ولد يمسك جميع النعم لولده ، فإذا لم يكن له ولد أفاض تلك النعم على عبيده ، فلو كان له تعالى ولد لكان منقضيا فلا يقدر على كمال الأنعام في كل الأوقات فلا يستحق الحمد على الإطلاق (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) أي في الألوهية كما يقوله الثنوية القائلون بتعدد الآلهة ، لأنه لو كان معه إله آخر لتصرف في الموجودات فلا يعرف حينئذ أن هذه النعم حصلت منه أو من شريكه فلا يعرف كونه مستحقا للحمد والشكر. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ) أي ناصر منه لأنه لو جاز عليه ناصر من أجل المذلة لم يجب شكره لجواز أن يكون غيره تعالى حمله على الأنعام أو منعه منه (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) فالتحميد يجب أن يكون مقرونا بالتكبير والتكبير يكون في ذاته تعالى بأن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته ، وأنه غني عن كل ما سواه وفي صفاته بأن يعتقد أن كل صفة له فهو من صفات الجلال والكمال ، والعز والعظمة ، وكل واحد من تلك الصفات لا نهاية له وإن كل صفة له قديمة سرمدية منزّهة عن التغير وفي أفعاله كأن يقول : إنا نحمد الله ونكبره عن أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته ، فالكل واقع بقضاء الله وقدرته وإرادته وفي أحكامه بأن يعتقد أنه ملك مطاع فلا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء ، وفي أسمائه بأن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المنزهة ، ثم ينبغي للعبد بعد أن يبالغ في التكبير والتنزيه والتحميد والطاعة مقدار عقله وفهمه أن يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله ، ولسانه لا يفي بشكره وأعضاءه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافيا بكنه مجده وعزته.
وروي أن قول العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها ، وعن عمرو بن شعيب كان رسول صلىاللهعليهوسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) الآية واسأل الله الرحمة قبل الموت ، وعند الموت ، وبعد الموت إنه تعالى ناشر العظام بعد الموت وسامع الصوت.
حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم آمين.
سورة الكهف
مكية ، غير آيتين ، ذكر فيهما عيينة بن حصن الفزاري ، مائة وعشر آيات ، ألف
وخمسمائة وثلاث وثمانون كلمة ، ستة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون حرفا
بسم الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) وهو الإعلام بثبوت الحمد لله وإنشاء الثناء بذلك (الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ) محمد صلىاللهعليهوسلم (الْكِتابَ) أي القرآن (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) (١) أي اختلالا في النظم وتنافيا في المعنى ، وهو كامل في ذاته وهذه الجملة معطوفة على أنزل (قَيِّماً) أي وجعله قائما بمصالح العباد وأحكام الدين. وقيل : هاتان الجملتان حالان من الكتاب متواليان أي غير مجعول له عوجا قيما (لِيُنْذِرَ) تعالى بالكتاب الكافرين (بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) أي عذابا شديدا نازلا من عنده تعالى (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) أي المصدقين به. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وسكون الموحدة وضم الشين (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) (٢) في الجنة (ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) (٣) أي خالدين في الأجر من غير انتهاء (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) (٤) وهم كفار العرب الذين يقولون : الملائكة بنات الله ، واليهود القائلون عزير ابن الله ، والنصارى القائلون المسيح ابن الله (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ) أي ليس لهم ولا لأحد من أسلافهم الذين قلدوه علم بهذا القول أهو صواب أو خطأ بل إنما قالوه رميا عن جهالة من غير فكر (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) فكلمة بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية فعلى النصب يكون فاعل «كبرت» مضمرا مفسرا بما بعده وهو للذم ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره : كبرت الكلمة ، كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء. والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب أي ما أكبرها كلمة (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) (٥) أي ما يقولون في ذلك الشأن إلا مقولا كذبا (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ). والمراد بالترجي النهي عن الغم أي لا تهلك نفسك بالغم من بعد إعراضهم عن الإيمان بك (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) أي بهذا القرآن (أَسَفاً) (٦) أي لفرط الحزن (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ) حيوانا كان أو نباتا أو معدنا (زِينَةً لَها) أي الأرض ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظرا واستدلالا فإن العقارب والحيات من حيث تذكيرهما
لعذاب الآخرة من نوع المنافع بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على وجود الصانع ووحدته (لِنَبْلُوَهُمْ) أي لنعاملهم معاملة من يختبرهم (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (٧) أي أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها) أي الأرض من المخلوقات قاطبة عند تناهي عمر الدنيا (صَعِيداً جُرُزاً) (٨) أي ترابا لا نبات فيه (أَمْ حَسِبْتَ) أي أظننت (أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا) أي من بين آياتنا (عَجَباً) (٩) أي آية ذات عجب وفي الآيات أي آثار قدرة الله تعالى ما هو أعجب من ذلك وهي السماء والأرض والشمس والقمر ، والنجوم والجبال والبحار. و «عجبا» خبر كان و «من آياتنا» حال منه ، والكهف : هو الغار الواسع في الجبل ، والرقيم : كلب أصحاب الكهف.
وقيل : هو لوح رصاصي أو حجري كتبت فيه أسماؤهم وقصتهم وجعل على باب الكهف وهم كانوا فتية من أشراف الروم ، أرادهم دقيانوس على الشرك فهربوا منه بدينهم (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) ظرف لـ «عجبا» ، أي حين التجأ الشبان إلى الكهف (فَقالُوا) عقب استقرارهم فيه : (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) خاصة تستوجب المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ، (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) (١٠) أي يسّر لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ) أي فعقب هذا القول ألقينا على آذانهم حجابا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة من نومهم (فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (١١) أي معدودة ، وفي الكهف حال من المضاف إليه. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ) أي أيقظناهم من نومهم الثقيل (لِنَعْلَمَ) أي لنعاملهم معاملة من يختبرهم (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) أي المختلفين في مدة لبثهم (أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) (١٢) أي ضبط غاية لبثهم فيظهر لهم عجزهم ويفوضون ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفون ما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم ، فيزدادون يقينا بكمال قدرته تعالى وعلمه ، ويستبصرون به أمر البعث ، ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم. فالمراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف و «أحصى» فعل ماض و «أمدا» مفعول به. وقرئ «ليعلم» بالياء مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل من الأعلام أي ليعلم الله الناس أي الحزبين أحصى إلخ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ) يا أشرف الخلق (نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) أي على وجه الصدق (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) أي جماعة من الشبان (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) بالتحقيق لا بالتقليد (وَزِدْناهُمْ هُدىً) (١٣) أي بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) أي قويناها حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والإخوان ، واجترءوا على الرد على دقيانوس الجبار (إِذْ قامُوا) أي حين انتصبوا لإظهار شعار الدين أو وقت قاموا بين يدي الملك دقيانوس الكافر فإنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله تعالى هؤلاء الفتية حتى عصوا ذلك الجبار ، وأقروا بربوبية الله تعالى ، وصرحوا بالبراءة من الشركاء (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً) أي لن نعبد أبدا معبودا آخر
(لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) (١٤) أي والله لئن عبدنا غيره لقد قلنا حينئذ قولا زورا على الله. قال أصحاب الكهف عند خروجهم من عند الملك دقيانوس الكافر : (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا) أي عبدوا (مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) فـ «قومنا» عطف بيان لاسم الإشارة أو خبر له و «اتخذوا» حال منه. (لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) أي هلا يأتون على عبادتهم بحجة ظاهرة ، وهذا إنكار وتعجيز وتبكيت لهم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) (١٥) أي فليس أحد أظلم ممن افترى على الله. كذبا بنسبة الشريك إليه تعالى فإن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد. قال بعض الفتية لبعض وقت اعتزالهم : (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ) أي وإذ أردتم اعتزالهم واعتزال الشيء الذي تعبدونه (إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) أي التجئوا إليه وهذا جواب إذ (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي يبسطها عليكم في الدارين (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) (١٦) أي ويسهل لكم من أمركم الذي أنتم عليه من الفرار بالدين ما تنتفعون به غدا. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء والجمهور بالعكس. (وَتَرَى الشَّمْسَ) خطاب لكل أحد بيان لحالهم بعد ما صاروا إلى الكهف وهذا ليس إخبارا بوقوع الرؤية تحقيقا بل الأخبار بكون الكهف بحيث لو أبصرته تبصر الشمس (إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ).
قرأ ابن عامر «تزور» ساكنة الزاي مشدد الراء. ونافع وابن كثير وأبو عمر «تزاور» بتشديد الزاي وبالألف. وعاصم وحمزة والكسائي «تزاور» بالتخفيف والألف أي تميل ، (عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) أي جانب الكهف الذي يلي المغرب فلا يقع عليهم شعاع الشمس. (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال الذي يلي المشرق فإن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم وذلك خارق للعادة وكرامة عظيمة خصّ الله بها أصحاب الكهف. (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي والحال أنهم في فضاء متسع من الكهف معرض لإصابة الشمس (ذلِكَ) أي المذكور من إنامتهم وحمايتهم من إصابة الشمس لهم في ذلك الغار تلك المدة الطويلة (مِنْ آياتِ اللهِ) العجيبة على كمال علمه وقدرته وعلى وحدته (مَنْ يَهْدِ اللهُ) إلى الحق بالتوفيق له (فَهُوَ الْمُهْتَدِ) أي الذي أصاب الفلاح مثل أصحاب الكهف (وَمَنْ يُضْلِلْ) الله (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ) أبدا (وَلِيًّا مُرْشِداً) (١٧) أي ناصرا يهديه إلى الفلاح كدقيانوس الكافر وأصحابه. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً) أي لو رأيتهم أيها الخاطب لانفتاح عيونهم على هيئة الناظر (وَهُمْ رُقُودٌ) أي نيام (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ) لينال النسيم جميع أبدانهم ولئلا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث ، فالله قادر على حفظهم من غير تقليب ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) أي بموضع الباب من الكهف وكان الكلب أنمر ، أو أصفر ، أو أصهب ، أو أحمر ، أو أسمر. واسمه : قطمير أو ريان ، أو تتوه ، أو قطمور ، أو ثور ، أو
حمران ، وكان لواحد منهم فلما خرجوا تبعهم فمنعوه ، فأنطقه الله وتكلم وقال : أنا أحب أحباب الله فمكنوه من الذهاب معهم ، فلما ناموا نام كنومهم ، ولما استيقظوا استيقظ معهم ، ولما ماتوا مات معهم (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) أي لو شاهدتهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) أي لأدبرت عنهم هربا بما شاهدت منهم (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) (١٨) أي خوفا يملأ الصدر لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة فكل من رآهم فزع فزعا شديدا. وقرأ نافع وابن كثير «لملئت» بتشديد اللام.
وروي أيضا عن ابن كثير بالتخفيف كالجمهور. وقرأ السوسي بإبدال الهمزة ياء وقفا ووصلا ، وحمزة في الوقف فقط. وقرأ ابن عامر والكسائي «رعبا» بضم العين في جميع القرآن. والباقون بالإسكان. (وَكَذلِكَ) أي كما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلى آية دالة على كمال قدرتنا (بَعَثْناهُمْ) أي أيقظناهم من النوم بعد مضي ثلاثمائة سنة وتسع سنين (لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ) أي ليسأل بعضهم بعضا في مدة لبثهم (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) هو رئيسهم واسمه «مكسلمينا» : (كَمْ لَبِثْتُمْ) أي كم مقدار مكثكم في منامكم في هذا الغار (قالُوا) أي بعضهم : (لَبِثْنا يَوْماً) لأنهم دخلوا الكهف غدوة ، ثم ناموا طلوع الشمس وكان انتباههم آخر النهار فلما خرجوا فنظروا إلى الشمس وقد بقي منه شيء قالوا : (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا) أي بعض آخر منهم وهو «مكسلمينا» : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) فأنتم لا تعلمون مدة لبثكم (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ) هو تمليخا كما قاله ابن إسحاق (بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وهي منبج أو أفسوس بضم الهمزة هذا في الجاهلية وتسمى في الإسلام طرسوس بفتح الراء (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها) أي أيّ أهلها (أَزْكى طَعاماً) أي أبعد عن كل حرام لأن ملكهم كان ظالما وعامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون إيمانهم (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ) أي بطعام (مِنْهُ) أي من ذلك الأزكى. (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي وليرفق في الشراء كي لا يغبن وفي دخول المدينة لئلا يعرف (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) (١٩) أي لا يخبرن بمكانكم أحدا من أهل المدينة فإن ذلك يستلزم شيوع أخباركم (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي إن يطلعوا على أنفسكم أو على مكانكم (يَرْجُمُوكُمْ) أي يقتلوكم بالرجم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) أي يصيّروكم إلى ملتهم كرها (وَلَنْ تُفْلِحُوا) أي لن تسعدوا (إِذاً) أي إن دخلتم فيها ولو بالكره (أَبَداً) (٢٠) أي في الدنيا والآخرة (وَكَذلِكَ) أي وكما أنمناهم وبعثناهم (أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) أي أطلعنا الناس المؤمنين والكافرين على أحوالهم ، وكان ملكهم يومئذ مسلما يسمى يستفاد وذلك أن دقيانوس مات وانقضت قرون ، ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح واختلف أهل مملكته في الحشر وبعث الأجساد من القبور ، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا : إنما تحشر الأرواح دون الأجساد ، فإن الجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم : تبعث الأرواح والأجساد جميعا وكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمر البعث لهم حتى دخل بيته وأغلق بابه ولبس المسوح وقعد على الرماد ، وتضرّع إلى الله تعالى في طلب حجة وبرهان ،
فأعثره الله على أهل الكهف فإنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكر ورقه ، لأنه ظهرت في بشرة وجهه آثار عجيبة تدل على أن مدته قد طالت طولا خارجا عن العادة ، لأن ورقه كان على ضرب دقيانوس فاتهموه بأنه وجد كنزا ، فذهبوا به إلى الملك وكان صالحا قد آمن هو ومن معه فلما نظر إليه قال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم ، وسأل الفتى ، فأخبره بأنه ومن معه خرجوا فرارا من الملك دقيانوس فسّر الملك بذلك وقال لقومه : لعل الله قد بعث لكم آية فلنسر إلى الكهف معه ، فركب مع أهل المدينة إليهم فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا : أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم وأعلمهم بأن الأمة أمة مسلمة فخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ، ثم رجعوا إلى كهفهم ورجع من شك في بعث الأجساد فهذا معنى أعثرنا عليهم (لِيَعْلَمُوا) أي الذين أعثرناهم وهم الملك ورعيته على أحوالهم العجيبة (أَنَّ وَعْدَ اللهِ) بالبعث للروح والجثة معا (حَقٌ) أي صادق بطريق أن القادر على إنامتهم مدة طويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى.
قال بعض العارفين : علامة اليقظة بعد النوم علامة البعث بعد الموت (وَأَنَّ السَّاعَةَ) أي وقت بعث الخلائق جميعا للحساب والجزاء (لا رَيْبَ فِيها) أي لا شك في قيامها (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) في صحة البعث وهذا ظرف لقوله تعالى : (أَعْثَرْنا) لا لقوله (لِيَعْلَمُوا) أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمرهم ليرتفع الخلاف ويتبين الحق (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي لما أعثرناهم عليهم فرأوا ما رأوا ، فعاد الفتية إلى كهفهم ، فأماتهم الله تعالى فقال بعضهم : ابنوا على باب كهفهم بنيانا لئلا يتطرق إليهم الناس ضنا بتربيتهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) كأن المتنازعين لما رأوا عدم اهتدائهم إلى حقيقة حالهم من حيث النسب والاسم ، ومن حيث العدد ، ومن حيث اللبث في الكهف قالوا ذلك تفويضا للأمر إلى علام الغيوب (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) وهم الملك والمسلمون أو أولياء أصحاب الكهف أو رؤساء البلد (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) (٢١) نعبد الله فيه ونستبقي آثارهم بسبب ذلك المسجد (سَيَقُولُونَ) أي يقول بعض المتنازعين لك يا أشرف الخلق ؛ وهم اليهود أو السيد وأصحابه؟ وهم اليعقوبية من نصارى نجران : هم (ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ) أي النصارى أو العاقب وأصحابه ؛ وهم النسطورية منهم : هم (خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) أي ظنا بالغيب من غير دليل ولا برهان (وَيَقُولُونَ) أي المسلمون أو الملكانية من النصارى : هم (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ) يا أشرف الخلق (رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) من النّاس وكان علي رضياللهعنه يقول : كانوا سبعة وأسماؤهم : تمليخا ، مكشليينا مشليتيا ، هؤلاء الثلاثة أصحاب يمين الملك وكان عن يساره مرنوش برنوش شاذنوش ، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في أمره ، والسابع الراعي
الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس واسمه كفشطيطيوش ، واسم كلبه : قطمير.
وقال ابن عباس : هم سبعة مكسلمينا تمليخا مرطونس ، نينونس ساربونس ، ذو نواس فليستطيونس وهو الراعي. وعن ابن مسعود كانوا تسعة وسماهم ابن إسحاق : تمليخا مكسملينا ، محسلينا مرطونس ، كسوطونس سورس ، يكربوس بطسوس قالوس اه.
وقال ابن عباس : رضياللهعنهما ، خواص أسماء أهل الكهف تنفع لتسعة أشياء : للطلب ، والهرب ، ولطف الحريق ، تكتب على خرقة وترمى في وسط النار تطفأ بإذن الله تعالى ، ولبكاء الطفل ، والحمى المثلثة ، وللصداع : تشد على العضد الأيمن. ولأم الصبيان ، وللركوب في البر والبحر ، ولحفظ المال ، ولنماء العقل ونجاة الآثمين. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) أي فلا تجادل معهم في عدد الفتية (إِلَّا مِراءً ظاهِراً) بأن لا تكذبهم في تعيين ذلك العدد بل تقول هذا التعيين لا دليل عليه (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (٢٢) أي لا تشاور أحدا من أهل الكتاب في شأن الفتية (وَلا تَقُولَنَ) يا أكرم الرسل (لِشَيْءٍ) أي لأجل شيء تعزم عليه (إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ) الشيء (غَداً) (٢٣) أي فيما يستقبل من الزمان (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) أي إلا قائلا : إن شاء الله أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالتعليق بالمشيئة بأن تقول : إن شاء الله نزلت هذه الآية حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه صلىاللهعليهوسلم فقال : «ائتوني غدا أخبركم» (١). ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) بالتسبيح والاستغفار (إِذا نَسِيتَ) كلمة الاستثناء. وهذا مبالغة في الحث على ذكر هذه الكلمة (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) أي لعل ربي يؤتيني أعظم دلالة على صحة نبوتي من نبأ أصحاب الكهف (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) (٢٥) وهذا إخبار من الله عن مدة لبثهم ردا على أهل الكتاب المختلفين فيها فقال بعضهم : ثلاثمائة ، وبعضهم ثلاثمائة وتسع ، والسنون عندهم شمسية. فهذان القولان غير ما أخبر الله به من أن السنين ثلاثمائة وتسع قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين ، لأن السنة الشمسية تزيد على السنة القمرية عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة.
قرأ حمزة والكسائي «ثلاثمائة» بغير تنوين فهو مضاف لـ «سنين» والباقون بالتنوين «فسنين» عطف بيان. (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) أي بالزمان الذي لبثوا فيه في نومهم قبل بعثهم أي الله أعلم بحقيقة ذلك وكيفيته فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب. وهذا إشارة إلى أن الإخبار من الله لا من عنده صلىاللهعليهوسلم (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي له تعالى علم ما خفي من أحوال
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٤ : ٢١٧).
أهلهما ، لأنه موجدهما ومدبرهما (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أي ما أبصر الله وما أسمعه بكل شيء وهذا التعجب يدل على أن علمه تعالى بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين لا يحجبه شيء ولا يحول عنه حائل (ما لَهُمْ) أي لأهل السموات والأرض (مِنْ دُونِهِ) تعالى (مِنْ وَلِيٍ) يتولى أمورهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه تعالى (وَلا يُشْرِكُ) تعالى (فِي حُكْمِهِ أَحَداً) (٢٦) فلما حكم تعالى أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولا بخلافه.
وقرأ ابن عامر «لا تشرك» بالتاء على الخطاب لكل أحد وبالجزم على النهي أي ولا تسأل أحدا عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف ومن مدة لبثهم في الغار واقتصر على حكمه تعالى ولا تشرك أحدا في طلب معرفة هذه الواقعة (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) ولا تسمع لقولهم : أئت بقرآن غير هذا أو بدله (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) أي لا قادر على تبديلها (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ) تعالى (مُلْتَحَداً) (٢٧) أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بالتبديل للقرآن (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) أي يعبدونه في كل الأوقات.
قرأ ابن عامر «بالغدوة» بضم الغين وسكون الدال. (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي مريدين بعبادتهم لرضاه تعالى (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) أي لا تنصرف عيناك عنهم إلى غيرهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي ترغب في مجالسة الأغنياء وجميل الصورة (وَلا تُطِعْ) في تنحية الفقراء عن مجالسك (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ) أي وجدنا قلبه غافلا (عَنْ ذِكْرِنا) أي عن توحيدنا (وَاتَّبَعَ هَواهُ) في عبادة الأصنام (وَكانَ أَمْرُهُ) في متابعة الهوى (فُرُطاً) (٢٨) أي ضائعا نزلت هذه الآية في عيينة بن حصن الفزاري فإنه أتى النبي صلىاللهعليهوسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه فقال عيينة للنبي أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادة مضر وأشرافها إن أسلمنا تسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا وقد أسلم هو رضياللهعنه وحسن إسلامه وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم فأعطاه النبي صلىاللهعليهوسلم منها مائة بعير وكذلك أعطي الأقرع بن حابس ، وأعطي العباس بن مرداس أربعين بعيرا.
وروى أبو سعيد رضياللهعنه قال : كنت جالسا في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارئ يقرأ من القرآن فجاء رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «ماذا كنتم تصنعون»؟ قلنا : يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نسمع فقال صلىاللهعليهوسلم : «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» ثم جلس وسطنا وقال : «أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف
سنة» (١) (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قل لأولئك الغافلين هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح ، والحسن والخمول والشهرة (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) فالله تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحا لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار وهذه الصيغة تهديد وليست بتخيير (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ) أي هيأنا لمن أنف عن قبول الحق لأجل أن من قبلوه فقراء (ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) أي فسطاطها فلا مخلص لهم منها (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا) من العطش (يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) أي كدردي الزيت أو كالفضة المذابة (يَشْوِي الْوُجُوهَ) أي إذا قرب إلى الفم ليشرب سقطت فروة وجهه (بِئْسَ الشَّرابُ) ذلك الماء لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغا عظيما (وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) (٢٩) أي وساءت النار منزلا ومجتمعا للرفقة مع الكفار والشياطين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (٣٠) أي لا نبطل ثواب من أخلص عملا (أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) أي من تحت مساكنهم (الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) ويسور المؤمن في الجنة بسوار من ذهب وبسوار من فضة ، وبسوار من لؤلؤ فيكون في يده هذه الأنواع الثلاثة وفي الحديث الصحيح تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ) وهو الديباج اللطيف (وَإِسْتَبْرَقٍ) وهو الديباج الصفيق فإن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة (مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) أي ويجلسون في الجنة متربعين على السرر في الحجال وهي بيوت تزين بأنواع الزينة أما السرير وحده فلا يسمى أريكة (نِعْمَ الثَّوابُ) ذلك (وَحَسُنَتْ) أي الأرائك (مُرْتَفَقاً) (٣١) أي منزلا ومجتمعا للرفقة مع الأنبياء والصالحين (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) أي بيّن لهؤلاء الذين يطلبون طرد المؤمنين لضعفهم مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين شريكين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس ، والآخر مؤمن اسمه يهوذا أو تمليخا لهما ثمانية آلاف دينار ، فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال هذا : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم تزوج صاحبه امرأة وأنفق عليها ألف دينار فقال هذا : اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم إن صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا : اللهم إني أشتري منك خدما ومتاعا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف فجلس على طريق حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه
__________________
(١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (١٦٥٨٦) ، وأحمد ابن حنبل في الزهد (٣٧).
فقال له : فلان ، قال : نعم ، فقال : ما شأنك؟ قال : أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال : فما فعل بمالك فقص عليه قصته فقال : وإنك لمن المصدقين فطرده ووبخه على التصدق بماله وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى فنزل في شأنهما قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما) وهو الكافر (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ) أي بستانين من كروم متنوعة (وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) أي جعلنا النخل محيطا بالجنتين (وَجَعَلْنا بَيْنَهُما) أي وسط أرض الجنتين (زَرْعاً) (٣٢) ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه فتأتي هذه الأرض في كل وقت بمنفعة فكانت منافعها متواصلة (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها) أي أخرجت ثمرها كل عام (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ) أي لم تنقص من ثمرها (شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما) أي أجرينا في داخل تلك الجنتين (نَهَراً) (٣٣) وفي قراءة يعقوب «وفجرنا» بالتخفيف (وَكانَ لَهُ) أي لصاحب الجنتين (ثَمَرٌ).
قرأ عاصم بفتح الثاء والميم أي ثمر البستان. وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم. والباقون بضم الثاء والميم في الموضعين ، أي أنواع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك (فَقالَ) أي صاحب الجنتين (لِصاحِبِهِ) الذي جعل مثلا للفقراء المؤمنين (وَهُوَ) أي صاحب الجنتين (يُحاوِرُهُ) أي يراجع صاحبه بالكلام الذي فيه الافتخار بالمال والناس : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (٣٤) أي أكثر أصحابا من الأولاد وغيرهم ، ويقال : وهو أي صاحبه المؤمن يراجه الكافر في الكلام بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) أي بستانه مع صاحبه يطوف به فيها ويريه حسنها (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) أي ضار لها بكفره وعجبه واعتماده على ماله (قالَ) استنئاف بيان لسبب الظلم (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) (٣٥) أي ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ) أي القيامة التي هي وقت البعث (قائِمَةً) أي حاصلة (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي) بالبعث عند قيامة كما تقول (لَأَجِدَنَ) يومئذ (خَيْراً مِنْها) أي من هذه الجنة (مُنْقَلَباً) (٣٦) أي عاقبة وسبب هذه اليمين الفاجرة اعتقاده إنما أعطاه الله المال في الدنيا لكرامته عنده تعالى ، وهي معه بعد الموت. وقرأ نافع وابن كثير منهما أي الجنتين. (قالَ لَهُ) أي لصاحب الجنة (صاحِبُهُ) الذي هو المؤمن (وَهُوَ) أي المؤمن (يُحاوِرُهُ) أي يجاوب الكافر بالتوبيخ على شكه في حصول البعث (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) أي من آدم وهو من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) لأبيك وأمك (ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (٣٧) أي صيّرك إنسانا ذكرا ، وهيّأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله تعالى أمرك فإن من قدر على بدء خلقه من تراب قادر أن يعيده منه وجعل الكفر بالبعث كفرا بالله ، لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله (لكِنَّا) أي لكن أنا أقول (هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) (٣٨) أي أنت كافر بالله لكني مؤمن به موحد ، ثم قال المؤمن للكافر : (وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) أي وهلا حين دخلت بستانك (قُلْتَ) عند إعجابك بها : (ما شاءَ اللهُ) أي الأمر هو الذي شاءه الله (لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.
وروي عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «من رأى شيئا فأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصره» (١). (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً) (٣٩) وخدما في الدنيا (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ) أي يعطيني في الآخرة (خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) لإيماني (وَيُرْسِلَ عَلَيْها) أي على جنتك (حُسْباناً) أي نارا (مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) (٤٠) أي فتصير جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها بحيث تزلق الرجل لكفرك (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً) أي غائصا في الأرض (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ) أنت (لَهُ) أي الماء (طَلَباً) (٤١) أي حيلة تدركه بها وقوله تعالى : (أَوْ يُصْبِحَ) عطف على قوله تعالى : (فَتُصْبِحَ) وإن كان الحسبان بمعنى النار لأنها الحكم الإلهي بتخريب الجنة فيتسبب عنه صيرورتها ترابا أملس ، أو صيرورة مائها غائر إثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال : (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) أي أهلك ثمر بستانه بالكلية وجميع أمواله (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) أي صار يضرب إحداهما على الأخرى ، وإنما يفعل هذا ندامة (عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) أي في عمارة جنته لأنه أنفق ما يمكن ادخاره من الأموال الكثيرة في مثل هذا الشيء السريع الزوال وقوله : «على ما أنفق» متعلق بـ «يقلب» لأنه ضمن معنى يندم كأنه قيل : فأصبح يندم على ما صنع فإنه من عظمت ندامته يصفق إحدى يديه على الأخرى (وَهِيَ) أي الجنة (خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) أي ساقطة على سقوف الجنة ، وهي سقطت على الجدران. وهذه اللفظة كناية عن هلاك البستان بالكلية (وَيَقُولُ) أي الكافر ـ تلهفا على تلف المال أي تنبهوا يا قومي ـ : (يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) (٤٢) وهذا الكافر تذكر كلام المؤمن وعلم إنما هلكت جنته بشؤم شركة فتمنى أن لا يكون مشركا فلم يصبه ما أصابه (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ) أي الكافر (فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ) بدفع الهلاك عن الجنة أو برد الهالك منها أو بإتيان مثله (مِنْ دُونِ اللهِ) فإنه وحده قادر على ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي و «لم يكن» بالياء التحتية. والباقون بالتاء الفوقية (وَما كانَ مُنْتَصِراً) (٤٣) أي قادرا بنفسه على واحد من هذه الأمور (هُنالِكَ الْوَلايَةُ) أي في مثل ذلك الوقت وفي ذلك المقام النصرة (لِلَّهِ الْحَقِ) فلا يقدر عليها أحد. وقرأ حمزة والكسائي «الولاية» بكسر الواو بمعنى الملك فالمعنى أي في تلك الدار الآخرة السلطان لله. والباقون بفتحها أي النصرة. وقرأ أبو عمرو والكسائي «الحق» بالرفع صفة للولاية. وقرأ الباقون بالجر صفة لله أي الثابت الذي لا يزول (هُوَ) تعالى (خَيْرٌ ثَواباً) أي إثابة في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه (وَخَيْرٌ عُقْباً) (٤٤) أي عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر بضم القاف. وعاصم وحمزة بتسكينها. وقرئ «عقبى» كرجعى والكل بمعنى العاقبة.(وَاضْرِبْ لَهُمْ)
__________________
(١) رواه العجلوني في كشف الخفاء (٢ : ١٠٠).
أي واذكر للذين افتخروا بأموالهم على فقراء المسلمين (مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي صفتها العجيبة في فنائها (كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) أي اختلط بعض أنواع النبات ببعضها الآخر بسبب هذا الماء أي صار النبات في المنظر في غاية الحسن (فَأَصْبَحَ هَشِيماً) أي فصار النبات بعد بهجتها يابسا مكسورا (تَذْرُوهُ الرِّياحُ) أي تفرقه ولم يبق منها شيء. وقرأ حمزة والكسائي الريح بالتوحيد (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (٤٥) أي قادرا على الكمال بتكوينه أولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا ، فأحوال الدنيا كذلك تظهر أولا في غاية النضارة ، ثم تتزايد قليلا قليلا ، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يفرح به (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا) وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقراض فيقبح بالعاقل أن يفتخر به (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ) أي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبدا من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان والطيب من القول (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ) أي في الآخرة (ثَواباً) فتعود إلى صاحبها (وَخَيْرٌ أَمَلاً) (٤٦) فينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان يرجوه في الدنيا ، لأن صاحب تلك الأعمال يأمل في الدنيا نصيبه من ثواب الله في الآخرة. وللغزالي في هذا وجه لطيف فقال : روي أن من قال : سبحان الله حصل له من الثواب عشر حسنات فإذا قال : والحمد لله صارت عشرين فإذا قال : ولا إله إلا الله صارت ثلاثين ، فإذا قال : والله أكبر صارت أربعين.
وتحقيق القول في ذلك أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته فإذا قال : سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزها عن كل ما لا يليق به ، فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة ، فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الله تعالى مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال ، فإذا قال : مع ذلك ولا إله إلّا الله فقد أقر بأنه ليس في الوجود موجود منزه عن كل ما لا ينبغي مبتدئ لإضافة كل ما ينبغي إلا الواحد فإذا قال والله أكبر ومعنى أكبر أي أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة ، فكانت درجات الثواب أربعة ، فهذه الكلمات الأربع تسمى الباقيات الصالحات (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ) أي واذكر لهم حين نسير أجزاء الجبال عن وجه الأرض بعد أن نجعلها غبارا مفرقا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «تسير الجبال» بالتاء الفوقية بالبناء للمفعول وبرفع الجبال. (وَتَرَى الْأَرْضَ) خطاب لكل أحد. وقرئ على صيغة البناء للمفعول (بارِزَةً) أي ظاهرة ليس عليها ما يسترها من جبال وأشجار وبناء وحيوان وظل وبحار (وَحَشَرْناهُمْ) أي جمعنا الخلائق إلى الموقف من كل أوب للسحاب (فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ) أي لم نترك من الأولين والآخرين (أَحَداً) (٤٧) إلا وجمعناهم لذلك اليوم (وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ) كعرض الجند على السلطان
ليقضي بينهم (صَفًّا) أي مصطفين وقد ورد في الحديث الصحيح : «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا» (١) وفي حديث آخر : «أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون» (٢) اهـ. مقولا لهم (لَقَدْ جِئْتُمُونا) كائنين (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) حفاة عراة غرلا بلا أموال وأعوان (بَلْ زَعَمْتُمْ) في الدنيا (أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً) أي وقتا للبعث (وَوُضِعَ الْكِتابُ) أي وضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده اليمنى إن كان مؤمنا وفي يده اليسرى إن كان كافرا فقد تطايرت الكتب إلى أيدي الخلق مثل الثلج (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) أي المشركين والمنافقين (مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة أي يحصل لهم خوف العقاب من الله بذنوبهم وخوف الفضيحة عند الخلق بظهور الجرائم لأهل الموقف (وَيَقُولُونَ) عند وقوفهم على ما في الكتاب من السيئات (يا وَيْلَتَنا) أي يا هلكتنا (ما لِهذَا الْكِتابِ) أي أيّ شيء له (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً) من أعمالنا (إِلَّا أَحْصاها) أي عدها (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا) في الدنيا من السيئات (حاضِراً) أي مكتوبا في صحفهم (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (٤٩) فلا ينقص من حسنات أحد ولا يزيد على سيئات أحد (وَإِذْ قُلْنا) أي واذكر لهم وقت قولنا (لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) جميعا امتثالا بالأمر (إِلَّا إِبْلِيسَ) فإنه لم يسجد بل تكبر على آدم ، لأنه افتخر بأصله (كانَ مِنَ الْجِنِ) أي من نوع الجن الذين هم الشياطين فالذي خلق من نار هو أبوهم (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي خرج عن طاعته بترك السجود (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ) أي أبعد ما وجد من إبليس ما وجد تتخذونه وذريته أصدقاء يا بني آدم (مِنْ دُونِي) فتطيعونهم بدل طاعتي (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) أي والحال أن إبليس وذريته لكم أعداء (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (٥٠) من الله تعالى في الطاعة إبليس وذريته وعن مجاهد قال : ولد إبليس خمسة بتر والأعور وزلنبور ومشوط ، وداسم ، فبتر : صاحب المصائب ، والأعور : صاحب الزنا زلنبور الذي يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب غيره ومشوط صاحب الصخب والأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يجدون لها أصلا وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله دخل معه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه (ما أَشْهَدْتُهُمْ) أي ما أحضرت إبليس وذريته (خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فإني خلقتهما قبل خلقهم (وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ)
__________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير ، باب : تفسير سورة ١٧ ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب : ٣٢٧ ، والترمذي في كتاب القيامة ، باب : ١٠ ، والدارمي في كتاب الرقاق ، باب : في سجود المؤمنين يوم القيامة ، وأحمد في (م ١ / ص ٤).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩ : ٤١٩) ، والطحاوي في مشكل الآثار (١ : ١٥٦) ، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٤٥١٢).
للناس وهم الشياطين (عَضُداً) (٥١) أي أعوانا في شأن الخلق حتى يتوهم شركتهم بي في بعض أحكام الربوبية. والمعنى ما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بفضائل لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس ، فكيف تطيعونهم يا بني آدم : (وَيَوْمَ يَقُولُ) أي واذكر لهم يا أشرف الخلق أحوال المشركين وآلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله تعجيزا. وقرأ حمزة بنون العظمة. (نادُوا شُرَكائِيَ) أي نادوا آلهتكم التي قلتم : إنهم شركائي (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) أي عبدتم ليمنعوكم من عذابي (فَدَعَوْهُمْ) للإغاثة (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) إلى ما دعوهم إليه (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ) أي المشركين وآلهتهم (مَوْبِقاً) (٥٢) أي حاجزا بعيدا أو واديا في جهنم من قيح ودم ، وذلك أن المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة الملائكة وعزيرا ، وعيسى ومريم عليهمالسلام دعوا هؤلاء فلم يجيبوهم استهانة بهم ، واشتغالا بأنفسهم ، ثم حيل بينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم ، وأدخل عزيرا وعيسى ومريم الجنة ، وسار الملائكة إلى حيث أراد الله من الكرامة وحصل بين الكفار ومعبوديهم هذا الحاجز وهو ذلك الوادي (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ) أي الكافرون (النَّارَ) من مكان بعيد (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها) أي مخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً) (٥٣) أي معدلا إلى غيرها ، لأن الملائكة تسوقهم إليها (وَلَقَدْ صَرَّفْنا) أن ذكرنا على وجوه كثيرة (فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ) أي لمنفعتهم (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان التي هي في الغرابة كالمثل ليتلقوه بالقبول فلم يفعلوا (وَكانَ الْإِنْسانُ) بجبلته (أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (٥٤) أي وكان خصومة الإنسان بالباطل أكثر شيء فيه (وَما مَنَعَ النَّاسَ) أي أهل مكة (أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى) أي القرآن الهادي إلى الإيمان (وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) عما فرط منهم من الذنوب (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أي إلا طلب إتيان سنتنا في الأولين وهو عذاب الاستئصال (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً) (٥٥).
وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بضم القاف والباء. أي أنواعا من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء ، والباقون بكسر القاف وفتح الباء أي عيانا. وقرئ بفتحتين أي مستقبلا. (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ) إلى الأمم (إِلَّا مُبَشِّرِينَ) بالثواب على أفعال الطاعة (وَمُنْذِرِينَ) بالعقاب على أفعال المعصية (وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) المرسلين (بِالْباطِلِ) أي باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ) أي ليبطلوا بجدالهم الشرائع (وَاتَّخَذُوا آياتِي) التي هي معجزات الرسل (وَما أُنْذِرُوا) أي وإنذارهم بالعذاب (هُزُواً) (٥٦) أي سخرية. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ) أي ليس أحد أظلم ممن وعظ بالقرآن (فَأَعْرَضَ عَنْها) أي فصرف عن تلك الآيات ولم يتدبرها (وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ) أي تغافل عن كفره وذنوبه ولم يتفكر في عاقبته (إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي أغطية (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي مانعة من أن يفهموا القرآن (وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) أي صمما مانعا من استماعه (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى) أي إلى التوحيد (فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) (٥٧) أي فلن
يوجد منهم اهتداء ألبتة مدة التكليف (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ) أي البليغ لستر ذنوبهم بالحلم عنها إلى وقت آخر (ذُو الرَّحْمَةِ) بتأخير العقوبة عنهم (لَوْ يُؤاخِذُهُمْ) أي لو يريد الله مؤاخذتهم (بِما كَسَبُوا) من الذنوب (لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ) في الدنيا (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) أي وقت لهلاكهم (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ) أي العذاب (مَوْئِلاً) (٥٨) أي مرجعا فمن يكون مرجعه العذاب فلا يوجد منه الخلاص (وَتِلْكَ الْقُرى) أي وأهل قرى عاد وثمود وأمثالهما (أَهْلَكْناهُمْ) في الدنيا (لَمَّا ظَلَمُوا) أي حين كفروا (وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) (٥٩) أي وقتا معينا لا يتأخرون عنه.
وقرأ شعبة بفتح الميم واللام أي لهلاكهم ، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام أي لوقت هلاكهم ، والباقون بضم الميم وفتح اللام أي لإهلاكنا إياهم (وَإِذْ قالَ) أي واذكر حين قال (مُوسى لِفَتاهُ) يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف عليهالسلام ؛ وكان يوشع من أشراف بني إسرائيل ، وإنما سمي فتى موسى عليهالسلام لأنه كان يخدمه ، وكان موسى عليهالسلام وقع في قلبه أن ليس في الأرض أحد أعلم مني فقال الله : يا موسى إن لي في الأرض عبدا أعبد لي منك وأعلم وهو الخضر ، فقال موسى : يا رب دلني عليه ، فقال الله له : خذ سمكا مالحا وامض على شاطئ البحر حتى تلقى صخرة عندها عين الحياة فانضح على السمكة منها حتى تحيا السمكة فثم تلقى الخضر فأخذ حوتا ، فجعله في مكتل فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان (لا أَبْرَحُ) أي لا أزال سائرا (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (٦٠) أو أسير زمانا طويلا أتيقن معه فوات الطلب أو أسير ثمانين سنة (فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما) أي بلغا موضعا يجتمع فيه موسى وصاحبه الذي كان يقصده وهو الخضر (نَسِيا حُوتَهُما) أي نسيا خبر حوتهما وتفقد أمره وقد جعل فقدانه أمارة لوجدان المطلوب. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) (٦١) أي فأدركته الحياة بسبب برد الماء الذي أصابه فتحرك في المكتل ، فخرج منه وسقط في البحر ، فاتخذ الحوت في البحر مسلكا كالسرب. قيل : إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت (فَلَمَّا جاوَزا) أي موسى وفتاه مجمع البحرين ، وذهبا كثيرا ، وألقي على موسى الجوع (قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا) الذي بعد مجاوزة الصخرة (نَصَباً) (٦٢) أي تعبا.
قيل : إن موسى لم يتعب ولم يجع قبل ذلك (قالَ) أي فتاه : (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي أأبصرت حالنا إذ قمنا عند الصخرة (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي خبر الحوت (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل اشتمال من الهاء أي وما أنساني ذكر أمر الحوت لك إلا الشيطان بوسوسته الشاغلة عن ذلك. وقرأ حفص بضم الهاء «من أنسانيه». (وَاتَّخَذَ) أي الحوت (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً) (٦٣) أي اتخاذا عجبا وهو كون مسلكه كالسرب فلم يلتئم الماء وجمد ما تحت الحوت منه
حتى رجع موسى إليه فرأى مسلكه وكون الحوت قد مات وأكل شقه الأيسر ، ثم حيي بعد ذلك (قالَ) أي موسى : (ذلِكَ) أي الذي ذكرت من أمر الحوت (ما كُنَّا نَبْغِ) أي الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر. وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء وصلا لا وقفا ، وابن كثير أثبتها في الحالين. والباقون حذفوها في الحالين اتباعا للرسم. (فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً) (٦٤) أي فرجعا مفتشين آثارهما أو فاقتصا على آثارهما اقتصاصا حتى آتيا الصخرة (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا) وهو الخضر واسمه : بليا بن ملكان ، وكنيته أبو العباس ؛ وهو من نسل نوح ، وكان أبوه من الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا. وروي أنهما وجدا الخضر وهو نائم على وجه الماء وهو مغطى بثوب أبيض أو أخضر ، طرفه تحت رجليه والآخر تحت رأسه فسلم عليه موسى فرفع رأسه واستوى جالسا وقال : وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال له موسى : ومن أخبرك إني نبي بني إسرائيل؟ فقال : الذي أدراك بي ودلّك علي.
والصحيح أن الخضر نبي ، وذهب الجمهور إلى أنه حي إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) أي أكرمناه بالنبوة ـ كما قاله ابن عباس ـ (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (٦٥) وهو علم الغيوب (قالَ لَهُ مُوسى) على سبيل التأدب والتلطف في ظرف الاستئذان (هَلْ أَتَّبِعُكَ) أي أصحبك (عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ) أثبت الياء نافع وأبو عمرو وصلا لا وقفا ، وابن كثير في الحالين ، والباقون حذفوها. (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (٦٦) أي علما يرشدني في ديني.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح الراء والشين ، والباقون بضم الراء وتسكين الشين. قال له الخضر : كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا. فقال له موسى : إن الله أمرني بهذا فحينئذ (قالَ) له الخضر : يا موسى (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) (٦٨) أي على ما لم تعلم به بيانا وحكمة ، أي إنك يا موسى لا تصبر على أمور لم تعلم حقائقها يا موسى إني على علم من علم الله تعالى علمنيه لا تعلمه ، أي وهو علم الكشف وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أي وهو علم ظاهر الشريعة. (قالَ) له موسى : (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً) (٦٩) عطف على «صابرا» ، أي ستجدني صابرا على ما أرى منك وغير مخالف لأمرك (قالَ) له الخضر : (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي) أي صحبتني (فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ) تشاهده من أفعالي ولو منكرا بحسب علمك الظاهر (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) (٧٠) أي حتى أبتدئ بإخبارك ببيان ذلك الشيء.
وقرأ ابن عامر «فلا تسألن» بالنون المثقلة وبغير ياء. وروي عنه «تسألني» مثقلة مع الياء ؛ وهي قراءة نافع ، وقرأ باقي السبعة بسكون اللام وتخفيف النون ، وقرأ أبو جعفر هنا «تسلن» بفتح السين واللام وتشديد النون من غير همز. (فَانْطَلَقا) أي موسى والخضر عليهماالسلام على
الساحل يطلبان السفينة ، وأما يوشع فقد صرفه موسى إلى بني إسرائيل أو كان معهما وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى فاكتفى بذكر المتبوع عن التابع. فالمقصود ذكر موسى والخضر (حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) أي ثقبها الخضر. وعن أبي بن كعب عن النبي صلىاللهعليهوسلم : «مرت بهم سفينة فكلموا أهلها أن يحملوهم فعرفوا الخضر بعلامة فحملوهم بغير نول فلما لجوا ـ أي وصلوا ـ إلى الماء الغزير أخذ الخضر فأسا وأخرج بها لوحا من السفينة». (قالَ) له موسى : (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) أي لتغرق أنت أهل هذه السفينة ، وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» بالياء المفتوحة وفتح الراء ورفع «أهلها». (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) (٧١) أي لقد فعلت شيئا عظيما شديدا على القوم.
روي أن الماء لم يدخل السفينة. وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق (قالَ) له الخضر : (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ) موسى (لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ) أي بما تركت من وصيتك أول مرة أو هذا من التورية وإيهام خلاف المراد فيتقي موسى بها الكذب مع التوصل إلى الغرض وهو بسط عذره في الإنكار ، فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية (وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) (٧٣) أي لا تكلفني مشقة في أمر صحبتي إياك فقبل الخضر عذر موسى فخرجا من السفينة (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً) بين قريتين لم يبلغ الحنث يلعب مع عشر صبيان كان وضيء الوجه اسمه «خيشور» فأخذه الخضر (فَقَتَلَهُ) بذبحه مضطجعا بالسكين أو بفتل عنقه (قالَ) له موسى : (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً) أي بريئة من الذنوب (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي بغير قتل نفس محرمة.
وقرأ نافع وابن كثيرون وأبو عمرو بألف بعد الزاي وبتخفيف الياء ، والباقون بالتشديد وبدون ألف. (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) (٧٤) أي لقد فعلت فعلا منكرا (قالَ) الخضر (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) يا موسى زاد الخضر لك هنا تقريعا لموسى وتحاملا في الخطأ (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) (٧٥) قيل : إن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه (قالَ) موسى : (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها) أي بعد هذه المرة (فَلا تُصاحِبْنِي) أي لا تجعلني صاحبك. وقرئ لا تصحبني بضم التاء وسكون الصاد (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) (٧٦) أي قد وجدت من قبلي عذرا حيث خالفتك ثلاث مرات ، قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم في بعض الروايات بتخفيف النون وضم الدال ، وفي بعض الروايات عن عاصم بضم اللام وسكون الدال.
روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ) بعد الغروب في ليلة باردة ممطرة وهي أنطاكية أو أبرقة (اسْتَطْعَما أَهْلَها) أي طلبا من أهلها الخبز على سبيل الضيافة فإقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد.
وعن أبي هريرة قال : أطعمتهما امرأة من أهل بربرة بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعوا لنسائهم ولعنا رجالهم فقوله تعالى : «استطعما» جواب «إذا» أو صفة لـ «قرية». (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) عن النبي صلىاللهعليهوسلم كانوا أهل قرية لئاما (فَوَجَدا فِيها) أي القرية (جِداراً) مائلا (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ) أي يقرب من السقوط وكان ارتفاعه مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعا وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع (فَأَقامَهُ) أي رفعه الخضر بيده فاستقام أو مسحه بيده فاستوى أو هدمه ثم بناه (قالَ) موسى : (لَوْ شِئْتَ) يا خضر (لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (٧٧) أي طلبت على عملك أجرة تصرفها إلى تحصيل المطعوم ، وتحصيل سائر المهمات أي كان ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلا على فعلك لتقصيرهم فينا مع حاجتنا وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة فهو من فضول العمل.
وروي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كانت الأولى من موسى نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا» (١) قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر أنها حجة على موسى وعتب عليه ، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ فلما أنكر أمر الغلام قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك للقبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟ (قالَ) له الخضر : (هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) أي هذا الإنكار على ترك الأجر سبب فراق حصل بيني وبينك (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (٧٨) السين للتأكيد لا للاستقبال لعدم تراخي التنبئة أي أظهر لك بيان وجه ما لم تصبر عليه أي حكمة هذه الأمور الثلاثة قبل فراقي لك. (أَمَّا السَّفِينَةُ) التي خرقتها (فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) فيعيرون بالناس مؤاجرين للسفينة لحمل الأمتعة ونحوها كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر فأما العمال منهم.
فأحدهم : كان مجذوما.
والثاني : كان أعور.
والثالث : كان أعرج.
والرابع : كان آدر.
والخامس : كان محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم.
__________________
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١ : ٣١٧) ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤ : ٢٨).
والخمسة : الذين لا يطيقون العمل أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) أي أن أجعلها ذات عيب (وَكانَ وَراءَهُمْ) أي أمامهم كما قرأ به ابن قرأ بذلك ابن عباس وابن جبير. (مَلِكٌ) كافر اسمه : هدد بن بدد أو جلندى ابن كرر. (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ) صحيحة ـ كما قرأ بذلك ابن عباس وابن جبير. (غَصْباً) (٧٩) من أصحابها ولم يكن عندهم علم به فلذلك ثقبتها فإذا جاوزوا الملك أصلحوها (وَأَمَّا الْغُلامُ) الذي قتلته (فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ) من عظماء تلك القرية اسم الأب كازبرا واسم الأم سهوا. (فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما) أي فخفنا أن يحمل الوالدين المؤمنين (طُغْياناً وَكُفْراً) (٨٠) لمحبتهما له. وقرئ «فخاف ربك» أي كره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر أن يلحق الوالدين معصية وكفرا ، أو يقال : فعلم ربك أن يوقعهما في الكفر ، وقيل : إن أبويه فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل ، ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وقيل : كان الغلام رجلا كافرا لصا قتالا فمن ذلك قتله الخضر ، وكان اسمه : جيسور (فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً) أي صلاحا وطهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وَأَقْرَبَ رُحْماً) (٨١) أي عطفا بأبويه وأوصل رحما بأن يكون أبر بهما.
قال ابن عباس : أبدلا بنتا ولدت نبيا وهو الذي كان بعد موسى الذي قالت له بنو إسرائيل : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وكان اسمه : شمعون.
وقرأ أبو عمرو ونافع بفتح الياء وتشديد الدال ، هنا وفي التحريم وفي القلم. وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين عن أبي عمرو «رحما» بضم الحاء. (وَأَمَّا الْجِدارُ) الذي سويته (فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ) هما أصرم وصريم ابنا كاشح وأمهما دنيا (فِي الْمَدِينَةِ) وهي المعبر عنها أولا بالقرية تحقيرا لها لخسة أهلها وعبر عنها هنا بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وأبيهما (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما) عن أبي الدرداء أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «كان ذهبا وفضة» (١) رواه البخاري في تاريخه ، والترمذي والحاكم ، وقيل : كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن : وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب : وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح : وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل : وعجبت لمن يعرف الدنيا
__________________
(١) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٥ : ١٦٣) ، وابن حجر في فتح الباري (١١ : ٥٥٠) ، والطبري في التفسير (١٥ : ١٨٥) ، والقرطبي في التفسير (١١ : ١٨) ، وابن كثير في التفسير (٥ : ١٧٢).
وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله : (وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) وهذا يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وقد روي أن الله يحفظ الصالح في سبعة من ذريته (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما) أي قوتهما وكمال رأيهما (وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما) أي دفينهما من تحت الجدار ولو لا أني أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته وضاع بالكلية (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) مفعول له وعامله «أراد» أي نعمة لهما من ربك أو عامله مقدر أي فعلت هذه الأفعال وحيا من ربك. (وَما فَعَلْتُهُ) أي ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال (عَنْ أَمْرِي) أي عن اجتهادي ورأيي (ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (٨٢) أي ذلك الأجوبة الثلاثة تفسير ما لم تصبر عليه من الوقائع الثلاثة وحذف التاء بعد السين هنا للتخفيف.
روي أن موسى عليهالسلام لما أراد أن يفارق الخضر قال له : أوصني ، قال : لا تطلب العلم لتحدث به ، واطلبه لتعمل به. وقيل : إن الخضر لما أراد أن يفارق موسى قال له موسى : أوصيني ، قال : كن بساما ولا تكن ضحاكا ، ودع اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ، ولا تعب على الخطائين خطاياهم ، وابك على خطيئتك با ابن عمران. (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) أي يسألك يا أشرف الخلق أهل مكة عن خبر ذي القرنين : اسمه : إسكندر بن فيلفوس اليوناني ، كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة ، وألبسه الهيبة ، وكان وزيره الخضر. والصحيح أنه لم يكن نبيا وإنّما كان ملكا صالحا عادلا ملك الأقاليم وقهر أهلها من الملوك وغيرهم ، ودانت له البلاد وكان داعيا إلى الله. (قُلْ) لهم في الجواب : (سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) (٨٣) أي سأذكر لكم من حال ذي القرنين خبرا مذكورا. «والسين» للتأكيد وللدلالة على التحقق. (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) أي إنا جعلنا له قدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وعلى الأسباب حيث سخر له السحاب وبسط له النور ، وكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض (وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه في إصلاح ملكه (سَبَباً) (٨٤) أي طريقا يوصله إلى ذلك الشيء المقصود كآلات السير وكثرة الجند (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (٨٥) أي فأخذ طريقا يوصله إلى استقصاء بقاع الأرض ليملأها عدلا (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يمكن أحد من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له : أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الأطوال (وَجَدَها) أي الشمس (تَغْرُبُ) في رأى العين (فِي عَيْنٍ) أي بحر محيط (حَمِئَةٍ) أي ذات طين أسود شديد السخونة كما يدل عليه قراءة شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر حامية بألف بعد الحاء وبياء بعد الميم ، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة (وَوَجَدَ عِنْدَها) أي عند تلك العين (قَوْماً) كفارا لباسهم جلود الوحوش وطعامهم ما يلفظه البحر من السمك (قُلْنا) بإلهام : (يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) بالقتل (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) (٨٦) أي أمرا ذا حسن بأن تتركهم أحياء. (قالَ) أي ذو القرنين : (أَمَّا مَنْ
ظَلَمَ) نفسه باستمراره على الكفر (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) بالقتل بعد طول الدعاء إلى الإسلام (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ) في الآخرة (فَيُعَذِّبُهُ) فيها (عَذاباً نُكْراً) (٨٧) أي شديدا وهو عذاب النار (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ) بسبب دعوتي (وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى).
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب «جزاء» أي فله الجنة في الآخرة من جهة الجزاء. وقرأ الباقون برفعه والإضافة أي فله في الدارين جزاء الفعلة الحسنى التي هي الإيمان والعمل الصالح (وَسَنَقُولُ لَهُ) أي لمن آمن (مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) (٨٨) أي قولا سهلا مما نأمره به من الزكاة والخراج وغيرهما ولا نأمره بالصعب الشاق (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) (٨٩) أي ثم أخذ ذو القرنين طريقا نحو المشرق من جهة الجنوب (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) أي موضع طلوعها من معمورة الأرض (وَجَدَها) أي الشمس (تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ) هم الزنج (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها) أي الشمس (سِتْراً) (٩٠) من اللباس فيكونون عراة أبدا فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب أو البحر فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم (كَذلِكَ) أي أمر ذي القرنين فيهم كأمره في أهل المغرب فحكم في أهل المطلع كما حكم في أهل المغرب من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين (وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً) (٩١) أي وقد علمنا بما كان عند ذي القرنين من الخبر (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) (٩٢) أي ثم سلك ذو القرنين طريقا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا نحو الروم من الجنوب إلى الشمال (حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) أي بين الجبلين العاليين الأملسين فلا يستطاع الصعود عليهما في آخر بلاد الترك مما يلي المشرق ويسمى كل منهما سدا ، لأنه سد فجاج الأرض (وَجَدَ مِنْ دُونِهِما) أي من ورائهما مجاوزا عنهما (قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (٩٣) أي أمة من الناس لا يقربون يفهمون قول غيرهم لقلة فطنتهم ، وفي قراءة حمزة والكسائي ضم الياء وسكون الفاء وكسر القاف أي لا يفهمون الناس كلامهم لغرابة لغتهم وهم من أولاد يافث وذو القرنين من أولاد سام.
قال أهل التاريخ : أولاد نوح عليهالسلام ثلاثة : سام ، وحام ، ويافث. أما سام : فهو أبو العرب والعجم والروم. وأما حام : فهو أبو الحبشة والزنج والنوبة. وأما يافث : فهو أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج (قالُوا) لذي القرنين ـ بواسطة ترجمان ممن هو مجاورهم ، ويفهم كلامهم ، أو بغير ترجمان على أن فهم ذي القرنين كلامهم وإفهام كلامه إياهم من جملة ما أعطاه الله تعالى من الأسباب ـ : (يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي في أرضنا يأكلون كل شيء أخضر ، ويحملون كل شيء يابس ، ويقتلون أولادنا ؛ وسمى يأجوج ومأجوج لكثرتهم.
وروى حذيفة حديثا مرفوعا : «أن يأجوج أمة ومأجوج أمة فكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حملوا السلاح وهم من ولد آدم يسيرون إلى
خراب الدنيا وهم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال شجر الصنوبر طوله عشرون ومائة ذراع في السماء ، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد ، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً).
وفي قراءة حمزة والكسائي بفتح الراء مع مده ، والباقين بسكون الراء فقيل : الخرج. ما كان على كل رأس. والخراج : ما كان على البلد ، وقيل : الخرج ما كان بالتبرع. والخراج : ما يلزم أداؤه. (عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ) أي يأجوج ومأجوج (سَدًّا) (٩٤) أي حاجزا بين هذين الجبلين فلا يصلون إلينا (قالَ) ذو القرنين : (ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) أي ما جعلني فيه ربي قادرا من المال الكثير والملك الواسع وسائر الأسباب خير مما تعرضون علي من الجعل فلا حاجة بي إليه. وقرأ ابن كثير «مكنني» بفك الإدغام (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي بآلات الحدادين وبصناع يحسنون البناء والعمل (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (٩٥) أي حاجزا حصينا وبرزخا متينا وهو أكبر من السد وأوثق (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) بمد الهمزة أي أعطوني قطع الحديد الكبيرة. وقرأ حمزة «ائتوني» بوصل الهمزة في الموضعين ، ووافقه أبو بكر هنا وخالفه في الموضع الثاني ، والمعنى جيئوني بزبر الحديد ، فـ «زبر» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض وحفر ذو القرنين الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب ، والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما وكان طوله مائة فرسخ (حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي بين طرفي الجبلين بالبناء أي إنهم جاءوا ذا القرنين بزبر الحديد فشرع يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساويا لها في السمك وكان ارتفاعه مائتي ذراع وعرضه خمسين ذراعا ووضع المنافخ والنار حول ذلك (قالَ) للعملة : (انْفُخُوا) بالكيران في الحديد المبني فنفخوا (حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً) أي إذا جعل الحديد مثل النار (قالَ) للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة ونحوها : (آتُونِي) أي أعطوني نحاسا مذابا (أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) (٩٦) أي أصب على الحديد المحمى نحاسا مذابا فأفرغه عليه فدخل مكان الحطب والفحم فامتزج بالحديد والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا وهذه كرامة عظيمة حيث صرف الله تأثير الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين والمفرغين للقطر (فَمَا اسْطاعُوا) بحذف تاء بعد السين أي فلم يقدر يأجوج ومأجوج (أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي أن يعلوا ظهر الجبل لارتفاعه وملاسته (وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) (٩٧) أي خرقا من أسفله لصلابته وثخنه ، لأنه كان خمسين ذراعا وكان ارتفاعه مائتي ذراع وكان طول السد على وجه الأرض مائة فرسخ ومسيرة الفرسخ ساعة ونصف ، فتكون مسيرة السد مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما ونصف (قالَ) أي ذو القرنين لمن عنده : (هذا) السد
(رَحْمَةٌ) أي نعمة عظيمة (مِنْ رَبِّي) على جميع الخلق (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي) أي وقت وعد ربي بخروج يأجوج ومأجوج (جَعَلَهُ) أي هذا السد (دَكَّاءَ) بالمد أي أرضا مستوية. وقرئ «دكا» أي مكسورا حتى يصير ترابا (وَكانَ وَعْدُ رَبِّي) بخروجهم وقت قرب الساعة (حَقًّا) (٩٨) أي صدقا (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي صيرنا بعض يأجوج ومأجوج يوم خروجهم من السد يختلط ببعضهم الآخر من شدة الازدحام عند خروجهم لكثرتهم ، وذلك عقب موت الدجال فينحاز عيسى بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم.
روي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ولا يصلون إلى من تحصن منهم بورد أو ذكر ويحبس نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار فيتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء فيسلط الله تعالى دودا في أنوفهم أو آذانهم فيموتون به ، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلّا ملأه رممهم ونتنهم ، فيتوجه نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل سبحانه وتعالى عليهم طيرا فتلقيهم في البحر ، ثم يرسل مطرا يغسل الأرض حتى تصير كالمرآة ، ثم يقال للأرض : أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الغنم والإبل حتى إن اللقحة لتكفي الجماعة الكثيرة فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى عليهم ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) نفخة ثانية للبعث (فَجَمَعْناهُمْ) أي يأجوج ومأجوج وغيرهم (جَمْعاً) (٩٩) أي جمعا عجيبا بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء (وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً) (١٠٠) أي أظهرناها لهم مع قربهم منها يوم إذ جمعنا الخلائق كافة إظهارا هائلا فذلك يجري مجرى عقابهم لحصول الغم العظيم بسبب رؤيتها وسماعها تغيظا وزفيرا (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ) أي أعين قلوبهم في الدنيا (فِي غِطاءٍ) أي غشاوة كثيفة (عَنْ ذِكْرِي) على وجه يليق بشأني وعن كتابي فلا يهتدون به (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) (١٠١) إلى قراءة القرآن فلا يؤمنون به. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي كفروا بي مع جلالة شأني فظنوا (أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي) من الملائكة وعيسى وعزير (أَوْلِياءَ) أي معبودين ينصرونهم من عذابي. والمعنى أفظنوا أنهم ينتفعون بمن عبدوه من عبادي مع إعراضهم عن تدبر الآيات السمعية والمشاهدة.
وقرأ أبو بكر «أ فحسب الذين كفروا» بسكون السين ورفع الباء ، وذكر أنه قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أي أفكافيهم اتخاذهم ذلك من دون طاعتي (إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً) (١٠٢) أي منزلا (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) (١٠٣) في الآخرة (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ) أي بطل عملهم
(فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) متعلق بسعيهم لا بضل وذلك كالعتق ، والوقف ، وإغاثة الملهوف ، لأن الكفر لا تنفع معه طاعة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ) أي والحال أنهم يظنون (أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (١٠٤) أي يحسنون في أعمالهم بالإتيان بها على وجه اللائق ويحسبون أنهم ينتفعون بآثارها. قيل : المراد بهم أهل الكتابين. وقيل : الرهبانية الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على الرياضات الشاقة وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل ، وهو أولى من كونها حالا من المضاف إليه (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي بدلائله الداعية إلى توحيده عقلا ونقلا (وَلِقائِهِ) أي وكفروا بالبعث بعد الموت وبرؤيته تعالى في الآخرة (فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي بطلت لإنكارهم الدلائل (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) (١٠٥) أي فلا نجعل لمن حبطت أعمالهم حبوطا كليا يوم القيامة قدر إبل نزدري بهم فليس لهم عندنا قيمة أصلا ولا يوزن من خيراتهم قدر ذرة (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ) أي ذلك الذي ذكرناه من أنواع الوعيد هو جزاؤهم (جَهَنَّمُ) عطف بيان للخبر (بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي) الدالة على وحدانيتي (وَرُسُلِي) المؤيدين بالمعجزات (هُزُواً) (١٠٦) أي مهزوءا بهما (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بآيات ربهم ولقائه (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) من الأعمال (كانَتْ لَهُمْ) فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (١٠٧) أي منزلا خبر كانت ولهم متعلق بمحذوف حال من نزلا (خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً) (١٠٨) أي لا يطلبون تحولا إلى غيرها وهذا يدل على غاية الكمال فلا مزيد عليها في خيرات الجنة حتى يريد أشياء غيرها ، فإن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة كانت من السعادات فهو طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها.
وعن كعب أنه قال : ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام ، والفردوس أعلاها. وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإن فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي) أي قل يا أشرف الخلق لو كان ماء البحر مداد التحرير كلمات علم ربي وحكمته لنفد البحر مع كثرته في كتابتها ولم يبق منه شيء لتناهيه من غير أن تنفد كلمات ربي لعدم تناهيها.
وقرأ حمزة والكسائي «ينفد» بالياء التحتية. (وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ) أي بمثل ماء البحر (مَدَداً) (١٠٩) أي زيادة لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي. وقيل : هنا بمعنى غير ، أو بمعنى دون.
وروي أن حيي بن أخطب قال : في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، ثم تقرأون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فنزلت هذه الآية أي إن ذلك الحكمة خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله ثم أمر الله تعالى سيدنا محمدا صلىاللهعليهوسلم بأن يسلك طريقة التواضع فقال : (قُلْ) لهم بعد ما بينت لهم شأن كلماته تعالى : (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لا أدعي الإحاطة بكلماته تعالى التامة
(يُوحى إِلَيَ) من تلك الكلمات. (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) لا شريك له في الخلق ولا في سائر أحكام الألوهية وإنما تميزت عنكم بذلك الوحي ، (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ) أي فمن استمر على رجاء كرامته تعالى (فَلْيَعْمَلْ) لتحصيل تلك الطلبة العزيزة (عَمَلاً صالِحاً) لائقا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات (وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) إشراكا جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهل الرياء.
روي أن جندب بن زهير العامري قال لرسول صلىاللهعليهوسلم : إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال صلىاللهعليهوسلم : «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» (١). فنزلت هذه الآية تصديقا له وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال له : «لك أجران أجر السر وأجر العلانية» (٢).
فالرواية الأولى : محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.
والرواية الثانية : محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به. والمقام الأول مقام المبتدئين والمقام الثاني مقام الكاملين. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين آمين.
(تم الجزء الأول من تفسير مراح لبيد. ويليه الجزء الثاني أوله سورة مريم)
__________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨ : ١٦٥) «بما معناه».
(٢) رواه ابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : الثناء الحسن ، والترمذي في كتاب الزهد ، باب : ٤٩.
الفهرس
|
المقدمة |
٣ |
الآيات ١١٦ ـ ١١٨ |
٤١ |
|
ترجمة المؤلف |
٤ |
الآيات ١١٩ ـ ١٢١ |
٤٢ |
|
خطبة المؤلف |
٥ |
الآيات ١٢٢ ـ ١٢٥ |
٤٣ |
|
سورة الفاتحة |
٧ |
الآية ١٢٦ |
٤٤ |
|
الآيات ١ ـ ٤ |
٧ |
الآيات ١٢٧ ـ ١٢٩ |
٤٥ |
|
الآيات ٥ ـ ٧ |
٨ |
الآيات ١٣٠ ـ ١٣٢ |
٤٦ |
|
سورة البقرة |
٩ |
الآيات ١٣٣ ـ ١٣٦ |
٤٧ |
|
الآيات ١ ـ ٧ |
٩ |
الآيات ١٣٧ ـ ١٤٠ |
٤٨ |
|
الآيات ٨ ـ ١٣ |
١٠ |
الآيات ١٤١ ـ ١٤٣ |
٤٩ |
|
الآيات ١٤ ـ ١٩ |
١١ |
الآيتان ١٤٤ ـ ١٤٥ |
٥٠ |
|
الآيات ٢٠ ـ ٢٣ |
١٢ |
الآيات ١٤٦ ـ ١٥٠ |
٥١ |
|
الآيات ٢٤ ـ ٢٦ |
١٣ |
الآيات ١٥١ ـ ١٥٤ |
٥٢ |
|
الآيات ٢٧ ـ ٣٠ |
١٤ |
الآيات ١٥٥ ـ ١٦١ |
٥٣ |
|
الآيات ٣١ ـ ٣٣ |
١٥ |
الآيات ١٦٢ ـ ١٦٤ |
٥٤ |
|
الآيات ٣٤ ـ ٣٦ |
١٦ |
الآيات ١٦٥ ـ ١٦٧ |
٥٥ |
|
الآيات ٣٧ ـ ٤٠ |
١٧ |
الآيات ١٦٨ ـ ١٧٣ |
٥٦ |
|
الآيات ٤١ ـ ٤٤ |
١٨ |
الآيات ١٧٤ ـ ١٧٧ |
٥٧ |
|
الآيات ٤٥ ـ ٤٩ |
١٩ |
الآية ١٧٨ |
٥٨ |
|
الآيتان ٥٠ ـ ٥١ |
٢٠ |
الآيات ١٧٩ ـ ١٨٣ |
٥٩ |
|
الآيات ٥٢ ـ ٥٤ |
٢١ |
الآية ١٨٤ |
٦٠ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٧ |
٢٢ |
الآيتان ١٨٥ ـ ١٨٦ |
٦١ |
|
الآيات ٥٨ ـ ٦٠ |
٢٣ |
الآية ١٨٧ ٦٢ الآية ١٨٨ |
٦٣ |
|
الآيات ٦١ ـ ٦٢ |
٢٤ |
الآيات ١٨٩ ـ ١٩١ |
٦٤ |
|
الآيات ٦٣ ـ ٦٧ |
٢٥ |
الآيات ١٩٢ ـ ١٩٦ |
٦٥ |
|
الآيات ٦٨ ـ ٧١ |
٢٦ |
الآية ١٩٦ |
٦٦ |
|
الآيات ٧٢ ـ ٧٤ |
٢٧ |
الآيات ١٩٧ ـ ١٩٩ |
٦٧ |
|
الآيات ٧٥ ـ ٧٩ |
٢٨ |
الآيات ٢٠٠ ـ ٢٠٥ |
٦٨ |
|
الآيات ٨٠ ـ ٨٣ |
٢٩ |
الآيات ٢٠٦ ـ ٢١٠ |
٦٩ |
|
الآيتان ٨٤ ـ ٨٥ |
٣٠ |
الآية ٢١١ |
٧٠ |
|
الآيات ٨٦ ـ ٨٩ |
٣١ |
الآيات ٢١٢ ـ ٢١٤ |
٧١ |
|
الآيتان ٩٠ ـ ٩١ |
٣٢ |
الآيتان ٢١٥ ـ ٢١٦ |
٧٢ |
|
الآيات ٩٢ ـ ٩٦ |
٣٣ |
الآية ٢١٧ |
٧٣ |
|
الآيتان ٩٧ ـ ٩٨ |
٣٤ |
الآيتان ٢١٨ ـ ٢١٩ |
٧٤ |
|
الآيات ٩٩ ـ ١٠١ |
٣٥ |
الآيات ٢٢٠ ـ ٢٢١ |
٧٥ |
|
الآية ١٠٢ |
٣٦ |
الآية ٢٢٢ |
٧٦ |
|
الآيات ١٠٣ ـ ١٠٥ |
٣٧ |
الآية ٢٢٣ |
٧٧ |
|
الآيات ١٠٦ ـ ١٠٩ |
٣٨ |
الآيات ٢٢٤ ـ ٢٢٨ |
٧٨ |
|
الآيات ١١٠ ـ ١١٣ |
٣٩ |
الآية ٢٢٩ |
٧٩ |
|
الآيتان ١١٤ ـ ١١٥ |
٤٠ |
|
|
|
الآية ٢٣٠ |
٨٠ |
الآية ٣٧ |
١٢٣ |
|
الآيتان ٢٣١ ـ ٢٣٢ |
٨١ |
الآيات ٣٨ ـ ٤٢ |
١٢٤ |
|
الآية ٢٣٣ |
٨٢ |
الآيات ٤٣ ـ ٤٨ |
١٢٥ |
|
الآيتان ٢٣٤ ـ ٢٣٥ |
٨٣ |
الآيتان ٤٩ ـ ٥٠ |
١٢٦ |
|
الآيات ٢٣٦ ـ ٢٣٨ |
٨٤ |
الآيتان ٥١ ـ ٥٢ |
١٢٧ |
|
الآيتان ٢٣٩ ـ ٢٤٠ |
٨٥ |
الآيات ٥٣ ـ ٥٥ |
١٢٨ |
|
الآيات ٢٤١ ـ ٢٤٣ |
٨٦ |
الآيات ٥٦ ـ ٦٠ |
١٢٩ |
|
الآيتان ٢٤٤ ـ ٢٤٥ |
٨٧ |
الآيتان ٦١ ـ ٦٢ |
١٣٠ |
|
الآية ٢٤٦ |
٨٨ |
الآيتان ٦٣ ـ ٦٤ |
١٣١ |
|
الآيتان ٢٤٧ ـ ٢٤٨ |
٨٩ |
الآيات ٦٥ ـ ٧٠ |
١٣٢ |
|
الآية ٢٤٩ |
٩٠ |
الآيات ٧١ ـ ٧٣ |
١٣٣ |
|
الآيتان ٢٥٠ ـ ٢٥١ |
٩١ |
الآيات ٧٤ ـ ٧٦ |
١٣٤ |
|
الآيتان ٢٥٢ ـ ٢٥٣ |
٩٢ |
الآيتان ٧٧ ـ ٧٨ |
١٣٥ |
|
الآيتان ٢٥٤ ـ ٢٥٥ |
٩٣ |
الآيتان ٧٩ ـ ٨٠ |
١٣٦ |
|
الآيات ٢٥٦ ـ ٢٥٨ |
٩٤ |
الآية ٨١ |
١٣٧ |
|
الآية ٢٥٩ |
٩٥ |
الآيتان ٨٢ ـ ٨٣ |
١٣٨ |
|
الآية ٢٦٠ |
٩٦ |
الآيات ٨٤ ـ ٨٩ |
١٣٩ |
|
الآيتان ٢٦١ ـ ٢٦٢ |
٩٧ |
الآيات ٩٠ ـ ٩٣ |
١٤٠ |
|
الآيات ٢٦٣ ـ ٢٦٥ |
٩٨ |
الآيات ٩٤ ـ ٩٦ |
١٤١ |
|
الآيات ٢٦٦ ـ ٢٦٨ |
٩٩ |
الآيات ٩٧ ـ ٩٩ |
١٤٢ |
|
الآيات ٢٦٩ ـ ٢٧٢ |
١٠٠ |
الآيات ١٠٠ ـ ١٠٢ |
١٤٣ |
|
الآيتان ٢٧٣ ـ ٢٧٤ |
١٠١ |
الآيتان ١٠٤ ـ ١٠٥ |
١٤٤ |
|
الآيتان ٢٧٥ ـ ٢٧٦ |
١٠٢ |
الآيات ١٠٦ ـ ١١١ |
١٤٥ |
|
الآيات ٢٧٧ ـ ٢٨٢ |
١٠٣ |
الآيتان ١١٢ ـ ١١٣ |
١٤٦ |
|
الآية ٢٨٢ |
١٠٤ |
الآيتان ١١٤ ـ ١١٥ |
١٤٧ |
|
الآية ٢٨٢ |
١٠٥ |
الآيات ١١٦ ـ ١١٩ |
١٤٨ |
|
الآيتان ٢٨٣ ـ ٢٨٤ |
١٠٦ |
الآيتان ١٢٠ ـ ١٢١ |
١٤٩ |
|
الآيتان ٢٨٥ ـ ٢٨٦ |
١٠٧ |
الآية ١٢٢ |
١٥٠ |
|
الآية ٢٨٦ |
١٠٨ |
الآيات ١٢٣ ـ ١٢٨ |
١٥١ |
|
سورة آل عمران |
١٠٩ |
الآيتان ١٢٩ ـ ١٣٠ |
١٥٢ |
|
الآيتان ١ ـ ٢ |
١٠٩ |
الآيات ١٣١ ـ ١٣٤ |
١٥٣ |
|
الآيات ٣ ـ ٦ |
١١٠ |
الآية ١٣٥ |
١٥٤ |
|
الآية ٧ |
١١١ |
الآيات ١٣٦ ـ ١٤٠ |
١٥٥ |
|
الآية ٧ |
١١٢ |
الآيات ١٤١ ـ ١٤٣ |
١٥٦ |
|
الآيات ٨ ـ ١١ |
١١٣ |
الآية ١٤٤ |
١٥٧ |
|
الآيتان ١٢ ـ ١٣ |
١١٤ |
الآيتان ١٤٥ ـ ١٤٦ |
١٥٨ |
|
الآيات ١٤ ـ ١٦ |
١١٥ |
الآيات ١٤٧ ـ ١٥١ |
١٥٩ |
|
الآيات ١٧ ـ ١٩ |
١١٦ |
الآيتان ١٥٢ ـ ١٥٣ |
١٦٠ |
|
الآية ٢٠ |
١١٧ |
الآية ١٥٤ |
١٦١ |
|
الآيات ٢١ ـ ٢٣ |
١١٨ |
الآيات ١٥٥ ـ ١٥٨ |
١٦٢ |
|
الآيتان ٢٤ ـ ٢٥ |
١١٩ |
الآيتان ١٥٩ ـ ١٦٠ |
١٦٣ |
|
الآيات ٢٦ ـ ٢٨ |
١٢٠ |
الآيات ١٦١ ـ ١٦٤ |
١٦٤ |
|
الآيات ٢٩ ـ ٣١ |
١٢١ |
الآيات ١٦٥ ـ ١٦٧ |
١٦٥ |
|
الآيات ٣٢ ـ ٣٦ |
١٢٢ |
الآيات ١٦٨ ـ ١٧٢ |
١٦٦ |
|
الآيات ١٧٣ ـ ١٧٥ |
١٦٧ |
الآيات ٧٤ ـ ٧٧ |
٢١٠ |
|
الآيات ١٧٦ ـ ١٧٨ |
١٦٨ |
الآية ٧٨ |
٢١١ |
|
الآيتان ١٧٩ ـ ١٨٠ |
١٦٩ |
الآيتان ٧٩ ـ ٨٠ |
٢١٢ |
|
الآيات ١٨١ ـ ١٨٣ |
١٧٠ |
الآيات ٨١ ـ ٨٤ |
٢١٣ |
|
الآيتان ١٨٤ ـ ١٨٥ |
١٧١ |
الآيتان ٨٥ ـ ٨٦ |
٢١٤ |
|
الآيتان ١٨٦ ـ ١٨٧ |
١٧٢ |
الآيتان ٨٧ ـ ٨٨ |
٢١٥ |
|
الآية ١٨٨ |
١٧٣ |
الآيتان ٨٩ ـ ٩٠ |
٢١٦ |
|
الآيات ١٨٩ ـ ١٩١ |
١٧٤ |
الآيتان ٩١ ـ ٩٢ |
٢١٧ |
|
الآية ١٩١ |
١٧٥ |
الآية ٩٢ |
٢١٨ |
|
الآيات ١٩٢ ـ ١٩٤ |
١٧٦ |
الآيتان ٩٣ ـ ٩٤ |
٢١٩ |
|
الآيتان ١٩٥ ـ ١٩٦ |
١٧٧ |
الآيتان ٩٥ ـ ٩٦ |
٢٢٠ |
|
الآيات ١٩٧ ـ ٢٠٠ |
١٧٨ |
الآيتان ٩٧ ـ ٩٨ |
٢٢١ |
|
الآية ٢٠٠ |
١٧٩ |
الآيات ٩٩ ـ ١٠١ |
٢٢٢ |
|
سورة النساء |
١٨٠ |
الآية ١٠٢ |
٢٢٣ |
|
الآية ١ |
١٨٠ |
الآيات ١٠٣ ـ ١٠٥ |
٢٢٤ |
|
الآيتان ٢ ـ ٣ |
١٨١ |
الآيات ١٠٦ ـ ١٠٩ |
٢٢٥ |
|
الآيات ٤ ـ ٦ |
١٨٢ |
الآيات ١١٠ ـ ١١٤ |
٢٢٦ |
|
الآيتان ٦ ـ ٧ |
١٨٣ |
الآيات ١١٥ ـ ١١٧ |
٢٢٧ |
|
الآيات ٨ ـ ١٠ |
١٨٤ |
الآيتان ١١٨ ـ ١١٩ |
٢٢٨ |
|
الآية ١١ ١٨٥ الآية ١٢ |
١٨٦ |
الآيات ١٢٠ ـ ١٢٣ |
٢٢٩ |
|
الآيات ١٣ ـ ١٦ |
١٨٧ |
الآيتان ١٢٤ ـ ١٢٥ |
٢٣٠ |
|
الآيات ١٧ ـ ١٩ |
١٨٨ |
الآيتان ١٢٦ ـ ١٢٧ |
٢٣١ |
|
الآيتان ٢٠ ـ ٢١ |
١٨٩ |
الآيتان ١٢٨ ـ ١٢٩ |
٢٣٢ |
|
الآيتان ٢٢ ـ ٢٣ |
١٩٠ |
الآيات ١٣٠ ـ ١٣٤ |
٢٣٣ |
|
الآية ٢٤ |
١٩١ |
الآيات ١٣٥ ـ ١٣٧ |
٢٣٤ |
|
الآية ٢٥ |
١٩٢ |
الآيات ١٣٨ ـ ١٤١ |
٢٣٥ |
|
الآيات ٢٦ ـ ٢٩ |
١٩٣ |
الآية ١٤٢ |
٢٣٦ |
|
الآيات ٣٠ ـ ٣٢ |
١٩٤ |
الآيات ١٤٣ ـ ١٤٧ |
٢٣٧ |
|
الآيتان ٣٣ ـ ٣٤ |
١٩٥ |
الآيات ١٤٨ ـ ١٥٠ |
٢٣٨ |
|
الآيتان ٣٥ ـ ٣٦ |
١٩٦ |
الآيات ١٥١ ـ ١٥٥ |
٢٣٩ |
|
الآيتان ٣٧ ـ ٣٨ |
١٩٧ |
الآيتان ١٥٦ ـ ١٥٧ |
٢٤٠ |
|
الآيتان ٣٩ ـ ٤٠ |
١٩٨ |
الآيات ١٥٨ ـ ١٦٢ |
٢٤١ |
|
الآيات ٤١ ـ ٤٤ |
١٩٩ |
الآيات ١٦٣ ـ ١٦٥ |
٢٤٢ |
|
الآيات ٤٥ ـ ٤٧ |
٢٠٠ |
الآيات ١٦٦ ـ ١٧٠ |
٢٤٣ |
|
الآيات ٤٨ ـ ٥٠ |
٢٠١ |
الآية ١٧١ |
٢٤٤ |
|
الآيات ٥١ ـ ٥٤ |
٢٠٢ |
الآية ١٧٢ |
٢٤٥ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٨ |
٢٠٣ |
الآيات ١٧٣ ـ ١٧٦ |
٢٤٦ |
|
الآية ٥٩ |
٢٠٤ |
الآية ١٧٦ |
٢٤٧ |
|
الآية ٦٠ |
٢٠٥ |
سورة المائدة |
٢٤٨ |
|
الآيات ٦١ ـ ٦٤ |
٢٠٦ |
الآيتان ١ ـ ٢ |
٢٤٨ |
|
الآيات ٦٥ ـ ٦٧ |
٢٠٧ |
الآيتان ٢ ـ ٣ |
٢٤٩ |
|
الآيتان ٦٨ ـ ٦٩ |
٢٠٨ |
الآية ٣ |
٢٥٠ |
|
الآيات ٧٠ ـ ٧٣ |
٢٠٩ |
الآية ٤ |
٢٥١ |
|
|
|
الآية ٥ |
٢٥٢ |
|
الآية ٦ |
٢٥٣ |
الآيتان ١٠٤ ـ ١٠٥ |
٢٩٨ |
|
الآية ٦ |
٢٥٤ |
الآيتان ١٠٦ ـ ١٠٧ |
٢٩٩ |
|
الآيات ٧ ـ ١١ |
٢٥٥ |
الآيتان ١٠٨ ـ ١٠٩ |
٣٠٠ |
|
الآية ١١ |
٢٥٦ |
الآية ١١٠ |
٣٠١ |
|
الآيتان ١٢ ـ ١٣ |
٢٥٧ |
الآيات ١١١ ـ ١١٤ |
٣٠٢ |
|
الآيات ١٤ ـ ١٧ |
٢٥٨ |
الآيتان ١١٥ ـ ١١٦ |
٣٠٣ |
|
الآيتان ١٨ ـ ١٩ |
٢٥٩ |
الآيات ١١٧ ـ ١٢٠ |
٣٠٤ |
|
الآيتان ٢٠ ـ ٢١ |
٢٦٠ |
سورة الأنعام |
٣٠٥ |
|
الآيات ٢٢ ـ ٢٦ |
٢٦١ |
الآية ١ |
٣٠٥ |
|
الآية ٢٧ |
٢٦٢ |
الآية ٢ |
٣٠٦ |
|
الآيات ٢٨ ـ ٣٠ |
٢٦٣ |
الآيات ٣ ـ ٧ |
٣٠٧ |
|
الآيتان ٣١ ـ ٣٢ |
٢٦٤ |
الآيتان ٨ ـ ٩ |
٣٠٨ |
|
الآية ٣٣ |
٢٦٥ |
الآيات ١٠ ـ ١٤ |
٣٠٩ |
|
الآية ٣٤ |
٢٦٦ |
الآيات ١٥ ـ ١٨ |
٣١٠ |
|
الآيات ٣٥ ـ ٣٨ |
٢٦٧ |
الآيات ١٩ ـ ٢٢ |
٣١١ |
|
الآيات ٣٩ ـ ٤١ |
٢٦٨ |
الآيات ٢٣ ـ ٢٦ |
٣١٢ |
|
الآيتان ٤٢ ـ ٤٣ |
٢٦٩ |
الآيات ٢٧ ـ ٣٠ |
٣١٣ |
|
الآية ٤٤ |
٢٧٠ |
الآيات ٣١ ـ ٣٣ |
٣١٤ |
|
الآية ٤٥ |
٢٧١ |
الآيتان ٣٤ ـ ٣٥ |
٣١٥ |
|
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٢٧٢ |
الآيات ٣٦ ـ ٣٨ |
٣١٦ |
|
الآية ٤٩ |
٢٧٣ |
الآية ٣٨ |
٣١٧ |
|
الآيتان ٥٠ ـ ٥١ |
٢٧٤ |
الآيات ٣٩ ـ ٤٥ |
٣١٨ |
|
الآيتان ٥٢ ـ ٥٣ |
٢٧٥ |
الآيات ٤٦ ـ ٥٠ |
٣١٩ |
|
الآية ٥٤ |
٢٧٦ |
الآيتان ٥١ ـ ٥٢ |
٣٢٠ |
|
الآية ٥٤ |
٢٧٧ |
الآيات ٥٣ ـ ٥٥ |
٣٢١ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٨ |
٢٧٨ |
الآيات ٥٦ ـ ٥٩ |
٣٢٢ |
|
الآيتان ٥٩ ـ ٦٠ |
٢٧٩ |
الآيتان ٦٠ ـ ٦١ |
٣٢٣ |
|
الآيات ٦١ ـ ٦٣ |
٢٨٠ |
الآيتان ٦٢ ـ ٦٣ |
٣٢٤ |
|
الآية ٦٤ |
٢٨١ |
الآيات ٦٤ ـ ٧٠ |
٣٢٥ |
|
الآيات ٦٥ ـ ٦٧ |
٢٨٢ |
الآيتان ٧١ ـ ٧٢ |
٣٢٦ |
|
الآيات ٦٨ ـ ٧٠ |
٢٨٣ |
الآيات ٧٣ ـ ٧٥ |
٣٢٧ |
|
الآيتان ٧١ ـ ٧٢ |
٢٨٤ |
الآيات ٧٦ ـ ٨٠ |
٣٢٨ |
|
الآيتان ٧٣ ـ ٧٤ |
٢٨٥ |
الآيات ٨١ ـ ٨٣ |
٣٢٩ |
|
الآيات ٧٥ ـ ٧٨ |
٢٨٦ |
الآيات ٨٤ ـ ٨٦ |
٣٣٠ |
|
الآيات ٧٩ ـ ٨١ |
٢٨٧ |
الآيات ٨٧ ـ ٩٠ |
٣٣١ |
|
الآيتان ٨٢ ـ ٨٣ |
٢٨٨ |
الآيتان ٩١ ـ ٩٢ |
٣٣٢ |
|
الآيات ٨٤ ـ ٨٧ |
٢٩٠ |
الآية ٩٣ |
٣٣٣ |
|
الآيتان ٨٨ ـ ٨٩ |
٢٩١ |
الآيتان ٩٤ ـ ٩٥ |
٣٣٤ |
|
الآيات ٩٠ ـ ٩٤ |
٢٩٢ |
الآيات ٩٦ ـ ٩٨ |
٣٣٥ |
|
الآية ٩٥ |
٢٩٣ |
الآيتان ٩٩ ـ ١٠٠ |
٣٣٦ |
|
الآية ٩٦ |
٢٩٤ |
الآية ١٠١ |
٣٣٧ |
|
الآيتان ٩٧ ـ ٩٨ |
٢٩٥ |
الآيتان ١٠٢ ـ ١٠٣ |
٣٣٨ |
|
الآيات ٩٩ ـ ١٠١ |
٢٩٦ |
الآيتان ١٠٤ ـ ١٠٥ |
٣٣٩ |
|
الآيتان ١٠٢ ـ ١٠٣ |
٢٩٧ |
الآيات ١٠٦ ـ ١٠٨ |
٣٤٠ |
|
الآيات ١٠٩ ـ ١١١ |
٣٤١ |
الآيات ٨٢ ـ ٨٥ |
٣٨٤ |
|
الآيات ١١٢ ـ ١١٤ |
٣٤٢ |
الآيات ٨٦ ـ ٨٩ |
٣٨٥ |
|
الآيات ١١٥ ـ ١١٨ |
٣٤٣ |
الآيات ٩٠ ـ ٩٥ |
٣٨٦ |
|
الآيات ١١٩ ـ ١٢١ |
٣٤٤ |
الآيات ٩٦ ـ ١٠١ |
٣٨٧ |
|
الآيتان ١٢٢ ـ ١٢٣ |
٣٤٥ |
الآيات ١٠٢ ـ ١٠٧ |
٣٨٨ |
|
الآيتان ١٢٤ ـ ١٢٥ |
٣٤٦ |
الآيات ١٠٨ ـ ١١٦ |
٣٨٩ |
|
الآيات ١٢٦ ـ ١٢٩ |
٣٤٧ |
الآيات ١١٧ ـ ١٢٢ |
٣٩٠ |
|
الآيات ١٣٠ ـ ١٣٤ |
٣٤٨ |
الآيات ١٢٣ ـ ١٢٧ |
٣٩١ |
|
الآيات ١٣٥ ـ ١٣٧ |
٣٤٩ |
الآيات ١٢٨ ـ ١٣١ |
٣٩٢ |
|
الآيات ١٣٨ ـ ١٤٠ |
٣٥٠ |
الآية ١٣٢ |
٣٩٣ |
|
الآيتان ١٤١ ـ ١٤٢ |
٣٥١ |
الآيات ١٣٣ ـ ١٣٨ |
٣٩٤ |
|
الآيات ١٤٣ ـ ١٤٥ |
٣٥٢ |
الآيات ١٣٩ ـ ١٤٢ |
٣٩٥ |
|
الآيات ١٤٦ ـ ١٤٨ |
٣٥٣ |
الآيات ١٤٣ ـ ١٤٥ |
٣٩٦ |
|
الآيات ١٤٩ ـ ١٥٢ |
٣٥٤ |
الآيات ١٤٦ ـ ١٤٨ |
٣٩٧ |
|
الآيتان ١٥٣ ـ ١٥٤ |
٣٥٥ |
الآيات ١٤٩ ـ ١٥١ |
٣٩٨ |
|
الآيات ١٥٥ ـ ١٥٨ |
٣٥٦ |
الآيات ١٥٢ ـ ١٥٥ |
٣٩٩ |
|
الآية ١٥٨ |
٣٥٧ |
الآيتان ١٥٦ ـ ١٥٧ |
٤٠٠ |
|
الآيتان ١٥٩ ـ ١٦٠ |
٣٥٨ |
الآية ١٥٨ |
٤٠١ |
|
الآيات ١٦١ ـ ١٦٤ |
٣٥٩ |
الآيتان ١٥٩ ـ ١٦٠ |
٤٠٢ |
|
الآية ١٦٥ |
٣٦٠ |
الآيتان ١٦١ ـ ١٦٢ |
٤٠٣ |
|
سورة الأعراف |
٣٦١ |
الآيات ١٦٣ ـ ١٦٦ |
٤٠٤ |
|
الآيات ١ ـ ٥ |
٣٦١ |
الآيات ١٦٧ ـ ١٧٠ |
٤٠٥ |
|
الآيات ٦ ـ ٩ |
٣٦٢ |
الآيتان ١٧١ ـ ١٧٢ |
٤٠٦ |
|
الآيات ١٠ ـ ١٦ |
٣٦٣ |
الآيات ١٧٣ ـ ١٧٥ |
٤٠٧ |
|
الآيتان ١٧ ـ ١٨ |
٣٦٤ |
الآيات ١٧٦ ـ ١٧٨ |
٤٠٨ |
|
الآيات ١٩ ـ ٢٢ |
٣٦٥ |
الآيات ١٧٩ ـ ١٨٢ |
٤٠٩ |
|
الآيات ٢٣ ـ ٢٦ |
٣٦٦ |
الآيات ١٨٣ ـ ١٨٧ |
٤١٠ |
|
الآيات ٢٧ ـ ٣٠ |
٣٦٧ |
الآيات ١٨٨ ـ ١٩٠ |
٤١١ |
|
الآيات ٣١ ـ ٣٣ |
٣٦٨ |
الآيات ١٩١ ـ ١٩٥ |
٤١٢ |
|
الآيات ٣٤ ـ ٣٨ |
٣٦٩ |
الآيات ١٩٦ ـ ٢٠٠ |
٤١٣ |
|
الآيات ٣٩ ـ ٤٢ |
٣٧٠ |
الآيات ٢٠١ ـ ٢٠٤ |
٤١٤ |
|
الآيات ٤٣ ـ ٤٥ |
٣٧١ |
الآيتان ٢٠٥ ـ ٢٠٦ |
٤١٥ |
|
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٣٧٢ |
سورة الأنفال |
٤١٦ |
|
الآيتان ٤٩ ـ ٥٠ |
٣٧٣ |
الآيات ١ ـ ٤ |
٤١٦ |
|
الآيات ٥١ ـ ٥٣ |
٣٧٤ |
الآيات ٥ ـ ٦ |
٤١٧ |
|
الآية ٥٤ |
٣٧٥ |
الآيات ٧ ـ ٩ |
٤١٨ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٧ |
٣٧٦ |
الآيات ١٠ ـ ١٢ |
٤١٩ |
|
الآية ٥٨ |
٣٧٧ |
الآيات ١٣ ـ ١٨ |
٤٢٠ |
|
الآيات ٥٩ ـ ٦٤ |
٣٧٨ |
الآيات ١٩ ـ ٢٣ |
٤٢١ |
|
الآيات ٦٥ ـ ٧٠ |
٣٧٩ |
الآيات ٢٤ ـ ٢٦ |
٤٢٢ |
|
الآيتان ٧١ ـ ٧٢ |
٣٨٠ |
لآيات ٢٧ ـ ٣٠ |
٤٢٣ |
|
الآيتان ٧٣ ـ ٧٤ |
٣٨١ |
الآيات ٣١ ـ ٣٣ |
٤٢٤ |
|
الآيات ٧٥ ـ ٧٨ |
٣٨٢ |
الآيات ٣٤ ـ ٣٧ |
٤٢٥ |
|
الآيات ٧٩ ـ ٨١ |
٣٨٣ |
الآيات ٣٨ ـ ٤١ |
٤٢٦ |
|
الآيات ٤٢ ـ ٤٥ |
٤٢٧ |
الآيتان ١١١ ـ ١١٢ |
٤٧٠ |
|
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٤٢٨ |
الآيتان ١١٣ ـ ١١٤ |
٤٧١ |
|
الآيات ٤٩ ـ ٥٣ |
٤٢٩ |
الآيتان ١١٥ ـ ١١٦ |
٤٧٢ |
|
الآيات ٥٤ ـ ٥٨ |
٤٣٠ |
الآيتان ١١٧ ـ ١١٨ |
٤٧٣ |
|
الآيات ٥٩ ـ ٦٣ |
٤٣١ |
الآيات ١١٩ ـ ١٢١ |
٤٧٤ |
|
الآيات ٦٤ ـ ٦٧ |
٤٣٢ |
الآيات ١٢٢ ـ ١٢٤ |
٤٧٥ |
|
الآيات ٦٨ ـ ٧٠ |
٤٣٣ |
الآيات ١٢٥ ـ ١٢٩ |
٤٧٦ |
|
الآيات ٧١ ـ ٧٣ |
٤٣٤ |
الآية ١٢٩ |
٤٧٧ |
|
الآيتان ٧٤ ـ ٧٥ |
٤٣٥ |
سورة يونس |
٤٧٨ |
|
سورة التوبة |
٤٣٦ |
الآيات ١ ـ ٣ |
٤٧٨ |
|
الآيتان ١ ـ ٢ |
٤٣٦ |
الآيات ٤ ـ ٦ |
٤٧٩ |
|
الآيات ٣ ـ ٦ |
٤٣٧ |
الآيات ٧ ـ ١٢ |
٤٨٠ |
|
الآيتان ٧ ـ ٨ |
٤٣٨ |
الآيات ١٣ ـ ١٥ |
٤٨١ |
|
الآيات ٩ ـ ١٤ |
٤٣٩ |
الآيات ١٦ ـ ١٩ |
٤٨٢ |
|
الآيات ١٥ ـ ١٧ |
٤٤٠ |
الآيات ٢٠ ـ ٢٣ |
٤٨٣ |
|
الآيات ١٨ ـ ٢١ |
٤٤١ |
الآيات ٢٤ ـ ٢٦ |
٤٨٤ |
|
الآيات ٢٢ ـ ٢٥ |
٤٤٢ |
الآيات ٢٧ ـ ٣١ |
٤٨٥ |
|
الآية ٢٦ |
٤٤٣ |
الآيات ٣٢ ـ ٣٦ |
٤٨٦ |
|
الآيات ٢٧ ـ ٢٩ |
٤٤٤ |
الآيات ٣٧ ـ ٤٤ |
٤٨٧ |
|
الآية ٣٠ |
٤٤٥ |
الآيات ٤٥ ـ ٥١ |
٤٨٨ |
|
الآيات ٣١ ـ ٣٣ |
٤٤٦ |
الآيات ٥٢ ـ ٥٨ |
٤٨٩ |
|
الآيات ٣٤ ـ ٣٦ |
٤٤٧ |
الآيات ٥٩ ـ ٦٤ |
٤٩٠ |
|
الآية ٣٧ |
٤٤٨ |
الآيات ٦٥ ـ ٧١ |
٤٩١ |
|
الآيات ٣٨ ـ ٤٠ |
٤٤٩ |
الآيات ٧٢ ـ ٧٨ |
٤٩٢ |
|
الآيتان ٤١ ـ ٤٢ |
٤٥٠ |
الآيات ٧٩ ـ ٨٤ |
٤٩٣ |
|
الآيات ٤٣ ـ ٤٨ |
٤٥١ |
الآيات ٨٥ ـ ٩٠ |
٤٩٤ |
|
الآيات ٤٩ ـ ٥٢ |
٤٥٢ |
الآيات ٩١ ـ ٩٤ |
٤٩٥ |
|
الآيات ٥٣ ـ ٥٥ |
٤٥٣ |
الآيات ٩٥ ـ ٩٩ |
٤٩٦ |
|
الآيات ٥٦ ـ ٦٠ |
٤٥٤ |
الآيات ١٠٠ ـ ١٠٦ |
٤٩٧ |
|
الآية ٦١ |
٤٥٥ |
الآيات ١٠٧ ـ ١٠٩ |
٤٩٨ |
|
الآيات ٦٢ ـ ٦٦ |
٤٥٦ |
سورة هود |
٤٩٩ |
|
الآيات ٦٧ ـ ٧٠ |
٤٥٧ |
الآيات ١ ـ ٥ |
٤٩٩ |
|
الآيات ٧١ ـ ٧٣ |
٤٥٨ |
الآيات ٦ ـ ٨ |
٥٠٠ |
|
الآية ٧٤ |
٤٥٩ |
الآيات ٩ ـ ١٤ |
٥٠١ |
|
الآيات ٧٥ ـ ٧٧ |
٤٦٠ |
الآيات ١٥ ـ ١٧ |
٥٠٢ |
|
الآيات ٧٨ ـ ٨١ |
٤٦١ |
الآيات ١٨ ـ ٢٠ |
٥٠٣ |
|
الآيات ٨٢ ـ ٨٤ |
٤٦٢ |
الآيات ٢١ ـ ٢٨ |
٥٠٤ |
|
الآيات ٨٥ ـ ٩٢ |
٤٦٣ |
الآيات ٢٩ ـ ٣١ |
٥٠٥ |
|
الآيات ٩٣ ـ ٩٧ |
٤٦٤ |
الآيات ٣٢ ـ ٣٨ |
٥٠٦ |
|
الآيات ٩٨ ـ ١٠٠ |
٤٦٥ |
الآيات ٣٩ ـ ٤١ |
٥٠٧ |
|
الآيات ١٠١ ـ ١٠٥ |
٤٦٦ |
الآيات ٤٢ ـ ٤٥ |
٥٠٨ |
|
الآية ١٠٦ |
٤٦٧ |
الآيات ٤٦ ـ ٥٢ |
٥٠٩ |
|
الآيتان ١٠٧ ـ ١٠٨ |
٤٦٨ |
الآيات ٥٣ ـ ٦١ |
٥١٠ |
|
الآيتان ١٠٩ ـ ١١٠ |
٤٦٩ |
الآيات ٦٢ ـ ٦٦ |
٥١١ |
|
الآيات ٦٧ ـ ٧١ |
٥١٢ |
الآيات ٥ ـ ٨ |
٥٥٤ |
|
الآيات ٧٢ ـ ٧٨ |
٥١٣ |
الآيات ٩ ـ ١٣ |
٥٥٥ |
|
الآيات ٧٩ ـ ٨٢ |
٥١٤ |
الآيات ١٤ ـ ١٦ |
٥٥٦ |
|
الآيات ٨٣ ـ ٨٨ |
٥١٥ |
الآيتان ١٧ ـ ١٨ |
٥٥٧ |
|
الآيات ٨٩ ـ ٩٣ |
٥١٦ |
الآيات ١٩ ـ ٢٣ |
٥٥٨ |
|
الآيات ٩٤ ـ ١٠١ |
٥١٧ |
الآيات ٢٤ ـ ٢٩ |
٥٥٩ |
|
الآيات ١٠٢ ـ ١٠٨ |
٥١٨ |
الآيتان ٣٠ ـ ٣١ |
٥٦٠ |
|
الآيات ١٠٩ ـ ١١٣ |
٥١٩ |
الآيات ٣٢ ـ ٣٥ |
٥٦١ |
|
الآيات ١١٤ ـ ١١٨ |
٥٢٠ |
الآيات ٣٦ ـ ٣٩ |
٥٦٢ |
|
الآيات ١١٩ ـ ١٢٣ |
٥٢١ |
الآية ٤٠ |
٥٦٣ |
|
سورة يوسف |
٥٢٢ |
الآيات ٤١ ـ ٤٣ |
٥٦٤ |
|
الآيات ١ ـ ٤ |
٥٢٢ |
سورة إبراهيم |
٥٦٥ |
|
الآيات ٥ ـ ٨ |
٥٢٣ |
الآيات ١ ـ ٤ |
٥٦٥ |
|
الآيات ٩ ـ ١٣ |
٥٢٤ |
الآيات ٥ ـ ٨ |
٥٦٦ |
|
الآيات ١٤ ـ ١٦ |
٥٢٥ |
الآيات ٩ ـ ١٢ |
٥٦٧ |
|
الآيات ١٧ ـ ١٩ |
٥٢٦ |
الآيات ١٣ ـ ٢١ |
٥٦٨ |
|
الآيتان ٢٠ ـ ٢١ |
٥٢٧ |
الآيات ٢٢ ـ ٢٥ |
٥٦٩ |
|
الآيات ٢٢ ـ ٢٤ |
٥٢٨ |
الآيات ٢٦ ـ ٢٨ |
٥٧٠ |
|
الآيتان ٢٥ ـ ٢٦ |
٥٢٩ |
الآيات ٢٩ ـ ٣٤ |
٥٧١ |
|
الآيات ٢٧ ـ ٢٩ |
٥٣٠ |
الآيات ٣٥ ـ ٤٠ |
٥٧٢ |
|
الآيتان ٣٠ ـ ٣١ |
٥٣١ |
الآيات ٤١ ـ ٤٥ |
٥٧٣ |
|
الآيات ٣٢ ـ ٣٦ |
٥٣٢ |
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٥٧٤ |
|
الآيات ٣٧ ـ ٣٩ |
٥٣٣ |
الآيات ٤٩ ـ ٥٢ |
٥٧٥ |
|
الآيات ٤٠ ـ ٤٢ |
٥٣٤ |
سورة الحجر |
٥٧٦ |
|
الآيات ٤٣ ـ ٤٧ |
٥٣٥ |
الآيات ١ ـ ٤ |
٥٧٦ |
|
الآيات ٤٨ ـ ٥١ |
٥٣٦ |
الآيات ٥ ـ ١٤ |
٥٧٧ |
|
الآيات ٥٢ ـ ٥٤ |
٥٣٧ |
الآيات ١٥ ـ ٢١ |
٥٧٨ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٦ |
٥٣٨ |
الآيات ٢٢ ـ ٢٨ |
٥٧٩ |
|
الآيات ٥٧ ـ ٥٩ |
٥٣٩ |
الآيات ٢٩ ـ ٤٢ |
٥٨٠ |
|
الآيات ٦٠ ـ ٦٤ |
٥٤٠ |
الآيات ٤٣ ـ ٥١ |
٥٨١ |
|
الآيات ٦٥ ـ ٦٨ |
٥٤١ |
الآيات ٥٢ ـ ٦٣ |
٥٨٢ |
|
الآيات ٦٩ ـ ٧٣ |
٥٤٢ |
الآيات ٦٤ ـ ٧٩ |
٥٨٣ |
|
الآيات ٧٤ ـ ٧٨ |
٥٤٣ |
الآيات ٨٠ ـ ٨٧ |
٥٨٤ |
|
الآيات ٧٩ ـ ٨٢ |
٥٤٤ |
الآيات ٨٩ ـ ٩٩ |
٥٨٥ |
|
الآيات ٨٣ ـ ٨٧ |
٥٤٥ |
سورة النحل |
٥٨٦ |
|
الآيات ٨٨ ـ ٩٢ |
٥٤٦ |
الآيتان ١ ـ ٢ |
٥٨٦ |
|
الآيات ٩٣ ـ ٩٨ |
٥٤٧ |
الآيات ٣ ـ ٨ |
٥٨٧ |
|
الآيات ٩٩ ـ ١٠٠ |
٥٤٨ |
الآيات ٩ ـ ١٤ |
٥٨٨ |
|
الآيات ١٠١ ـ ١٠٣ |
٥٤٩ |
الآيات ١٥ ـ ١٩ |
٥٨٩ |
|
الآيات ١٠٤ ـ ١٠٩ |
٥٥٠ |
الآيات ٢٠ ـ ٢٦ |
٥٩٠ |
|
الآيتان ١١٠ ـ ١١١ |
٥٥١ |
الآيات ٢٧ ـ ٣١ |
٥٩١ |
|
سورة الرعد |
٥٥٢ |
الآيات ٣٢ ـ ٣٦ |
٥٩٢ |
|
الآيتان ١ ـ ٢ |
٥٥٢ |
الآيات ٣٧ ـ ٤١ |
٥٩٣ |
|
الآيتان ٣ ـ ٤ |
٥٥٣ |
الآيات ٤٢ ـ ٤٥ |
٥٩٤ |
|
الآيات ٤٦ ـ ٥٢ |
٥٩٥ |
الآيات ٦١ ـ ٦٧ |
٦٣١ |
|
الآيات ٥٣ ـ ٥٩ |
٥٩٦ |
الآيات ٦٨ ـ ٧٢ |
٦٣٢ |
|
الآيات ٦٠ ـ ٦٥ |
٥٩٧ |
الآيات ٧٣ ـ ٧٧ |
٦٣٣ |
|
الآيات ٦٦ ـ ٦٩ |
٥٩٨ |
٦٣٣ الآيات ٧٨ ـ ٨٠ |
٦٣٤ |
|
الآيتان ٧٠ ـ ٧١ |
٥٩٩ |
الآيات ٨١ ـ ٨٥ |
٦٣٥ |
|
الآيات ٧٢ ـ ٧٥ |
٦٠٠ |
الآيات ٨٦ ـ ٩٣ |
٦٣٦ |
|
الآيات ٧٦ ـ ٧٨ |
٦٠١ |
الآيات ٩٤ ـ ٩٧ |
٦٣٧ |
|
الآيات ٧٩ ـ ٨٣ |
٦٠٢ |
الآيات ٩٨ ـ ١٠٥ |
٦٣٨ |
|
الآيات ٨٤ ـ ٩٠ |
٦٠٣ |
الآيات ١٠٦ ـ ١١٠ |
٦٣٩ |
|
الآية ٩٠ |
٦٠٤ |
الآية ١١١ |
٦٤٠ |
|
الآيات ٩١ ـ ٩٣ |
٦٠٥ |
سورة الكهف |
٦٤١ |
|
الآيات ٩٤ ـ ٩٩ |
٦٠٦ |
الآيات ١ ـ ٧ |
٦٤١ |
|
الآيات ١٠٠ ـ ١٠٣ |
٦٠٧ |
الآيات ٨ ـ ١٤ |
٦٤٢ |
|
الآيات ١٠٤ ـ ١١٠ |
٦٠٨ |
الآيات ١٥ ـ ١٨ |
٦٤٣ |
|
الآيتان ١١١ ـ ١١٢ |
٦٠٩ |
الآيات ١٩ ـ ٢١ |
٦٤٤ |
|
الآيات ١١٣ ـ ١١٥ |
٦١٠ |
الآيات ٢٢ |
٦٤٥ |
|
الآيات ١١٦ ـ ١٢٣ |
٦١١ |
الآيات ٢٣ ـ ٢٦ |
٦٤٦ |
|
الآيتان ١٢٤ ـ ١٢٥ |
٦١٢ |
الآيتان ٢٧ ـ ٢٨ |
٦٤٧ |
|
الآيات ١٢٦ ـ ١٢٨ |
٦١٣ |
الآيات ٢٩ ـ ٣٢ |
٦٤٨ |
|
سورة الإسراء |
٦١٤ |
الآيات ٣٣ ـ ٣٩ |
٦٤٩ |
|
الآية ١ ٦١٤ الآية ٢ |
٦١٥ |
الآيات ٤٠ ـ ٤٥ |
٦٥٠ |
|
الآيات ٣ ـ ٥ |
٦١٦ |
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٦٥١ |
|
الآيتان ٦ ـ ٧ |
٦١٧ |
الآيات ٤٩ ـ ٥١ |
٦٥٢ |
|
الآيات ٨ ـ ١٢ |
٦١٨ |
الآيات ٥٢ ـ ٥٧ |
٦٥٣ |
|
الآية ١٣ |
٦١٩ |
الآيات ٥٨ ـ ٦٣ |
٦٥٤ |
|
الآيتان ١٤ ـ ١٥ |
٦٢٠ |
الآيات ٦٤ ـ ٧١ |
٦٥٥ |
|
الآيات ١٦ ـ ٢٠ |
٦٢١ |
الآيات ٧٢ ـ ٧٧ |
٦٥٦ |
|
الآيات ٢١ ـ ٢٤ |
٦٢٢ |
الآيتان ٧٨ ـ ٧٩ |
٦٥٧ |
|
الآيات ٢٥ ـ ٣١ |
٦٢٣ |
الآيات ٨٠ ـ ٨٢ |
٦٥٨ |
|
الآيات ٣٢ ـ ٣٤ |
٦٢٤ |
الآيات ٨٣ ـ ٨٧ |
٦٥٩ |
|
الآيات ٣٥ ـ ٤٠ |
٦٢٥ |
الآيات ٨٨ ـ ٩٤ |
٦٦٠ |
|
الآيات ٤١ ـ ٤٥ |
٦٢٦ |
الآيات ٩٥ ـ ٩٨ |
٦٦١ |
|
الآيات ٤٦ ـ ٤٨ |
٦٢٧ |
الآيات ٩٩ ـ ١٠٤ |
٦٦٢ |
|
الآيات ٤٩ ـ ٥٤ |
٦٢٨ |
الآيات ١٠٥ ـ ١١٠ |
٦٦٣ |
|
الآيات ٥٥ ـ ٥٨ |
٦٢٩ |
الآية ١١٠ |
٦٦٤ |
|
الآيتان ٥٩ ـ ٦٠ |
٦٣٠ |
الفهرس |
٦٦٥ |